ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 2 | رانيا الخولي

تم النشر في: 16 أبريل 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل الثاني

تم النشر الخميس

 16/4/2026


الفصل السابق

لأول مرة منذ وصولها شعرت بنقطة ضوء صغيرة في نفق مظلم وافقت بصوت خافت بينما كانت السيارة تغير اتجاهها نحو البنك ونحو مصير جديد لم تكن قد خططت له

كان مطار القاهرة الداخلي أقل صخبًا من المطار الدولي لكنه لم يكن أقل إثارة لرهبتها وقفت بجوار السائق أمام شاشة عرض مواعيد إقلاع الطائرات وهي لا تزال غير مصدقة لما حدث لقد أوفى الرجل بوعده؛ أخذها إلى البنك وساعدها في تغيير عملتها ثم وقف معها في طابور الحجز الطويل حتى حصلت على تذكرة إلى سوهاج.

كانت تمسك بالتذكرة في يدها المرتعشة كأنها تمسك بمفتاح لمصيرها 
لم يتبق معها سوى القليل من المال، لكنها على الأقل ستصل بسرعة.

التفت إليها السائق بابتسامته الطيبة وقد حان وقت الوداع
_ خلاص يا أستاذة طيارتك كمان ساعة من بوابة 5 كده مهمتي خلصت.

نظرت إليه بامتنان صادق وشعرت بغصة في حلقها، هذا الرجل الغريب فعل معها ما لم يفعله الكثيرون وقالت بلكنة مهزوزة
_ أنا... أنا لا.... اعرف ماذا أقول.... شكرًا لك.

مد يده بالتذكرة التي كان يراجعها لها للمرة الأخيرة وسألها ببساطة
_ صحيح مقولتليش اسمك إيه يا أستاذة؟

ترددت للحظة، ثم استخدمت الاسم الذي اختاره لها "آدم" في جواز سفرها المزيف.
_ روزا أدعى روزالين.

ابتسم السائق ابتسامة عريضة.
_ اسمك جميل عاشت الأسامي يا روزا نورتي مصر.

ثم أدخل يده في جيبه وأخرج قصاصة ورق صغيرة وقلمًا وكتب عليها شيئًا بسرعة ناولها الورقة وقال
_ خدي الورقة دي خليها معاكي فيها عنواني ورقم تليفوني لو احتجتي أي حاجة في أي وقت أي حاجة متتكسفيش، أنا تحت أمرك اعتبري ليكي ضهر في البلد دي.

أخذت الورقة منه وشعرت بدفء غريب يسري في قلبها المتجمد كلمة "ضهر" هزتها من الأعماق رفعت عينيها إليه رغماً عنها
_ شكرًا... شكرًا جزيلا I really appreciate it
أنا حقًا أقدر ذلك

ربت على كتفها بخفة أبوية وقال بمزاح
_خلاص متعيطيش إنتي باين عليكي بنت أصول وجدعة ربنا يقويكي ويوقفلك ولاد الحلال يلا، روحي عشان متتأخريش على الطيارة.

أومأت برأسها وبدأت تسير بخطوات بطيئة نحو بوابة الدخول التفتت مرة أخيرة فوجدته لا يزال واقفًا في مكانه، يراقبها ليطمئن عليها لوحت له بيدها، فابتسم لها ولوح بدوره قبل أن يستدير ويغادر.

عندما اختفى عن أنظارها شعرت بالوحدة تصفعها مرة أخرى لكن هذه المرة كانت قبضتها على حقيبتها أقل توترًا وفي يدها الأخرى، كانت تمسك بقصاصة الورق الصغيرة كأنها طوق نجاة لقد قابلت شخصًا طيبًا في هذا العالم الغريب ربما... ربما لم يكن كل شيء سيئًا كما تخيلت.

دخلت من البوابة متجهة نحو طائرتها ونحو قلب الصعيد حيث تنتظرها عائلة لا تعرف عن وجودها شيئًا وحيث ستبدأ هي أصعب فصول حياتها.

❈-❈-❈

هبطت الطائرة بهدوء على أرض مطار سوهاج، نزل الركاب ومن بينهم كان جاسر ويامن يسيران بخطواتهما الواثقة المعتادة وفي نفس الوقت كانت "روزا" تنزل من نفس الطائرة تائهة وسط الحشود عيناها تتفحص المكان الجديد برهبة. 
مرت بجانبهما دون أن يلاحظها أحد ودون أن تعرف هي أنها كانت على بعد خطوات من هدفيها
كل منهم كان في عالمه الخاص متجهًا نحو مصير مشترك لا يعلمون عنه شيئًا.

عند بوابة الخروج أوقف رجلٌ مسن يرتدي جلبابًا صعيديًا فاخرًا جاسر ويامن وبدأ يتبادل معهما التحيات والأحاديث بحرارة. 
سحبت حقيبتها خلفها نحو صف سيارات الأجرة وقلبها يدق بعنف.

أشارت إلى سيارة أجرة وفي عقلها صورة السائق الطيب الذي ساعدها في القاهرة. 
تمنت لو كان هو من سيقودها الآن لو كان بإمكانها أن تجد وجهًا مألوفًا في هذا العالم الغريب.
_ تبًا...

قالتها بحنق وهي تتذكر أنها لم تسأله حتى عن اسمه أخرجت بلهفة قصاصة الورق التي أعطاها لها من جيبها وفتحتها
كان اسمه مدونًا في الأعلى بخط بسيط وواضح: "فاروق"
شعرت بموجة راحة غريبة لمجرد معرفة اسمه أعادت الورقة إلى جيبها بعناية كأنها تعيد تعويذة ثمينة إلى مكانها وذلك عندما توقفت سيارة أجرة قديمة أمامها.

مالت على نافذة السائق رجل نحيل بملامح حادة وأعطته الورقة الأخرى التي تحمل العنوان الذي حصلت عليه من بحثها الطويل وهي تقول بلكنة أجنبية واضحة ونبرة مترددة
_ عايزة... أروح... العنوان ده.

أخذ الرجل الورقة ونظر إلى العنوان اتسعت عيناه قليلاً عندما قرأ اسم جاسر التهامي ثم رفع نظره وتطلع إليها من رأسها حتى أخمص قدميها، نظرة فاحصة جعلتها تشعر بالارتباك.

_ بس ده مشوار بعيد أوي في جلب البلد جوه وهيكلفك.

اهتزت نظراتها على الفور كلمة "هيكلفك" كانت كالجرس الذي يقرع في رأسها يذكرها بفقرها وضعفها أخرجت النقود المتبقية من جيبها وهي تشير له بها في حركة يائسة
_ ليس... معي غيرهم.

نظر الرجل إلى المبلغ البسيط في يدها واندهش
كيف لسائحة أجنبية بملامحها هذه وملابسها المرتبة أن لا تملك سوى هذا المبلغ الزهيد؟ شكوكه تحولت إلى مزيج من الشفقة واللامبالاة.

_ خلاص يا أستاذة أنا هنزلك على أول البلد والبيت مش هيكون بعيد جوي من هناك يعني... ممكن تاخديها مشي.

لم يكن لديها خيار آخر أومأت له بالموافقة وانزلقت على المقعد الخلفي وشعرت بالباب يغلق خلفها كأنه باب سجن

انطلقت السيارة وبدأت البيئة تتغير بشكل جذري اختفت أبراج القاهرة وضوضاؤها وحلت محلها طرق زراعية هادئة، وحقول خضراء تمتد على مد البصر وبيوت طينية بسيطة تتناثر هنا وهناك
كانت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على كل شيء مما يضفي على المشهد جمالاً قاسيًا لم تعتده.

كانت تنظر من النافذة وشعور بالغربة أشد من أي وقت مضى يطبق على صدرها. 
هذه هي أرض والدها هذه هي البيئة التي كان من المفترض أن ينشأ فيها شعرت بأنها دخيلة، غريبة، لا تنتمي إلى هنا على الإطلاق.

بعد رحلة بدت وكأنها دهر توقفت السيارة فجأة عند بداية طريق ترابي.
_ وصلنا يا هانم دي أول البلد السرايا بتاعتهم جوه خالص آخر الطريق ده.

نظرت إلى الطريق الطويل الممتد أمامها والذي يبدو بلا نهاية شعرت بالخوف.
_ لكن... تبدو... بعيدة.

قال السائق ببرود وهو يأخذ أجرته
_ معلش بجى هو ده اللي اتفقنا عليه.

نزلت من السيارة ووقفَت بجانب حقيبتها وهي ترى السيارة تستدير وتختفي بسرعة تاركة وراءها سحابة من الغبار، وجدت نفسها وحيدة تمامًا في مكان لا تعرفه تحت سماء غريبة وأمامها طريق طويل يفصلها عن بداية انتقامها.
لقد أصبحت الآن على أعتاب عرين الأسد، ولكنها وحيدة ومنهكة.

❈-❈-❈

توجها مباشرة إلى موقف السيارات، حيث كانت سيارتهما تنتظرهما. 
ركبا وانطلق يامن يشق طريقه على الطريق الزراعي الطويل المؤدي إلى بلدتهم كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب وترسم ظلالاً طويلة للنخيل على جانبي الطريق 
بعد فترة من الصمت، أشار جاسر بيده إلى منعطف قديم تحيط به بعض الأشجار الكثيفة تغيرت نبرته قليلاً وأصبحت أكثر ليونة وهو يقول
_ الطريج ده... أول مرة شفت فيه أمك كان اهنه.
التفت يامن إلى والده بفضول فقد كانت هذه من المرات النادرة التي يتحدث فيها والده عن الماضي بهذه الطريقة. 
كان يامن يعرف القصة التي يتداولها الهمس في العائلة؛ قصة الزواج الذي تم لإنهاء ثأر قديم بين عائلة التهامي وعائلة والدته.

ابتسم يامن ابتسامة جانبية ماكرة وقال
_ بصراحة يا حچ نغم چميلة وتطيّر العجل طبيعي جدًا توجع جاسر التهامي تحت رچليها من أول نظرة.

ضاقت عينا جاسر وهو ينظر إليه بحدة مصطنعة محافظًا على شموخه الأبوي.
_ إيه "تحت رچليها" دي؟ اتأدب يا واد.

انفجرت من يامن ضحكة خافتة وهو يعيد عينيه إلى الطريق.
_ يا كبير مجصدش جصدي يعني... وجعت في حبها، سقطت صريعًا عند أقدام العشق، تعبير مجازي يعني.

ظل جاسر صامتًا للحظة كأنه يزن كلماته ثم قال بوقار وكبرياء وكأنه يصحح معلومة تاريخية وليس مجرد ذكرى شخصية
_ أنا ملمستهاش إلا برضاها الكامل على فكرة.
هنا لمعت عينا يامن بدهاء أكبر
ألقى نظرة سريعة على والده وقال ببراءة مصطنعة
_ وأنا سألت چوازكم تم ميتى؟ أنا بس بجول إنها تستاهل الحب ده كله، وتستاهل إن الواحد يجع في حبها.
نظر إليه جاسر وأدرك على الفور مكر ابنه الذي ورثه عنه
ارتفعت زاوية فمه في شبه ابتسامة لم تكتمل ثم أعاد نظره إلى الطريق أمامه منهيًا الحوار. 
كانت مواجهة صامتة بين جيلين من دهاء عائلة التهامي؛ الأب الذي يحاول الحفاظ على أسرار الماضي خلف سور من الشموخ، والابن الذي يحاول بذكاء أن يجد ثغرة في هذا السور ليس لفضحه بل لفهمه.
واستمرت السيارة في طريقها، تحمل رجلين قويين كل منهما يقرأ الآخر ببراعة، غير مدركين أن امرأة وحيدة تحمل بداخلها كل تعقيدات الماضي، قد وصلت لتوها إلى ارضهم.

❈-❈-❈

كانت تسير على الطريق الترابي تجر حقيبتها الثقيلة خلفها وعجلات الحقيبة تغوص في التراب الناعم مصدرة صوتًا مكتومًا. 
كانت الشمس حارقة وأشعتها اللاهبة تركت آثارًا حمراء على بشرتها البيضاء غير المعتادة على هذه القسوة، فستانها الصيفي القصير ذو الحملات الذي كان عاديًا في أي مكان آخر، بدا هنا غريبًا وصارخًا وسط طبيعة المكان المحافظ، كل خطوة كانت تزيد من إرهاقها، وكل نفس كان يملأ رئتيها بهواء جاف محمّل بالغبار.

في تلك اللحظة كانت سيارة يامن تقترب من نفس الطريق، لمحها من بعيد، صورة غير متوقعة على الإطلاق. 
فتاة شقراء بملابس خفيفة تسير وحيدة وتجر حقيبة سفر، تبدو كتائهة سقطت من كوكب آخر في قلب أراضيهم.

أبطئ يامن من سرعة السيارة وعيناه تضيقان في محاولة لفهم المشهد.
_ بابا طل إكده مين دي؟

التفت جاسر إلى حيث يشير ابنه رأى الفتاة ولاحظ على الفور هيئتها التي لا تنتمي إلى المكان، قال بوقاره المعتاد ونبرة الأمر التي لا تقبل الجدال
_ شكلها واحدة من السياح وتايهة عيب نسيبها إكده في الشمس دي وجف العربية وانزل شوفها يمكن محتاچة مساعدة.

أوقف يامن السيارة على جانب الطريق ونزل منها ثم أغلق الباب خلفه بهدوء وبدأ يسير عائداً نحوها بخطواته الواثقة. 
كلما اقترب كانت صورتها تتضح أكثر: 
شعرها الأشقر تلتصق به بعض الخصلات المبللة بالعرق، بشرتها محمرّة بشدة من الشمس، ونظرة تائهة ومنهكة على وجهها.

كانت روزا قد توقفت للحظة لتلتقط أنفاسها عندما سمعت صوت خطوات تقترب رفعت رأسها ببطء وفي تلك اللحظة تجمد العالم من حولها.

لم يكن مجرد رجل يقترب كان هو.

نفس الوجه الذي درسته لساعات طويلة على شاشة الكمبيوتر نفس الملامح الحادة نفس نظرة العيون الثاقبة نفس الشموخ في الوقفة 
لكنه الآن لم يكن مجرد صورة رقمية بل كان حقيقة من لحم ودم، يقف أمامها أطول وأكثر هيبة مما تخيلت.

تجمدت الدماء في عروقها شعرت بصدمة كهربائية تسري في جسدها كله. 
هذا هو يامن التهامي الهدف
بداية انتقامها ونهايته، لقد وجدها هو وليس العكس. 

وجدها في أضعف حالاتها مهزومة، تائهة ومحترقة تحت شمس أرضه.

فتح يامن فمه ليسألها لكنه توقف عندما رأى تعابير وجهها رأى الصدمة ثم الخوف، ثم شيئًا غريبًا يشبه الإدراك قبل أن يرى عينيها الزرقاوين تفقدان تركيزهما فجأة.

حاولت روزا أن تتكلم أن تقول أي شيء لكن لم يخرج منها أي صوت. 
شعرت بأن الأرض تميد بها وأن الشمس لم تعد تحرق بشرتها، بل تحرق عقلها. 
كل الإرهاق والجوع والخوف وصدمة اللقاء تكالبوا عليها في لحظة واحدة ساحقة.

أمام عينيه المندهشتين ارتخت قبضتها عن مقبض الحقيبة، وترنحت للحظة ثم هوت فاقدة للوعي على الطريق الترابي قبل أن يتمكن هو من الوصول إليها.

لقد حدث ما لم يكن في الحسبان. هي الآن بين يدي عدوها فاقدة للوعي.

الظلام.

لم يكن ظلامًا هادئًا ومريحًا بل كان ظلامًا ثقيلًا لزجًا يضغط عليها من كل اتجاه. 
لا يوجد صوت لا يوجد ضوء لا يوجد شيء سوى الفراغ البارد.

ثم بدأت الأصوات تتسرب ببطء.
صوت سعال والدها الجاف والمؤلم كان يدوي في الفراغ كقرع طبول جنائزية.
"لا تقلقي يا صغيرتي... كل شيء سيكون على ما يرام."
كذبته البيضاء التي كان يكررها كل ليلة أصبحت الآن صدى موجعًا.

ثم يتغير الصوت صوت بكاء والدتها المكتوم في ليلة رحيلها.
"لا أستطيع... لا أستطيع أن أعيش معك هكذا بعد الآن لن استطع تحمل هذا الفقر"
صوت الباب وهو يغلق بهدوء، كان أعلى من أي صرخة.

تظهر ومضات من الصور سريعة ومفككة
وجه "آدم" وهو يبتسم لها ابتسامته الحزينة
"أنتِ أقوى مما تظنين يا نادي"

ثم وجهه وهو يدفعها إلى السيارة والخوف يملأ عينيه.
"اذهبي... ولا تنظري خلفكِ أبدًا"

صوت الرصاص
الصرخة المكتومة
الظلام مرة أخرى

فجأة يتغير المشهد هي الآن طفلة صغيرة، تجلس على أرضية غرفة باردة تشاهد من النافذة أطفالًا آخرين يلعبون ويضحكون في الشمس يشعرون بالدفء أما هي فتشعر بالبرد 
دائمًا ما كانت تشعر بالبرد.

ثم يظهر وجهه وجه يامن التهامي
ليس الوجه الذي رأته قبل لحظات، بل الوجه الذي كان يطاردها على شاشة الكمبيوتر يبتسم لها، لكنها ليست ابتسامة ودودة إنها ابتسامة المنتصر، ابتسامة من يملك كل شيء. 
يمد يده نحوها لكن يده لا تحمل مساعدة بل تحمل حفنة من تراب، نفس التراب الذي تحتفظ به في صندوق والدها. 
يفتح يده ببطء فيتساقط التراب من بين أصابعه ويتحول إلى غبار يملأ المكان ويخنقها.

تحاول أن تصرخ لكن لا صوت يخرج تحاول أن تهرب، لكن قدميها مغروستان في الأرض.

الظلام يبتلع كل شيء مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يعد فارغًا. 
لقد أصبح مليئًا بالوجوه والهمسات والاتهامات.

"ضعيفة."
"وحيدة."
"لن تنجحي أبدًا."

وفوق كل الأصوات يرتفع صوت والدها مرة أخرى ليس حنونًا هذه المرة بل مليئًا بالرجاء اليائس.
"انتقمي لي... لا تتركيهم يفلتون بفعلتهم."

كانت تغرق في بحر من الذكريات والهلوسات عالقة بين الماضي الذي دمرها والمستقبل الذي تخافه، غير مدركة أن العالم الحقيقي عالم أعدائها قد بدأ يتحرك من حولها.

للحظة تجمد يامن في مكانه مصدومًا من التحول السريع للأحداث كانت مجرد فتاة تائهة والآن هي جسد ملقى على الأرض أمامه. 
انقشع ذهوله بسرعة وحل محله حس المسؤولية الذي تربى عليه.

ركض الخطوات القليلة التي تفصلهما وانحنى بجانبها وضع إصبعين على عنقها ليتحسس نبضها كان ضعيفًا وسريعًا لكنه موجود. 
لاحظ بشرتها المحمرة بشدة وجفاف شفتيها.

_ شمس... شكلها ضربة شمس وإرهاق.

همس لنفسه وهو يحلل الموقف بسرعة نظر حوله لا يوجد ظل قريب ولا ماء تركها هنا ليس خيارًا.

اتخذ قراره في جزء من الثانية انحنى ومرر ذراعًا تحت ركبتيها والأخرى خلف ظهرها ورفعها بين ذراعيه. 
تفاجئ بمدى خفة وزنها كأنها لم تكن سوى ريشة، شعر بحرارة جسدها المرتفعة تخترق قميصه وبينما كان يحملها تدلى رأسها للخلف فلامس شعرها الأشقر الناعم ذراعه.

بدأ يسير بخطوات سريعة وحاسمة نحو السيارة، وهو يحمل هذا اللغز الغامض بين ذراعيه، من هي هذه الفتاة؟ 
وما الذي أتى بها إلى هنا إلى أرضهم بهذه الحالة المزرية؟ الأسئلة كانت تدور في رأسه لكنه أجلها لوقت لاحق الأولوية الآن هي إنقاذها.
من داخل السيارة كان جاسر يراقب كل شيء بعينين تضيقان بالتركيز رأى ابنه يتحدث مع الفتاة ثم رآها تترنح وتسقط، لم يتحرك من مكانه لكن جسده كله كان في حالة تأهب كان يثق في قدرة يامن على التعامل مع الموقف، لكنه كان يحلل كل الاحتمالات.

شاهد ابنه وهو يفحصها ثم يحملها ويتجه نحو السيارة لم تكن نظرة جاسر نظرة قلق أبوي فحسب، بل كانت نظرة رجل خبير رأى الكثير في حياته، هذه الفتاة ليست مجرد سائحة تائهة السياح لا يأتون إلى هذه المنطقة النائية بمفردهم، ولا ينهارون بهذه الطريقة، هناك شيء آخر في القصة.

عندما وصل يامن إلى السيارة كان جاسر قد فتح الباب الخلفي بالفعل.
_ حطها هنه ورا وارفع رجليها شوية.

قالها جاسر بنبرة هادئة وعملية، تخفي وراءها ألف سؤال، ساعد يامن في وضعها برفق على المقعد الخلفي ثم ألقى جاسر نظرة فاحصة على وجهها الشاحب لاحظ ملامحها الأوروبية الدقيقة وآثار الإرهاق الشديد المرسومة تحت عينيها.

أغلق يامن الباب وجلس بسرعة في مقعد السائق والتفت إلى والده.
_ شكلها ضربة شمس جوية يا بابا لازم نوديها السرايا حالا.

أومأ جاسر برأسه موافقًا لكن عينيه لم تفارقا الفتاة الممددة في الخلف عبر مرآة الرؤية الخلفية.

_ وديها السرايا وجول لوالدتك تچهزلها كمادات باردة ومية بسكر بس جبل كل ده... شوف شنطتها لازم نعرف هي مين.

انطلقت السيارة بسرعة نحو السرايا حاملة بداخلها ضيفة غامضة، أصبحت الآن لغزًا بين يدي الأب والابن؛ لغزًا سيقلب حياتهم الهادئة رأسًا على عقب.

لقد أصبحت الآن في طريقها إلى عرينهم وهم على وشك البحث عن هويتها.

انطلقت السيارة كالريح على الطريق المؤدي إلى السرايا ودخلت من البوابة الحديدية الضخمة بسرعة أثارت انتباه الحراس. 
قبل أن تتوقف السيارة تمامًا أمام المدخل الرئيسي كان يامن قد أطلق بوق السيارة مرتين متتاليتين، وهي إشارة متفق عليها في حالات الطوارئ.

خرجت نغم من الباب مذعورة ولحقت بها ليال وتاليا تجمدن في مكانهن وهن يرين يامن يخرج من السيارة ويفتح الباب الخلفي بسرعة، بينما ترجل جاسر بهدوئه الحذر.
_ خير يا يامن في إيه؟

صرخت نغم بقلق وهي تهرول نحوهم لكن كلماتها ماتت في حلقها عندما رأت ابنها يحمل بين ذراعيه فتاة غريبة فاقدة للوعي، بملابس لا تليق بالمكان وشعر أشقر ينسدل على ذراعه.
_ مين دي يا يامن؟!

قالتها ليال بدهشة وفضول بينما وقفت تاليا صامتة، عيناها تتفحصان الفتاة بنظرة احترافية غريزية.

تجاهل يامن الأسئلة وقال بصوت سريع وعملي
_ مش وجته أسئلة، ماما بسرعة چهزي كمادات ساجعة ومية بسكر.

لم تجادل نغم، غريزة الأمومة لديها طغت على كل شيء، أسرعت بالدخول لتنفيذ ما طلبه ابنها.

حمل يامن الفتاة ودخل بها إلى السرايا والجميع يتبعه في حالة من الفوضى الصامتة وضعها برفق على أقرب أريكة في بهو الاستقبال الواسع.

هنا تقدمت تاليا بسرعة وقد تحولت من الابنة المتمردة إلى الطبيبة المسؤولة انحنت فوق الفتاة، ووضعت يدها على جبينها ثم تحسست نبضها من معصمها. 
طلبت من إحدى الخادمات التي تجمعت على صوت الجلبة أن تحضر لها جهاز قياس الضغط وحقيبتها الطبية فورًا.

سألها جاسر الذي كان يراقب الموقف بهدوء حذر
_ إيه الأخبار يا تاليا؟
رفعت تاليا وجهها إليهم وملامحها جادة وقلقة.
_ حرارتها عالية جدًا ونبضها ضعيف وسريع.

بعد لحظات وصلت الخادمة بالجهاز قامت تاليا بقياس ضغطها بسرعة ثم هزت رأسها بقلق أكبر.

_ حالتها صعبة جوي يا بابا شكلها مش مچرد ضربة شمس ضغطها واطي جدًا... واطي لدرجة خطيرة كأنها مكلتش أي حاچة من فترة طويلة، وجسمها وصل لمرحلة الانهيار من الجفاف والإرهاق.

نظرت نغم التي عادت ومعها الكمادات إلى زوجها بخوف وقالت
_ يا حبيبتي يا بتي... شكلها غلبانة قوي.

بينما كانت تاليا تبدأ في عمل الإسعافات الأولية وتضع لها الكمادات وتطلب المساعدة لرفع قدميها، وقف يامن وجاسر على بعد خطوات يتبادلان نظرة ذات معنى لقد أصبح اللغز أكثر تعقيدًا لم تعد مجرد سائحة تائهة، بل أصبحت حالة إنسانية حرجة، ألقت بنفسها وبكل غموضها في قلب منزلهم.

بينما كانت الأجواء متوترة في بهو السرايا، والجميع ملتف حول الأريكة التي ترقد عليها روزا  دخل تميم من الباب الخارجي عائدًا من عمله في الأراضي كان شابًا يختلف عن أخيه أطول قامة وأكثر هدوءًا تظهر على ملامحه سمات الجدية والورع ولحيته الخفيفة تزيده وقارًا رغم صغر سنه.

توقف في مكانه عندما رأى هذا التجمع الغريب ثم وقعت عيناه على الفتاة الممددة على الأريكة بملابسها الكاشفة وأخواته وأمه يلتففن حولها. 
عقد حاجبيه على الفور وظهر الاستنكار واضحًا على وجهه قبل أن ينطق بكلمة.

اقترب من والده الذي كان يقف جانبًا وقال بصوت خفيض ولكن بنبرة حاسمة لا تخلو من الاحترام
_ السلام عليكم خير يا بابا مين دي؟ وإيه اللي چابها اهنه؟

رد جاسر بهدوء وهو يراقب الموقف
_ وعليكم السلام، لجيناها في الطريج مغمى عليها وحالتها صعبة.

نظر تميم مرة أخرى إلى الفتاة ثم إلى والده وقال بجدية
_ ليه محدش وداها المستشفى احسن .
تنهد جاسر بتعب من ابنه وتعصبه
_الموضوع مش مستاهل مستشفى وبعدين اختك اهه بتجوم بدورها.

_ ما يصحش تفضل في البيت يا بابا دي مش من محارمنا، وجعدتها وسطنا كده حرام.

نظر إليه جاسر نظرة حادة، فصوته حمل اعتراضًا على قرار والده.
_ وإنت عايزنا نرميها في الشارع وهي بتموت؟ الدين جال اكده؟ ما ينفعش نمشيها وهي بالحالة دي.

صحح تميم موقفه بسرعة موضحًا مقصده باحترام
_ أني مجولتش نمشيها يا بابا، حاشا لله أنا جصدي جعدتها هنا في جلب السرايا بالمنظر ده ما يصحش.
تحدث يامن لتهدئته 
_متجلجش اول ما تفوج هنوصلها للمكان اللي رايحة فيه.
_خلاص من دلوجت لحد ما تفوج إحنا نجهزلها الأوضتين اللي في الجنينة 
هناك هتبجى مرتاحة وتاخد راحتها في لبسها وتبجى جعدتها بعيد عن البيت 
ده حل يرضي ربنا ويحفظ حرمة بيتنا، ونبجى عملنا معاها الواچب برضك.

صمت جاسر للحظة يفكر في منطق ابنه، كان في كلام تميم حكمة وعقلانية فالغرف الملحقة كانت بمثابة جناح ضيافة صغير ومستقل سيمنح الفتاة خصوصيتها، وفي نفس الوقت سيبقيها تحت رعايتهم حتى تتحسن حالتها ويحل الإشكالية التي طرحها تميم.

في تلك الأثناء كانت تاليا قد نجحت في إعطائها بعض المحاليل الأولية وبدأت حرارتها في الانخفاض الطفيف. 
قالت بصوت عالي
_ لازمن ننجلها أوضة عشان ترتاح مش هينفع تفضل في الصالة اكده.

هنا حسم جاسر الأمر نظر إلى يامن وقال
_ يامن شيلها ووديها على الملحق اللي في الچنينة.
ثم التفت إلى نغم وقال
_ وإنتي يا نغم چهزيلها كل اللي تحتاچه هناك، تاليا خليكي معاها لحد ما حالتها تستجر.

تحرك الجميع لتنفيذ الأوامر حمل يامن الفتاة مرة أخرى تحت نظرات تميم المستنكرة، وشعر بغصة غريبة وهو ينفذ اقتراح أخيه
لقد شعر بأنهم يعزلونها لكنه تفهم منطقه في نفس الوقت. 
سار بها عبر البهو ثم خرج إلى الحديقة الواسعة متجهًا إلى جناح الضيافة الصغير بينما كانت "روزا" لا تزال غارقة في ظلام اللاوعي غير مدركة أنها قد دخلت هذا المنزل، ولكنها في نفس الوقت لا تزال خارجه

بعد أن وضعها يامن برفق على السرير في غرفة الضيافة وتركها في رعاية تاليا ووالدته عاد إلى البهو الرئيسي حيث كانت حقيبتها لا تزال ملقاة بجانب الأريكة، أشار إليه جاسر برأسه نظرة صامتة تعني
"الآن"

حمل يامن الحقيبة ودخل بها إلى مكتب والده، أغلق الباب خلفه ليضمن بعض الخصوصية وضع الحقيبة على سطح المكتب المصقول ووقف أمامها للحظة يشعر بتردد غريب كان يشعر بأنه يقتحم خصوصية إنسانة مريضة، لكن فضوله وحذره كانا أقوى هذا هو واجبه الآن أن يعرف من هي هذه الدخيلة الغامضة.

كانت حقيبة سفر عادية ليست باهظة الثمن وعليها آثار استخدام واضح، فتح السحاب الرئيسي ببطء وفي الداخل كانت الملابس قليلة وعملية مطوية بعناية ليست فائقة بل بعناية شخص مسافر على عجل لم يجد شيئًا مميزًا.

ثم رأى جيبًا جانبيًا داخليًا فتحه ووجد بداخله حافظة مستندات صغيرة
أخرجها وفتحها على المكتب.

كان أول ما رآه هو جواز يحمل شعار الولايات المتحدة الأمريكية. 
التقطه يامن وشعر بثقله في يده فتحه على صفحة البيانات.

الاسم: روزالين ميلر (Rosalin Miller).
تاريخ الميلاد: 2005
مكان الميلاد: نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية.

الصورة كانت لها لكنها تبدو فيها أكثر صحة وحيوية بنظرة واثقة تختلف تمامًا عن الفتاة المنهكة التي حملها قبل قليل.

وجد بجانب الجواز بضع أوراق أخرى: حجز فندقي ملغي في فندق رخيص بالقاهرة تذكرة طيران من القاهرة إلى سوهاج بنفس تاريخ اليوم وبطاقة ائتمان أمريكية باسم "روزالين ميلر".

في تلك اللحظة فُتح باب المكتب ودخل جاسر بهدوئه المعتاد
نظر إلى جواز السفر المفتوح على المكتب وسأل
_ ها؟ عرفت مين؟

ناول يامن والده جواز السفر وقال
_ اسمها روزالين ميلر أمريكية شكلها سائحة فعلًا.

أخذ جاسر الجواز وتفحصه بعين الخبير.
_ أمريكية... وچاية لوحدها لحد بلدنا اهنه؟ ومعهاش غير الفلوس اللي كانت في إيدها؟ الجصة دي مش راكبة على بعضها.

قال يامن وهو يقلب في بقية محتويات الحقيبة
_ مفيش أي حاچة تانية غريبة شوية هدوم وحاچات شخصية عادية، مفيش أي ورجة أو رقم أو أي حاچة تدل هي چاية لمين أو بتعمل إيه اهنه.

أعاد جاسر جواز السفر إلى المكتب.
_ يمكن أهلها بلغوا عن اختفائها….بكرة الصبح كلم صاحبك اللي في السفارة، واديه بياناتها خليه يشوف إذا كان فيه بلاغ متقدم باسمها ولا لأ.

أومأ يامن بالموافقة لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الشعور بأن الأمر ليس بهذه البساطة وبينما كان يعيد الأوراق إلى الحقيبة لم يلاحظ وجود خياطة غير متساوية في
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل