ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 3 | رانيا الخولي

تم النشر في: 20 أبريل 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل الثالث

تم النشر الإثنين 

 20/4/2026



أومأ يامن بالموافقة لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الشعور بأن الأمر ليس بهذه البساطة وبينما كان يعيد الأوراق إلى الحقيبة لم يلاحظ وجود خياطة غير متساوية في بطانة الحقيبة الداخلية من الأسفل، خياطة يدوية تختلف عن بقية خياطة المصنع
 خلف تلك البطانة جيب سري صنعته هي بنفسها، كان يرقد جواز سفر باسمها الحقيقي، وبطاقة هويتها وكل الأدلة التي تربطها بعائلة التهامي. 
كانت هويتها الحقيقية على بعد سنتيمترات قليلة من أصابعه لكنها كانت في عالم آخر تمامًا.

أغلق يامن الحقيبة وقد ترسخت في ذهنه هوية "روزا ميلر" السائحة الأمريكية الغامضة، لقد نجحت خطوتها الأولى حتى وهي فاقدة للوعي.

❈-❈-❈

كانت تعود إلى الوعي ببطء كمن يصعد من بئر عميق ومظلم.
 الأصوات المشوشة في رأسها بدأت تتخذ شكلاً، والظلام بدأ يتبدد ليحل محله ضوء خافت ومغلق.

ومضة سريعة..
يد غليظة تمسك بذراعها بقوة
رائحة كحول رخيصة تلفح وجهها
صوت لزج يهمس في أذنها: 
"ليلة واحدة... لن تندمي."

عيون تراقبها من الظل في زقاق خلفي للمطعم ليست نظرة فضول، بل نظرة مفترس يراقب فريسته تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض

صفعة قوية على وجهها ألم حارق وطعم الدم في فمها صوت غاضب يصرخ: 
"قلت لكِ لا ترفضي لي طلبًا"

ظهر آدم العريض وهو يقف أمامها يواجه الخطر الذي كان يتهددها
يداه مفتوحتان على الجانبين كأنه يحاول حماية العالم كله من خلفه
صوته الحازم وهو يقول: 
"لن تلمسها طالما أنا أتنفس"

فتحت عينيها فجأة وشهقت شهقة مكتومة
كانت تحدق في سقف غريب مزخرف بنقوش لم ترها من قبل لم تكن في غرفتها بالفندق أين هي؟ 
حاولت أن تنهض لكن جسدها كان ثقيلاً كأنه مصنوع من الرصاص وشعرت بدوار شديد يجبرها على الاستلقاء مرة أخرى.

أدارت رأسها ببطء كانت في غرفة واسعة أثاثها بسيط وأنيق وتطل نافذتها الكبيرة على حديقة خضراء. 

كان هناك محلول معلق بجانب السرير وأنبوب رفيع يمتد منه إلى وريد في ظهر كفها.
ارتعش جسدها رغماً عنها ونسيت كل شيء
لا تتذكر أين هي ومن أتى بها إلى هنا؟ هل أمسكوا بها؟ هل أعادها رجال ذلك المجرم؟ بدأ الرعب يتسلل إلى قلبها
وضعت يدها على خدها بشكل لا إرادي كأنها لا تزال تشعر بألم الضربة 
_اهدي متخافيش.
صوت نسائي هادئ جعلها تجفل التفتت نحو مصدر الصوت فرأت فتاة تجلس على مقعد بجانب السرير كانت تاليا تراقبها بهدوء.

نظرت إليها روزا بعينين متسعتين بالخوف وعدم الفهم حاولت أن تتكلم لكن حلقها كان جافًا ومؤلمًا.

لاحظت تاليا حركتها فاقتربت منها أكثر وقالت بنبرة مطمئنة
_ متخافيش إنتي في أمان محدش هيأذيكي اهنه.

كلمة أمان أثارت فيها ذكرى، ذكرى مختلفة لم تشعر بها يومًا منذ وفاة والدها.

تجمعت الدموع في عينيها وهي تتذكر من حاول حمايتها والثمن الذي ربما دفعه.

نظرت إلى تاليا مرة أخرى وبصوت متقطع ومبحوح تمكنت أخيرًا من تكوين سؤال بلغتها
_ أنا... أين...أنا؟

ابتسمت تاليا ابتسامة خفيفة وردت بالإنجليزية 
_ إنتِ في منزل عائلة التهامي لقد وجدكِ أخي على الطريق فاقدة الوعي وآتى بكِ إلى هنا
كنت تعانين من ضربة شمس وجفاف شديد، لكن حالتك بدأت بالتحسن أنا دكتورة واسمي تاليا.

اسم "التهامي" وقع على مسامعها كصخرة سقطت في بئر عميق لقد عادت لوعيها وتذكرت لقاءها بتلك العيون الفولاذية
لقد نجحت، لقد وصلت لكنها لم تصل كذئب يقتحم عرينًا بل كحمل جريح تم إنقاذه وإحضاره إلى قلب العرين، نظرت إلى الفتاة التي تدعى تاليا ابنة عدوها، التي كانت تعتني بها شعرت بمزيج غريب من الانتصار والارتباك الشديد.

لقد بدأت اللعبة ولكن ليس بالطريقة التي خططت لها على الإطلاق.

نظرت "روزا" إلى الفتاة التي تدعى تاليا ابنة عدوها وهي تعالجها شعرت بدوار لا علاقة له بحالتها الجسدية بل هو دوار الموقف الذي وجدت نفسها فيه.
كان عليها أن تبدأ في بناء قصتها الآن قبل أن تنهار دفاعاتها

قالت بصوت ضعيف ومتقطع وهي تمثل الارتباك ببراعة ممزوجة بضعفها الحقيقي
_ التهامي؟ أنا... أنا لا أفهم أنا سائحة كنت في طريقي إلى الأقصر، لكن... لكن سيارة الأجرة تركتني في منتصف الطريق.

لعبت تاليا دور الطبيبة المسؤولة ولم تعلق على قصتها
_ لا تتعبي نفسك بالحديث الآن جسمك يحتاج راحة وسوائل لقد فقدتِ الكثير من الماء.

في تلك اللحظة فتح باب الغرفة بهدوء ودخلت نغم وهي تحمل صينية فضية صغيرة عليها طبق من حساء الدجاج الساخن وكوب من عصير الليمون الطازج كانت خطواتها هادئة ونظراتها تحمل مزيجًا من الشفقة والفضول
_ صحيتي يا بنتي؟ حمد الله على السلامة.

قالتها نغم بنبرة دافئة وحنونة ووضعت الصينية على طاولة صغيرة بجانب السرير هذا الدفء غير المتوقع أربك روزا أكثر من أي شيء آخر
كانت تتوقع القسوة أو على الأقل البرود لكنها قوبلت بحنان أموي لم تعرفه قط.

نظرت روزا إلى نغم ثم إلى الحساء وشعرت بدموع حقيقية تتجمع في عينيها هذه المرة دموع من الإرهاق والجوع والارتباك العاطفي
قالت تاليا
_هي مش بتتكلم عربي.
رفعت روزا رأسها وتمتمت بنفي ولهجة متقطعة اكتسبتها من والدها الذي لم يتحدث معها سوى بها
_لا..... انا اتحدثها.... بطلاقة.

لاحظت نغم دموعها فجلست على حافة السرير وربتت على يدها برفق
_ متبكيش  يا حبيبتي إنتي بخير وسطينا أنا نغم والدة تاليا يلا لازم تاكلي حاجة عشان صحتك ترجعلك.

بدأت تاليا تساعد روزا على الجلوس مسندة ظهرها بالوسائد 
أمسكت نغم بطبق الحساء وبدأت تطعمها بملعقة صغيرة كما لو كانت تطعم طفلة صغيرة.

مع كل ملعقة حساء دافئة تنزل إلى جوفها الخاوي كانت روزا تشعر بقواها الجسدية تعود إليها ببطء، لكن قواها النفسية كانت تتآكل
هذا الحنان هذا الاهتمام... كان عكس كل ما توقعته
كان من الأسهل أن تكره أناسًا قساة لكن كيف تكره من يطعمك بيده وأنت في أضعف حالاتك؟

بين الملعقة والأخرى بدأت روزا تتحدث بصوت أقوى قليلاً وهي تنسج خيوط كذبتها الأولى
_ اسمي روزا... روزالين ميلر أنا من نيويورك هذه أول زيارة لي لمصر أردت أن أرى التاريخ والآثار... لكن كل شيء سار بشكل خاطئ.

قالت نغم وهي تبتسم لها
_ بسيطة يا روزا بتحصل المهم إنك بخير دلوقت بلدنا كبيرة والطريق طويل كان لازم تاخدي طيارة من الأول.

أطرقت روزا برأسها ممثلة دور السائحة الساذجة التي ارتكبت خطأ
_ أعرف... لقد كان خطئي.

أنهت طبق الحساء وشعرت بدفء يسري في جسدها لأول مرة منذ أيام
نظرت إلى نغم وتاليا المرأتان اللتان تمثلان قلب العائلة التي جاءت لتدميرها وشعرت بصراع داخلي عنيف. 
جزء منها كان ممتنًا لهما وجزء آخر كان يصرخ في أذنها ليذكرها بهدفها وبوالدها الذي مات وحيدًا.

قالت نغم وهي تأخذ الصينية الفارغة
_ ارتاحي دلوجت يا روزا وبكرة الصبح ربنا يسهل چوزي وولادي هيتصرفوا ويشوفوا إزاي يوصلوكي لمكانك بأمان.

خرجت نغم وتركتها مع تاليا أغمضت روزا عينيها وهي تشعر بأنها تغوص في مستنقع من المشاعر المتناقضة
لقد نجحت في الدخول ونجحت في بناء هويتها المزيفة لكن الثمن كان تذوقها لحنان لم تكن مستعدة له، حنان قد يكون أقوى سلاح ضُربت به حتى الآن.
.........
دخلت نغم إلى غرفة المكتب حيث كان جاسر يجلس خلف مكتبه يراجع بعض الأوراق لكن من الواضح أن تركيزه لم يكن حاضرًا بالكامل. 
قالت بابتسامة رضا
_ الحمد لله أكلت طبق الشوربة كله البت شكلها كانت هتموت من الچوع.

رفع جاسر نظره عن الأوراق، وسألها بجدية
_ اتكلمت؟ جالت حاچة؟

جلست نغم على المقعد المقابل له، وتنهدت
_ آه اتكلمت اسمها روزا من نيويورك سائحة غلبانة جت تشوف الآثار، والظاهر إنها تاهت والسواج ضحك عليها ورماها في السكة قلبها طيب جوي وباين عليها بنت ناس.

نظر إليها جاسر نظرة طويلة، ثم قال بهدوء
_ قلبك هو اللي طيب يا نغم بتصدجي أي حد بسرعة.

تغيرت ملامح نغم قليلاً وقالت بنبرة دفاعية
_ وإيه اللي يخليني مصدقهاش؟ البنت كانت عتموت جدامنا شفت حالتها كانت عاملة كيف دي محتاچة مساعدة ورعاية، مش شك وسوء ظن.

هز جاسر رأسه ببطء
_ أنا مش بشك فيها لمجرد الشك أنا بفكر بعقلي، سائحة أمريكية تاچي لوحدها لحد بلدنا اهنه من غير دليل سياحي، من غير مچموعة وتركب تاكسي من المطار لحد اهنه؟ ومعهاش فلوس تكمل طريجها؟ فيه حاچة في الجصة دي مش مظبوطة.

قالت نغم بحماس
_ يمكن معندهاش خبرة يمكن ساذجة شوية مش كل الناس زيك يا جاسر، بتحسب كل خطوة، فيه ناس بسيطة وطيبة وبعدين شفت شكلها؟ دي ملامحها بريئة زي الأطفال.

اتكأ جاسر بظهره على كرسيه  وشبك أصابعه أمامه على المكتب
_ البراءة دي ممكن تكون أكبر سلاح للخداع يا نغم أنا مش بجول إنها شريرة أنا بجول لازم نكون حذرين، يامن بكرة هيكلم السفارة بتاعتها، يتأكد من بياناتها لحد ما نعرف حكايتها بالكامل، خليكي زينا  معاها بس عينك عليها برضك.

قامت نغم وهي تشعر بالضيق من حذر زوجها الذي تراه مبالغًا فيه
_ اللي تشوفه يا جاسر بس أنا جلبي بيجولي إن البنت دي غلبانة ومكسورة الچناح والبيت ده طول عمره مفتوح للمحتاج مش هييچي عليها ونجفله.

خرجت من المكتب وتركت جاسر غارقًا في أفكاره كان يحترم قلب زوجته الطيب، فهو أحد الأسباب التي جعلته يحبها لكنه تعلم من الحياة أن القلوب الطيبة غالبًا ما تكون أول ضحايا النوايا الخبيثة
 كان هناك صوت في رأسه يحذره يخبره أن وصول هذه الفتاة "روزا" إلى عتبة دارهم في هذا التوقيت، ليس مجرد صدفة بريئة.

بعد أن خرجت نغم وتاليا تركت روزا وحيدة في الغرفة الفسيحة لم تعد تشعر بالبرد أو الجوع بل شعرت بثقل من نوع آخر استندت برأسها إلى الوسائد الناعمة وأغمضت عينيها لكن الراحة كانت بعيدة كل البعد.

كان عقلها يموج بالصور والأحاسيس المتضاربة حنان نغم وهي تطعمها، اهتمام تاليا الطبي، كلماتهم الدافئة... كل هذا كان بمثابة سم حلو المذاق لقد جاءت إلى هنا مسلحة بالكراهية، مستعدة لمواجهة وحوش قاسية فوجدت نفسها في حضن عائلة دافئة هذا الاهتمام كان يجرّدها من سلاحها، يذيب جليد الكراهية الذي بنته حول قلبها لسنوات.

 "لا تكوني ضعيفة"

همس صوت والدها في ذاكرتها

 "تذكري ما فعلوه تذكري وحدتك تذكري فقرك تذكري موتي."

فتحت عينيها وحدقت في السقف 
نعم يجب أن تتذكر، هذه الطيبة التي رأتها ليست سوى قناع يخفي وراءه حقيقة أنهم عاشوا في بذخ بينما كان والدها 
ابنهم يموت في فقر مدقع سعادتهم هذه بنيت على أنقاض حياة والدها هذا الدفء الذي شعرت به هو مجرد وهم نار ستلتهمها إن سمحت لنفسها بالاقتراب أكثر.

كانت غارقة في هذا الصراع عندما سمعت طرقًا خفيفًا ومترددًا على الباب. 
لم تجب فتح الباب ببطء شديد وأطلت منه ليال برأسها وعلى وجهها ابتسامة خجولة ممزوجة بفضول لا حدود له
_ ممكن أدخل؟

قالتها ليال بصوت شبه هامس كأنها طفلة تتسلل إلى مكان ممنوع
لم تنتظر روزا لتجيب بل انزلقت ليال إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها بهدوء، كانت تحمل في يدها كتابًا قديمًا.

اقتربت من السرير وجلست على حافة المقعد الذي كانت تجلس عليه تاليا، وهي تتفحص روزا بعينين لامعتين بالفضول.

_ أنا ليال أخت تاليا ويامن حمد الله على السلامة، لما سمعت إنك صحيتي جلت لازمن أچي أشوفك إنتي عاملة ضجة في البيت من ساعة ما چيتي.

تحدثت ليال بسرعة وبهجة كسيل من الكلمات لم تستطع روزا مقاطعته حتى لو أرادت
لم تكن في بهجتها أي نية سيئة بل كان فضولًا شبابيًا خالصًا تجاه هذا الكائن الغريب الذي هبط في عالمهم فجأة.

_أصل شكلنا عمرنا ما شوفنا سائحة اهنه في بلدنا يعني بيبجوا  في الأقصر وأسوان او في سهاج جبلي عند منبع الملكة او المعبد لكن اهنه؟ نادر جوي وإنتي شكلك... زي اللي بيطلعوا في الأفلام الأجنبي شعرك أصفر وعينيكي زرقا إزاي يعني تاهت بيكي السكة لحد اهنه؟

كانت أسئلة ليال مباشرة وبريئة لكنها بالنسبة لروزا كانت كالألغام الأرضية كان عليها أن تختار كلماتها بعناية فائقة.

قالت روزا بصوت هادئ ومصطنع الضعف وبلكنة فصحى
_ إنها قصة طويلة ومحرجة لقد كنت ساذجة.

لمعت عينا ليال باهتمام أكبر وهي تقلد لكنتها
_ أنا بحب القصص الطويلة احكيلي، أنا عندي فضول أموت وأعرف إحنا هنا معندناش أكشن كتير.

نظرت روزا في عيني ليال ورأت فيهما براءة لم ترها من قبل هذه الفتاة لم تكن سوى فراشة ملونة تعيش في حديقة محمية، لا تعرف شيئًا عن قسوة العالم الخارجي
 للحظة، شعرت روزا بوخزة من الغيرة.

قررت أن تستخدم هذه البراءة لصالحها ربما تكون ليال هي أسهل بوابة لقلب هذه العائلة.

بدأت روزا في سرد نسخة معدلة ومختصرة من قصتها المزيفة تتحدث عن حبها للتاريخ، ورغبتها في رؤية مصر الحقيقية بعيدًا عن المسارات السياحية المعتادة، وكيف أن طيبتها الزائدة وثقتها في الناس أوقعتها في هذا المأزق.

كانت ليال تستمع باهتمام شديد وتتفاعل مع كل كلمة
_ يا خبر معجول فيه ناس وحشة كده؟ يرموكي في الصحرا لوحدك؟

ثم قالت بحماس
_ بس متجلجيش إنتي حظك حلو إنك وجعتي في إيدين يامن أخويا ده سوبرمان العيلة مفيش حاچة بتجف جدامه.

كلمة "يامن" جعلت قلب روزا ينبض بقوة
إذن هذا هو انطباعهم عنه البطل المنقذ، هذا سيجعل مهمتها أكثر صعوبة وأكثر حلاوة عندما تنجح.

لاحظت ليال الكتاب الذي في يدها فرفعته وقالت
_ صحيح جبتلك ده معايا ده كتاب صور عن تاريخ الصعيد والآثار اللي فيه جلت بما إنك بتحبي التاريخ ممكن تتسلي فيه شوية.

أخذت روزا الكتاب منها وشعرت ببرودة صفحاته على يديها المرتعشتين لفتة أخرى من اللطف غير المتوقع لفتة أخرى تزيد من تعقيد مهمتها
_ شكرًا... شكرًا يا ليال.

قالتها روزا بصدق فوجئت به هي نفسها
ابتسمت ليال وقالت
_ العفو إحنا اهنه كلنا إخواتك هسيبك ترتاحي دلوجت وبكرة أكيد هنكمل كلامنا.

خرجت ليال من الغرفة تاركة وراءها عطرًا من الحيوية والبراءة وكتابًا مليئًا بالصور أمسكت روزا بالكتاب وفتحت صفحة عشوائية فوجدت صورة لسرايا قديمة لمعابد وينابيع
وباللغة العربية وهي لا تجيد قراءتها
لقد اكتسبتها فقط من الصوت عن والدها وبعض الجيران المصريين هناك.

أغلقت الكتاب بقوة ووضعته جانبًا لقد كانت هذه المواجهة مع ليال أصعب من مواجهة جيش بأكمله
 الكراهية الواضحة يمكن محاربتها لكن كيف تحارب اللطف البريء؟ كيف تدمر عالم فتاة أهدتك كتابًا لتسليتك؟

أغمضت عينيها مرة أخرى وشعرت بأنها عالقة في شبكة لم تنسجها هي شبكة من الحنان والاهتمام وكل خيط فيها يهدد بخنق خطتها للانتقام.
❈-❈-❈

كانت لا تزال تحاول استجماع شتات أفكارها بعد زيارة ليال المربكة عندما سمعت طرقًا واثقًا على الباب يختلف تمامًا عن طرق ليال المتردد قبل أن تجيب فُتح الباب ودخل يامن.

إذا كان لقاؤهما الأول على الطريق صدمة كهربائية، فإن هذا اللقاء كان بمثابة تيار بارد من التوتر سرى في الغرفة كان يرتدي جلبابًا صعيديًا بسيطًا وأنيقًا، مما منحه هيبة مختلفة عن صورته بالملابس الرسمية. 
وقف عند الباب للحظات يتفحصها بنظرة هادئة وحادة نفس النظرة التي ورثها عن والده نظرة محامي يقرأ ما وراء الكلمات.

شعرت روزا بأنفاسها تحتبس هذا هو الرجل الذي جاءت من أجله الهدف 
العدو
أجبرت نفسها على التنفس ببطء وعلى ارتداء قناع الفتاة الأجنبية البريئة والضعيفة.

تقدم يامن ببطء إلى الغرفة ووقف على بعد مسافة آمنة من السرير.
_ مساء الخير أنا يامن، حمد الله على السلامة.

أجابت روزا بصوت خفيض ومصطنع الضعف مع لكنة أجنبية واضحة
_ أهلاً أختك... والدتك... أخبروني أنك من أنقذني شكرًا لك.

أومأ يامن برأسه إيماءة خفيفة، متقبلاً شكرها دون أي تعليق إضافي.
_ ده واجبنا أي شخص في مكاننا كان هيعمل نفس اكده

ثم انتقل مباشرة إلى صلب الموضوع تمامًا كما توقعت
_ والدي وأنا شوفنا شنتطك على أمل أن نلاقي أي معلومات تساعدنا في الوصول لعيلتك أو أي حد يعرفك وجدنا جواز سفرك، آنسة روزالين ميلر صحيح؟

كان يختبرها يلقي بالمعلومة ليرى رد فعلها
حافظت روزا على هدوئها الظاهري وأومأت برأسها
_ نعم هذه أنا ليس لدي عائلة قريبة أنا أسافر بمفردي.

ضيق يامن عينيه قليلاً
_ تسافري لوحدك؟ في منطقة  زي دي؟ ده تصرف... جريء جدًا أو ربما غير حكيم.

شعرت روزا بالمكر في كلماته لم يكن يسأل، بل كان يحلل ويصدر حكمًا
_ لقد تعلمت درسي بالطريقة الصعبة

قالتها وهي تنظر إلى يديها التي تضغط عليها كي تمنع اهتزازها عندما تشعر بالقلق او الخوف ممثلة دور النادمة الخجولة

جلس يامن على المقعد الذي كانت تجلس عليه أخواته لكنه لم يجلس باسترخاء جلس على حافته في وضع استعداد، كأنه في استجواب غير رسمي.

_ روزا... ايه اللي جابك هنا؟ مش مصر أقصد البلد دي تحديدًا
وليه على الطريق اللي بيودي لأراضينا مباشرة 
هل كان مجرد صدفة؟

كان سؤاله مباشرًا كالسهم شعرت روزا بقلبها يدق بقوة، لقد شك في الأمر.

أجبرت نفسها على رفع نظرها إليه وقد احتاجت يدها لمجهود مبذل كي تسيطر على رجفتها وحافظت على تعابير الارتباك البريء على وجهها
_ صدفة؟ بالطبع كانت صدفة أنا لا أعرف أي أحد هنا، سائق سيارة الأجرة... قال إنه سيأخذني إلى محطة الحافلات للذهاب إلى المعبد لكنه أخذ أموالي وتركني هناك في منتصف اللا مكان
لم أكن أعرف أين أنا بدأت السير فقط على أمل أن أجد أي شخص.

كانت تكذب وهي تنظر مباشرة في عينيه تحدي صامت لقدرته على كشف الحقيقة.
شعرت بجفاف حاد في حلقها اخرجت يدها من أسفل الغطاء ومدت يدها لتأخذ الكوب لكن رعشت يدها جعلته يهتز بشدة
مد يامن يده قبل أن يسقط من يدها لكنها انتفضت بشدة عندما لامست يده يدها دون قصد منه وسحبتها مسرعة وتحتضنها بيدها الأخرى بوجل
اندهش يامن من فعلتها وناولها الكوب فيجد وجهها قد احمر بطريقة تدعوا للريبة 
_اتفضلي اشربي.
ابتلعت غصة في حلقها وحاولت ان تبدو متماسكة وتخفي الرعب الذي شعرت به من ملمس يده يدها
هزت راسها برفض مما جعل شك يامن يصبح يقين 
ظل يامن يحدق بها للحظات صامتًا كأنه يحاول أن يرى من خلال قناعها 
كان الصمت ثقيلاً وموترًا، بالنسبة لروزا كانت تلك اللحظات أطول من دهر.

أخيرًا وقف وقال بنفس نبرته الرسمية
_ تمام بكرة إن شاء الله هتصل بالسفارة الأمريكية أبلغهم بوجودك هنا وبأنك بخير، هما هيتولو  مساعدتك بعد كدة.

ثم استدار ليغادر وقبل أن يخرج التفت إليها مرة أخرى وقال
_ ارتاحي دلوقت أنتِ ضيفتنا لحد ما تستردي صحتك.

خرج وأغلق الباب خلفه تاركًا روزا تتنفس الصعداء لقد مرت من الاختبار الأول لكنها كانت تعلم أن هذه مجرد البداية، نظرات يامن لم تكن نظرات شخص صدق القصة بالكامل كانت نظرات محامي جمع الأدلة الأولية، ولكنه لم يغلق القضية بعد.

لقد رآها وتحدث معها والآن بدأ الشك ينمو في عقله اللعبة الحقيقية قد بدأت.
لكن هي لم تبدأ بعد
لا قوة لها ولا عقل مدبر
من كان يفعل كل شيء لأجلها رحل وتركها وحيدة تصارع قسوة الحياة…

بمجرد أن أُغلق الباب خلف يامن انهار القناع الذي كانت ترتديه روزا تمامًا، انزلقت على السرير وضمت ركبتيها إلى صدرها وبدأت ترتعش بشكل عنيف لا يمكن السيطرة عليه، لم تكن رعشة خوف من المواجهة بل كانت رعشة ما بعد الصدمة.
لقد كشفت نفسها 
ردة فعلها وارتعاشة يدها الملحوظة.... لقد رأها، رأى الجرح الذي حاولت إخفاءه بشتى الطرق الآن هو لا يشك في قصتها فحسب، بل يشك في كل كيانها.
أغمضت عينيها بقوة كأنها تحاول الهرب من حقيقة الموقف لكن عقلها لم يتركها بل قذف بها إلى الماضي، إلى الشخص الوحيد الذي كان لمسته أمانًا وليس تهديدًا.
آدم...
ومضات لذكريات لهما
تبكي وحيدة في زاوية المطعم 
مجيء آدم من خلفها ولم يقل شيئًا فقط وضع يديه على كتفيها، ثم احتضنها من الخلف مسندًا ذقنه على رأسها، لم يكن حضنًا شهوانيًا بل كان حضن أخ كبير، يقول لها بصمت: 
"أنا هنا كل شيء سيكون بخير" 
فتحت عينيها والدموع تسيل على وجهها بصمت، لم يكن لديها أحد الآن ليحتضنها
هي وحيدة في مواجهة هذا العالم.
ذكرى أخرى
لأذرع تسحبها عند مخرج المطعم لكن كان جسد آدم قد أصبح حاجزًا بينهما، أمسك بيد الرجل بقوة وعيناه تقدحان شررًا
"فكر مرة اخرى في الاقتراب منها وسوف اندمك على ذلك"

آدم الذي كان بالنسبة لها جيشًا بأكمله
تزايدت رعشة جسدها وهي تتذكر قوته التي كانت تحميها، القوة التي لم تعد موجودة
ومضة أخرى جعلت جسدها ينتفض برعب
الظلام.... صوت إطارات السيارات وهي تصرخ على الطريق 
هو يدفعها بقوة إلى داخل سيارة صديقه
"اهربي نادي، اهربي"
ثم صوت الرصاص الذي يصم الآذان
صرخته الأخيرة لم تكن صرخة ألم بقدر ما كانت صرخة تحمل اسمها... "نادي"
عادت إلى الحاضر وجسدها يهتز بعنف كأن الرصاصة لم تخترقه هو بل اخترقتها هي. 

كانت أنفاسها متقطعة وأسنانها تصطك ببعضها وعيناها زائغتان لا تريان الغرفة بل تريان تلك الليلة المظلمة مرارًا وتكرارًا.

في تلك اللحظة فتح الباب بهدوء كانت تاليا قد عادت لتطمئن على حالة "روزا" قبل أن تذهب للنوم لكنها تجمدت في مكانها عندما رأت المشهد، لم تكن الفتاة نائمة بل كانت في حالة انهيار تام جسدها يرتعش بشكل مخيف.

نسيت تاليا أنها طالبة طب وتصرفت كإنسانة قلقة. 
جرت نحو السرير بسرعة
_ روزا…. روزا في إيه؟ مالك؟

أمسكت بكتفيها محاولة تهدئتها لكن روزا انتفضت مرة أخرى من اللمسة المفاجئة، وصرخت صرخة مكتومة مليئة بالرعب

هنا استعادت تاليا رباطة جأشها كطبيبة 
تراجعت خطوة للوراء ورفعت يديها في حركة مهدئة وقالت بصوت هادئ وثابت كما تعلمت في تدريبها
_ أنا آسفة أنا آسفة، مش هلمسك  إنتي في أمان
بصيلي يا روزا، ركزي معايا.

بدأت روزا تسمع صوتها ضجيج ذكرياتها.
_ اسمعي صوتي بس خدي نفس عميق معايا. 

لم تحاول لمسها مرة أخرى بل استخدمت صوتها فقط كطوق نجاة
بدأت كلمة آمان تخترق الحواجز التي بناها عقلها حوله.
ببطء، ببطء شديد بدأت رعشة روزا تهدأ وبدأت أنفاسها تعود إلى طبيعتها، وبدأت عيناها تفقدان نظرتهما الزائغة وتعودان للتركيز على وجه تاليا القلق
واستغاثت به دون وعي
_آدم…

قطبت تاليا حاجبيها بحيرة من ذلك الاسم لكنها تلاشته وعادت لتهدئها
عندما هدأت تمامًا لم يتبق سوى جسد منهك ودموع صامتة، ونظرة ضياع كاملة. 
لم تسألها تاليا عما حدث لقد أدركت كطبيبة وكفتاة في مثل عمرها أن الجروح التي أمامها أعمق بكثير من مجرد ضربة شمس

❈-❈-❈

في القاهرة
فور وصول يامن
ألقى السلام بوقاره على الموجودين ثم دلف مكتبه
كان يامن انعكاسًا تامًا لشخصيته: منظم بدقة متناهية يسوده الصمت والوقار وكل قطعة أثاث فيه تنطق بالفخامة الهادئة والقوة. 
جلس خلف مكتبه وأغرق نفسه في أوراق قضية معقدة بعد ان طلب قهوته، وضوء النهار الذي يتسلل من النافذة يبرز ملامحه الحادة التي ورثها عن أبيه جاسر؛ ملامح رجل لا يعرف الهزل ولا يقبل بأنصاف الحلول.

قاطع تركيزه صوت السكرتيرة عبر الإنتركم
_أستاذ يامن في دكتورة اسمها حنين صالح عايزة تقابل حضرتك ضروري من غير معاد سابق.

قطب يامن حاجبيه بانزعاج طفيف هو لا يحب المفاجآت ولا يقدر الإصرار الذي لا يستند إلى منطق.
_خمس دقائق وبعدين دخليها

بعد خمس دقائق بالضبط فتح الباب لتطل منه فتاة شابة لم تكن تشبه العملاء الذين اعتاد عليهم، كانت ترتدي ملابس بسيطة وعملية وشعرها مربوط بإهمال يشي بأنها كانت في عجلة من أمرها لكن ما لفت انتباهه حقًا هو ما كان في عينيها: مزيج من الإرهاق الشديد والغضب الذي يشبه جمرة متقدة وعناد لا يمكن تجاهله.

دخلت الدكتورة حنين بخطوات ثابتة ووقفت أمام مكتبه دون انتظار دعوة للجلوس
_أستاذ يامن التهامي؟

أومأ برأسه ببطء وأشار إلى المقعد المقابل له
_اتفضلي.

جلست لكنها ظلت على حافة المقعد، كأنها تستعد للهرب في أي لحظة، وضعت حقيبتها على الطاولة امامها وبدأت الحديث مباشرة دون مقدمات.
_اسمي حنين صالح دكتورة جراحة، تم فصلي من مستشفى(......) النهاردة وبطلب منك ترفع انت قضية تعويض ورد اعتبار

نظر إليها يامن ببرود مقيمًا الموقف
_وايه هو السبب المذكور في القرار الرسمي؟
أخرجت ورقة مطوية من حقيبتها ودفعتها عبر المكتب نحوه
 _القرار بيقول مخالفة سياسات المستشفى المالية وتعريض مواردها للخطر.

قرأ يامن السطر بتمعن ثم رفع عينيه إليها وقد علت وجهه نظرة تحليلية باردة.
_ياريت توضحي أكتر يا دكتورة
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل