تاريخ النشر: 20-5-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الثامن والثلاثون
تم النشر الأربعاء
20/5/2026
كان يوسف يجلس وسط كومة من الأوراق والملفات، لكن عقله كان مشتتاً كالعادة. وفجأة، اهتز هاتفه معلناً وصول رسالة من كاميليا. فتح الفيديو، وفي اللحظة التي رأى فيها جيهان تسير على قدميها وحدها، تجمدت الدماء في عروقه.
شعر برعشة تسري في جسده بالكامل، وتجمعت الدموع في عينيه وهو يرى نور حياته تستعيد قوتها. لم يستطع البقاء صامتاً، فقام فوراً بكتابة رد لكاميليا، ويداه ترتجفان من التأثر:
ـ يا الله! مش مصدق يا كاميليا.. جيهان وقفت على رجليها بجد؟ دي أجمل حاجة شفتها في حياتي. الفيديو ده أحيا فيا الروح من تاني. قوليلي يا كاميليا، هي سألت عليا بعد ما مشيت؟ ولا لسه فاكرة إني اتخليت عنها؟ أنا أنا مش قادر أصبر أكتر من كده، لازم أشوفها.
ردت كاميليا على رسالة يوسف بكلمات حازمة لتهدئ من روعه:
ـ اصبر يا يوسف.. كلها كام يوم وتخرج من المركز، وساعتها بس هتبدأ المعر.كة الحقيقية علشان ترجعها. جيهان مش سهلة، والرجوع مش هيكون بكلمتين، لازم تستعد للي جاي.
في هذه الأثناء، أنهت جيهان جلستها التاريخية. ورغم قدرتها على السير، إلا أن الممرضة أصرت أن تعود لغرفتها على الكرسي المتحرك، خوفاً من تعرض عضلاتها للإجهاد في أول يوم. جلست جيهان على الكرسي وهي تتنفس بصعوبة، والعرق يتصبب منها، لكن عيناها كانت تلمع ببريق لم يره أحد منذ الحادث.
كانت تشعر بانتصار داخلي ساحق؛ الآن لم تعد تلك المرأة العاجزة التي تنتظر شفقة أحد. كانت تقول لنفسها وهي في طريقها للغرفة:
ـ خلاص يا جيهان.. هانت. هترجعي لبناتك وإنتِ واقفة على رجلك، ومحدش هيكـ.ـسرِك تاني.
كانت تدرك أن الطريق لا يزال يحتاج للمثابرة، لكن الحاجز النفسي الكبير قد انكـ.ـسر اليوم.
في المستشفى، اقتربت كاميليا من جيهان والابتسامة لا تفارق وجهها، وبحنان شديد ناوبتها كوباً من العصير قائلة:
ـ اشربي يا حبيبتي.. إنتِ النهاردة عملتي مجهود جبار، ولازم تعوضي جسمك.
تناولت جيهان العصير وهي شاردة، تشعر بوجع لذيذ في عضلاتها، وجع يذكرها بأنها لا تزال على قيد الحياة وأن العودة لبناتها أصبحت مسألة وقت لا أكثر.
أما عند يوسف، فقد كان المشهد مختلفاً تماماً. دخل المنزل بخطوات واثقة، والابتسامة العريضة التي ارتسمت على وجهه جعلت الجميع يتوقف عما يفعله ويراقبه بدهشة. تامر نفسه كان ينظر إليه باستغراب؛ فرغم أنه كان معه في الشركة وشاهد نشاطه، إلا أن ملامح يوسف الآن كانت توحي وكأنه ملك الدنيا وما فيها.
التف الجميع حول مائدة العشاء، ولأول مرة منذ أشهر، رأوا يوسف يأكل بشراهة. لم يكن يكتفي بلقيمات صغيرة كما اعتاد منذ الحادث، بل كان يقبل على الطعام بنفس مفتوحة، وكأنه يشحن طاقته للمعركة القادمة التي أخبرته عنها كاميليا.
قطع الحاج عدنان الصمت قائلاً:
ـ ما شاء الله يا يوسف.. يا رب دايماً الضحكة دي ومن غير شر، إيه السر اللي نور وشك النهاردة؟
تبادل يوسف وتامر النظرات، بينما كانت نور تراقب الموقف بضيق واضح، تشعر أن هناك شيئاً كبيراً يحدث خلف ظهرها، وأن الخطر الذي كانت تخشاه بدأ يقترب من أبواب البيت.
رد يوسف بنبرة واثقة:
ـ مفيش يا بابا.. بس حسيت إن الأمل لسه موجود، والواحد لازم يشد حيله عشان اللي جاي.
تنهد يوسف بهدوء، وكأنه يجمع شتات أفكاره قبل أن يلقي القنـ.ـبلة التي ستغير مجرى الأمور في البيت. نظر لوالده بجدية شديدة وقال:
ـ يا بابا، أنا محتاج أتكلم معاك في موضوع مهم.. ياريت ندخل المكتب.
هز الحاج عدنان رأسه بالموافقة، وقد شعر من نبرة ابنه أن هناك قراراً حاسماً بانتظاره. وبالفعل، اتجها سوياً نحو غرفة المكتب. وفي هذه الأثناء، طلب الحاج عدنان من سميرة أن تعد القهوة وتحضرها لهما لكي يصفو الجو تماماً للحديث.
حاولت ندى، بذكائها المعهود تلطيف الأجواء في الصالة، فأخذت الأطفال وأولاد أخيها بعيداً ليلعبوا، محاولةً إبعادهم عن أي توتر قد يحدث. أما سميرة، فتوجهت للمطبخ لتنفيذ طلب الحاج عدنان بقلب يدق، فهي تعلم أن هذا الاجتماع المغلق ليس عادياً.
في الصالة، كانت نور تقف والقلق يأكلها. عيناها كانت تلمع بضيق وهي تراقب باب المكتب المغلق. حاولت أن تتظاهر بالانشغال، لكنها في الحقيقة كانت تقف في زاوية تتيح لها مراقبة ما يحدث، وتتحين أي فرصة لتقترب من الباب وتعرف ما يدور بين يوسف ووالده؛ فهي تدرك جيداً أن نشاط يوسف المفاجئ وابتسامته اليوم خلفهما سر يهدد وجودها في هذا المنزل.
أغلق يوسف الباب، وجلس أمام والده. ساد الصمت للحظات قبل أن يقطعه يوسف قائلاً بلهجة حاسمة:
ـ يا بابا جيهان وقفت على رجليها، والنهاردة شفتها بعيني في فيديو بعتتهولي كاميليا وهي بتمشي لوحدها. جيهان راجعة يا بابا، وأنا قررت إن رجوعها لازم يكون مختلف عن كل اللي فات.
نظر إليه الحاج عدنان ورفع حاجبه متسائلاً:
ـ مختلف إزاي يا يوسف؟ وايه اللي ناوي عليه؟
كان الموقف يحبس الأنفاس؛ نور كانت تقترب بأذنها من الباب بكل تركيز، لكنها انتفضت برعب حين شعرت بيد سميرة تلمس ظهرها. تلاقت الأعين في صدمة، فرفعت سميرة إصبعها على فمها بحزم وهي تشير لها بأن تصمت، ونظرة عينيها كانت تحمل تهديداً واضحاً بأن فعلتها قد كُشفت. لم تجد نور مفراً من الانسحاب السريع، فصعدت لغرفتها وقلبها يكاد يتوقف من التوتر والخوف مما يخطط له يوسف.
طرقت سميرة باب المكتب بوقار، ففتح لها تامر الذي انضم لوالده وأخيه في هذا الاجتماع المغلق. أخذ تامر منها الصينية بابتسامة شكر، لتعود سميرة إلى الخارج وتتركهم يكملون حديثهم المصيري.
وضع تامر القهوة أمام والده ويوسف، وساد الصمت قليلاً قبل أن يواصل يوسف حديثه بلهجة لم يعتدها والده منه منذ زمن:
ـ يا بابا الفيديو اللي شفته النهاردة غير فيا كل حاجة. جيهان مش بس وقفت على رجليها، دي وقفت قدامي في حلمي وهي بترميني بنظرة عتاب كأنها بتقولي إني سبتها في عز وجعها. أنا قررت إني مش هسمح لأي حاجة ولا أي حد يكسرها تاني لما ترجع.
اعتدل الحاج عدنان في جلسته وسأل يوسف بهدوء:
ـ كلامك ده معناه إيه يا يوسف؟ إنت عارف إن جيهان لما ترجع، هتلاقي البيت فيه ناس تانية، وهتلاقي جرح في كرامتها لسه مالمّش.
قال يوسف بلهجة حاسمة:
ـ يا بابا أنا مش هستعجل.. هستنى الكام يوم اللي فاضلين دول لحد ما جيهان تخرج وتسترد عافيتها في بيت أهلها. وبعدها، أنا اللي هروح لها. هحاول مرة واتنين وعشرة، ومش هستسلم مهما كان رد فعلها صعب. جيهان هي الأساس، وأنا مستعد أعمل أي حاجة علشان أرضيها، بس محتاجكم تقفوا جنبي وتساعدوني في اللي جاي.. خصوصاً في ترتيبات البيت قبل ما هي ترجع.
رد عدنان وهو يضع يده على كتف يوسف:
ـ يا ابني، إحنا يهمنا راحتك وراحة بناتك. وطالما إنت عرفت غلطك وقررت تصلحه، إحنا وراك وسندك. بس خليك صبور، جرح جيهان كان غويط، والست لما بتنجرح في كرامتها مبيكونش رضاها سهل.
كانت نور تدور في غرفتها كالنمر الحبيس، القلق ينهش صدرها. كانت تعلم أن صمت سميرة ونظرات يوسف والاجتماع المغلق في المكتب، كلها إشارات تدل على أن عاصفة جيهان قادمة لا محالة، وأن مكانتها التي ظنت أنها استقرت بمرض جيهان أصبحت الآن في مهب الريح.
❈-❈-❈
مر شهر كامل، شهر كان بمثابة ولادة جديدة لـ جيهان. جاء اليوم الموعود، يوم الخروج من المركز الطبي. كانت كاميليا داخل الغرفة بلمساتها الحنونة تساعد جيهان في وضع اللمسات الأخيرة، وأغلقت حقيبة الملابس وهي تنظر لشقيقتها بفخر.
أما جيهان، فكانت تشعر بمشاعر متضاربة؛ وأخيراً ستنال حريتها التي سُلبت منها طيلة أربعة أشهر قضتها بين الجدران البيضاء والألم. دخل تامر الغرفة بوجه بشوش وابتسامة واسعة، قائلاً بلهجة مرحة لكسر التوتر:
ـ حمد الله على سلامتك يا جيهان.. نورتي الدنيا من تاني! يلا بينا، البنات والبيت كله مستنيين اللحظة دي.
تقدم تامر وحمل الحقيبة بينما كانت كاميليا تمسك بيد جيهان التي شعرت ببعض الخوف والارتجاف في قدميها وهي تخطو أولى خطواتها خارج الغرفة. طمأنها الطبيب الذي كان يودعها بأن هذا الخوف طبيعي جداً، فالعقل والجسم يحتاجان وقتاً لتقبل الأجزاء الجديدة والتعود على الحركة الطبيعية.
سارت جيهان بجوار كاميليا بخطوات بطيئة ولكنها واثقة، وما إن خرجت إلى الهواء الطلق حتى أغمضت عينيها وتنفست بعمق، وكأنها تستنشق الحياة لأول مرة. استقرت جيهان في المقعد الأمامي بجوار تامر، بينما ركبت كاميليا في الخلف.
انطلقت السيارة، وجيهان تراقب الشوارع بصمت، وقلبها يخفق بشدة؛ فهي لا تتوجه لبيتها مع يوسف، بل طلبت الذهاب لبيت والدها، لتبدأ من هناك مرحلة استعادة الذات.
وصلت السيارة إلى منزل والد جيهان، وبسرعة نزلت كاميليا لتفتح الباب لشقيقتها وتساعدها على الخروج بحذر. ترجلت جيهان من السيارة وهي تستند قليلاً على يد كاميليا، ودخلت المنزل بخطواتها الوئيدة، ومن خلفهما كان تامر يحمل الحقيبة والابتسامة لا تفارق وجهه.
بمجرد دخولها من باب المنزل، تسمرت جيهان في مكانها من شدة المفاجأة. كانت ندى في انتظارها بالداخل، وما إن رأت جيهان حتى استقبلتها بالأحضان والدموع؛ لكن المفاجأة الأكبر كانت في المنزل نفسه. لقد تغير المكان تماماً، العفش القديم الذي تركته قبل أربعة أشهر قد اختفى، وحل محله عفش جديد وأنيق، وكأن البيت قد تهيأ ليكون بداية لصفحة جديدة تماماً في حياتها.
كانت ندى وكاميليا يراقبان رد فعلها بسعادة بالغة، فقد بذلا مجهوداً كبيراً ليصبح المكان مريحاً ومبهجاً لروحها المتعبة. وفي وسط هذه المشاعر المختلطة، حاول تامر أن يلطف الأجواء ويضيف لمسة من المرح بأسلوبه المعتاد، فقال وهو يضع الحقيبة:
ـ إيه يا ست جيهان؟ البيت منور بأصحابه! وبعدين إيه القصر اللي إحنا دخلناه ده؟ أنا خايف أتحرك في الصالة العفش الجديد يزعل مني.. إحنا محتاجين عزومة كبيرة بقى بمناسبة الخطوات الأولى دي!
ضحكت ندى وكاميليا على طريقة تامر، بينما كانت جيهان تتلمس العفش الجديد بذهول، وشعرت لأول مرة منذ وقت طويل بأن هناك من يهتم حقاً ببدء حياة جديدة تليق بها، بعيداً عن كل ذكريات الوجع.
ابتسمت جيهان على حديث تامر، وقالت له بسعادة حقيقية:
ـ أنا بجد مش عارفة أشكرك يا تامر على كل اللي عملته.. بس متهيألي بقى جه الدور عليك، لازم تخلص توضيب بيتك علشان نفرح بيك إنت كمان.
التفت تامر ونظر لـ كاميليا التي كانت تقف بجانبه، فابتسمت بخجل شديد ونظرت للأرض. ليرد تامر بحماس وهو ينظر لوالده عدنان:
ـ خلصت كل حاجة يا جيهان، والبيت دلوقتي واقف على العروسة بس..
ثم أضاف بمرحه المعتاد ليخفف من حدة الموقف:
ـ بقولكم إيه، إيه رأيكم نخلي الفرحة فرحتين وكتب الكتاب يبقى الليلة؟ خير البر عاجله يا جماعة!
ضحكت ندى بصوت عالٍ على تسرع أخيها وقالت:
ـ يا مجنون، الليلة مرة واحدة!
بينما زاد خجل كاميليا ولم تنطق بكلمة، أما جيهان فنظرت لشقيقتها بحب وفرحة غمرت قلبها، وشعرت أن تعبها بدأ يتلاشى وهي ترى السعادة في عيون من حولها.
نظرت جيهان إلى تامر بابتسامة صافية وهتفت بسعادة وهي تعيد نظرها إلى ندى:
ـ لا يا بشمهندس، بالراحة شوية.. الأول فرح ندى اللي اتأجل بسببي، بعدين نفكر في فرحك إنت.
نظرت ندى إليها بامتنان شديد وعيناها اغرورقت بالدموع؛ فبرغم كل ما مرت به جيهان من ألم وخذلان، لم تنسَ حق ندى في الفرحة. اندفعت ندى وضمت جيهان بقوة، وفي تلك اللحظة شعرت بنغزة خجل شديدة وهي تتذكر كيف انجرفت سابقاً في صف نور ضد جيهان، وكيف ردت لها جيهان الإساءة بهذا الحب والتقدير.
الحاج عدنان، فكان يراقب المشهد بسعادة ممزوجة بالحزن؛ سعادته بعودة جيهان ولم شمل العائلة، وحزنه على ابنه يوسف الذي لا يزال غائباً عن هذه الصورة. تنحنح عدنان وقال بنبرة وقورة:
ـ خلاص، الليلة إن شاء الله هتكلم مع فارس ونحدد الميعاد، وإن شاء الله تكون أيامنا الجاية كلها أفراح.
كان تامر يوزع نظراته بين كاميليا الخجولة وجيهان التي بدأت تستعيد روحها، بينما كان الجميع يحاول تناسي أن هناك معر.كة أخرى مؤجلة، بطلها يوسف الذي ينتظر خلف الأبواب، ونور التي تترقب في المنزل الآخر.
قرر الجميع ترك جيهان لترتاح قليلاً من عناء اليوم الطويل، فهي مازالت في بداية طريق التعافي. ولكن قبل أن يخطوا خطوة واحدة خارج الغرفة، استوقفتهم جيهان بنبرة يملؤها الشوق:
ـ أنا مش محتاجة راحة دلوقتي.. أنا محتاجة أشوف بناتي، وحشوني أوي ومقدرش أقضي ليلة واحدة من غيرهم.
ابتسم تامر وطمأنها قائلاً:
ـ من عينيا يا جيهان، هروح أوصل بابا وندى، وهجيب لك البنات فوراً وأجيلك.
غادر تامر بصحبة والده وندى. وعند وصولهم إلى منزل العائلة، وجدوا يوسف في انتظارهم عند الباب، ملامحه كانت تقطر قلقاً، وعيناه زائغتان تبحثان عن أي بصيص أمل. ما إن رآهم حتى اندفع نحوهم وسأل بلهفة:
ـ عملتوا إيه؟ جيهان دخلت البيت؟ مشيت كويس؟ هي كويسة يا ندى؟
اقترب منه والده ووضع يده على كتفه ليهدئه قائلاً:
ـ اطمن يا ابني، جيهان في بيت أبوها وزي الفل، والبيت الجديد فرحها جداً.. هي دلوقتي طلبت تشوف البنات، وتامر رايح يجهزهم ويوديهم ليها.
تنهد يوسف بعمق وكأنه كان يحبس أنفاسه لساعات، لكنه شعر بغصة لأنها طلبت البنات ولم تسأل عنه هو. وفي هذه الأثناء، كانت ندى تنظر ليوسف بصمت، وهي تتذكر كيف كانت جيهان كريمة معها وذكرت موعد زفافها بالرغم من كل شيء، مما زاد من شعور ندى بالذنب تجاه ما فعلته سابقاً.
أسرعت سميرة لتجهيز البنات، فألبستهن أجمل ثيابهن ومشطت شعرهن وهي تشعر بفرحة حقيقية، ثم هبطت بهن إلى الطابق السفلي حيث كان الجميع في الانتظار. توقفت سميرة للحظة، وقالت بحرج شديد وهي تنظر للحاج عدنان ويوسف:
ـ لو تسمحوا ليا أنا كمان نفسي أروح أشوف جيهان وأطمن عليها بنفسي، هي غالية عندي أوي ومقدرش مروحش أبارك لها على رجوعها.
في زاوية القاعة، كانت نور تقف وتراقب هذا المشهد والغيظ يأكل قلبها، كانت ترى الجميع يتسابق لخدمة جيهان وكسب رضاها، لكنها ظلت صامتة لا تجرؤ على الكلام بعد أن شعرت أن الكفة مالت تماماً لصالح الضرة العائدة بقوة.
انطلق تامر ومعه البنات وسميرة نحو منزل والد جيهان. وما إن فتحت كاميليا الباب ودخلوا، حتى رأت جيهان بناتها أمامها. لم تتمالك نفسها، ففتحت ذراعيها على آخرهما والدموع تسبق كلماتها.
ركضت الفتيات نحو حضن أمهن بلهفة وشوق، فضمتهن جيهان بقوة شديدة وكأنها تريد أن تخبئهن داخل ضلوعها. كانت تقبل رؤوسهن وأيديهن، وتتحسس وجوههن بذهول، وكأنها تتأكد أنها ليست في حلم وأنها استعادت أخيراً أغلى ما تملك في الدنيا.
كانت سميرة تقف بعيداً قليلاً، تراقب هذا المشهد المؤثر وعيناها تدمعان تأثراً، بينما وقف تامر وكاميليا يتبادلان نظرات الفرح بهذا النصر الصغير الذي حققته جيهان اليوم.
خطت سميرة خطواتها نحو جيهان بحذر شديد، وقلبها يرتجف خوفاً من أن تُقابل بالصد أو أن تظن جيهان أن وجودها هو مجرد استعراض أو شفقة. اقتربت منها بملامح يكسوها الندم الصادق وقالت بصوت منخفض:
ـ حمد الله على سلامتك يا جيهان.. نورتي بيتك ومطرحك، قلوبنا كانت معاكي كل يوم.
نظرت إليها جيهان بهدوء شديد، هدوء لم تستطع سميرة تفسيره في البداية، لكن جيهان فاجأتها بابتسامة رقيقة وصادقة وقالت:
ـ الله يسلمك يا سميرة.. وشكراً ليكي، كاميليا قالت لي إنك كنتِ شايلة البنات في عينيكي طول ما أنا بعيدة، وده دين في رقبتي مش هنساه.
تنفست سميرة الصعداء وشعرت وكأن جبلاً انزاح عن صدرها، وجلست بجوارها تبادلها الحديث عن البنات وأحوال البيت. كانت جيهان تتحدث بذكاء شديد؛ فكلما حاول تامر أو سميرة التطرق لسيرة يوسف، كانت جيهان تلتف حول الحديث ببراعة أو تفتعل الانشغال مع بناتها. كان وجعها من يوسف غائراً لدرجة أنها لم تكن مستعدة حتى لنطق اسمه، فبالنسبة لها، غيابه في أصعب لحظات انكسارها كان طعـ.ـنة لا تداويها مجرد رسائل أو وسيط.
كان يوسف يدور في مكانه كالمجنون، ينظر للساعة كل دقيقة. اتجه والده لغرفته، وبقيت نور في غرفتها تغلي من الوحدة والتهميش. لم يحتمل يوسف أكثر، فخرج إلى الشرفة المطلة على الطريق، يتخيل لو أنه كان معهم الآن، يرى ضحكة بناته في حضن أمهن.
أخرج هاتفه وأرسل رسالة سريعة لـ تامر:
ـ يا تامر، طمني.. سميرة عملت إيه؟ وجيهان سألت عني ولو بالصدفة؟ أنا هموت وأعرف رد فعلها لما عرفت إنكم كلكم هناك وأنا لأ.
أغلق يوسف الهاتف وجلس في غرفته يفكر بعمق وقلق، كلمات تامر عن مودة جيهان مع سميرة جعلته يشعر أن الأبواب لم تُغلق تماماً، لكنه كان يعلم أن الطريق إليه هو أصعب الطرق. بدأ يرسم خطته القادمة وكيف سيواجه جيهان في بيت أهلها، وكيف سيطلب منها السماح بعد كل ما جرى.
كان الجو هادئاً وصافياً في حديقة المنزل، وقف تامر بجوار كاميليا التي كانت تنظر للزرع بشرود، تذكرت والدها الراحل وتمنت لو كان معهما في هذه اللحظة ليرى جيهان وهي تعود لبيته قوية من جديد.
كسر تامر الصمت وهو ينظر إليها بتقدير كبير:
ـ كاميليا.. أنا النهاردة حاسس إني اتولدت من جديد. رجوع جيهان ووقفتها على رجليها النهاردة شالت هم كبير من على قلبي. أنا كنت خايف إن تعبها يخلينا نأجل حياتنا أكتر من كدة.
نظرت إليه كاميليا بامتنان وقالت:
ـ الحمد لله يا تامر، ربنا كملها بالستر.. جيهان تعبت أوي، ورجوعها النهاردة لبيت بابا وهو متجدد كدة فرق في نفسيتها جداً.
تنهد تامر وقال بحب:
ًـ بصي بقى يا كاميليا، أنا مش عاوز نضيع وقت تاني. جيهان نفسها هي اللي فتحت الموضوع النهاردة وقالت إن الدور عليا. بابا هيكلمك الليلة رسمي أو يتكلم مع جيهان، وأنا بيتي جاهز ومستنيكي.. إيه رأيك؟ مش كفاية تأجيل لحد كدة؟
خفضت كاميليا رأسها بخجل، فتابعه تامر بمرحه المعتاد:
ـ ها.. قولتي إيه؟ أنا مش عاوز أسمع غير موافقة، عشان نلحق نجهز كل حاجة ونفرح كلنا في وقت واحد.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

لسة فى مماطلة فى لاحداث
💖💖💖