تاريخ النشر: 12-04-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل السابع والعشرون
تم النشر الأحد
12/4/2026
دخلت ندى إلى غرفة شقيقها في المستشفى يرافقها نور مع حلول المساء، وفي تلك الأثناء استعد عدنان وتامر ومعهما سميرة للمغادرة ليرتاحوا قليلاً بعد عناء اليوم. كان يوسف مستلقياً على فراشه، يشعر بضيق شديد يكاد يخنق صدره؛ فوجود نور في هذا التوقيت لم يكن مريحاً له، خاصة وأنه يمر بحالة نفسية وجسدية لا تسمح له بالنقاش أو خوض أحاديث لا طائل منها.
لاحظت ندى ملامح وجه شقيقها المجهدة ورغبته في الصمت، فأرادت أن تمنحه مساحة من الهدوء وفي نفس الوقت تطمئن على زوجة أخيها الكبرى.
التفتت ندى نحو يوسف وقالت له بنبرة هادئة:
ـ أنا هروح أشوف جيهان يا يوسف، أطمن عليها وأقعد مع كاميليا شوية، وهجيلك تاني مش هتأخر.
أومأ يوسف برأسه في صمت، وعيناه تعبران عن شكر خفي لندى لأنها تفهم ما يمر به، بينما كانت نور تقف وتراقب الموقف بصمت، وعلامات عدم الرضا تلوح على وجهها من هذا الاهتمام البالغ بجيهان.
دلفت ندى إلى غرفة جيهان بخطى وئيدة بعد أن أذنت لها كاميليا بالدخول. ساد الصمت أركان الغرفة للحظات، حاولت فيها ندى أن تجد مدخلاً للحديث، لكن الكلمات كانت تقف حائرة على لسانها؛ فقد كانت تشعر بخجل شديد يمنعها من الاندماج، وذلك بسبب توتر العلاقة الذي شاب تعاملهم في السابق والنزاعات التي لم تكن تخفى على أحد.
أما جيهان، فكانت في عالمها الخاص، شاردة الذهن تماماً، حيث كانت كلمات الطبيبة النفسية تتردد في أذنيها كصدى قوي يعيد ترتيب أفكارها المبعثرة، ولم تبدُ منتبهة كثيراً لوجود ندى.
كسرت كاميليا حدة الصمت حين نظرت إلى ندى وسألتها باهتمام:
ـ يوسف عامل إيه دلوقتي يا ندى؟ طمنينا عليه.
ردت ندى بنبرة حاولت أن تكون هادئة ومطمئنة:
ـ يوسف بخير يا كاميليا، هو بس تعبان من القعدة والضغط، لكن الحمد لله أحسن بكتير من الأول.
ظلت الأجواء داخل الغرفة مشحونة بمشاعر متداخلة؛ ما بين ندم ندى المكتوم، وشرود جيهان العميق، ومحاولات كاميليا للثبات من أجل شقيقتها.
تحركت ندى في مقعدها بقلق، وبدا وكأن الكلمات قد تجمعت في صدرها وأصبح من المستحيل كتمانها أكثر من ذلك، فنظرت إلى جيهان ثم إلى كاميليا بملامح يكسوها الندم الصادق، وقررت أن تكسر حاجز الصمت الذي كان يطبق على الغرفة.
قالت ندى بصوت مرتجف ومتحشرج:
ـ جيهان.. كاميليا.. أنا عارفة إن الكلام دلوقتي ممكن مالوش لازمة، بس بجد كان لازم أقوله.. أنا آسفة. آسفة على كل لحظة كنت فيها سبب في ضيق ليكم، أو وقفت فيها موقف مكنش المفروض أوقفه. اللي حصل لجيهان كسـ.رني أنا كمان، وخلاني أراجع نفسي في حاجات كتير أوي.
توقفت ندى للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم تابعت وعيناها تلمعان بالدموع:
ـ جيهان إنتي طول عمرك الأصل، وحقك عليا لو كنت قصرت في حقك أو جرحتك في يوم.. أنا بجد بتمنى إنك تسامحيني، وتعرفي إني جنبك وجنب كاميليا في أي حاجة تحتاجوها من هنا ورايح.
خيم الصمت على الغرفة مرة أخرى، لكنه كان صمتاً مختلفاً هذه المرة، حيث كانت كاميليا تنظر لندى بذهول من جراءة اعتذارها، بينما بدأت جيهان تخرج ببطء من شرودها، وكأن كلمات ندى لامست شيئاً ما بداخلها في ظل الحالة الجديدة التي وضعتها فيها الطبيبة النفسية.
ارتسمت على وجه جيهان ابتسامة باهتة لكنها تحمل الكثير من المعاني وهي تنظر إلى ندى؛ فقد لمحت في عينيها ندمًا حقيقيًا لا زيف فيه. في تلك اللحظة، ومع كلمات الطبيبة التي ما زالت تتردد في عقلها عن الحياة الجديدة، قررت جيهان أن تتخلى عن أثقال الماضي وصراعاته التي استنزفت روحها، ففي النهاية ندى هي ابنة عمها وقطعة من عائلتها قبل أن تكون شقيقة زوجها.
بسطت جيهان ذراعيها لـ ندى وضمتها إليها بقوة، وقالت بصوت هادئ:
ـ خلاص يا ندى.. المسامح كريم، وإحنا ولاد عم قبل أي حاجة.. أنا قررت أرمي كل اللي فات ورا ضهري وأعيش اللي جاي في هدوء.
بكت ندى تأثراً بقلب جيهان الكبير، بينما كانت كاميليا تراقب المشهد بمشاعر مختلطة، حتى قالت بنبرة فيها دعابة ومسحة من الغيرة:
ـ بقى كدة؟ طيب وأنا مفيش حد هيحضني ولا إيه؟ أنا بدأت أغير على فكرة!
ضحكت جيهان بخفة رغم ألمها، وجذبت شقيقتها كاميليا لتضمهما معاً في عناق واحد طويل، تعهدن فيه ضمناً على إغلاق صفحة الماضي بكل ما حملته من آلام وجراح، والتركيز فقط على رحلة التعافي القادمة.
في هذه الأثناء، كان الهدوء يسود ممر المستشفى، لكنه كان هدوءاً يسبق عاصفة أخرى قد تندلع في غرفة يوسف إذا علمت نور بهذا الصلح الذي تم من وراء ظهرها.
انتهزت نور فرصة خلو الغرفة لتفتح مع يوسف موضوعاً كانت تتحين الفرصة لإثارته، فاقتربت منه وقالت بنبرة خبيثة:
ـ بقولك إيه يا يوسف.. إحنا لوحدنا دلوقتي ومحدش سامعنا، مش لازم نفكر في اللي جاي؟ يعني جيهان بعد اللي حصلها ده هتفضل لسه على ذمتك؟ إنت راجل مرموق وليك اسمك ومركزك، وهي دلوقتي خلاص مبقتش تنفع تكون معاك ولا تشرفك في أي مكان.
بمجرد أن نطق لسانها بهذه الكلمات، اشتعل الغضب في عروق يوسف، وشعر بدمه يغلي من قسوة قلبها وتفكيرها المادي البشع، فصرخ فيها بوجه محتقن:
ـ اسكتي خالص! مش عايز أسمع صوتك.. إنتي إيه معندكيش دم ولا إحساس؟ دي بنت عمي وأم بناتي، والظاهر إني غلطت لما فكرت في يوم إني أدخلك حياتي!
في تلك اللحظة، كانت ندى تقترب من الغرفة، ففزعت حين سمعت صراخ يوسف المرتفع الذي هز ممر المستشفى. دخلت مسرعة لتجد يوسف يتنفس بصعوبة من شدة الانفعال، بينما تقف نور في زاوية الغرفة بوجه يكسوه الذهول والارتباك.
التفت يوسف نحو شقيقته وقال لها بلهجة حاسمة لا تقبل الجدل:
ـ يا ندى، خدي البني آدمة دي من قدامي وخرجيها بره الأوضة.. مش عايز أشوف وشها هنا تاني، ولا عايزها تفضل في المستشفى أصلاً!
ارتبكت ندى من الموقف، لكنها نظرت إلى نور بحدة بعد أن أدركت أنها تجاوزت حدودها في وقت لا يتحمل فيه يوسف أي ضغوط إضافية.
خرجت نور من الغرفة مسرعة والدموع تملأ عينيها بعد أن أدركت أن اعتذارها لن يجدي نفعاً أمام قسوة كلمة يوسف وصرامته. حاولت ندى أن تمتص غضب شقيقها، فاقتربت منه وساعدته على الاستلقاء وهي تردد كلمات مهدئة، ثم جلست بجانبه في صمت تام.
كانت ندى تريد بشدة أن تسأله عن الكلمات التي نطقت بها نور وأشعلت غضبه إلى هذا الحد، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة آثرةً أن تتركه يهدأ. غرقت ندى في أفكارها، واسترجعت شريط أحداث هذا اليوم الطويل، وخاصة لقاءها بـ فارس.
تذكرت كيف حاول فارس طمأنتها على حالة يوسف، وكيف أنها في لحظة صدق نادرة، اعترفت له بالحقيقة التي كانت تنكرها دائماً؛ وهي أن جيهان ليست مجرد ابنة عم، بل هي زوجة أخيها وكيان أساسي في العائلة. تذكرت كلمات فارس الحكيمة عندما قال لها:
ـ إنتي غلطتي يا ندى لما سمحتي لواحدة زي نور إنها تخليكي تبعدي عن ولاد عمك وتخسري جيهان وكاميليا.. هما دول اللي باقين لك في الآخر، وهما اللي هيشيلوكي وتشيليهم.
شعرت ندى براحة كبيرة وهي تتذكر أنها شكرته على تفهمه، وأنها وعدته ووعدت نفسها بأنها ستعود ندى القديمة، تلك الفتاة التي تحب عائلتها وتترفع عن الصراعات، وهذا ما فعلته بالفعل منذ قليل في غرفة جيهان.
ساد الصمت الغرفة، كان يوسف غارق في غضبه من نور وقلقه على جيهان، وندى غارقة في محاولاتها لإصلاح ما أفسده الماضي.
في صباح اليوم التالي، قررت نور أن تنسحب بهدوء وتعود لممارسة عملها، مفضلةً الابتعاد عن يوسف في هذه الفترة حتى تهدأ عاصفة غضبه؛ فهي تدرك تماماً أنه مهما بلغ خلافهما، لن يتنازل أبداً عن ابنه الذي تحمله في أحشائها، وهذا هو كرتها الرابح الوحيد حالياً.
وفي ممر المستشفى، وصل عدنان برفقة سميرة للاطمئنان على يوسف، وما هي إلا دقائق حتى دخل الطبيب الغرفة، وبعد فحص سريع قال بنبرة مطمئنة:
ـ بإذن الله يا أستاذ يوسف هكتبلك خروج النهاردة.. إنت حالتك مستقرة، وهتشرفنا كمان أسبوعين عشان نفك الجبيرة ونطمن على التئام الكسر.
تكن فرحة يوسف بالخروج تضاهي قلقه على شريكته، فسأل الطبيب بلهفة:
ـ وجيهان يا دكتور؟ هتخرج معايا؟
أجاب الطبيب بهدوء:
ـ لا، مدام جيهان لازم تفضل معانا يومين كمان.. محتاجين نتابع الحالة ونطمن على الجرح والوضع العام كويس جداً قبل ما تروح.
شعر يوسف برغبة ملحة في فهم حقيقة وضع جيهان بعيداً عن أعين الجميع، فنظر للطبيب وقال:
ـ كنت محتاج أتكلم مع حضرتك في مكتبك بخصوص حالة جيهان بالتفصيل.. ينفع دلوقتي؟
رد الطبيب وهو يهم بالخروج:
ـ حاضر يا أستاذ يوسف، بس حالياً بمر على باقي المرضى.. هستناك كمان ساعة في غرفة الفحص، ندردش براحتنا.
كانت سميرة تقف وتراقب اهتمام يوسف المبالغ بجيهان، بينما كان عدنان يشعر بالارتياح لخروج ابنه، لكن يوسف كان عقله قد غادر الغرفة بالفعل، ينتظر تلك الساعة ليعرف مصير جيهان وكيف سيتعامل مع القدم الصناعية التي لم يكن يعلم عنها شيئاً بعد.
❈-❈-❈
داخل غرفة جيهان، كان الصمت يطبق على المكان كأنه جدار عازل، حتى قررت كاميليا أن تكسر هذا الجمود الذي استمر طويلاً، فالتفتت إلى شقيقتها وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها طبيعية:
ـ وبعدين يا جيهان؟ هتفضلي ساكتة كدة لحد إمتى؟ السكوت ده بيقطع فيا أكتر من أي حاجة تانية.
ردت جيهان بنبرة خافتة، وعيناها ما زالتا عالقتين بنقطة وهمية في الفراغ:
ـ مفيش كلام يتقال يا كاميليا.. الكلام خلص خلاص.
لم تستسلم كاميليا، بل اقتربت منها وسألتها بفضول ممزوج بالاهتمام:
ـ طيب والدكتورة النفسية اللي كانت عندك؟ عملتوا إيه؟ وقالتلك إيه في الوقت ده كله؟
تنهدت جيهان بعمق، وكأنها تستعيد أنفاسها بصعوبة، ثم قالت:
ـ اتكلمنا كتير.. وقالت لي على موضوع القدم الصناعية، وقعدت تشرح لي إن حياتي موقفتش هنا.
بمجرد أن سمعت كاميليا ذلك، التمعت عيناها بالأمل وأمسكت يد جيهان بحماس وقالت:
ـ يا ريت تسمعي كلامها يا جيهان.. وافقي وخدي الخطوة دي علشان ترجعي زي الأول وأحسن، وعلشان بناتك وبيتك.
نظرت إليها جيهان بمرارة وقالت بكلمات موجعة:
ـ مفيش حاجة بترجع زي الأول يا كاميليا.. اللي انكسر واللي ضاع عمره ما هيرجع.
ثبتت كاميليا نظرتها في عيني شقيقتها وقالت لها بقوة وعزيمة:
ـ يمكن الماضي انتهى فعلاً يا جيهان، والنسخة القديمة منك راحت.. بس إنتي الوحيدة اللي في إيدك تخلي اللي جاي من حياتك أحسن، وإنتي اللي تقدري تقرري هتكوني مين من النهاردة.
ساد الصمت مرة أخرى، لكنه كان صمتاً مختلفاً، حيث بدأت كلمات كاميليا تتشابك مع كلمات الطبيبة في عقل جيهان، لتبني أولى درجات السلم نحو قرار مصيري.
اتجه يوسف إلى غرفة الفحص بمساعدة والده عدنان الذي سنده برفق حتى وصل، وهناك تركه والده مع الطبيب ليمنحه الخصوصية الكافية للحديث عن حالة جيهان. بدأ يوسف بسؤال الطبيب بلهفة والقلق ينهش قلبه:
ـ طمني يا دكتور.. هل فيه علاج لجيهان بره مصر؟ أنا مستعد أسفرها أي مكان في العالم بس ترجع تمشي تاني.
نظر إليه الطبيب بتقدير لمشاعره وأجابه بهدوء:
ـ الموضوع مش بالبساطة دي يا أستاذ يوسف.. جيهان محتاجة وقت، والجسم لازم يتعافى تماماً الأول. وبعدين الطب هنا في مصر متقدم جداً في الحالات دي، والحل الأفضل هو تركيب قدم صناعية بديلة بتعوضها عن حركتها بشكل كبير.
بدأ الطبيب يشرح ليوسف بالتفصيل عن الأماكن المتخصصة في مصر والمراكز التي توفر أحدث التقنيات في الأطراف الصناعية، وظلا يتحدثان لفترة طويلة عن المرحلة القادمة، وكيفية تهيئة المنزل والظروف المحيطة لتناسب وضعها الجديد، والأهم من ذلك ضرورة دعمها النفسي لأن الرجل البديلة تحتاج لإرادة قوية قبل أي شيء.
خرج يوسف من الغرفة والهم يثقل كاهله، لكنه وجد والده عدنان لا يزال ينتظره في الخارج بوفاء الأب. وبينما كانا يسيران ببطء في الممر عائدين نحو الغرفة، التقى يوسف بـ الطبيبة النفسية التي كانت تشرف على حالة جيهان.
توقف يوسف ونظر إليها بتوجس وامتنان في آن واحد، فهو يعلم أنها الوحيدة التي استطاعت الدخول إلى عالم جيهان المغلق بالأمس.
استأذن يوسف من والده عدنان أن يسبقه إلى الغرفة، مخبراً إياه أنه سيلحق بهم بعد دقائق. اقتربت الطبيبة النفسية منه، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة ومريحة، ثم سألته بنبرة رصينة:
ـ تحب نتكلم فين يا أستاذ يوسف؟
أجابها يوسف بذهن مشتت وهو يحاول موازنة حركته:
ـ في أي مكان.. المهم نكون بعيد عن الدوشة.
اتجه الاثنان معاً نحو كافيتريا المستشفى، واختارا طاولة في ركن هادئ ليتسنى لهما الحديث عن حالة جيهان المعقدة. لم يكن يوسف يعلم أن هناك أعينًا تراقبهما من بعيد،
أعينًا تشتعل بالغيرة والغضب، تترصد كل حركة وهمسة تدور بينهما.
بدأ يوسف الحديث بنبرة يملؤها الترقب:
ـ جيهان عاملة إيه يا دكتورة؟ أنا عرفت من دكتور الجراحة موضوع القدم الصناعية، بس يهمني أعرف هي متقبلة الفكرة ولا لسه رافضة كل حاجة؟
نظرت إليه الطبيبة بتركيز وقالت له بصدق:
ـ جيهان بدأت تسمع يا أستاذ يوسف، وده في حد ذاته إنجاز. بس لازم تفهم إن جيهان مشكلتها مش بس في القدم اللي فقدتها، جيهان عندها جروح تانية أعمق بكتير من الحادثة، والجروح دي هي اللي محتاجة وقت علشان تلم.
كان يوسف يجلس على كرسيه المتحرك، يميل برأسه قليلاً نحو الطبيبة وهو يستمع لحديثها باهتمام شديد، محاولاً فهم كل تفاصيل رحلة علاج جيهان القادمة. وفي تلك اللحظة، ظهرت نور فجأة، وبدت عليها علامات الصدمة والغيرة الممتزجة بالغضب حين رأت زميلتها في المستشفى تجلس مع زوجها في هذا الوضع.
خطت نور نحوهما بخطوات سريعة، ووقفت فوق رأس يوسف وهي تنظر لزميلتها الطبيبة بنظرة حادة، وقالت بنبرة مشحونة:
ـ أهلاً يا دكتورة! مكنتش أعرف إن متابعة الحالات النفسية بقت بتتعمل هنا في الكافيتريا وبره المواعيد الرسمية.. ولا دي معاملة خاصة للأستاذ يوسف؟
رفع يوسف رأسه نحوها بضيق شديد، وحرك كرسيه المتحرك ليكون في مواجهتها، وقال بنبرة حادة ورافضة:
ـ إنتي إيه اللي جابك يا نور؟ ومش عيب تتكلمي مع زميلتك في المستشفى بالأسلوب ده؟ إحنا بنتكلم في مصلحة جيهان، ومظنش إن ده يخصك بالطريقة دي!
التفتت نور نحو زميلتها الطبيبة وقالت بغيرة واضحة:
ـ يا دكتورة إحنا زمايل وعارفين النظام كويس، بس أنا أول مرة أشوفك مهتمة أوي كدة بأهل المريض لدرجة إنك تقعدي معاهم قعدة خاصة.. ولا الموضوع فيه حاجة أنا معرفهاش؟
حافظت الطبيبة على هدوئها المهني رغم إحراج زميلتها لها، وقالت برزانة:
ـ يا نور، إحنا فعلاً زمايل، وعلشان كدة لازم تكوني عارفة إن الحالة النفسية لمدام جيهان مرتبطة جداً بمدى تفهم الأستاذ يوسف للوضع. وكلامنا هنا مالهوش أي غرض تاني غير مصلحة المريضة.
قاطعها يوسف وهو يضرب مسند الكرسي المتحرك بكفه، ووجه حديثه لنور بغضب عارم:
ـ خلاص يا نور! كفاية لحد كدة.. عيب أوي لما تتكلمي مع زميلتك بالطريقة دي قدامي. اتفضلي امشي دلوقتي، أنا مش عايز أشوف التصرفات دي هنا، وحسابنا بعدين!
ساد الوجوم في أرجاء الكافيتريا، ووقف الجميع يتابعون ما يحدث بحرج شديد؛ فلم يسبق للطبيبة أن تعرضت لمثل هذا الموقف المهين أمام زملائها والمرضى. انسحبت نور من المكان وهي تشعر بضيق شديد وغصة مريرة، بعد أن تلقت صفعة معنوية من يوسف أمام زميلتها.
حاول يوسف استجماع شتات نفسه وهو جالس على كرسيه المتحرك، ثم نظر إلى الطبيبة بعينين يملؤهما الأسف الشديد وقال بنبرة خفيضة:
ـ أنا بجد بعتذر لك يا دكتورة.. حقك عليا، مكنتش أتخيل أبدًا إن الموقف يوصل لكدة، ولا كان قصدي إني أحرجك في مكان شغلك.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة باهتة تحمل تقديراً لاعتذاره، ثم تقدمت خلف الكرسي المتحرك وأمسكت بمقابضه لتعاون يوسف في العودة إلى غرفته بعد أن أنهكه الانفعال. وطوال الطريق في ممرات المستشفى، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت عجلات الكرسي، حتى وصلا إلى باب الغرفة.
توقفت الطبيبة وقالت له بلهجة حاسمة ومهذبة:
ـ حصل خير يا أستاذ يوسف، بس علشان نمنع أي إحراج تاني وعلشان مصلحة جيهان، أنا شايفة إن الأفضل نتابع حالتها في عيادتي الخاصة بعد ما تخرج من المستشفى.. كدة هيكون أضمن لينا كلنا، وهنقدر نركز في العلاج بعيد عن أي توتر.
هز يوسف رأسه بالموافقة، مقدراً موقفها ورغبتها في الحفاظ على برستيجها المهني، ثم غادرت الطبيبة الممر، بينما بقي يوسف وحيداً أمام غرفته، يصارع أفكاره حول كيفية السيطرة على غيرة نور التي بدأت تحرق الأخضر واليابس.
يتبع
ياترى ندى تستاهل فرصة تانية من جيهان وكاميليا إيه رأيكم....
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمةالزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

نور بتكتب نهاية علاقتها مع يوسف وكمان اتمنى أن جهات تبعد هيا وبناتها عنة لانة ميستهلش أنها تكملىمع واحد انى زيو