قراءة رواية الوجه الآخر من العالم كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل الثامن
تم النشر يوم الجمعة
6/4/2026
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل الثامن
تم النشر يوم الجمعة
والحياة ليها حسبة ثانية، يومها نزلت دمعة منك فوق كتافي،،
كُل شخص مننا لديه الاستعداد على تكملة حربه الخاصه التى شَنّها ، بشرط أن يجد من يقاسمه هذه الحرب!
بمعنى أن على الطرف الآخر أن يُشعره ب أن هذه الحرب تخصهما الاثنين ولها نفس الأهمية لديهم عندما تنتهى سواء بالفوز أو الهزيمه.
ف أن أحسّ الطرف الأول ب أن الطرف الثانى ليس لديه القدرة للمحاربه من أجله ومشاطرة لذه النهاية سويا.. ً ف ل يعلم بأنهم قد خسرا بالفعل من قبل خوض التجربة.. إعلاناً من احدهما انه ليس على استعداد بعد الآن لخوض الحروب بمفرده مرة أخرى..!
كانت تُصدر الاجهزة أصواتها، ان جواد مازال على قيد الحياة واجهزة جسده كلها تعمل بشكل جيد، لكنه مازال فاقد وعيّه.. حتى بدأ يستعيد وعيه تدريجياً شيئاً ف شيئاً.. يداه تتحرك
جسده يحاول النهوض، فتح عيناه!
رأته واحده من طاقم التمريض اثناء تأديتها لواجبها فى رعايته وسرعان م اخبرت الطبيب ليأتى على الفور
فيبدء جواد بالتحدث ولكن بصعوبه
_ا... أنا فين
_إنت فالمستشفى والحمدلله فوقت من غيبوبة طويله وأنت بخير متقلقش
هنطمن أهلك لأنهم قلقانين عليك
تعجب جواد من كلمه أهله، أخذ ينظر فى أرجاء الغرفة وعلى الإبر الغارسه بجسده والاسلاك
ما الذى أودى به إلى هذا المكان.. وماهو آخر شيء حدث!
*قبل الحادث*
رشا ممسكه بهاتفها الخلوى وتتحدث به، الصورة غير واضحه تمام الايضاح مثل الاحداث بالماضى
ف احدث المستقبل تكون مشوشه وصورتها باهته وغير مستقره..
كان جواد يراقبها من بعيد يقف لاتراه، فسمعها تتحدث
_انت لازم تلاقى اى مخرج لينا.. انا كلمته فالطلاق ومش عاوز يطلقنى
وكل يوم بخترع خناقه جديدة عشان يززهق ويرمى اليمين وبرضو معاند اعمل ايه ياشريف!
عقد جواد حاجبيه، هى سيصبح لها علاقه فى المستقبل بشخص غير زوجها وهو الذى لعب على مشاعرها
كى تتخلص من زوجها وتتزوجه، ولكنها لم تضع بمخيلتها ابداً ب أنها ستقتله..
بعد هذه الرحلة إلى المستقبل، كانت رأسه تدور بثقل.. الحقيقة هو ليس على إستعداد لتقبلها!
ولكن على كل حال، نهض وذهب إلى عمله ككل يوم.
هناك كاان معهم جسداً بلا روح كالعاده.. يراهم يتهامسون ويتحدثون بسخرية ولكنه غير مبالى
حتى دلف لينضم إليهم زميل لهم منفرجه اساريره فرحاً ويردف بصوت مُبتهج
_ياجماعه بعد١٥سنه جواز،. مادلين مراتى حامل!
وقف البعض يهنئونه ويصافحوه، بينما نظر ناحيته جواد مُبتسماً هو يعد من زملاء عمله الجيدين
وفى تعامله مع جواد يكون لبق وهادئ..
دنى الأستاذ هانى من مكتب جواد واعطاه قطعة_الشيكولاته_ فقام جواد بتهنئته
_مبروك ي هانى وربنا يقومهالك بالسلامه
_الله يبارك فيك ياجواد وعقبال لما تلاقى شريكتك ونفرح بيك قريب
بعد ان أتم هانى كلمته نظر جواد ناحية مكتب سجى الفارغ، ليتمتم البعض بصوت مسموع نسبياً
_هو يا محتاج نضاره ي إما عاوز حد يعمله ظبط زوايا
...
بعدما إنتهى اليوم، كان جواد فى طريقه ليستقل _المترو_عائداً إلى المنزل، فهرول هانى ناحيته واردف
_هتمشى من الشارع دا؟
_اه عشان اطلع ع محطه المترو على طول
_طيب ينفع نكون سوا انهاردة، هجيب حجات كتير للبيت ولمادلين وهعدى على الكنيسة ومش هعرف اشيل كل دا وحدى ينفع تكون معايا
إبتسم جواد واصطحب هانى فى طريقه يحمل معه الأغراض ويقف معه حينما يقف عند اى محل يبتاع منه، حتى وصلا إلى الكنيسة فوقف جواد
_هستناك هنا ومعايا الحجات متقلقش
إبتسم هانى وأردف له
_تعالا معايا، ولع شمعه لأم النور.. هى أمنا كلنا والكنيسة بيت ربنا زى كل بيوت ربنا، تعالا أدخل معايا
دلف جواد على إستحياء، لأول مرة يدخل إلى كنيسة.. دلف هانى يخبر القس بالخبر السار وقام بتقبيل يده
ف أمره القس على فعل بعض الأشياء ليذهب هانى فيقف جواد مكانه بلا حراك، ينظر القس ناحيته مُبتسماً ويشير له ب أن يقبل نحوه
ينظر جواد هنا وهناك ويشير إلى صدره، فيومئ القس ب رأسه اينعم أنت!
ترجل جواد ناحيته بخطوات هادئه ووقف أمامه فررت القس على أحد كتفيه مُردفاً إليه بصوت هادئ..
_مالك يابنى، شايل همّ الدنيا على كتفك ليه؟
_مفيش حضرتك سلامتك
_إحكيلى يابنى، احكيلى كانك بتحكى لنفسك.. مش يمكن خطاويك جابتك لحد هنا عشان تزيح من على قلبك
تبسم ثغر جواد ب ارتباك قائلاً بتلقائيه
_بس حضرتك أنا مُسلم
تبسم القس بهدوء وأردف
_هو إحنا لما بنختار حد يسمعنا بنختاره لديانته ولا عشان روحه هتسعنا وارتاحنا نقوله هو على اللى فينا
أومأ جواد برأسه ايجاباً وأردف
_انا محتار، محتار أوى.. اتمنيت أمنية أن اعرف ليه بيحصل ليا كدا اللى فات واللى جاى
بس ياريتنى ما اتمنيت، فيه حجات عرفتها واتمنيت ان ياريتنى مكنت عرفتها
وحجات هتحصل بعدين وجعتنى وخوفتنى، ساعات بحس ان عندى تشوش بس الحاضر والماضر والمستقبل
أبتسم القس وربت على كف يده برفق وأردف بهدوء صوته
_الماضى والحاضر والمستقبل بإيد ربنا يابنى، متشغلش بالك بحجات اكبر منك لو عرفت حقيقتها هتتعب
"سيقومُ مُسَحاءُ كَذَبةٌ وأنبِياءُ كَذَبةٌ، ويُعطونَ آياتٍ وعجائِبَ، لكَي يُضِلّوا لو أَمكَنَ المُختارينَ أيضاً" الانشغال باللى انت بتقوله دا دليل على الفراغ الدينى يابنى
ليه ماتسيبش غيب ربنا لربنا، واللى عاوز تعرف حقيقته لو مكتوبلك هتعرفه فوقته المناسب
إنّ أصل العلم اللى بتجرى وراه هو من الشيطان للى كان في الأساس كاملً في كلّ طرقه، والأعلى في ترتيب الملائكة، والأجمل والأحكم في خلائق الله، حتّى "وُجِدَ فيهِ إِثْم" عندما قال في قلبه "أصعَدُ إلى السَّماواتِ. أرفَعُ كُرسِيّيِ فَوقَ كَواكِبِ اللهِ، وأَجلِسُ على جَبَل الاجتِماعِ. . . أَصيرُ مِثلَ العَليِّ"
متدخلش فى حكمة ربنا لأن هيحصلك زى م اشتكيت، غًربة وتعب وتوهان
تنهد جواد بعد زفره عميقه منه وأردف
_بس أنا عرفت حجات جاية لسه وبإيدى انبه الشخص دا منها لأنه هيقع فشر
_يابنى محدش بيعرف الغيب إلا رب الغيب، ممكن تكون شفت تهيؤات ومينفعش تروح لحد تقوله خد بالك عشان هيحصلك كذا وكذا لأن هيقول عليك مجنون
سيبها على ربنا، مراحم ربنا بتحاوطنا طول الوقت يابنى بس الإنسان هو اللى ظالم
شعر جواد بالارتياح مع حديثه مع القس، حتى رأى هانى زميله قد أقبل نحوه وأتم مهمته فانصرفا الاثنين وودع جواد هانى وترجل نحو محطه المترو عائداً إلى منزله.
...
لست مُهيأ لتجاوزك، أعتقد بأنك محطتي الأخيرة!
_ايشمعنا أنا يا إسماعيل؟!
_ايشمعنا أنت إيه
_ايشمعنا أنا الل اتكلمت معاه وقولتله سرك وحسيت بيه وعرفته اختراعاتك؟ ليه أنا بالذات؟!
_عشان انا انت يا جواد!
كان كل هذا يجول بخاطر جواد ب آخر محادثات له مع إسماعيل، أخرج علبة الورق ووضعها أمامه..
حديث القس مازال ب رأسه، وخِطبه الشيخ ايضاً
لاتدخل فى غيبيات يا جواد، ولكن الفضول مازال يضغط عليه.. يريد معرفة اكثر مما عَلم.
أمسك ورقه زرقاء خاصه بالمستقبل، وعزم أمره على استخدامها..
...
رأى نفسه يهرول ويلهث، ينظر خلفه وأمامه كأنه يبحث عن شيئاً ما حتى وقف أمام قبر ليرى إسم مدون عليه
حاول كثيراً قراءته حتى تبين معظم حروف الأسم الأول، اقترب جواد أكثر ليجده إسم حسن!!
"مو على كيف الزمان ولا على كيف الظروف
لعن أبو حي الظروف اللي بتوقف بيننا"
هل تعرف كيف يكون التيه؟
ليس التيه مجرد ضياع طريق، ولا هو حيرة عابرة بين اختيارين، بل هو حالة تتسلل إلى الروح في صمت، فتجعل الإنسان غريبًا حتى عن نفسه. التيه يا صديقي هو أن تمشي كثيرًا دون أن تصل، وأن تفكر طويلًا دون أن تفهم، وأن تشعر بثقل الأيام فوق صدرك دون أن تدري من أين بدأ كل ذلك.
المتاهة ليست جدرانًا عالية ولا ممرات متشابكة كما نراها في الحكايات، بل هي شيء أعمق من ذلك بكثير. المتاهة الحقيقية تسكن داخل الإنسان، تتكون من ذكرياته، مخاوفه، أحلامه المؤجلة، وخيباته التي لم تندمل بعد. هي ذلك الصراع المستمر بين ما كان، وما هو كائن، وما قد يكون.
وهكذا كان حال جواد.
كان يعيش بين ثلاثة عوالم في آنٍ واحد: ماضٍ يلاحقه كظلٍ لا يختفي، وحاضرٍ يربكه لأنه لا يفهمه، ومستقبلٍ يخشاه لأنه لا يثق فيه. لم يكن جواد ضعيفًا، لكنه كان مرهقًا… مرهقًا من كثرة التفكير، من تراكم الأسئلة، من ذلك الشعور الدائم بأن هناك شيئًا ناقصًا، شيئًا لم يُفهم بعد.
كان ماضيه مليئًا بلحظات لم تُحسم. كلمات لم تُقال، فرص ضاعت، وقرارات اتخذها دون أن يكون مستعدًا لتحمل عواقبها. وكلما حاول أن يتقدم خطوة إلى الأمام، جذبه الماضي خطوة إلى الخلف، كأن الزمن نفسه يرفض أن يتركه يرحل.
أما الحاضر، فكان أشبه بضباب كثيف. يرى فيه كل شيء، لكنه لا يستطيع تمييز أي شيء بوضوح. يعيش يومه، يتحدث، يضحك أحيانًا، لكنه في داخله كان غائبًا. كأن روحه لم تلحق بجسده بعد.
والمستقبل… كان أكثر ما يخيفه. ليس لأنه مجهول فقط، بل لأنه يحمل احتمالات كثيرة، وكل احتمال منها قد يقوده إلى طريق مختلف تمامًا. كان يخشى أن يختار خطأً، أن يكرر أخطاء الماضي، أن يضيع أكثر مما هو ضائع بالفعل.
وسط كل هذا، كان هناك اختراع جده إسماعيل.
ذلك الاختراع الذي لم يفهمه جواد في البداية، والذي كان يبدو كشيء غامض، أكبر من أن يُفسر بسهولة. جهاز – أو ربما فكرة – قيل إنه يستطيع كشف ما لا يُرى، وإظهار ما خفي من الحقائق. لم يكن مجرد أداة عادية، بل كان شيئًا أشبه ببوابة… بوابة إلى أعماق لم يكن أحد مستعدًا لاستكشافها.
هنا بدأ السؤال الحقيقي:
هل كان هذا الاختراع لعنة؟ أم نعمة؟
في البداية، ظن جواد أنه نعمة. كيف لا؟ وهو يفتح له أبواب الفهم، ويمنحه القدرة على رؤية ما كان غامضًا. بدأ يرى تفاصيل لم يكن يلاحظها من قبل، يفهم دوافع الناس، يكتشف أسرارًا كانت مخفية خلف الكلمات والتصرفات. شعر للحظة أنه امتلك مفتاح الحقيقة.
لكن الحقيقة يا صديقي ليست دائمًا رحيمة.
كلما تعمق أكثر، بدأ يدرك أن المعرفة ليست راحة كما كان يظن، بل عبء. أن رؤية كل شيء بوضوح قد تكون مؤلمة أكثر من الجهل. بدأ يرى خيباته بوضوح، أخطاءه، لحظات ضعفه، وحتى الأكاذيب الصغيرة التي كان يقنع بها نفسه.
لم يعد يستطيع الهروب.
الماضي لم يعد مجرد ذكريات، بل أصبح مشاهد حية تعود إليه بكل تفاصيلها. الحاضر لم يعد ضبابيًا، بل صار مكشوفًا بكل ما فيه من فراغ. والمستقبل… لم يعد مجرد خوف، بل صار سلسلة من الاحتمالات التي يعرف إلى أين قد تقوده، ومع ذلك لا يستطيع تغييرها بسهولة.
وهنا بدأت اللعنة تظهر.
لم يكن الاختراع شرًا في ذاته، لكنه كشف له أشياء لم يكن مستعدًا لمواجهتها. جعله يرى نفسه كما هي، دون تجميل، دون تبرير. وهذه أصعب مواجهة يمكن أن يخوضها الإنسان.
لكنه في لحظة ما… بدأ يفهم.
فهم أن التيه لم يكن بسبب الماضي، ولا الحاضر، ولا المستقبل، بل كان بسبب هروبه منهم جميعًا. كان يهرب من مواجهة ماضيه، ومن تقبل حاضره، ومن تحمل مسؤولية مستقبله.
الاختراع لم يضعه في المتاهة… بل أراه المتاهة التي كان يعيش فيها بالفعل.
وهنا، تحولت اللعنة إلى نعمة.
لأن الحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل بداية الطريق. لأن الفهم، حتى لو كان مؤلمًا، هو الخطوة الأولى نحو التغيير. لأن مواجهة النفس، رغم صعوبتها، هي السبيل الوحيد للخروج من التيه.
بدأ جواد ينظر إلى ماضيه بطريقة مختلفة. لم يعد يراه كسلسلة من الأخطاء، بل كدروس. كل لحظة ألم، كل قرار خاطئ، كان يحمل في داخله معنى، تجربة، شيئًا يمكن التعلم منه.
الحاضر أيضًا بدأ يتغير. لم يعد ضبابيًا كما كان، لأنه توقف عن الهروب. بدأ يعيش لحظاته بوعي، يشعر بها، يتقبلها كما هي، دون محاولة تزويرها أو إنكارها.
أما المستقبل، فلم يعد ذلك الوحش المخيف. صار مساحة مفتوحة، ليست مضمونة، لكنها ليست مرعبة كما كان يتخيل. أدرك أن الخوف منه لن يغيره، وأن الشجاعة لا تعني عدم الخوف، بل المضي قدمًا رغم وجوده.
وهكذا، خرج جواد من المتاهة… أو ربما، تعلم كيف يعيش داخلها دون أن يضيع.
لأن الحقيقة يا صديقي، أن الحياة نفسها متاهة. لن نجد فيها طريقًا مستقيمًا، ولن نحصل على إجابات لكل أسئلتنا. لكن الفرق بين من يضيع ومن يجد طريقه، هو في قدرته على الفهم، وعلى المواجهة.
فهل كان اختراع جده إسماعيل لعنة؟
أم نعمة؟
الإجابة ليست واحدة.
هو لعنة لمن يهرب من الحقيقة، ونعمة لمن يملك الشجاعة ليواجهها. هو عبء على من لا يريد أن يرى، ونور لمن يبحث عن الفهم، مهما كان الثمن.
وفي النهاية، لم يكن الاختراع هو المهم… بل ما فعله جواد به.
لأن كل إنسان يملك بطريقته الخاصة “اختراعه” الذي يكشف له نفسه، سواء كان تجربة، صدمة، أو حتى لحظة صدق عابرة.
والسؤال الحقيقي ليس: هل نحن تائهون؟
بل: هل نملك الشجاعة لنعرف لماذا؟
لكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد، لأن الخروج من المتاهة لا يعني أبدًا نهاية الأسئلة، بل ربما بدايتها الحقيقية.
بعد أن بدأ جواد يفهم، ظن لوهلة أن الأمور ستصبح أسهل، أن وضوح الرؤية سيمنحه راحة دائمة، وأنه أخيرًا سيعيش في سلام مع نفسه. لكنه اكتشف شيئًا آخر، شيئًا لم يخطر بباله من قبل… أن الوعي نفسه مسؤولية.
لم يعد بإمكانه أن يتجاهل ما يعرفه. لم يعد قادرًا على أن يعود إلى جهله القديم، حتى لو أراد. صار يرى الأمور كما هي، بلا زينة، بلا تبرير، بلا أوهام تحميه من الحقيقة. وهذا، رغم جماله، كان مرهقًا.
كان عليه أن يختار كل يوم، أن يواجه نفسه كل يوم، أن يكون صادقًا في عالم اعتاد المواربة. صار يدرك أن الهروب كان سهلًا، وأن المواجهة هي الطريق الأصعب… لكنها الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى شيء حقيقي.
وفي إحدى لحظات الصمت، جلس جواد يتأمل كل ما مر به، وسأل نفسه سؤالًا مختلفًا هذه المرة:
“ماذا لو لم يكن الهدف هو الخروج من المتاهة أصلًا؟”
توقف طويلًا عند هذه الفكرة.
ماذا لو كانت المتاهة هي الحياة نفسها؟
وماذا لو كان المطلوب ليس أن نجد المخرج، بل أن نتعلم كيف نسير داخلها دون أن نفقد أنفسنا؟
حينها فقط، شعر بشيء من الطمأنينة.
لأول مرة، لم يكن يسعى للإجابة، بل تقبّل وجود السؤال.
بدأ يفهم أن الإنسان لا يصل إلى مرحلة يخلو فيها من التيه، بل يصل إلى مرحلة يتصالح فيها معه. أن الحيرة ليست ضعفًا، بل دليل على الوعي. وأن من لا يتساءل، لا يرى، ومن لا يرى، يعيش نصف حياة فقط.
اختراع جده إسماعيل لم يمنحه يقينًا مطلقًا، ولم يحل كل الألغاز، لكنه منحه شيئًا أهم… منحه القدرة على الرؤية، على التساؤل، على الشك، وعلى البحث.
وهذا، في حد ذاته، كان أعظم من أي إجابة.
صار جواد أكثر هدوءًا، ليس لأنه وجد كل الحلول، بل لأنه توقف عن مطاردة الكمال. تقبّل أنه سيخطئ، سيحتار، سيخاف أحيانًا، لكن كل ذلك جزء من الرحلة، لا عيب فيها.
لم يعد ينظر إلى نفسه كضائع، بل كمسافر… مسافر داخل متاهة واسعة، يتعلم مع كل خطوة، ينضج مع كل تجربة، ويقترب أكثر من نفسه، لا من النهاية.
وربما، وهذا هو الأهم، أدرك أن النهاية ليست الهدف.
لأن من يبحث عن نهاية سريعة، قد يفوته جمال الطريق.
وهكذا، لم يعد يسأل: “أين المخرج؟”
بل صار يسأل: “كيف أسير بوعي؟ كيف أفهم أكثر؟ كيف أكون صادقًا مع نفسي؟”
وفي تلك اللحظة، دون أن يشعر، لم يعد تائهًا كما كان.
بل صار إنسانًا يعرف أنه قد يضيع أحيانًا… لكنه يعرف أيضًا كيف يعود.
الفصل التالي
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية