تم النشر في: 15 أبريل 2026
قراءة رواية دماء ذهبية كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: دماء ذهبية
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: سمر إبراهيم
الفصل: الثاني
تم النشر يوم الأربعاء
15/4/2026
صباح
خرجتا من المنزل عند غروب الشمس لتسير هالة على مضض تشعر بقبضة تعتصر قلبها لا تعلم سببها فأمسكت وفاء بيدها بقوة تحثها على السير وذهبتا معًا إلى قرية تبعد عنهم بضعة كيلو مترات كانت تراقب نظرات أهل القرية القرية إليهما منذ أن ولجا إليها والتي تتزايد كلما اقتربتا من وجهتيهما وعندما سألت وفاء أحد المارة عن منزل الشيخة صباح كما يطلقون عليها لم يجيبها وفر هاربًا وكأنه قد رأى شبحًا لتزداد قبضة قلبها وشعرت برغبة بالفرار ولكن وفاء لن تسمح لها بذلك.
وصلتا إلى المكان المنشود منزل متهالك قديم الطراز يتكون من طابق واحد له باب خشبي طخم به مقبض على شكل كف يد وقفتا أمامه لتشم هالة رائحة بخور نفاذة وغريبة خارجة منه.
طرقتا الباب عدة طرقات وانتظرنا قليلًا حتى انفتح لتطل من خلفه امرأة كبيرة في السن متشحة بالسواد، متجهمة الوجه، أشارت لهما لكي يتبعاها دون أن تنطق بملمة أو تسألهما ما الذي يريدانه.
ولجا خلفها بوجل كانت أرضية المنزل مصنوعة من الخشب الذي يصدر صوت طقطقة عند السير عليه، سارا في طرقة متوسطة الطول، ثم أدخلتهما غرفة كبيرة مفروشة بالحصير وبها عدد كبير من المساند القطنية ملقاة على الأرض ومعدة للجلوس عليها
أمرتهما بالجلوس حتى تسمح لهما الشيخة صباح بالدخول وتركتهما وغادرت الغرفة مغلقة الباب من خلفها.
غرفة خافتة الإضاءة، وبدون نوافذ، جو كئيب، وهالة من الطاقة السلبية تملأ المكان، وتلك الرائحة الغريبة التي تشبه رائحة العفن والتي لا تستطيع رائحة البخور أن تغطي عليها لا ترأف بها أبدا، لا تدري لما قلبها منقبض تلك المرة أكثر من كل المرات السابقة، تشعر بأن شيء سيء سيحدث لها ولا تدري ما هو.
ما يقرب من نصف ساعة مرت كأنها دهرًا الدقائق لا تمر وكأن الزمن توقف بها في تلك الغرفة المقيتة ليفتح باب الغرفة وتظهر تلك السيدة مرة أخرى لتطلب منهما أن يتبعاها.
سارت بهما في طرقة جانبية وتوقفت أمام غرفة مقفلة يتسلل من أسفل بابها أدخنة كثيفة من البخور، دقت على الباب عدة دقات حتى سمعوا صوت أنثوي يسمح للطارق بالدخول فادخلتهما واغلقت الباب خلفهما.
غرفة تكاد تكون مظلمة لا ينيرها سوى مصباح ضعيف الإضاءة والأدخنة تملؤها لتحجب الرؤية أكثر و أكثر وبتدقيق النظر وجدا سيدة تجلس في ركن من الغرفة وتضع أمامها مبخرة ضخمة تلقي بها حفنة من البخور بين الفينة والأخرى.
امرأة عجوز مقبضة تتشح بالسواد إحدى عينيها عليها مياه بيضاء تزيد من هالة الغموض التي تحيط بها وتجعل من يقف أمامها يرتعد خوفا بمجرد نظرة واحدة منها.
أشارت إليهما ليجلسا أمامها ثم حدثتهما بنبرة صوت مرعبة تشبه فحيح الأفعى:
- خير جايين ليه طلباتكم إيه.
انعقد لسان هالة ولم تستطع أن تنطق بحرف لتتحدث وفاء بصوت مهزوز تسمعه منها لأول مرة فلم تعتقد أبدًا أن يأتي اليوم الذي ترى فيه تلك المرأة المتجبرة خائفة من شيء ما:
- احنا جايين طمعانين في كرمك يا ستنا مرات ابني بقالها خمس سنين مخلفتش ونفسنا في حتة عيل يشيل اسم أبوه ولو حصل وجت البشارة على حسك ليكي الحلاوة كل اللي هتطلبيه عنيا ليكي.
نظرت صباح لهالة نظرات متفحصة ثم طلبت منها أن تقترب منها ولكنها لم تفعل في بادئ الأمر لتزجرها صباح وتحدثها بلهجة آمرة:
- قولتلك قومي اقفي قدامي هنا حالًا فزي يلا.
دون إرادة منها وجدت نفسها تقف أمامها لتأمرها بالجلوس وإغماض عينيها ثم وضعت يدها فوق رأسها وتمتمت ببعض الكلمات الغير مسموعة.
أحست بدوار في رأسها وطنين في الأذن وثقل في القلب وفجأة وكأنها في عالم آخر كل ما تشعر به هو وجود خيالات حولها، خيالات لأجسام هلامية غير واضحة المعالم يقتربون منها ويحاولون لمسها ولكنهم يفشلون في ذلك وكأن حولها هالة تمنعهم عنها.
بعد لحظات أفاقت على صوت وكأنه آتٍ من عالم آخر ينادي عليها، استطاعت فتح عينيها بصعوبة شديدة لتظهر أمامها صورة مشوشة لمرأتين تنظران إليها وتضع إحداهن يدها على رأسها لتتضح الرؤية شيئا فشيئا لتستعيد وعيها وتعلم ماهية المرأتين وتعلم أين هي لتتعجب من كونها تنام على ظهرها فآخر ما تتذكره أنها كانت تجلس أمام تلك المرأة الغريبة.
اعتدلت في جلستها ليصيبها الذهول من حالة حماتها فلأول مرة تراها بهذه الحالة الغريبة فاغرة الفم جاحظة العينين يظهر عليها علامات الرعب.
أمسكت هالة بيد وفاء ليزداد تعجبها عندما شعرت برعشة يدها فسألتها وهي عاقدة الحاجبين:
- مالك يا ماما؟ انتي عامله كدا ليه؟ وايدك بترتعش أوي ليه كدا؟ حصل حاجة ولا إيه؟
تعجبت وفاء من تلك الأسئلة وكأنها لا تتذكر ماذا حدث فسحبت يدها منها سريعًا وحدثتها بنبرة تشوبها الريبة.
- يعني انتي مش عارفة في إيه؟ وإيه اللي عملتيه دلوقتي؟
أشارت إلى نفسها بتعجب وعقبت باستفهام:
- أنا عملت إيه؟
عقدت حاحبيها وقبل أن تتحدث وجدت صباح تعقب وهي تنظر إلى زوجة ابنها بتركيز شديد:
-انتي آخر حاجة فاكراها إيه؟
أخبرتهما بما رأته وشعرت به في تلك الدقائق المعدودة الاي مرت عليها لتزداد دهشة وفاء التي بادرت بالحديث:
- كام دقيقة إيه اللي بتقولي عليهم؟ انتي بقالك أكتر من ساعتين غايبة عن الوعي دا غير الحاجات اللي عملتيها.
وأطنبت في الحديث لتقص عليها ما حدث بعد أن أشارت إليها صباح بيدها سامحة لها بذلك:
- إنتي أول ما غمضتي عينك وبدأت الشيخة صباح تقرأ عليكي بدأتي تتشنجى جامد ووقعتي عالأرض وبدأت رغاوي بيضة تخرج من بؤك وتقولي كلام غريب وبدأ صوتك يتغير ويتخن زي ما يكون راجل هو اللي بيتكلم بعد كدا فضلت الشيخة تقرأ عليكي لحد ما غيبتي عن الوعي وفين وفين على ما عرفنا نفوقك تاني.
كانت تبدل نظراتها بينهما بجهل لاتصدق أي مما سمعته فهي لا تتذكر أي شيء من ذلك ولا تعلم عن ماذا تتحدث تلك المرأة وهنا وجهت صباح حديثها إليها لتسألها بضعة أسئلة وعي تنزر إليها نظرات فارغة:
- قوليلي مبتحلميش أحلام غريبة؟ حد بيجي في الحلم وبيحاول يقرب منك أو يلمسك حتى لو كان جوزك.
نظرت لصباح بتركيز شديد وكأنها تحاول التذكر لترد عليها بالإيجاب:
- أيوة بيحصل كتير جدا في الأول كان بيبقى راجل غريب ملامحه مش باينة بس بعد كدا الحلم بقى يتكرر بس كان يبقى قدري هو اللي في الحلم.
- طيب كان بيحصل بينكم حاجة في الحلم ولا مبيحصلش؟
صمتت لبرهة لتتذكر جيدًا:
- لا مكانش بيحصل حاجة كان بيحاول يقرب بس أنا ديما كنت بقاوم حتى لما كنت بستجيب كنت بقوم من النوم فجأة قبل ما يحصل حاجة.
كان وجه صباح لا يقرأ، لا يظهر عليها أي تعبير أو رد فعل لحديث هالة ثم قامت وأمرتها أن تقف وأخذت تمرر يديها على جسدها وهي تتمتم ببعض كلمات غير مسموعة وعندما جائت عند بطنها أخذت تمرر يديها من أعلى لأسفل أكثر من مرة وحدثتها قائلة:
- أول ما تحسي ان فيه نقطة مية نزلت منك قوليلي.
أخذت تكرر حركة يديها على بطنها وكأنها تريد لشيء ما مجهول أن ينزل من بطنها وبالفعل بعد لحظات أحست هالة بتلك النقطة التي قالت عليها لتعلمها بذلك.
توقفت صباح عما تفعله ثم أتت لها بكوب به سائل يشبه الماء لتأمرها أن تشرب الكوب بالكامل.
كان الماء له رائحة سيئة للغاية ومر المذاق فلم تستطع أن ترتشف منه أكثر من شربة واحدة وكانت ستتقيأ لتأمرها صباح بأن تكمل الكوب لآخر نقطة وتقاوم القيء بكل الطرق.
استطاعت بصعوبة شديدة تنفيذ كلام تلك المرأة وشربت الكوب كاملًا وعند انتهائها لم تستطع أن تقاوم التقيؤ لتحضر لها صباح وعاء لتتقيأ فيه.
قيء غريب لزج أسود اللون ولا تستطيع التوقف أو التحكم فيه لدرجة أنها ملأت الوعاء والذي كان كبير الحجم.
فور انتهائها لم تستطع الوقوف فجلست مكانها لتسأل وفاء صباح عما حدث لتجيبها الأخرى بثبات:
- مرات ابنك معمولها عمل من وهي بنت والعمل ده معمولها في أكل وشرب وهي شربت وكلت يعني كان متملك منها.
تبادلا النظرات متعجبتان مما سمعاه لتتسائل وفاء وسط زهول هالة:
- طب والعمل يا ستنا؟ ومين اللي عملها العمل ده؟ وعمله ليه؟
أجابتها بنفس الوجه الخالي من التعابير:
- مين اللي عمل العمل ده مقدرش أقول عليه اللي ستره ربه ميفضحوش عبده كل اللي أقدر اقولهولك إن اللي عمله كان غرضه يوقف حالها ومتخلفش وسلط عليها جن عاشق بس الغريبة إن الجن مقدرش يعمل معاها حاجة زي ما تكون محمية من حاجة.
تعجبت هالة من حديثها للغاية ولكنها لم تعقب بشيء لتجد صباح قد قامت لتأتي بورق له شكل غريب لم تراه من قبل عند أي من الدجالين الذين ذهبت إليهم قبل ذلك.
خطت صباح بعض الحروف الغير مفهومة على بضع ورقات ثم أعطتها ثلاث ورقات وقالت لها:
- الورق ده تنقعي منهم كل يوم ورقة من بالليل وتستحمي بيها كل يوم الصبح ومية الحموم مترميهاش في الحمام المية اللي تطلع امسحي بيها الشقة واللي يتفضل كُبيه في الشارع ولما تخلصيهم تجيلي ليلة الجمعة زي دلوقتي.
ثم أعطت مثلهم لوفاء موجهة حديثها إليها:
- الورق ده لابنك ينقعه من بالليل هو كمان ويشرب المية بتاعته كل يوم الصبح.
ثم أخرجت قرطاس من الورق من إحدى الأدراج لتعطيه لها أيضا معقبة:
أما التحويجة دي يخلطها مع نص كيلو عسل نحل جبلي وبعد ما يشرب المنقوع ياخد معلقتين من العسل وميقربش من مراته لحد ما تجولي يوم الخميس بالليل.
نظرت إليها بتعجب وحدثتها باستفهام وهي عاقدة حاجبيها لتفهم منها سبب إعطاؤها تلك الأشياء لابنها:
- وابني ماله يا ستنا؟ أنا ابني زي الفل وانتي بتقولي العمل معمولها هي ابني إيه دخله في الموضوع؟
نظرت لها صباح نظرة أرعبتها لتحدثها بثبات ودون أن تحيد بعينيها عنها:
- اللي أقولك عليه تعمليه من سكات با ولية انتي ولا انتي عايزاني أزعل منك؟ ونصيحة مني ليكي بلاش تشوفي زعلي علشان أنا زعلي وحش أوي مش هتستحمليه.
ارتجفت وفاء من كلام صباح ونظراتها إليها لتجد نفسها تنحني دون إرادة منها وتقبل يدها وتحدثت بخوف وهي على تلك الوضعية:
- العفو والسماح يا ستنا، العفو والسماح، غلطة ومش هتتكرر تاني هعمل كل اللي تقولي عليه.
وأخذت منها تلك الأشياء وأمسكت هالة من يدها نحثها على السير وذهبتا من أمامها في لمح البصر لتتبعهما صباح بنظراتها المريبة إلى أن غابتا عن نظرها لتلتفت يسارا وكأنها ترى أحد ما غير مرئي أمامها وأومأت له برأسها لأعلى ولأسفل مع ابتسامة شيطانية مرتسمة على ثغرها وكأنها كانت في مهمة ما ونفذتها كما يجب.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
