ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 1 | رانيا الخولي

تم النشر في: 14 أبريل 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل الأول

تم النشر الثلاثاء

 14/4/2026



خرجت من صخب المطار إلى ليل القاهرة الذي لا ينام ووقفت بجسد منهك تسحب خلفها حقيبة سفر تبدو أثقل من وزنها الفعلي كأنها تحمل بداخلها حكايات عالم بأكمله. 

كانت ملامحها الأوروبية الصارخة تجعلها كائنًا غريبًا في هذا المكان شقرة شعرها متوهج تحت أضواء  شمس المطار الخافتة، وعيناها الزرقاوان تائهتان في زحام الوجوه والأصوات.

ازدردت ريقها بصعوبة وشعرت بجفاف حلقها رغم رطوبة الهواء 
كل شيء حولها كان غريبًا صاخبًا وحيًا بطريقة لم تعهدها
لم تكن هذه مصر التي رسمتها في خيالها بل كانت كيانًا عملاقًا يتنفس أمامها يثير في نفسها رهبة بقدر ما يثير فضولها

صوت خافت كصدى من الماضي همس في أذنها 
"لا مكان لكِ هنا... عودي قبل أن يبتلعكِ هذا العالم" 
كان هذا صوت الخوف صوت الحذر الذي تعلمته بالطريقة الصعبة لكن صوتًا آخر أعمق وأكثر إصرارًا كان ينبع من قرار اتخذته قبل أن تطأ قدماها أرض الطائرة. 
صوت يذكرها بالثمن الذي دفع لوجودها هنا.

لقد ضحى هو بكل شيء من أجلها دفع حياته ثمنًا لتكون هي حرة بعيدة عن تلك "البؤرة" التي كادت أن تلتهمها والآن العودة ليست خيارًا والأمان الوحيد يكمن في المضي قدمًا نحو المجهول، نحو هذا البلد الذي لم تعرفه إلا اسمًا، والذي يحمل مفتاح نجاتها... أو ربما هلاكها.

شدّت قبضتها على مقبض الحقيبة وأخرجت من جيب معطفها ورقة صغيرة مهترئة. 
فتحت الورقة تحت ضوء خافت وعيناها تتبعان عنوان مكتوب بخط مرتبك كان هذا هو خيطها الوحيد الصلة الوحيدة التي تربطها بهذا العالم الجديد.

تجمدت في مكانها للحظات والضوضاء من حولها تتحول إلى طنين مكتوم في أذنيها شعرت بأنها شفافة كأن آلاف الأعين تخترقها ليس لأن أحدًا يراقبها بل لأنها كانت مختلفة بشكل صارخ

كل نظرة عابرة من المارة كانت تشعرها بأنها كائن فضائي هبط في المكان الخطأ لا يوجد من يعرفها هنا، لا صديق لا عدو لا أحد 
هي وحيدة بشكل مطلق.

بخطوات آلية بدأت تسير نحو صف سيارات الأجرة المصطفة على بعد أمتار كل خطوة كانت ثقيلة، كأنها تخوض في رمال متحركة
لم تكن تعرف وجهتها بالضبط كل ما كانت تملكه هو قصاصة ورق مهترئة تحمل عنوان فندق صغير في وسط البلد، كانت قد حجزت فيه غرفة عبر الإنترنت قبل رحلتها. 
مكان رخيص قديم لا يلفت الانتباه 
مثالي لشبح مثلها
_تاكسي يا أستاذة؟

صوت سائق بادرها وهو يفتح لها باب سيارة قديمة تفوح منها رائحة معطر جو قوي يختلط برائحة دخان قديم ترددت للحظة، عيناها تفحصان وجهه بسرعة تبحثان عن أي علامة خطر 
بدا رجلاً بسيطًا في منتصف العمر، وملامحه متعبة أومأت برأسها بصمت وساعدها الرجل في وضع حقيبتها في الخلف قبل أن تنزلق هي إلى المقعد الخلفي.

أغلقت الباب خلفها وشعرت بموجة راحة مؤقتة
لقد أصبحت الآن داخل صندوق معدني متحرك، معزولة عن هذا العالم الصاخب الذي لا يرحم
سألها السائق وهو ينظر إليها عبر مرآة الرؤية الخلفية
على فين يا هانم؟

فتحت حقيبة يدها الصغيرة بأصابع مرتعشة وأخرجت قصاصة الورق التي تحمل العنوان
حاولت أن تنطق اسم الفندق والشارع، لكن الكلمات خرجت من فمها بلكنة أجنبية ثقيلة بدت غريبة حتى على مسامعها وناولته الورقة بصمت
أخذها السائق وقرأ العنوان بصوت خافت لنفسه ثم أومأ برأسه وانطلق بالسيارة.

مع حركة السيارة بدأ العالم الحقيقي يتكشف أمامها من خلال النافذة 
لم تكن مجرد أصوات وأضواء بل كانت مشاهد حية مباني شاهقة بجوار أخرى قديمة متهالكة لوحات إعلانية مضيئة بألوان صارخة، وأناس يسيرون على الأرصفة في ساعة متأخرة من الليل كأن النهار قد بدأ للتو 
كانت هناك طاقة غريبة في هذا المكان فوضى خلاقة لم ترى مثلها من قبل.

للحظة نسيت خوفها وهي تراقب الوجوه في السيارات المجاورة، رأت عائلة تضحك وشابًا يغني مع المذياع بصوت عالي ورجلاً مسنًا ينظر إلى الطريق بتركيز شديد
شعرت بوخزة غريبة في قلبها هؤلاء الناس لديهم حياة هنا، لديهم جذور أما هي فكانت مجرد ورقة شجر جافة قذفت بها الريح إلى هذا المكان.

فجأة عادت إليها ذكرى زميلها... صورته وهو يدفعها إلى سيارة صديقه ونظرته الأخيرة التي كانت تحمل مزيجًا من الخوف والتصميم قال لها: 
"اذهبي إلى هناك ستكونين بأمان". 
هل كان يعرف حقًا ما الذي يرسلها إليه؟ هل كان يعرف حجم هذا الوحش الذي ستواجهه بمفردها؟

انتبهت إلى أن السائق يلقي نظرات خاطفة عليها عبر المرآة لا بد أنه لاحظ شحوب وجهها وعينيها التائهتين.
سأل بصوت هادئ
_أول مرة تنزلي مصر يا أستاذة؟

أومأت برأسها غير قادرة على الكلام

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
_متخافيش هي في الأول تخض كده بس بعدين هتحبيها، بلدنا دي عاملة زي أمك، تزعق وتضرب بس في الآخر بتاخدك في حضنها.

كلماته البسيطة التي لم يقصد بها شيئًا اخترقت دفاعاتها الهشة
شعرت بغصة في حلقها ودارت وجهها نحو النافذة بسرعة قبل أن يلمح دموعها. 
"أمها"... 
الكلمة التي لم تعرف لها معنى قط لقد تركتها والدتها وتركها والدها وتركها صديقها وهي لم تعرف يومًا معنى "الحضن"

وعندما توقفت السيارة أخيرًا أمام مدخل الفندق الصغير في شارع جانبي مظلم، كانت قد اتخذت قرارها
لن تبحث عن حضن هنا لقد جاءت من أجل شيء واحد فقط: 
أن تجعلهم يدفعون ثمن كل دمعة ذرفتها وكل ليلة قضتها في خوف وجوع.

دفعت الأجرة للسائق ونزلت من السيارة ووقفت أمام باب الفندق القديم
لقد نجحت في الخطوة الأولى وصلت والآن يبدأ الجزء الصعب.

على بعد مئات الكيلومترات من ليل القاهرة الصاخب وفي قلب صعيد مصر، كانت الشمس قد أشرقت بالفعل على سرايا عائلة التهامي
في غرفة الطعام الفسيحة التي تتسلل إليها خيوط الشمس من النوافذ الخشبية العالية كان الصمت مهيبًا لا يقطعه سوى صوت الملاعق الفضية وهي تلامس الأطباق.

جلس جاسر التهامي على رأس المائدة بشموخه الذي لم يزده الزمن إلا وقارًا، كانت تجاعيد خفيفة قد حفرت طريقها حول عينيه لكنها لم تكن سوى خرائط لحياة مليئة بالتجارب ولم تنقص من حدة نظرته شيئًا
بجانبه جلست "نغم" التي بدأت خصلات فضية قليلة تتسلل إلى شعرها الداكن لكن ابتسامتها الهادئة وجمالها الرصين كانا لا يزالان قادرين على إيقاف الزمن.

قطعت نغم الصمت بصوتها الدافئ وهي تضع أمامه قهوته
لساتك مصمم تسافر القاهرة النهاردة يا جاسر؟ الطريج طويل ومتعب.

رفع جاسر عينيه عن أوراقه ونظر إليها وفي نظرته حب عميق لم تهزه السنين وقال بصوته الرخيم والهادئ
_جضية مهمة يا نغم ولازم أحضرها بنفسي يامن لوحده مش هيجدر عليها، الخصم مش سهل 

تنهدت نغم بخفة وقالت
_ربنا معاك ويجويك.

ثم سألها لتغير مجرى الحديث 
_الأولاد فينهم؟

أجابته نغم وهي ترتشف من الشاي
_تميم خرچ من بدري كالعادة عنده شغل في الأرض اللي هتتبني عليها المستشفى وتالي راحت چامعتها من ساعة تقريبًا.

ابتسمت نغم وتابعت
_أما ليال فهتلاجيها نازلة علينا  زي القضى المستعجل... كعادتها.

لم تكد تنهي جملتها حتى سمعا صوت خطوات سريعة وواثقة على الدرج الرخامي دخل "يامن" إلى غرفة الطعام شاب في أواخر العشرينيات طويل القامة يحمل نفس ملامح أبيه الحادة ونفس الشموخ في وقفته ونفس الإصرار الذي يلمع في عينيه 
كان نسخة مصغرة من جاسر التهامي لكن بنظرة أكثر حداثة وشغفًا.

قال بصوت يجمع بين قوة الشباب واحترام الأب
_صباح الخير.

رد جاسر بوقاره المعتاد
_صباح النور يا يامن.

بينما ردت نغم بابتسامة حنونة 
_صباح الفل يا حبيبي اجعد عشان توفطر.

جلس يامن بجوار والده وبدأ في تناول فطوره بسرعة وعملية لم يطل الصمت طويلًا حيث بادره جاسر بالسؤال
_جهزت أوراج القضية الباجية.

أومأ يامن برأسه  
_كله زين ملف الأدلة كامل وشهادة الشهود موثجة بس لساتى جلجان من محامي الخصم سمعته سابجاه.

انحنى جاسر قليلاً نحو ابنه وتحولت ملامحه إلى الجدية التامة، وبدأ الاثنان يتهامسان في تفاصيل القضية المعقدة يتبادلان الآراء وكأنهما قائدان في غرفة حرب يستعدان لمعركة حاسمة 
مشهد يومي متكرر يعكس قوة الرابط الذي يجمع هذا الأب بابنه، ويعكس استقرار هذه العائلة التي لا تعلم أن عاصفة بعيدة قد بدأت تتشكل، وتتجه نحوهم مباشرة.

كان جاسر ويامن قد انغمسا تمامًا في حديثهما عن القضية وأصواتهما الهادئة تمتزج مع رائحة القهوة الطازجة عندما دخلت "ليال" إلى غرفة الطعام كشعاع شمس مفاجئ كانت فتاة تفيض بالحياة والمرح وفي عينيها بريق ذكاء لا تخطئه عين
_صباح الخير يا أحلى عيلة في الدنيا! 
قالت بصوتها الرنان وهي تتجه مباشرة إلى والدها انحنت وطبعت قبلة على خده فابتسم جاسر ابتسامة نادرة لا يظهرها إلا لأبنائه ثم اتجهت إلى والدتها واحتضنتها بحب قائلة
_صباح الفل يا قلبي.

علقت نغم بابتسامة
_صح النوم يا أميرة مفيش چامعة النهاردة ياك؟

أجابت ليال وهي تجلس وتمد يدها لتخطف قطعة من طبق يامن
_لأ النهاردة اليوم العالمي للراحة والاسترخاء.

تطلع إليها يامن بيأس منها وهو يبعد طبقه عنها
_انا ملاحظ إن يومك العالمي ده بياچي تلات مرات في الأسبوع على فكرة.

قبل أن ترد عليه انفتح الباب مرة أخرى لكن هذه المرة دخلت "تاليا" وملامحها عابسة وألقت بحقيبتها على أقرب مقعد بغضب مكتوم.

لاحظ جاسر على الفور مزاجها المتعكر وسأل بهدوء
_إيه اللي رچعك بدري يا تاليا؟ مش كان عندك محاضرة مهمة؟

أجابت تاليا بنبرة حادة وهي تتجنب النظر إليهم
_الدكتور طردني.

اتسعت عينا نغم بقلق
_طردك كيف؟! ليه يا بنيتي عملتي إيه؟

قالت تاليا بحدة
_معملتش حاچة هو اللي متحفز لي من أول السنة كل شوية يجولي صوتك عالي بتتحركي كتير... النهاردة بيجولي إني بتكلم مع اللي چنبي، مع إني كنت بسألها على حاچة في المحاضرة.

هنا تدخل يامن بهدوء محاولاً امتصاص غضبها
_خلاص اهدي يا تاليا حصل خير إحنا مسافرين القاهرة دلوجت بس أوعدك أول ما أرچع بكرة، هروح معاكي الچامعة وأشوف الدكتور ده ماله بالظبط.

نظرت إليه تاليا وارتخت ملامحها قليلاً فكلمة من يامن كانت دائمًا كافية لتهدئتها
وقف جاسر وقال بصوت حاسم ينهي النقاش
_يلا يا يامن عشان منتاخرش.
ثم وجه كلامه لتاليا بنبرة أب حازمة ولكنها حنونة
_ولما أرچع لينا كلام تاني يا تاليا اتعلمي تتحكمي في أعصابك.

ودع جاسر ويامن العائلة وخرجا وبمجرد أن أغلق الباب خلفهما، تحولت الأجواء في الغرفة
جلست نغم بجوار تاليا وأمسكت بيدها بحنان بينما اقتربت ليال منهما بفضول
سألت نغم بهدوء لا يخلو من الحزم
_احكيلي بجا... إيه اللي حوصل بجد؟

تنهدت تاليا وبدأ قناع الغضب يذوب ليكشف عن الإحراج وقالت بصوت خفيض
_بصراحة... أنا نمت في المحاضرة.

انفجرت ليال في ضحكة عالية لم تستطع كبتها بينما حاولت نغم أن تحافظ على ملامحها الجادة لكن زاوية فمها ارتفعت قليلاً في ابتسامة خفية.

قالت نغم وهي تربت على يد ابنتها
_برضك اكده يا تاليا؟ طيب كنتي جولي الحجيجة من الأول بدل كل ده.

ردت تاليا بتذمر طفولي
_كنت خايفة من بابا وبعدين المحاضرة كانت مملة جوي.

قالت ليال باستياء
_لما انتي مش جد الطب بتدخليه ليه؟
نظرت إليها تاليا بحنق
_مين جال إكده  لو  اني مش جده انا كل سنة بطلع الأولى مش زيك باخد السنة بالعافية.

تابعت بحزن
_كل الحكاية اني منمتش طول الليل واني بذاكر وغصبت عني نومت.

هزت نغم رأسها بيأس مصطنع، لكن عينيها كانتا تلمعان بالحنان وهي تنظر إلى ابنتيها في قلب هذه السرايا الكبيرة كانت هذه اللحظات العائلية البسيطة هي الكنز الحقيقي كنز لا يدرون أنه على وشك أن يواجه أكبر تهديد له على الإطلاق.

مجرد أن خرجت نغم من الغرفة تاركة وراءها ابتسامة يائسة وحنونة، التفتت ليال إلى تاليا بعينين تلمعان بالمرح
_نومتي؟ نومتي بچد يا تاليا؟

قالت ليال وهي تحاول كبت ضحكة أخرى
_ده دكتور معروف عنه إنه بيكره اللي بيتنفس في محاضرته، وإنتي رايحة نايمة فيها؟!
ألقت تاليا عليها وسادة صغيرة من أحد المقاعد المجاورة بتذمر
_بطلي تريجة، كنت سهرانة طول الليل بخلص بحث مطلوب مني، ومعرفتش أنام زين.

التقطت ليال الوسادة في الهواء بمهارة قبل ان تسقط على الأطباق وتغيرت نبرتها من المرح إلى التفهم. 
جلست بجوار أختها وقالت بصوت أكثر هدوءًا
_طيب ليه مجولتيش اكده لبابا؟ كان هيفهم.

تنهدت تاليا وأسندت رأسها على يدها 
_وإنتي عارفة بابا... هيفهم، بس بعد محاضرة طويلة عن تنظيم الوجت والمسؤولية مش ناجصة بصراحة.

صمتت ليال للحظة ثم قالت
_بس يامن كان هيدافع عنك ده بيعتبرك بنته مش أخته الصغيرة.

ابتسمت تاليا ابتسامة باهتة
_عارفة يامن هو نجطة ضعفي ونجطة قوتي في نفس الوجت لولاه كان زماني مطرودة من الچامعة دي من أول سنة.

ربتت ليال على ظهرها وقالت بمرح لتخفف الأجواء مرة أخرى 
_متجلجيش لو اطردتي هفتحلك أتيليه رسم هنا في السرايا، ونسميه أتيليه الفنانة المطرودة هنبجى انا وانتي أغنياء.

ضحكت تاليا أخيرًا ضحكة حقيقية صافية
_إنتِ ملكيش حل إزاي بتعرفي تخليني أضحك وأنا متضايجة اكده؟

رفعت ليال كتفيها ببراءة مصطنعة 
_دي موهبة يا حبيبتي موهبة تحويل المآسي إلى كوميديا.

ثم وقفت فجأة وقالت بحماس
_بما إننا إحنا الاتنين فاضيين النهاردة، إيه رأيك ننزل البلد نشتري شوية حاجات؟ سمعت إن في محل جديد فتح حاجاته تحفة.

تلاشت ابتسامة تاليا وحل محلها تعبير جاد هزت رأسها برفض وقالت
_كان نفسي جوي يا ليال بس بجد مش هينفع لازم أعوض اللي فاتني في المحاضرة وأبدأ أذاكر للامتحان اللي چاي، كلية الطب مش سهلة زي ما انتي خابرة.

نظرت إليها ليال بتفهم وإن كان يخالطه بعض الإحباط
_خلاص ولا يهمك المهم تركزي في مذاكرتك أنا ممكن أنزل لوحدي أو أكلم نور.

ثم غمزت لها وأضافت
_بس المرة الجاية مفيش أعذار

ابتسمت تاليا بامتنان لأختها المتفهمة، وشاهدتها وهي تخرج من الغرفة لتستعد للخروج، بينما فتحت هي كتبها وملاحظاتها، عازمة على ألا يتكرر خطأ اليوم مرة أخرى.

❈-❈-❈

كانت الغرفة صغيرة أثاثها قديم وبالكاد يكفي للاستخدام جدرانها المطلية باللون البيج الباهت كانت تحمل آثار الزمن ورائحة الخشب القديم تمتزج برائحة الغبار. 

لم تكن تهتم فكلما كان المكان عاديًا ومنسيًا كان ذلك أفضل هذا ليس منزلًا، إنه مجرد مخبأ مؤقت
ألقت بجسدها المنهك على السرير الذي أصدر صريرًا احتجاجيًا أغمضت عينيها للحظة، لكن صور اليوم الطويل مرت أمامها كشريط سينمائي سريع: صخب المطار شوارع القاهرة التي لا تنتهي، وجه سائق التاكسي البسيط وكلماته عن "حضن الأم" التي وخزت قلبها
فتحت عينيها فجأة وجلست
لا وقت للراحة أو للذكريات فتحت حقيبة سفرها، وبدأت في إخراج محتوياتها القليلة لم يكن هناك الكثير بضع قطع من الملابس العملية، ومبلغ مالي صغير خبأته بعناية، وجواز السفر المزيف الذي كان بوابتها لهذا العالم وفي القاع تحت كل شيء، كان هناك صندوق خشبي صغير وقديم
اخرجته ووضعته على السرير بحرص كان هذا هو كل ما تبقى لها من والدها. 

فتحته ببطء وبداخله كانت هناك صورة باهتة تجمع والدها الشاب بوالدته قبل أن تتركهما الحياة والظروف 
همست لنفسها بصوت خفيض وكأنها تخاطب والدها الغائب
_ وصلت يا أبي... وصلت للأرض التي حلمت بالعودة إليها ولم تستطع.

أغلقت الصندوق ووضعته جانبًا ثم أخرجت من جيب حقيبتها جهاز (لاب توب)  محمول قديم فتحته وانتظرت بصبر حتى بدأ في العمل لم يكن لديها إنترنت هنا، لكنها لم تكن بحاجة إليه الآن كل ما تحتاجه كان مخزنًا بالفعل على الجهاز
فتحت ملفًا محميًا بكلمة سر ظهرت على الشاشة صور ومعلومات كانت قد أمضت شهورًا في جمعها. 
صور لسرايا فخمة في الصعيد صور لرجل وقور ذي هيبة... جاسر التهامي. 

وصور أخرى لأبنائه: يامن الشاب الذي يشبهه تميم الذي يبدو من الصور أنه يفضل حياة الريف والأرض، والفتاتان تاليا وليال.
مررت أصابعها على صورة "يامن" كان هو الهدف الرئيسي المحامي الذكي، الابن المقرب ووريث قوة أبيه هو من يجب أن يسقط أولاً، وبسقوطه ستتداعى بقية الأحجية.

أخذت نفسًا عميقًا وشعرت بمزيج من الخوف والقوة يتدفق في عروقها الخوف من المجهول وقوة تدفعها للانتقام
_ أنتم تعيشون في سعادة... بينما مات هو في فقر ووحدة.

أغلقت الكمبيوتر المحمول بقوة
الخطة كانت واضحة في ذهنها، وقد حان وقت تنفيذ الخطوة الأولى. 

غدًا ستذهب إلى هناك ستذهب إلى بلدتهم وستجد طريقة للدخول إلى عالمهم ستكون الثعلب الذي يدخل عرين الأسود.
لقد أصبحت الآن جاهزة لبدء المعركة..

❈-❈-❈

كانت قاعة المحكمة العتيقة تعج بالهمسات المكتومة وحفيف الأوراق
جلس جاسر التهامي في الصف الأمامي المخصص للمحامين ظهره مستقيم كعادته، وهالة من الهدوء الواثق تحيط به وكأنه يجلس في شرفة منزله وليس في قلب معركة قضائية. 
لم يكن يتحدث بل كان يراقب هيئة المحكمة ومحامي الخصم بعينين ثاقبتين تحلل كل حركة وكل نظرة.

بجواره كان يامن أقل هدوءًا ولكن ليس أقل تركيزًا كان يقلب في أوراقه بسرعة ودقة ويضع علامات ويتهامس مع والده بين الحين والآخر. 
كانت طاقته الشابة وحماسه يظهران في حركته المستمرة لكنها كانت حركة منظمة ومدروسة، حركة مفترس يستعد للانقضاض.

وقف محامي الخصم رجل معروف بدهائه ومراوغاته وبدأ مرافعته بصوت عالي ومسرحي محاولًا التأثير على مشاعر هيئة المحكمة
كان ينسج قصة من الأكاذيب والادعاءات ويرسم صورة لموكله كضحية بريئة.

لم يهتز جاسر ظل على حاله يراقب بصمت تاركًا خصمه يستنفد كل حيله المسرحية.

عندما انتهى المحامي وجلس وهو ينظر إليهم بابتسامة متعجرفة، همس يامن لوالده بحدة خافتة
_ ده بيكدب بكل وقاحة كل ما قاله مش حقيقي.

أومأ جاسر برأسه ببطء ثم وضع يده على ذراع ابنه وقال بصوت هادئ كالفولاذ
_ سيبه اللي بيتكلم كتير ده حجته بتبقى ضعيفة، سيبه يخرج اللي جواه، ولما ييجي دورنا مش هنتكلم هنقدم الاثباتات اللي معانا وخلاص  

جاء دورهم لم يقم جاسر بل أشار بعينيه إلى يامن، كانت هذه هي اللحظة التي انتظرها الشاب.

وقف يامن واختفت كل علامات التوتر من على وجهه تحول من الشاب المتحمس إلى محامي فذ، نسخة طبق الأصل من هدوء أبيه ولكن بنبرة أكثر حداثة وقوة.

بدأ مرافعته بصوت واضح وثابت، لم يكن صوتًا مسرحيًا بل كان صوت العقل والمنطق، لم يهاجم شخص الخصم، بل فكك ادعاءاته واحدًا تلو الآخر مستخدمًا الأدلة والوثائق التي بين يديه كمطرقة يهدم بها بناء الأكاذيب الذي شيده المحامي الآخر.

_ يقول محامي الخصم الموقر أن موكله لم يكن على علم بالصفقة... ولكن هذه الوثيقة وعليها توقيعه تثبت حضوره لاجتماع مجلس الإدارة الذي تمت فيه الموافقة على الصفقة.

كان يامن يتحرك بثقة مدروسة كل كلمة في مكانها وكل دليل يقدمه كان بمثابة مسمار جديد في نعش قضية الخصم كان جاسر يراقبه بفخر صامت يرى في ابنه امتدادًا له، ليس فقط في الملامح بل في العقل والقوة والتمسك بالحق.

عندما أنهى يامن مرافعته ساد صمت ثقيل في القاعة. 
لم تكن هناك حاجة للصراخ أو الدراما لقد قدم الحقيقة مجردة وواضحة وقوية
جلس بجوار والده وأنفاسه تتلاحق قليلاً من المجهود.

ربت جاسر على كتفه بخفة وقال بصوت خفيض لا يسمعه غيره
_ جميل.

كانت كلمة واحدة لكنها كانت بالنسبة ليامن أثمن من كل شيء، لقد أثبت نفسه مرة أخرى أمام معلمه الأول والأخير خرجا من قاعة المحكمة وهما يعلمان أن النصر حليفهما غير مدركين أن معركة أخرى أكثر تعقيدًا وخطورة، كانت على وشك أن تبدأ في مكان ليس ببعيد.

❈-❈-❈

كانت السيارة تشق طريقها بصعوبة عبر زحام القاهرة الذي لا يرحم. 
في الداخل كان الصمت يسود ليس صمتًا متوترًا بل صمت من يفهمان بعضهما البعض دون الحاجة للكلام كان يامن يقود السيارة وتركيزه موزع بين الطريق وبين استعادة تفاصيل المرافعة في ذهنه. 
أما جاسر فكان ينظر من النافذة إلى تدفق الحياة في الشارع وملامحه هادئة كعادته.

بعد دقائق قطع جاسر الصمت بصوته الرخيم دون أن يلتفت لابنه
_ أداءك كان ممتاز النهاردة يا يامن مش بس عشان كسبت الجضية لأ، عشان كسبتها بالحق.

نظر يامن إلى والده بامتنان وقال
_ اتعلمت منك، إنت اللي علمتني إن الحق أجوى سلاح.

أومأ جاسر برأسه ببطء ثم التفت إليه أخيرًا ونظرته تحمل ثقل السنين والخبرة.
_ وعشان إكده عايز أفكرك بحاجة مهمة يا ابني، حاجة أهم من أي قضية ممكن تكسبها.

صمت يامن وأعطى والده كل انتباهه مدركًا أن هذه لحظة من لحظات الحكمة النادرة التي يمنحها له والده.
_ أوعاك في يوم تقبل قضية إنت مش مقتنع بيها مية في المية، أوعاك تدافع عن باطل عشان خاطر فلوس أو شهرة، سمعة المحامي بتتبني في عمر بحاله وممكن تتهد في قضية واحدة شمال.

أكمل جاسر بنبرة أكثر عمقًا
_ لما القاضي يعرف إن جاسر التهامي أو يامن التهامي مش بيقفوا في ساحته إلا عشان يدافعوا عن حق هيسمعلك بقلبه قبل عقله هيثق في كل كلمة بتقولها، لإنك بنيت بينك وبينه ثقة هو ده المكسب الحقيقي.

ثم أضاف وهو يربت على ساق ابنه بخفة
_ والأهم من كل ده... إن القرش اللي هتدخله بيتك وتأكل بيه ولادك يبقى حلال كل جنيه بتكسبه وإنت بتدافع عن مظلوم ربنا بيبارك فيه
وكل جنيه بتكسبه من نصرة ظالم، بيبقى نار بتحرق البركة من بيتك وحياتك أوعى تنسى الكلمتين دول.

تأثر يامن بشدة بكلمات والده، لم تكن مجرد نصيحة مهنية بل كانت دستور حياة.

_ عمري ما هنسى يا بابا ده عهد بيني وبين نفسي وبيني وبينك.

ابتسم جاسر ابتسامة رضا خفيفة، وعاد ينظر من النافذة لقد زرع البذرة وهو يعلم أنها في أرض صالحة لم يكن يعلم أن هذه المبادئ الصلبة التي يغرسها في ابنه، ستكون هي نفسها السور العالي الذي ستحاول امرأة غامضة، قادمة من الماضي أن تجد ثغرة فيه لتهدم كل شيء من حوله.

❈-❈-❈

خرجت من الفندق الصغير إلى ضوء النهار الحارق فشعرت وكأن المدينة كلها تضغط عليها، لم تكن هناك خطة متقنة ولا بذلة أنيقة لم يكن هناك سوى الخوف وحقيبة سفرها التي أصبحت تبدو أثقل من الأمس أوقفت أول سيارة أجرة مرت بها، وانزلقت في المقعد الخلفي بسرعة كأنها تهرب من شيء ما
_ إذا سمحت... محطة القطار.

قالتها بصوت خفيض ومرتعش بلكنتها الأجنبية الواضحة
نظر إليها السائق عبر المرآة رجل في الثلاثينات من عمره يبدو على وجهه الطيبة والشقاء
لاحظ على الفور ارتباكها وملامحها الأجنبية
_ محطة رمسيس يعني؟ حاضر بس على فين العزم إن شاء الله؟

ترددت للحظة ثم أجابت بصوت بالكاد يُسمع
_ سو...هاج.

اتسعت عينا السائق بدهشة
_ سوهاج؟! بالقطر؟ يا أستاذة دي مسافة طويلة أوي أكتر من 8 ساعات القطر هيتعبك على الفاضي، خصوصًا لو أول مرة تركبيه الطيران أريحلك وأسرع، ساعة زمن وتكوني هناك.

كلمة "الطيران" نزلت عليها كالصاعقة فتحت حقيبة يدها الصغيرة، ونظرت إلى المبلغ المالي المتواضع الذي تملكه، كانت بضع ورقات من الدولارات التي أعطاها لها "آدم" قبل أن يختفي بالكاد تكفي ثمن تذكرة القطار وبعض المصاريف البسيطة حتى تصل إلى هدفها، لو فكرت في الطيران ستصل إلى هناك دون أي نقود.
لمعت عيناها وهي تتلمس سلسلة فضية بسيطة تتدلى من عنقها، كانت هديته الوحيدة لها هل تبيعها؟ هزت رأسها رافضة الفكرة وشعرت بوخزة من الألم.

لاحظ السائق صمتها وترددها ولمح الأوراق القليلة في يدها فهم الموقف على الفور
_ بصي يا أستاذة متقلقيش تذكرة الطيران بالمصري مش غالية أوي زي ما إنتي فاكرة والفلوس اللي معاكي دي لما تغيريها هتعمل مبلغ كويس.

شعرت بالخوف يتسلل إليها كيف عرف ما معها من مال؟ هل ينوي خداعها أو سرقتها؟ انكمشت في مقعدها واحتضنت حقيبتها بقوة ونظرت إليه بريبة واضحة.

لاحظ السائق نظرة الخوف في عينيها فتغيرت ملامحه إلى الأسف وقال بنبرة صادقة
_ لا لا متخافيش مني كده، عيب عليكي إحنا مصريين وجدعان أنا بس بحاول أساعد ولو مش مطمنالي امسكي تليفونك واتصلي بشرطة النجدة خليهم معاكي على الخط لحد ما أوصلك المطار بنفسي أنا كل اللي عايزه أعمل معاكي الواجب انتي مهما كان ضيفتنا.

كلماته الصادقة واقتراحه بأن تتصل بالشرطة كانا كفيلين بتهدئة مخاوفها، شعرت بالخجل من شكوكها. 
نظرت في عينيه عبر المرآة ورأت فيهما صدقًا لم تره منذ وقت طويل، أومأت برأسها بصمت موافقة.

ابتسم السائق ابتسامة اخوية وقال بحماس
_ خلاص اتفقنا هنروح دلوقتي أقرب بنك نغير الفلوس وبعدين أوديكي مكتب مصر للطيران أحجزلك التذكرة وهفضل معاكي لحد ما أطمن إنك ركبتي الطيارة بنفسي اعتبريني زي أخوكي الكبير.

التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏



1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل