بيت الضراير - الفصل 28 | فاطمة الزهراء

تاريخ النشر: 15-04-2026



قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الثامن والعشرون

تم النشر الأربعاء 

15/4/2026


الفصل السابق

كان تامر يسير في ممر المستشفى بخطى سريعة، ففوجئ بشقيقه يوسف يجلس وحيداً على كرسيه المتحرك أمام باب الغرفة، والوجوم يكسو ملامحه. اقترب منه تامر والقلق ينهش قلبه، وانحنى قليلاً ليسأله:
ـ مالك يا يوسف؟ قاعد هنا كدة ليه؟ حصل حاجة ولا إيه؟
حاول يوسف استعادة هدوئه وأجاب بنبرة مجهدة:
ـ مفيش يا تامر، أنا بخير.. بس كنت بشم شوية هواء. ساعدني بس ندخل الأوضة.
دخل الشقيقان إلى الغرفة، وبدأ تامر يساعد يوسف برفق في تبديل ملابسه استعداداً للمغادرة، ولم يمر وقت طويل حتى دخل الطبيب المعالج لإجراء الفحص الأخير. وبعد أن اطمأن على ثبات الجبيرة واستقرار حالته الصحية، قال الطبيب:
ـ حمد الله على سلامتك يا يوسف، إنت دلوقتي تقدر تخرج وتكمل علاجك في البيت.. بس أهم حاجة الراحة التامة، ومستنيكم بعد أسبوعين بالظبط عشان نفك الجبيرة ونطمن على الكسر.
شعر يوسف بارتياح طفيف، لكن قلبه كان لا يزال معلقاً في الغرفة الأخرى، فالتفت إلى تامر وقال له باهتمام:
ـ تامر، روح دلوقتي عند جيهان، طمني عليها وشوفها لو محتاجة أي حاجة، وقول لكاميليا إني خلصت إجراءات خروجي وهستناهم يطمنوني عليها قبل ما أمشي.
أومأ تامر برأسه وخرج متجهاً إلى غرفة جيهان، بينما بقي يوسف في غرفته يلملم شتات نفسه، مفكراً في كيفية ترتيب حياته القادمة بين مسؤولياته تجاه بناته وزوجاته وبين وضع جيهان الجديد.
وصل تامر إلى غرفة جيهان ليعرف أحوالها، وما إن رأته كاميليا حتى سألته بلهفة:
ـ يوسف عامل إيه يا تامر؟ لسه في أوضته؟
أجابها تامر بهدوء:
ـ يوسف خلاص خلص إجراءات خروجه وماشي دلوقتي، أنا هوصله للفيلا وهرجع لكم على طول علشان مش هسيبكم لوحدكم هنا اليومين دول.
نظرت إليه جيهان بامتنان لكنها قالت بإصرار:
ـ لا يا تامر، خليك مع أخوك، هو محتاجلك أكتر مننا دلوقتي.. إحنا هنا مع بعض وكاميليا معايا، روح إنت وطمنا عليه.
بالفعل، غادر يوسف المستشفى مستقلاً سيارة تامر، وبرفقته والده عدنان وسميرة، وطوال الطريق كان يوسف شارداً، حتى فاجأهم بطلبه:
ـ يا تامر، خدني على بيت أبويا.. أنا محتاج أرتاح هناك، وكمان علشان أكون قريب من المستشفى ومن جيهان.
وصلوا إلى منزل العائلة، حيث استقبلتهم ندى بابتسامة حانية غابت عن وجهها منذ فترة طويلة، وما إن رأى الأطفال والدهم حتى ركضوا نحوه بفرحة عارمة، فضمهم يوسف بحب وشوق كبيرين وهو جالس على كرسيه المتحرك.
قالت ندى وهي تشير إلى إحدى الغرف:
ـ أنا جهزت لك الأوضة اللي في الدور الأرضي يا يوسف، علشان متتعبش في الطلوع والنزول وتكون حركتك أسهل بالكرسي.
شكرها يوسف بعمق، شاعراً بدفء العائلة الذي افتقده وسط الصراعات، ثم اتجه لغرفته ليرتاح قليلاً من عناء الأيام الماضية، وهو يفكر في جيهان التي تركها خلفه وفي المواجهة المؤجلة مع نور.
دخلت سميرة مع يوسف إلى الغرفة، وساعدته بهدوء وصمت حتى استلقى على فراشه، ودثرته جيداً وهي تراقبه حتى استسلم للنوم من أثر التعب والإرادة المنهكة. خرجت بعد ذلك إلى الصالة بخطى هادئة، حيث كان عدنان يجلس بوقاره المعهود وعلى وجهه علامات القلق.
سألها عدنان بنبرة منخفضة:
ـ ها يا سميرة، يوسف عمل إيه؟ ريح؟
أجابته سميرة وهي تتجه نحو المطبخ:
ـ أيوه يا عمي، نام الحمد لله. أنا هقوم دلوقتي أجهز له لقمة دافية تغذي جسمه، علشان أول ما يصحي يلحق ياخد علاجه.
كانوا بنات جيهان الصغيرات يجلسن في زاوية من الصالة، والهدوء يسيطر عليهن بشكل غير معتاد، وكأنهن يشعرن بغياب أمهن وألم والدهن. نظر عدنان إليهن بقلب منفطر وحزن لم يستطع مداراته، ثم التفت إلى ندى وسميرة وقال بصيغة الآمر الحنون:
ـ يا ندى، يا سميرة.. البنات دول أمانة في رقبتكم لحد ما أمهم تقوم بالسلامة. مش عايزهم يحسوا بغياب جيهان ولا بنقص في أي حاجة. اهتموا بأكلهم ولبسهم، وخلوا بالكم منهم كويس، البيت من غير جيهان مالوش حس، وواجبنا نحافظ على حتة منها لحد ما ترجع تنور مكانها.
صعد عدنان إلى غرفته ليستريح قليلاً، تاركاً المهمة لـ تامر الذي أثبت في هذه اللحظات أنه السند الحقيقي للعائلة؛ حيث جمع بنات جيهان وأولاد سميرة معاً، واصطحبهم إلى حديقة المنزل ليفصلهم عن أجواء الحزن والمرض. تعالت ضحكات الصغار وهم يلعبون مع عمهم الذي لم يبخل عليهم بالمزاح والمداعبة، مما أضفى لمسة من الحياة على البيت الصامت.
في الداخل، كانت ندى وسميرة قد انتهيتا من إعداد مائدة الطعام التي جمعت ما لذ وطاب. دخل الأطفال بتوجيه من تامر الذي صعد سريعاً ليوقظ والده ويخبره أن الجميع في انتظار هبوطه.
في تلك الأثناء، دخلت سميرة غرفة يوسف، فوجدته قد استيقظ بالفعل ويجلس على طرف الفراش، وعيناه تحملان أثراً من النوم والهمّ معاً. اقتربت منه وقالت بصوت هادئ:
ـ حمد الله على السلامة يا يوسف، الأكل جاهز والكل مستنيك بره.
قامت بإحضار الكرسي المتحرك ووضعته بجانب السرير، لكن يوسف رغبة منه في استعادة قوته وتحدي إصابته، مد يده وأمسك بـ العكاز بدلاً من الجلوس على الكرسي. وبدأ يسير بخطوات ثقيلة ومؤلمة، لكنها تحمل إصراراً كبيراً، حتى خرج إلى الصالة حيث تجتمع العائلة.
ساد الصمت للحظة عندما رأوه يخرج مستنداً على عكازه، لكن تامر كسر الصمت سريعاً وهو يسحب الكرسي ليوسف:
ـ منور يا بطل.. يلا يا جماعة، بسم الله..
بدأت العائلة بتناول الطعام في أجواء دافئة، وكان المشهد لافتاً للنظر؛ فـ ندى كانت تجلس بجانب بنات جيهان وتطعمهن بحب واهتمام حقيقي، وكأنها تعتذر لهن عما مضى من جفاء، وهو ما جعل يوسف يشعر براحة خفية تسلل إلى قلبه برؤية هذا التآلف.
بعد الغداء، انتقل الجميع إلى الصالة، وساد حديث هادئ حاولوا فيه جاهدين إخراج يوسف من حالة الصمت والضيق التي تلازمه. أراد تامر أن يغير الأجواء تماماً، فذهب وأحضر لوحة الشطرنج، وهو يعلم أن يوسف يجد متعة خاصة وهدوءاً في هذه اللعبة التي تتطلب تركيزاً عالياً.
غمز تامر لوالده عدنان، ثم وضع الطاولة الصغيرة أمام يوسف وقال بمرح:
ـ إيه رأيك يا يوسف؟ تلاعب بابا وتكسبه وتقول له إن الإصابة دي مأثرتش على ذكاء يوسف باشا؟
نظر عدنان لتامر بغضب مصطنع، وهز رأسه مهدداً إياه بضحكة مكتومة وقال:
ـ بقى كدة يا تامر؟ بتسخن يوسف عليا؟ طيب لو كسبت يوسف النهاردة، أنا اللي هوجه لك عقاب خاص إنت بسبب التحريض ده!
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة كانت الأولى منذ الحادث، وبدأ يوزع قطع الشطرنج على الرقعة بأصابع ثابتة. بدأت اللعبة في هدوء تام، 
والجميع يراقبون بحماس؛ ندى وسميرة تتابعان من بعيد وهما تتحدثان بصوت منخفض، والأطفال يراقبون بحيرة لا يفهمون قوانين اللعبة ولكنهم يشعرون بتركيز والدهم وجدهم.
كان يوسف يفكر في كل نقلة وكأنها خطوة في حياته القادمة، بينما كان عدنان يحاول مجاراته ببراعة، محاولاً أن يثبت لابنه أن العائلة ستظل السند المتين الذي لا يهتز.
انتهت اللعبة بإعلان تامر الصاخب عن فوز يوسف، لتمتلئ الصالة بضحكات الأطفال وتصفيق ندى وسميرة. سادت حالة من الفوضى الجميلة التي افتقدها هذا البيت منذ سنوات، وكأن وجود يوسف وأبنائه أعاد الروح للجدران.
بعد هذه الأجواء، بدأ الجميع بالانسحاب تدريجياً؛ صعد تامر إلى غرفته وهو يمزح مع الصغار، وتبعته ندى التي كانت تشعر برضا داخلي عما قدمته اليوم. أما يوسف، فقد تحرك بعكازه بخطوات متزنة نحو غرفته في الطابق الأرضي، وهو يشعر لأول مرة بهدوء نفسي لم يختبره منذ الحادث.
استلقى يوسف على السرير، مسنداً ظهره للخلف وهو يشرد في سقف الغرفة. كانت كلمات الطبيب عن فك الجبيرة بعد أسبوعين تتردد في أذنه، لكن تفكيره كان أبعد من ذلك بكثير؛ كان يفكر في الخطوة الأولى لجيهان. قرر في قرارة نفسه أن الصباح لن يمر قبل أن يطلب من تامر البحث عن أرقى المراكز المتخصصة في أطراف القدم الصناعية، مهما كلفه الأمر، فهو يريد لها الأفضل ليعوضها عما فقدته.
بينما هو غارق في حساباته، انفتح الباب ببطء ودخلت سميرة. كانت خطواتها حذرة، وعيناها تلمعان بتردد واضح، وكأنها تتوقع في أي لحظة أن يشير لها يوسف بيده آمراً إياها بالخروج، خاصة بعد الحالة النفسية المتقلبة التي مر بها مؤخراً.
لكن يوسف ظل صامتاً، يراقب حركتها بهدوء لم تعتده منه. هذا الصمت شجعها قليلاً، فاقتربت بخطوات وئيدة وجلست بجواره على طرف الفراش، وظلت صامتة هي الأخرى، تكتفي بوجودها بجانبه كنوع من الدعم الذي لا يحتاج لآلاف الكلمات.
كـ.سر يوسف الصمت أخيراً وهو ينظر للفراغ:
ـ البنات ناموا يا سميرة؟
التفتت إليه سميرة بلهفة، وكأنها كانت تنتظر أي خيط للحديث وقالت:
ـ ناموا يا حبيبي.. ندى فضلت معاهم لحد ما غرقوا في النوم. متقلقش عليهم، هما هنا في وسطنا وفي أمان.
ساد الصمت مجدداً، لكنه كان صمتاً مختلفاً هذه المرة، أخف وطأة من ذي قبل.
أخذ يوسف نفساً عميقاً، والتفت برأسه نحو سميرة التي كانت تجلس بجانبه بانتظار أي كلمة منه. بدأ يتحدث بنبرة هادئة ورزينة، نبرة رجل أعاد الحادث ترتيب أولوياته ونظرته للحياة:
ـ سميرة.. أنا عارف إن الفترة اللي فاتت كانت صعبة على الكل، وأنا عارف إني قصرت وغلطت، مش بس في حق جيهان، لكن في حقك إنتي كمان. الظروف اللي إحنا فيها دلوقتي هتفرض علينا نظام حياة جديد ومختلف تماماً عن اللي فات.
ساد صمت قصير قبل أن يكمل بوضوح وصدق:
ـ أنا مش هجبر حد على وضع مش حابه. اللي حاسة إنها مش هتقدر تكمل في الظروف دي، أو شايفة إن حياتها معايا بقت عبء عليها وعايزة تمشي، أنا مش همنعها.. وهشيل مسئوليتها ومسئولية ولادها كاملة بكل حقوقكم. أنا مش عايز أظلم حد تاني معايا.
نزلت كلمات يوسف على قلب سميرة كالمبرد، لكنها لم تتردد لحظة في ردها. نظرت في عينيه بصدق وقالت بنبرة ملؤها الوفاء:
ـ أنا مش عايزة أمشي يا يوسف. أنا فعلاً بحبك، ومعاك عرفت معنى الأمان اللي ملقيتوش في حتة تانية، مهما حصل بينا ومهما توترت الأمور. أنا قابلة بكل اللي جاي ومتقبلة حياتنا الجديدة بوضعها ده.. لأني واثقة فيك، وعارفة إن يوسف عمره ما كان ظالم، وطول عمرك بتعرف تحافظ على حقوقنا وتعدل بينا حتى في أصعب الظروف.
شعر يوسف بغصة في حلقه من أثر كلامها؛ فهذا الوفاء غير المشروط في وقت ضعفه منحه قوة لم يتوقعها. وضع يده على يدها بامتنان، وشعر أن جزءاً كبيراً من الجبل الذي كان يحمله فوق كاهله قد بدأ يتلاشى، على الأقل في جبهة سميرة.
نام يوسف وسميرة في هدوء تام، سكنت الجوارح لكن العقل لم يهدأ؛ فقد ظل يوسف ساهراً لساعات طويلة قبل أن يغلبه النعاس، ينسج في خياله ملامح الغد. كان يرى في أحلامه جيهان وهي تخطو خطوتها الأولى بالطرف الصناعي، ويرى نظرات نور المليئة بالتحدي، ويفكر كيف سيجمع شتات هذه العائلة الكبيرة تحت ظلال العدل والقوة.
❈-❈-❈
بدأ الصباح في المستشفى بنسمات هادئة، وكانت جيهان تجلس مستندة إلى وسائدها، تراقب خيوط الشمس وهي تتسلل من نافذة الغرفة. أحضرت كاميليا وجبة الإفطار وجلست بجانب شقيقتها تشجعها على تناول الإفطار، وبالفعل تناولت جيهان طعامها بهدوء لم تعهده كاميليا منها منذ ليلة الحادث، وكأن روحاً جديدة بدأت تتشكل داخلها.
قطع هذا الهدوء دخول الطبيب المعالج، الذي ابتسم وهو يرى تحسن حالتها النفسية قبل الجسدية. بدأ بفحص الجرح بعناية، ثم التفت إليها قائلاً:
ـ ما شاء الله يا مدام جيهان، حالتك النهاردة أفضل بكتير من الأيام اللي فاتت. الجرح بيلم بشكل ممتاز، وده بيخلينا نقدر نفكر في الخطوة الجاية أسرع مما كنت أتوقع.
ساد صمت قصير، ثم بدأ الطبيب يتحدث بوضوح عن القدم الصناعية؛ شرح لها أنواعها، وكيف أن العلم تطور لدرجة تجعلها تمارس حياتها بشكل شبه طبيعي، مشدداً على أهمية العزيمة في مرحلة التأهيل.
كانت جيهان تستمع لكل كلمة بتركيز شديد وهدوء تام، لم تقاطعه ولم تبكِ كما كان يحدث سابقاً، بل كانت عيناها تلمعان ببريق الأمل الممزوج بالواقعية. كانت تحدث نفسها:
ـ يكفي ما ضاع من عمري في الحزن والمشاكل.. أنا محتاجة أرسم حياتي من جديد، بهدوء، وعلشان خاطر بناتي اللي ملهمش ذنب.
بعد خروج الطبيب، نظرت جيهان لكاميليا وقالت بصوت منخفض:
ـ كاميليا.. أنا مش عايزة مشاكل تاني مع حد. أنا عايزة أركز في خطوتي الجاية وبس، ومش هسمح لأي اضطرابات تعطلني عن رجوعي لبناتي واقفة على رجلي من تاني.
اشتعلت ملامح نور بالغل وهي ترى الطبيبة النفسية تتجه نحو غرفة جيهان. كانت جروح كرامتها من صدام الأمس مع يوسف لا تزال نازفة، ووجدت في هذه اللحظة فرصة سانحة لرد الصاع صاعين، وبث السم في قلب جيهان الهادئ.
ابتسمت نور بمكر واقتربت من الطبيبة التي حاولت تجاهلها والمضي قدماً، لكن نور رفعت صوتها عمداً ليخترق جدران الغرفة ويصل لمسامع جيهان وكاميليا بالداخل:
ـ أهلاً يا دكتورة! قوليلي.. هو إنتي مهتمة بحالة جيهان أوي كدة علشان الإنسانية برضه؟ ولا علشان تلاقي حجة تقربي بيها من يوسف؟ أصلنا كلنا عارفين إن يوسف بيميل للستات اللي بتسمعه وبتحسسه إنه بطل، وإنتي ما شاء الله قايمة بالواجب وزيادة!
تسمرت الطبيبة النفسية مكانها من الصدمة وقلة الذوق، بينما في الداخل، سقطت ملعقة الطعام من يد جيهان وتغيرت ملامحها تماماً. نظرت كاميليا للباب بغضب عارم، وأدركت فوراً أن نور بدأت تلعب لعبتها القذرة.
لم تكتفِ نور بذلك، بل أكملت بسخرية لاذعة:
ـ يعني يا دكتورة، جيهان دلوقتي في وضع صعب ومش هتقدر تملى الفراغ اللي في حياة يوسف، فقلتي تستغلي الفرصة وتدخلي من باب العلاج النفسي؟ برافو عليكي.. خطة ذكية جداً!
فتح باب الغرفة بعنف، وخرجت كاميليا وعيناها تقدحان شرراً، ووجهها يحتقن غضباً. لم تلتفت للطبيبة في البداية، بل وجهت كل طاقتها نحو نور التي كانت تقف ببرود مستفز.
وقفت كاميليا أمام نور مباشرة، وقالت بصوت قوي هزّ الرواق:
ـ دكتورة إيه وبتاع إيه اللي بتتكلمي عنها؟ إنتي اللي بتتكلمي عن 
الخطـ.ـف؟ إنتي آخر واحدة في الدنيا دي تفتح بوقها وتجيب سيرة يوسف أو جيهان! نسيتي نفسك؟ نسيتي إنك إنتي اللي دخلتي البيت ده وسرقتي جوز أختي منها وهي في عز انشغالها ببيتها وعيالها؟
التفتت كاميليا للطبيبة النفسية التي كانت واقفة في ذهول، وقالت لها بنبرة اعتذار وتقدير:
ـ أنا بتأسف لك يا دكتورة بالنيابة عن أختي وعن نفسي.. إحنا عارفين إنك بتعملي شغلك وبس، والناس المريضة اللي زي دي مكانها مش المكاتب، مكانها العنابر اللي جوه علشان تتعالج من الحقد اللي في قلبها.
عادت بنظرها لـ نور التي بدأت ملامحها تتغير من البرود إلى الارتباك مع تجمع بعض الممرضات، وأكملت كاميليا بصرامة:
ـ جيهان مش ناقصة، جيهان ست الستات وهترجع تقف على رجلها أحسن من الأول، ويوسف مهما لف ودار مالوش غير حضن أختي اللي استحملته وصانته. أما إنتي، فإنتي مجرد غلطة هو دلوقتي بيحاول يصلحها.. ابعدي عننا أحسن لك، وإلا المرة الجاية مش هتكون مجرد كلام!
في الداخل، كانت جيهان تستمع لكل كلمة، ورغم الألم، شعرت بقوة أختها تمدها ببعض الثبات، لكن غصة الخيانة والنقص كانت لا تزال عالقة في حلقها.
انسحبت نور سريعاً من الممر، والشرر يتطاير من عينيها، وهي تشعر بمرارة الهزيمة والحرج بعدما انقلب السحر على الساحر وأصبحت هي المذنبة أمام طاقم التمريض الموجود. لم تكن تتوقع أن تكون كاميليا بهذه القوة والجرأة في الرد، خاصة في وسط عملها.
عادت كاميليا إلى الغرفة وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها وتهدئ من روعها، وتبعتها الطبيبة النفسية التي بدت متفهمة جداً للموقف رغم إحراجها. اقتربت الطبيبة من سرير جيهان التي كانت شاحبة الوجه، وأمسكت يدها بلطف قائلة:
ـ مدام جيهان، أنا بكرر اعتذاري ليكي. ياريت متسمحيش لأي كلام يتقال يهز ثقتك في نفسك أو في اللي بنعمله هنا. أنا موجودة علشانك إنتي وبس، ويوسف بيه مالوش أي علاقة بوجودي غير إنه كان مهتم جداً بتوفير أحسن رعاية ليكي. وكاميليا هي اللي طلبت مني المساعدة علشان هي بتحبك وخايفة عليكي.
نظرت جيهان إلى كاميليا التي أومأت برأسها مؤكدة كلام الطبيبة، فشعرت جيهان ببعض الارتياح. رغم أن كلام نور كان مسموماً، إلا أن صدق كاميليا وتفانيها كانا بمثابة الترياق.
تحدثت جيهان بصوت خافت:
ـ أنا أسفة يا دكتورة.. إنتي ملكيش ذنب في المشاكل اللي بينا. أنا بس تعبانة ومش عايزة أخسر كرامتي فوق ما خسرت رجلي.
أمسكت الطبيبة يدها وقالت بجدية: 
ـ كرامتك في قوتك يا جيهان، مش في كلام الناس. وقوتك هي اللي هتخليكي تمشي تاني. خلينا نبدأ وننسى اللي حصل بره، ماشي؟
بدأت الجلسة بهدوء، بينما كانت كاميليا تراقب الموقف من بعيد، وهي تدعو الله أن يمر هذا اليوم دون أن تعرف نور طريقاً لإفساد ما تبقى من روح جيهان المعنوية.
خرجت الطبيبة النفسية من الغرفة بعد أن وضعت يدها على كتف جيهان داعمة، وأخبرتها برقة: 
ـ أنا هسيبك ترتاحي دلوقتي يا جيهان، والمقابلة الجاية إن شاء الله هتكون في عيادتي الخاصة.. الجو هناك هيكون أهدى وأنسب لينا بعيد عن أجواء المستشفى.
بمجرد إغلاق الباب، ساد صمت ثقيل في الغرفة. كانت كاميليا تراقب شقيقتها بقلق، لكن جيهان كانت في عالم آخر. ظلت شاردة، تنظر إلى الفراغ والكلمات المسمومة التي ألقتها نور تتردد في أذنيها كصدى لا يتوقف. لم تكن تفكر في الطرف الصناعي ولا في الألم الجسدي، بل كانت تفكر في يوسف.
أدركت جيهان في تلك اللحظة أن وجودها في حياة يوسف أصبح مرادفاً للصراعات والفضائح، وأن صورتها كزوجة مصابة جعلتها مادة للسخرية أو الشفقة من ضرتها. همست لنفسها بمرارة: 
ـ الحياة بينا بقت مستحيلة يا يوسف.. حتى لو رجعت مشيت، الشرخ اللي بينا وبين نور والمشاكل دي مالهاش علاج.
تأكدت جيهان أن الانسحاب قد يكون هو الحل الوحيد المتبقي للحفاظ على ما تبقى من كرامتها، خاصة وأنها لا تريد أن تكون عبئاً أو سبباً في حـ.رب لا تنتهي بين زوجاته.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

3 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل