قراءة رواية الوجه الآخر من العالم كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل التاسع
تم النشر يوم الأحد
12/4/2026
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل التاسع
تم النشر يوم الأحد
_إيه اللي وصلنا لكده؟!
بقت القلوب زي الملامح من خشب، بقيت حالتنا بجد اعجب من العجب
عايشين نلف في دايره نسأل ع السبب،،
"أعتذر أنا جواد لكل شخص كنت سبب في أن يشعر بغصة في قلبه، يشهد الله ما أردت إلا أن أمضي في هذه الدنيا كمثل ريح خفيف لا يضر ولا يهلك، ويشهد الله أني أضعف كثيرًا من أن أنوي ذلك.. أرجو من كل من يرى بي السوء أن يتيقَّن بكوني بشر أخطئ وتزل قدمي، فالتمس لي عذرًا لعلِّي كنت في وادٍ غير واديك."
*قبل الحادث*
صوت صياح عالِ وحركه عشوائيه غير مفهومه بالخارج ليهرول معظم المدرسين خارج الغرفه فيخرج معهم جواد ليجد المنظر الذى رآه حينما استخدم الورق الازرق.
نفس الطالب الذى تحدث معه مُسبقاً، يقف بساحه المدرسة يقوم بفعل التهديد لأحد المدرسين
ويضع السلاح الابيض على عنقه _المطواه_والكل فى حالة هلع حتى حان دور جواد.
_تامر.. تامر إحنا مش اتكلمنا قبل كدا؟!
بهلع يمسك الفتى السلاح واستسلام من المدرس بين يديه والكل مُلتف حوله، بينما كان تامر يوزع نظراته على الجميع محاولاً السيطرة على الموقف ولكن من الواضح ان الموقف اكبر منه.
يحاول جواد الاقتراب بهدوء من الحدث وهو يردف مصوب عيناه ناحيه تامر بهدف سماعه للكلمات وتهدئه الموقف
_تامر، احنا اتفقنا أن العنف مش بيجيب نتيجه.. سيب مستر عبدالحميد
_العنف ينفع لما يتطاولوا على ابوك وامك وعيلتك كلها وهات ياتريقه مع زمايلك ومن المدرس بتاعك يبقى يستاهل الدبح
قالها وصدره يعلو ويهبط من قوة عصبيته واشتياظ غضبه، ف حاول جواد ترتيب افكاره وكلماته واردف
_لو عملت حاجه فمستر عبدالحميد مستقبلك هيضيع ياتامر
ترققت دمعة بعين تامر إثر تحدثه إلى جواد
_مستقبلى كدا كدا ضايع مفيش فايده
دنى جواد بخطوات حذره ناحيته وهو يردف اليه، بينما الجميع مبتعد يشاهد فقط ومنهم من يصور الحدث
_مين قال كدا يا تامر، مش انا قولتلك قبل كدا ان انا هنا عشان مساعدتك
_يعنى انا لو سيبت رقبته هما هيسيبونى فحالى، هيفصلونى وهيحبسونى وادخل الاحداث
يبقى ازاى مضاعش
صمت الجميع ف أردف تامر بصوت جهور مختلجه نبراته
_ومحدش وقتها هيعرف ان المستر وزمايلى السبب فالتنمر على فقرى وعلى شوغلانه ابويا، هبقى تريند الولد المنحرف اللى دخل السجن بعدما هدد استاذه بالقتل وبيدخل المدرسة ومعاه مطوه!
دنى جواد اكثر ف اكثر وهو يتحدث له بنبرة هادئه
_اوعدك، لو فيها رفدى لو سيبت المستر.. انا مش هخلى ولا حاجه من دى تحصل
ثق فيا ياتامر..
...
نجح جواد فى إقناع تامر بترك السلاح واستاذه، حتى قام بالامساك به اشبه بالاحتضان
وأردف بصوت عالِ هز ارجاء المدرسه كلها
_محدش يقدر يعاقب تامر، أنا وعدته والغلطه اللى حصلت انتو السبب فيها قبل م نوصل للنتيجه دى
بعد تصفيق حار من كل طلبه المدرسه وكل هذا كان يقوم احدهم بتصويره، قام جواد بتقديم طلب إلى الإداره بتحويل ملف تامر من انتظام الى منزلى.. وهكذا لايتوجب بالضرورة حضوره وحدوث اى مشكلة لاى فرد بالمدرسه بسببه.
وايضاً قام بالبحث عن عمل فى مكان بجانب المدرسه حتى حصل عليه لأجل تامر كى يعيش حياة افضل ولا يتعرض للتنمر مرة أخرى..
لم يسعهم تقديم جواد إلى التحقيق لانه بالفعل انقذ موقف بإنقاذ حياة المدرس، وإنقاذ مستقبل تامر..
وبطريقه للمنزل، كان يستقل المترو حتى اتت محطته ليهبط، وفى آخر العربة تجلس سجى تستمع إلى الفيديو
وتراه بعينان تتحدث فخراً به..
ماحدث ثبت فكرة انه لا يوجد مكان لا يلائمك تماماً ، بل توجد بعض التنازلات ؛ عِش وكأنك ترغب فى البقاء وتقبل الأمر كما هو لأنه الأفضل.
...
أطمئن معك، كأنك كل الرفاق، كل الأحبة، وكل اللحظات السعيدة والاليمه.. أنت كل الأشياء,
_بدأت افهم يا حسن، افهم ليه مدخلتش الكلية اللى كنت عاوزها
ولا اشتغلت فالمكان اللى عايزه، عشان فيه وقت هنقذ فيه روح من الموت.. هنقذ مستقبل ولد صغير لسه بيبدء حياته مالوش ذنب فالتنمر عليه
حتى رشا..
نفث حسن دخان السيجاره وأردف قائلاً
_مالها رشا؟
إنتبه جواد من حديثه فصمت ليكمل حسن
_طب فاكر احنا اتعرفنا على بعض ازاى؟ انا خبطنى الموتوسيكل اللى انت كنت راكبه ورا واحد ورايح مشوار فيوم عادى جداً، حصلت الحادثة وجيت معايا المستشفى وانت حاسس بالذنب مع انك مكنتش سايق
ضحك جواد على آخر جملة قالها حسن ف اكمل حسن مُبتسماً
_وبقينا أصحاب، ربنا كان عاوز الحادثه تحصل عشان انت تبقى كل اصحابي وكل حاجه ليا عشان أنا ماليش حد
شعر جواد بالامتنان له فربت على يده وأردف حسن
_لو صحوبيتنا ووجودك فداها رجلى مش مهم، ماهو احنا لازم نخسر حجات عشان نكسب حجات اكتر وأحسن
تخيل أن يكون شخص واحد فقط فى هذا العالم هو قبولك الوَحيد رغم انك شخص يَرفضه الكُل ..بكامل رغبتك لم تعد تريد أن تعني لأحد شيئاً تريد فقط سلاماً داخلياً وان يظل هذا الشخص، احياناً قبول المعسرات يكون باباً مفتوح على الميسرات دون أن ندرى...
_ياريتنى بسلامك النفسى دا يا حسن
قالها جواد بهدوء ف اردف حسن
_انت اللى تاعب نفسك ياجواد، عالم موازى وبحث فالماضى وبحث فالمستقبل والحاضر ليه وبيحصل عشان إيه ومش عارف مين بيعمل ايه، سيب بكرة على ربنا واللى فات مات واقفل عليه
واللى احنا فيه إرضى بيه،ريح دماغك ياجواد بقا
_عاوز اشبع منك أوى ياحسن مش عارف ليه
_ليه هموت
قالها ضاحكاً واردف بنبرة ساخره
_كلنا هنموت يا جواد، وكلنا لازم نعرف قيمه بعض طول م احنا سوا مش لازم
نبقى عارفين اننا هنموت قريب فنعرف قيمه اللى قدامنا
شرد جواد قليلاً ومن ثم قال
_بس أنا عاوز اعرف، ليه إسماعيل ظهرلى فالوقت دا
وليه عامل كدا وليه دماغه شبه دماغى كدا كأنه عارفنى من زمان
تعجب حسن وأردف له
_إسماعيل مين؟
...
_جواااااد الحق، النار يا جوااااد الناااار
هرولة والدة جواد هنا وهناك وفزع نيللى، نهض جواد من فراشه إثر نومته
محاولا الخروج دون أن ن تمسه ألسنة اللهب، النار تحيطهم بكل مكان ب أرجاء
الشقة يحاول جواد إطفاء النيران وتحتمى خلفه نييللى باكية وتحاول والدته معه.
مر الوقت والنيران تزداد حتى غلبتهم ورقدا نيللى ووالدتها جثه هامدة!
حانت لحظة الفراق دون اختيار! حانت لحظة الألم التى هى أقوى من الاحتمال، ولكن ماذا ستفعل ياجواد؟
هاهو آخر نبش الماضى وعدم الرضا بالقدر ومعرفة القادم والتدخل فى عِلم الغيب.
لو بإمكاننا إعادة دورة الزمان وترتيب الأحداث ومحو جراح الأيام وترك الابتسامة لتكون آخر رسمة على وجوه الأحباب، كنا فعلناها دون الذهاب إلى المستقبل.. رسخ فكرة ان كل مايحدث لك الآن هو افضل أحوالك وسترضى.
قام جواد بدفع رأسه بالحائط بقوة وهو يصرخ حتى استيقظ عائداً من رحلته المستقبليه بالورق الأزرق كالعادة وهو يتمتم
_لاء.. لاء، لااااا أمى ونيللى لاااااااء
"كلنا قبل نتلاقى حالنا حال الضعوف
كلنا كنا ترانا تايهين في ليلنا"
هل تعرف كيف يكون التيه؟
ليس التيه مجرد ضياع طريق، ولا هو حيرة عابرة بين اختيارين، بل هو حالة تتسلل إلى الروح في صمت، فتجعل الإنسان غريبًا حتى عن نفسه. التيه يا صديقي هو أن تمشي كثيرًا دون أن تصل، وأن تفكر طويلًا دون أن تفهم، وأن تشعر بثقل الأيام فوق صدرك دون أن تدري من أين بدأ كل ذلك.
المتاهة ليست جدرانًا عالية ولا ممرات متشابكة كما نراها في الحكايات، بل هي شيء أعمق من ذلك بكثير. المتاهة الحقيقية تسكن داخل الإنسان، تتكون من ذكرياته، مخاوفه، أحلامه المؤجلة، وخيباته التي لم تندمل بعد. هي ذلك الصراع المستمر بين ما كان، وما هو كائن، وما قد يكون.
وهكذا كان حال جواد.
كان يعيش بين ثلاثة عوالم في آنٍ واحد: ماضٍ يلاحقه كظلٍ لا يختفي، وحاضرٍ يربكه لأنه لا يفهمه، ومستقبلٍ يخشاه لأنه لا يثق فيه. لم يكن جواد ضعيفًا، لكنه كان مرهقًا… مرهقًا من كثرة التفكير، من تراكم الأسئلة، من ذلك الشعور الدائم بأن هناك شيئًا ناقصًا، شيئًا لم يُفهم بعد.
كان ماضيه مليئًا بلحظات لم تُحسم. كلمات لم تُقال، فرص ضاعت، وقرارات اتخذها دون أن يكون مستعدًا لتحمل عواقبها. وكلما حاول أن يتقدم خطوة إلى الأمام، جذبه الماضي خطوة إلى الخلف، كأن الزمن نفسه يرفض أن يتركه يرحل.
أما الحاضر، فكان أشبه بضباب كثيف. يرى فيه كل شيء، لكنه لا يستطيع تمييز أي شيء بوضوح. يعيش يومه، يتحدث، يضحك أحيانًا، لكنه في داخله كان غائبًا. كأن روحه لم تلحق بجسده بعد.
والمستقبل… كان أكثر ما يخيفه. ليس لأنه مجهول فقط، بل لأنه يحمل احتمالات كثيرة، وكل احتمال منها قد يقوده إلى طريق مختلف تمامًا. كان يخشى أن يختار خطأً، أن يكرر أخطاء الماضي، أن يضيع أكثر مما هو ضائع بالفعل.
وسط كل هذا، كان هناك اختراع جده إسماعيل.
ذلك الاختراع الذي لم يفهمه جواد في البداية، والذي كان يبدو كشيء غامض، أكبر من أن يُفسر بسهولة. جهاز – أو ربما فكرة – قيل إنه يستطيع كشف ما لا يُرى، وإظهار ما خفي من الحقائق. لم يكن مجرد أداة عادية، بل كان شيئًا أشبه ببوابة… بوابة إلى أعماق لم يكن أحد مستعدًا لاستكشافها.
هنا بدأ السؤال الحقيقي:
هل كان هذا الاختراع لعنة؟ أم نعمة؟
في البداية، ظن جواد أنه نعمة. كيف لا؟ وهو يفتح له أبواب الفهم، ويمنحه القدرة على رؤية ما كان غامضًا. بدأ يرى تفاصيل لم يكن يلاحظها من قبل، يفهم دوافع الناس، يكتشف أسرارًا كانت مخفية خلف الكلمات والتصرفات. شعر للحظة أنه امتلك مفتاح الحقيقة.
لكن الحقيقة يا صديقي ليست دائمًا رحيمة.
كلما تعمق أكثر، بدأ يدرك أن المعرفة ليست راحة كما كان يظن، بل عبء. أن رؤية كل شيء بوضوح قد تكون مؤلمة أكثر من الجهل. بدأ يرى خيباته بوضوح، أخطاءه، لحظات ضعفه، وحتى الأكاذيب الصغيرة التي كان يقنع بها نفسه.
لم يعد يستطيع الهروب.
الماضي لم يعد مجرد ذكريات، بل أصبح مشاهد حية تعود إليه بكل تفاصيلها. الحاضر لم يعد ضبابيًا، بل صار مكشوفًا بكل ما فيه من فراغ. والمستقبل… لم يعد مجرد خوف، بل صار سلسلة من الاحتمالات التي يعرف إلى أين قد تقوده، ومع ذلك لا يستطيع تغييرها بسهولة.
وهنا بدأت اللعنة تظهر.
لم يكن الاختراع شرًا في ذاته، لكنه كشف له أشياء لم يكن مستعدًا لمواجهتها. جعله يرى نفسه كما هي، دون تجميل، دون تبرير. وهذه أصعب مواجهة يمكن أن يخوضها الإنسان.
لكنه في لحظة ما… بدأ يفهم.
فهم أن التيه لم يكن بسبب الماضي، ولا الحاضر، ولا المستقبل، بل كان بسبب هروبه منهم جميعًا. كان يهرب من مواجهة ماضيه، ومن تقبل حاضره، ومن تحمل مسؤولية مستقبله.
الاختراع لم يضعه في المتاهة… بل أراه المتاهة التي كان يعيش فيها بالفعل.
وهنا، تحولت اللعنة إلى نعمة.
لأن الحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل بداية الطريق. لأن الفهم، حتى لو كان مؤلمًا، هو الخطوة الأولى نحو التغيير. لأن مواجهة النفس، رغم صعوبتها، هي السبيل الوحيد للخروج من التيه.
بدأ جواد ينظر إلى ماضيه بطريقة مختلفة. لم يعد يراه كسلسلة من الأخطاء، بل كدروس. كل لحظة ألم، كل قرار خاطئ، كان يحمل في داخله معنى، تجربة، شيئًا يمكن التعلم منه.
الحاضر أيضًا بدأ يتغير. لم يعد ضبابيًا كما كان، لأنه توقف عن الهروب. بدأ يعيش لحظاته بوعي، يشعر بها، يتقبلها كما هي، دون محاولة تزويرها أو إنكارها.
أما المستقبل، فلم يعد ذلك الوحش المخيف. صار مساحة مفتوحة، ليست مضمونة، لكنها ليست مرعبة كما كان يتخيل. أدرك أن الخوف منه لن يغيره، وأن الشجاعة لا تعني عدم الخوف، بل المضي قدمًا رغم وجوده.
وهكذا، خرج جواد من المتاهة… أو ربما، تعلم كيف يعيش داخلها دون أن يضيع.
لأن الحقيقة يا صديقي، أن الحياة نفسها متاهة. لن نجد فيها طريقًا مستقيمًا، ولن نحصل على إجابات لكل أسئلتنا. لكن الفرق بين من يضيع ومن يجد طريقه، هو في قدرته على الفهم، وعلى المواجهة.
فهل كان اختراع جده إسماعيل لعنة؟
أم نعمة؟
الإجابة ليست واحدة.
هو لعنة لمن يهرب من الحقيقة، ونعمة لمن يملك الشجاعة ليواجهها. هو عبء على من لا يريد أن يرى، ونور لمن يبحث عن الفهم، مهما كان الثمن.
وفي النهاية، لم يكن الاختراع هو المهم… بل ما فعله جواد به.
لأن كل إنسان يملك بطريقته الخاصة “اختراعه” الذي يكشف له نفسه، سواء كان تجربة، صدمة، أو حتى لحظة صدق عابرة.
والسؤال الحقيقي ليس: هل نحن تائهون؟
بل: هل نملك الشجاعة لنعرف لماذا؟
لكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد، لأن الخروج من المتاهة لا يعني أبدًا نهاية الأسئلة، بل ربما بدايتها الحقيقية.
بعد أن بدأ جواد يفهم، ظن لوهلة أن الأمور ستصبح أسهل، أن وضوح الرؤية سيمنحه راحة دائمة، وأنه أخيرًا سيعيش في سلام مع نفسه. لكنه اكتشف شيئًا آخر، شيئًا لم يخطر بباله من قبل… أن الوعي نفسه مسؤولية.
لم يعد بإمكانه أن يتجاهل ما يعرفه. لم يعد قادرًا على أن يعود إلى جهله القديم، حتى لو أراد. صار يرى الأمور كما هي، بلا زينة، بلا تبرير، بلا أوهام تحميه من الحقيقة. وهذا، رغم جماله، كان مرهقًا.
كان عليه أن يختار كل يوم، أن يواجه نفسه كل يوم، أن يكون صادقًا في عالم اعتاد المواربة. صار يدرك أن الهروب كان سهلًا، وأن المواجهة هي الطريق الأصعب… لكنها الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى شيء حقيقي.
وفي إحدى لحظات الصمت، جلس جواد يتأمل كل ما مر به، وسأل نفسه سؤالًا مختلفًا هذه المرة:
“ماذا لو لم يكن الهدف هو الخروج من المتاهة أصلًا؟”
توقف طويلًا عند هذه الفكرة.
ماذا لو كانت المتاهة هي الحياة نفسها؟
وماذا لو كان المطلوب ليس أن نجد المخرج، بل أن نتعلم كيف نسير داخلها دون أن نفقد أنفسنا؟
حينها فقط، شعر بشيء من الطمأنينة.
لأول مرة، لم يكن يسعى للإجابة، بل تقبّل وجود السؤال.
بدأ يفهم أن الإنسان لا يصل إلى مرحلة يخلو فيها من التيه، بل يصل إلى مرحلة يتصالح فيها معه. أن الحيرة ليست ضعفًا، بل دليل على الوعي. وأن من لا يتساءل، لا يرى، ومن لا يرى، يعيش نصف حياة فقط.
اختراع جده إسماعيل لم يمنحه يقينًا مطلقًا، ولم يحل كل الألغاز، لكنه منحه شيئًا أهم… منحه القدرة على الرؤية، على التساؤل، على الشك، وعلى البحث.
وهذا، في حد ذاته، كان أعظم من أي إجابة.
صار جواد أكثر هدوءًا، ليس لأنه وجد كل الحلول، بل لأنه توقف عن مطاردة الكمال. تقبّل أنه سيخطئ، سيحتار، سيخاف أحيانًا، لكن كل ذلك جزء من الرحلة، لا عيب فيها.
لم يعد ينظر إلى نفسه كضائع، بل كمسافر… مسافر داخل متاهة واسعة، يتعلم مع كل خطوة، ينضج مع كل تجربة، ويقترب أكثر من نفسه، لا من النهاية.
وربما، وهذا هو الأهم، أدرك أن النهاية ليست الهدف.
لأن من يبحث عن نهاية سريعة، قد يفوته جمال الطريق.
وهكذا، لم يعد يسأل: “أين المخرج؟”
بل صار يسأل: “كيف أسير بوعي؟ كيف أفهم أكثر؟ كيف أكون صادقًا مع نفسي؟”
وفي تلك اللحظة، دون أن يشعر، لم يعد تائهًا كما كان.
بل صار إنسانًا يعرف أنه قد يضيع أحيانًا… لكنه يعرف أيضًا كيف يعود.
التالي
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية