تم النشر في: 7 مايو 2026
قراءة رواية دماء ذهبية كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: دماء ذهبية
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: سمر إبراهيم
الفصل الثامن
تم النشر يوم الخميس
7/5/2026
نذير شؤم
سؤال يدور في خلد الجميع هل نحن مسيرين؟ أم مخيرين؟ هذا السؤال الأبدي الذي يسأله الجميع ولا يعلم إجابته أحد، ترا ما الذي يحدث إن عاد بنا الزمان؟ هل سنختار نفس اختياراتنا؟ ام سنعزف عنها؟
كثيرًا ما وردت هذه الأسئلة بذهنها ما الذي يحدث إن عاد بها الزمان؟ هل سترضخ لعائلتها وتوافق على الزواج من قدري؟ أم ستتمسك بالرفض وتنتظر من هواه قلبها مهنا كلفها الأمر؟ وإن رضخت وتزوجته هل ستجعل من نفسها دمية بيد حماتها تحركها كيفما تشاء؟ أم ستتمرد على الوضع مهما كانت العواقب؟
يعمل عقلها كخلية نحل لا يتوقف عن وضع سيناريوهات مختلفة لحياتها، لو لم تكن ضعيفة الشخصية، وقليلة الحيلة كما هي، ولكن الشيء الوحيد الذي أبدًا لم تندم عليه هو إنجابها لطفلها مهما كانت النتائج، ومهما كان ما تكبدته من معاناة حتى جاءت به لهذه الحياة
تراقبه وهو يكبر بسعادة بالغة لم يكن يؤرقها شيء سوى تلك الأحلام المزعجة التي تتكرر دائمًا، جميعها تشترك في شيء واحد، وجود من يتربص بها هي وطفلها، يريد أذيتهما، لا تعلم ماهيته، ما دون ذلك فحياتها مستقرة، فلم تعد حماتها تسمعها كلماتها السامة يخصوص الإنجاب كما كانت تفعل من قبل، كما أنها تحب طفلها حبًا جمًا، وتميزه عن باقي أطفال أولادها الآخرين، أما عن طباعها الصعبة فهي قد اعتادت عليها وتعرف كيف تتعامل معها وكذلك زوجها.
أما عن براء فهو طفل هادئ جميل بالرغم من بعض العيوب الخِلقية التي ولد بها والتي تعتبرها مميزات أكثر منها عيوب، فعيناه ذاتا بريقٍ خاص، ونظرة العين اليمنى كأنها تصب في العين اليسرى، ما كان يؤرقها هو سماعها لـ تهامس سلفتيها عنه خاصة عايدة التي كانت تتعمد السخرية منه أمامها وتنعته بالأحْوَل ولكنها لم تكن تعلق على حديثها تجنبًا للمشاكل معها، كذلك كف يده اليمنى يوجد بها خط مستقيم ومتصل يقطعها بشكل عرضي، ولسانه مقسومًا بخط طولي هو الآخر يوزعه إلى قسمين، في نظرها ما هي سوى صفات فريدة تميزه عن غيره لا أكثر.
لم يكن يبكي كثيرًا كباقي الأطفال فمرات بكائه تعد على أصابع اليد حتى عندما كانت تسمع بكائه في بعض الأحيان وتذهب إليه لتحمله كانت تجده قد توقف عن البكاء، بل ويضحك أيضًا وفي معظم الاوقات كانت تراه ينظر أمامه، وكأن هناك من يقف أمامه يداعبه حتى يكف عن البكاء، وعندما كبر قليلًا كان دائمًا ما ينظر إلى ركن ما في الغرفة ويبسط يده نحوه كمن ينادي على أحد غير مرئي.
كانت ترى ذلك وتشعر بالخوف منه، وعليه، خاصة مع تكرار الأحلام المزعجة، ولكنها كانت تقنع نفسها بأن ذلك ما هو إلا أوهام بداخل رأسها ليس إلا، سببها خوفها المستمر عليه.
علامات الفطنة والذكاء كانت بادية عليه منذ ولادته فلقد نطق مبكًرا عن غيره من الأطفال الذين في مثل عمره، فمنذ بلوغه سن الستة شهر وهو يردد كلمات مفهومة وسط انبهار كل من حوله، لتبدأ هالة بتخبئته عن الجميع؛ خوفًا عليه من أن يصاب بالحسد، وفور إتمامه العام الأول من عمره وفي يوم ذكرى مولده حدث ما لم تكن تتوقعه.
كانت تقف في المطبخ تحضر له بعض الطعام تاركة إياه يلعب على أرضية غرفة نومه وعندما ذهبت إليه تفاجأت بأنه غير موجود في الغرفة، جُن جنونها وأخذت تبحث عنه في كل مكان بالشقة ولكن دون جدوى فهبطت مسرعة إلى شقة حماتها لتبحث عنه معتقدة أن أحدًا قد صعد وأخذه دون أن يخبرها ولكنهم أخبروها بأنهم لم يروه، فانهارت من البكاء وأخذت تصرخ وتلطم خديها متيقنة من أنه قد تم اختطافه فتجمهر على صوتها جميع من في المنزل وصعدوا جميعًا معها إلى الشقة ليبحثوا عنه ولكنهم تفاجأوا به يلعب بالغرفة كما تركته فرمقوها بنظرات نارية وهي تهرول نحوه لتحمله وهي تحتضنه بشدة وتقبل كل جزء في وجهه ويديه لا تصدق أنه بين يديها بعد أن ظنت بأنها قد فقدته لتستمع لصوت وفاء التي تحدثت بصياح وشرارات الغضب تتطاير من عينيها:
- انتي اتخبلتي يا بت انتي ولا إيه؟ فضحتينا ولميتي علينا للناس وابنك فوق زي ما هو.
لم تعير لحديثها أدنى اهتمام فكان كل ما يشغلها تلك العلامة الغريبة التي وقعت عيناها عليها أسفل شعر طفلها تشبه الوسم بنقش غريب لم تره من قبل فازداد غضب وفاء اعتقادًا منها بأنها تتجاهل حديثها عن عمدٍ فأردفت بصراخ يصم الأذن:
- لا دا انتي عيارك فلت عالآخر ومبقاش حد مالي عينك على العموم ليكي راجل يترد عليه أني ليا كلام تاني معاه لما يرجع من برا سبع البرومة.
أنهت تهديدها واتجهت نحو باب الشقة ومن خلفها أبنائها وزوجاتهم وهم يرمقونها بعدم فهم فهذه المرة الأولى التي تتصرف بها بهذه الطريقة خاصة مع حماتها.
حاولت اللحاق بها لكي تبرر لها تصرفها وأنها فعلت هذا دون إرادة منها ولكنها لم تستمع لها وعادت تجر أذيال.الخيبة وهي ترى نظرات التوعد منها تتخيل ما الذي سيفعله بها زوجها فور علمه بما حدث.
زفرة حارقة خرجت منها ولكنها حاولت تجاهل هذا فور تذكرها ما حدث مع طفلها وكيف له أن يختفي ويظهر هكذا لقد بحثت عنه في كل مكان في الشقة فلم تجده هي متأكدة من ذلك أنَّ له أن يظهر في نفس المكان الذي تركته فيه وأين ذهب؟ ومن أين عاد؟ وما هي تلك العلامة الغريبة التي ظهرت به؟ العديد من الأسئلة التي دارت بخلدها لا تعلم إجابتها أو بالأحرى لا تريد تصديق ما يخبرها به عقلها فما يحدث لها منذ أن حملت به هو شيء خارج حدود العقل وفيما يبدو أن الأمر لم ينتهي بولادتها له ففيما يبدو أن القادم هو الأسوأ على الإطلاق
❈-❈-❈
تكرر اختفاؤه في عيد مولده الثاني ولكن هذه المرة اختفى من شقة جدته، واستغرق اختفاؤه عدة ساعات كاد عقلها أن يجن خلالها، وهذه المرة لم يكذبها أحد لأن الجميع كان يبحث عنه دون فائدة، إلى أن وجدوه فجأة في نفس المكان الذي كان يجلس به قبل اختفاؤه، ليصابوا جميعًا بالفزع، ووقفوا مستمرين أمامه جاحظي الأعين لا يقدرون على الحركة وكأن على رؤوسهم الطير لا يعلمون كيف اختفى؟ ومن أين عاد؟
اقتربت منه هالة ببطئ تجر أرجلها التي لا تقوى على حملها، جسدها يرتعد فزعًا تناظره بخوف تارة وتلتفت نحو زوجها تارة أخرى، وكأنها تناشده أن يتقدم معها نحوه ولكنه حاد بعياه عنها لتدرك بأنها بمفردها الآن.
جلست أمامه تطالعه بخوف لتجده ينظر إليها وهو يبتسم بسعادة باسطًا زراعيه نحوها يريدها أن تحمله وهو يردد اسمها ببراءة:
- ماما
حملته بالفعل واحتضنته وهي تبكي وتشتم رائحته لا تصدق بأنه بين أحضانها الآن، لقد كاد قلبها أن يتوقف من شدة خوفها عليه، نظر إليها ومسح دموعها بيديه الصغيرتين وهو يتحدث ببراءة:
- ماما عيطيش.
ارتسمت على وجهها ابتسامة تلقائية وحدثته من بين دموعها:
- انت كنت فين يا براء؟
أشار بيده نحو ركن ما من اركان الغرفة وهو يردد بكلمات غير مفهومة نظرًا لصغر سنه:
- عمو، هنا، باي
فهمت من حديثه بأن هناك من أخذه إلى ذلك الركن فعقدت حاجبيها وحاولت أن تستفسر منه أكثر:
- عمو خدك هنا.
أماء لها لأعلى ولأسفل بطفولية فاستأنفت وهي تطالعه بخوف:
- خدك وداك فين؟
حرك كتفية لأعلى ولأسفل علامة على عدم معرفته فزفرت بقلة حيلة وحاولت أن تفهم منه أكثر علها تجد إجابة منطقية لما يحدث:
- طب عمل معاك إيه؟
لم يتحدث واكتفى بإخراج بعض الحلوى من جيبه الصغير واعطاها لها فحدثته وهي عاقدة حاجبيها:
- هو اللي اداك الحلويات دي؟
أماء لها بموافقة لتطالع الحلوى بشك ونظرت لعائلة زوجها الذين كانوا يقفون كما هم ولم ينطقون ببنت شفه وعلامات الزعر مرتسمة على وجوههم، ولكنها تفاجأت بطفلها يتحدث وهو يشير نحو والد زوجها الواقف بينهم:
- جدو باي
قال ذلك وأخذ يلوح بيده وكأنه يودعه ليتعجب الجميع ولكنهم لم يعقبون على حديثه فكل ما يشغلهم الآن ما حدث له وتذكرت هالة ما حدث في عيد مولده السابق فربطت بين الحادثتين المتشابهتين فكلاهما حدثا في عيد مولده لتتأكد شكوكها بأن هناك شيء غير طبيعي يحدث مع طفلها وعندها يقين بأن كل ذلك بسببها هي وبسبب ما فعلته لكي تحمل به.
❈-❈-❈
ولجت إلى الغرفة لتوقظ زوجها لكي يتناول معهم الغداء فنادت اسمه أكثر من مرة وهي تقترب من الفراش:
- أبو حسين، اصحى يا خويا العصر أدن، عبد الله، يا عبد الله اصحى بقى عشان تتغدا الأكل اتحط خلاص.
لم يبدي أي تأثير فربتت على كتفه بهدوء حتى لا تفزعه ولكنها وجدته لا يستجيب وجسده متخشب، أمسكت بيده لتجدها باردة للغاية، فهزته بقوة، ووضعت رأسها على صدره لكي تسمع دقات قلبه، لتخرج منها صرخة مدوية اجتمع على إثرها جميع من بالمنزل عندما تيقنت من أنه قد فارق الحياة.
استمر العزاء ثلاثة أيام، كان الحزن يخيم على جميع العائلة، خاصة وأن وفاته جاءت فجأة، لم يكن يشكو من شيء، فالبرغم من كبر سنه إلا أنه كان يتمتع بصحة جيدة بالنسبة إلى من هم في مثل عمره.
تجلس في العزاء محتضنة طفلها تخشى أن تتركه فيختفي مرة أخرى، لا يغيب عن تفكيرها ما حدث فور ظهوره وإشارة الوداع التي أشار بها إلى جَدِّه والذي توفيَ باليوم التالي، تخشى أن يربطوا بينهما ويعتقدون أنه السبب في ذلك.
ازداد تسبثها به فور رؤيتها لسلفتيها يتهامستان وهما ينظران نحوها متيقنة بأنهما تتحدثتان عن طفلها فزفرت بتعبٍ ونظرت إلى الأعلى وكأنها تناجي ربها، فلقد تعبت كثيرًا مما يحدث لها في هذا المنزل، وكل ما تتمناه أن تنجو بنفسها هي وطفلها، من براثنهم إلى الأبد، فلقد فاض بها الكيل ولكن ليس بيدها حيلة، ولا تملك سوى الدعاء حتى تنزاح غمتها وتغادر بلا عودة.
❈-❈-❈
- شايفة يختي ماسكة في الواد إزاي؟ زي ما يكون هيهرب منها.
كان ذلك صوت عايدة التي تتحدث بهمس إلى حنان وهي تنظر نحو هالة، أماءت لها تصديقًا على حديثها وعقبت بهمس مماثل حتى لا يستمع لها أحد وينالها بطش حماتها:
- حقها بصراح أنا لو مكانها هعمل أكتر من كدا دا جايلها على شوقة وكان هيضيع منها في لحظة لولا ستر ربنا.
عقبت باستفهام وكأنها تذكرت شيء:
- ألا متعرفيش كان فين؟ وظهر لواحده إزاي؟ دحنا قلبنا عليه الدنيا ملقيناهوش.
حركت كتفيها علامة علا عدم معرفتها لتسمعها تستأنف حديثها بتأكيد:
- أقطع دراعي إن ما كان الواد ده مخاوي ولا ملبوس انتي مشوفتيش شاور على حماكي إزاي وتاني يوم الراجل راح من إدينا في شربة ماية.
عقدت حاجبيها لا تصدق حديث سلفتها وفي موقف الذي هما فيه وعقبت بنفي لما قالته:
- يا شيخة متقوليش كدا مخاوي إيه وبتاع إيه بس هو لسة يعرف السما من العمى دا تلاقيها صدفة ولا حاجة الواد أصلًا تحسي إنه فيه شيء لله.
لوت شفتيها يمينًا ويسارًا وهي تعقب باستهجان مقتبسة بضعة كلمات من حديث سلفتها:
- صدفة، وفيه شيء لله! والنبي انتي اللي غلبانة وعلى نياتك انتي نسيتي هي حملت في الواد ده إزاي؟ يا عالم الشيخة دي عملتلها عمل ولا نيلة إيه خلتها تحمل فيه، خدي مني الواد ده نحس وبكرا تقولي عايدة قالت.
تلفتت حولها بقلق وعقبت بتحذير وهي تضغط على يدها:
- طب وطي صوتك بدل ما حد يسمعك ونروح في داهية احنا مش ناقصين وانتي عارفة إن الواد ده بالذات عند حماتك فرخة بكشك.
تلفتت بخوف هي الأخرى فآخر ما تريده الآن هو الصدام مع حماتها وعقبت بتأكيد على حديثها قائلة بهمس يكاد لا يسمع:
- معاكي حق مالناش دعوة، بس أنا عن نفسي هجتنبها عل قد ما أقدر وهخلي العيال ميلعبوش مع ابنها ولا يجوا جمبه أنا مش لاقياهم يختي والعمر مش بعزقة، يلا أنا هقوم أشوف العيال فين وآجي تاني.
أنهت حديثها وقامت وهي ترمق هالة وطفلها من أعلى لأسفل بازدراء لتتعجب الأخرى من نظراتها وتتشبث بطفلها أكثر دون أن تعلم من منهما يبث الأمان بالآخر.
❈-❈-❈
مرت الأيام وتكرر الموقف أكثر من مرة ليتنبأ براء بموت أحدهم، وحدوث حادث للآخر، حتى تجنبه الجميع، وأصبحوا يخافون منه، ويعتبرونه نذير شؤم، إن وجد في مكان غادر الجميع، حتى جدته وفاء والتي كانت تحبه كثيرًا أصبحت تبغضه ولا تفوت فرصة دون أن تسمعه هو ووالدته كلماتها السامة، أما بالنسبة لأولاد أعمامه فلم يعد يحادثه أحد منهم، فأصبح منبوذًا من الجميع، يؤثر الجلوس بغرفته معظم الأحيان، وقل كلامه مع الجميع سوى والدته، مكونًا صداقات من عالم آخر خاص به هو وحده لا يعلمه أحد سواه.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

❤️❤️❤️❤️