قراءة رواية الوجه الآخر من العالم كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل السابع
تم النشر يوم الجمعة
6/4/2026
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل السابع
تم النشر يوم الجمعة
_كُل سنة وانتِ طيبة يا أوزعه وعقبال سنة واحدة بس!
إبتسم ثغر نيللى حينما قرأت بطاقه مُعايدة جواد ب آخر عيد ميلاد لها، واليوم عيد ميلادها ولكن أين هو؟!
عَبرة كانت على وشك الهبوط من عيناها، حزينه لما حدث لشقيقها داعية الله له بالشفاء العاجل.
ولجت والدتها إلى الغرفه لتجدها ممسكه بالبطاقه ف علمت ب أنها تُفكر في شقيقها جواد، ف أردفت بعدما إستراحت إلى اقرب مقعد.
_فكرتينى بيه فكل عيد ميلاد ليكِ لازم تشطبي على اللى فجيبه أول ب أول كأنه فرض إتاوه، كان يقولى ياماما بنتك دى هتخرب بيتى
قالتها ضاحكه، ف ترجلت نحوها نيللى وأكملت
_فعلاً جواد هو الروح الحلوة اللى فالبيت ياماما، نفسي أعرف بس إيه اللى حصله
تنفست فاطمه بعمق واردفت بنبرة حزينه
_ربنا وحده اللى عالم يانيللى، إيه الل حصل ووصله للى هو فيه دلوقت دا
*قبل الحادث*
_يعنى إيه الواد ضاع! ضيعت إبنى يابرعى
أخذت تلطم وجنتيها السيدة والدة حسن على فُقدانها لإبنها ولكن هذه المرة حقيقه ليست لعبه بينها وبين شقيقها لكى تستحوذ على أكبر قدر من أموال شقيق زوجها.
حاول شقيق السيدة يهدئ روعها ولكن بلا فائده..
_ياستى إحنا هندور فكل حته يعنى هو هيروح فين
قامت بدفعه فى صدره والتحدث إليه بنبرة عاليه مع نحيب البُكاء
_أنا عاوزة اعرف دا حصل ازاااى
_هو موجود فالمخزن واكل شارب نايم، معرفش سهى الواد مرزوق وخرج وهرب ومحدش شافه وعلى بال م خده بالهم كان الواد فص ملح وداب، وحتى عمه مبعتش الفلوس الواطى
دبت السيدة على صدرها وأردفت كادت تشق ملابسها
_هيبعت ايييه، يبعت إيه لما الخير الل هو فيه بسبب جوزى اللى نزله المقبرة يجيب له الراس الدهب الفرعونى وجبهاله ويومين واللعنه لحقته ومات! هو دا يهون عليه قرش
يعنى ايه يابرعى، أنا خسرت الواد بجد، لعبنا اللعبة واتقلبت علينا يا أخويا .. يا حسسسسسسن ياحسسسسن
...
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) 'صدق الله العظيم'
كانت هذه الآيه تُتلى على مسامع جواد حينما استفاق من رحلته إلى ماضى حسن، حقاً. . البحث عن الأشياء الغير معلومه لدينا قد يودى بنا إلى الهلاك فقط لمعرفتنا ب أشياء اكبر من توقعاتنا.. أى أن غياب بعض الحقائق عنا قد يكون هذا الأفضل لنا من دون أن نشعر.
أسدل الستار على قصة والده ووالدته وقصه حسن أم أن مازال هناك المزيد...
_أنا بقصد متشغلش دماغك أنت مين وابن ميين ياحسن، خليك ف اللى انت عليه دلوقت جايز لو عرفت حاجه عن ماضيك واصلك وفصلك تضايق
ضيق حسن عيناه وهو ينظر إلى جواد قائلاً له
_هو إنت عرفت حاجه عنى وللا إيه؟
ضحك جواد ساخراً وأردف إليه
_هعرف منين شايفنى الساحر مدحت! أنا بس انت وقصتك الملعبكه دى جيتوا فبالى فقولت انصحك
فاهم ولا لسه حمار
أوما حسن برأسه بعدم استيعاب فقال جواد ملتوية شفتيه ويطرق كفاً ب كف
_يبقى لسه حمار
...
لن يفهمك،لن يشعر بك وليس ذنبه! هي المسافة الهائلة بين التجربة والكلمات.
فأنت تشرح شعورًا حاك في قلبك كلّ ليلة ملايين المرّات ولم يطرق قلبه ليلة، تتحدث عن أمرٍ قطعت فيه آلاف الأميال تفكيرًا ولم يمشِ فيه خطوة واحدة،تذرف الآف الدموع لِوداعه وهو لم يُبالى، هى المسافه ياعزيزى،
على _الفيسبوك _كان جواد يتصفح كعادته اثناء تواجده بالعمل ليقف عند صور ل حبيبته السابقه رشا مع زوجها بمكان جميل وهى تقوم بعناقه موضحه بالنص أعلى الصورة أنه يوم عيد مولده وانهما سيحتفلا لأول مرة سوياً وانه حب حياتها الأوحد الذى أنجبته لها الأيام.
إبتسم جزء من ثغره ساخراً ومن ثم تذكر شيئاً فقام بتكبير صورة زوجها ليتضح له شيئاً تمتم به إلى نفسه
_أيوة فعلاً، هو دا القتيل الل انا شوفته فالحلم.. يبقى جوز رشا يادى المصيبه
إثر تحدثه إلى نفسه دلفت سجى إلى المكتب تتحدث هاتفياً بصوت عالِ جداً، من الواضح انها مُشاده كلاميه بينها وبين أحدهم.
_ايوة يعنى عاوز بسلة وللا كوسه عشان اعدى اشتريه وأنا مروحه، يوووه أنت دايماً قارفنى كدا مع السلامه
اغلقت الهاتف بوجه المتصل، وجلست فتحدث بعض الزملاء إلى بعضهم خِلسه ينظرون ناحيتها ويتضاحكون
_شكلها مطلعه عين جوزها
_دا هو اللى له الجنه، يعنى لا منظر ولا شكل وكمان بتتأمر عليه
لاحظ جواد توترها لكنه لم يستمع جيداً إلى مكالمتها فهم بالوقوف من مكانه وترجل ناحيتها قائلاً
_فيه حاجه يا استاذه سجى؟!
رفعت بصرها اليه بعدما مطت شفتيها وأردفت
_اه فيه، ينفع تسيبنى فحالى
سمعا صوت قهقه عاليه من أحدهم رغماًعنه فور سماعه إلى جملة سجى، فشعر جواد بالإحراج
وعاد ثانية الى مكانه بينما تمتم احد زملائهم إلى الآخر
_هموت واشوف شايفها إزاى عشان عاوز يظبطها، دى بومة استغفر الله العظيم
فدنى الآخر من أذنه وهمس له
_وبعدين ست متجوزة هيعوز منها إيه؟
_هى بس عشان متجوزة يافصيح،شكلها أكبر منه وشبه البومه كمان
نظرا ناحية جواد ليجدوه ناظر نحوهم فهمس أحدهم
_خلاص اسكت عشان شكله خد باله
....
{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا() وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿﴾فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا() وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا}
نفهم إيه بقى من الآيات دى، أن موت الإبن، أفضل بكثير من أن يفقد إيمانه ويكفر ويطغى في الأرض.
وان الله سبحانه وتعالى عندما يأخذ من المؤمن شيئاً، لاشك أنه سيهبه خيراً منه، وأن فى ذلك حكمة سيعلمها هو فيما بعد، حكمة فيها الخير له ولكنه غير مدرك، فهمتونى ياشباب.. يعنى ربنا هنا بيوضح أن الحجات اللى بتبان لينا شر دى خير كبير ربنا بس اللى يعلمه واحنا هنعرف حكمته فالوقت المناسب
يعنى مثلا لما سيدنا الخضر قتل الغلام، انت تشوفها ليه كدا وازاى تعمل كدا زى ماسأله سيدنا موسى لكن ساعات بيكون القتل دا فى مصلحه هتيجى من وراه افضل من أن يفضل الغلام دا على قيد الحياة،وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا}
مافيش حاجه بتحصل فالكون دا الا لما يكون لها سبب وخير ونفع حتى لو شايفنها شر
خرج الجميع خارج المسجد بعد اداء صلاة الجمعه وسماع الخِطبه وكأنها كانت رسالة إلى جواد على كل مايراه ويحدث ويحتاج إلى تفسير من وجهه نظره فجعله هذا دائم البحث ، يشغله كثيراً أمر زوج رشا وما رآه بالحلم
ليستعد إلى رحلة إلى المستقبل مع الورقه الزرقاء، ويعود إلى المنزل ليحظى بنوم لوقت كافى ومن بعدها يستخدم الورقه ليرى ملايمكن توقعه ابداً.
رشا وزوجها على خلاف غير ظاهرحديثهم ولكن الواضح همهمتهم ولغة أجسادهم والنبرة المتعصبه اللذان يتحدثان بها، يقوم زوج رشا بصفعها عدة صفعات فتهرول هى هاربة منه ومن ضربه المبرح لها على وجهها وجسدها ليلحق بها بعدما دلفت إلى مطبخ شقتها، ومن هول الضرب تتناول سكيناً دون أن تشعر وتطعن زوجها عدة طعنات ليسقط غارقاً ببركه دماء..
"كلنا قبل نتلاقي حالنا حال الضعوف
كلنا كنا ترانا تايهيين في ليلنا"
هل تعرف كيف يكون التيه؟
ليس التيه مجرد ضياع طريق، ولا هو حيرة عابرة بين اختيارين، بل هو حالة تتسلل إلى الروح في صمت، فتجعل الإنسان غريبًا حتى عن نفسه. التيه يا صديقي هو أن تمشي كثيرًا دون أن تصل، وأن تفكر طويلًا دون أن تفهم، وأن تشعر بثقل الأيام فوق صدرك دون أن تدري من أين بدأ كل ذلك.
المتاهة ليست جدرانًا عالية ولا ممرات متشابكة كما نراها في الحكايات، بل هي شيء أعمق من ذلك بكثير. المتاهة الحقيقية تسكن داخل الإنسان، تتكون من ذكرياته، مخاوفه، أحلامه المؤجلة، وخيباته التي لم تندمل بعد. هي ذلك الصراع المستمر بين ما كان، وما هو كائن، وما قد يكون.
وهكذا كان حال جواد.
كان يعيش بين ثلاثة عوالم في آنٍ واحد: ماضٍ يلاحقه كظلٍ لا يختفي، وحاضرٍ يربكه لأنه لا يفهمه، ومستقبلٍ يخشاه لأنه لا يثق فيه. لم يكن جواد ضعيفًا، لكنه كان مرهقًا… مرهقًا من كثرة التفكير، من تراكم الأسئلة، من ذلك الشعور الدائم بأن هناك شيئًا ناقصًا، شيئًا لم يُفهم بعد.
كان ماضيه مليئًا بلحظات لم تُحسم. كلمات لم تُقال، فرص ضاعت، وقرارات اتخذها دون أن يكون مستعدًا لتحمل عواقبها. وكلما حاول أن يتقدم خطوة إلى الأمام، جذبه الماضي خطوة إلى الخلف، كأن الزمن نفسه يرفض أن يتركه يرحل.
أما الحاضر، فكان أشبه بضباب كثيف. يرى فيه كل شيء، لكنه لا يستطيع تمييز أي شيء بوضوح. يعيش يومه، يتحدث، يضحك أحيانًا، لكنه في داخله كان غائبًا. كأن روحه لم تلحق بجسده بعد.
والمستقبل… كان أكثر ما يخيفه. ليس لأنه مجهول فقط، بل لأنه يحمل احتمالات كثيرة، وكل احتمال منها قد يقوده إلى طريق مختلف تمامًا. كان يخشى أن يختار خطأً، أن يكرر أخطاء الماضي، أن يضيع أكثر مما هو ضائع بالفعل.
وسط كل هذا، كان هناك اختراع جده إسماعيل.
ذلك الاختراع الذي لم يفهمه جواد في البداية، والذي كان يبدو كشيء غامض، أكبر من أن يُفسر بسهولة. جهاز – أو ربما فكرة – قيل إنه يستطيع كشف ما لا يُرى، وإظهار ما خفي من الحقائق. لم يكن مجرد أداة عادية، بل كان شيئًا أشبه ببوابة… بوابة إلى أعماق لم يكن أحد مستعدًا لاستكشافها.
هنا بدأ السؤال الحقيقي:
هل كان هذا الاختراع لعنة؟ أم نعمة؟
في البداية، ظن جواد أنه نعمة. كيف لا؟ وهو يفتح له أبواب الفهم، ويمنحه القدرة على رؤية ما كان غامضًا. بدأ يرى تفاصيل لم يكن يلاحظها من قبل، يفهم دوافع الناس، يكتشف أسرارًا كانت مخفية خلف الكلمات والتصرفات. شعر للحظة أنه امتلك مفتاح الحقيقة.
لكن الحقيقة يا صديقي ليست دائمًا رحيمة.
كلما تعمق أكثر، بدأ يدرك أن المعرفة ليست راحة كما كان يظن، بل عبء. أن رؤية كل شيء بوضوح قد تكون مؤلمة أكثر من الجهل. بدأ يرى خيباته بوضوح، أخطاءه، لحظات ضعفه، وحتى الأكاذيب الصغيرة التي كان يقنع بها نفسه.
لم يعد يستطيع الهروب.
الماضي لم يعد مجرد ذكريات، بل أصبح مشاهد حية تعود إليه بكل تفاصيلها. الحاضر لم يعد ضبابيًا، بل صار مكشوفًا بكل ما فيه من فراغ. والمستقبل… لم يعد مجرد خوف، بل صار سلسلة من الاحتمالات التي يعرف إلى أين قد تقوده، ومع ذلك لا يستطيع تغييرها بسهولة.
وهنا بدأت اللعنة تظهر.
لم يكن الاختراع شرًا في ذاته، لكنه كشف له أشياء لم يكن مستعدًا لمواجهتها. جعله يرى نفسه كما هي، دون تجميل، دون تبرير. وهذه أصعب مواجهة يمكن أن يخوضها الإنسان.
لكنه في لحظة ما… بدأ يفهم.
فهم أن التيه لم يكن بسبب الماضي، ولا الحاضر، ولا المستقبل، بل كان بسبب هروبه منهم جميعًا. كان يهرب من مواجهة ماضيه، ومن تقبل حاضره، ومن تحمل مسؤولية مستقبله.
الاختراع لم يضعه في المتاهة… بل أراه المتاهة التي كان يعيش فيها بالفعل.
وهنا، تحولت اللعنة إلى نعمة.
لأن الحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل بداية الطريق. لأن الفهم، حتى لو كان مؤلمًا، هو الخطوة الأولى نحو التغيير. لأن مواجهة النفس، رغم صعوبتها، هي السبيل الوحيد للخروج من التيه.
بدأ جواد ينظر إلى ماضيه بطريقة مختلفة. لم يعد يراه كسلسلة من الأخطاء، بل كدروس. كل لحظة ألم، كل قرار خاطئ، كان يحمل في داخله معنى، تجربة، شيئًا يمكن التعلم منه.
الحاضر أيضًا بدأ يتغير. لم يعد ضبابيًا كما كان، لأنه توقف عن الهروب. بدأ يعيش لحظاته بوعي، يشعر بها، يتقبلها كما هي، دون محاولة تزويرها أو إنكارها.
أما المستقبل، فلم يعد ذلك الوحش المخيف. صار مساحة مفتوحة، ليست مضمونة، لكنها ليست مرعبة كما كان يتخيل. أدرك أن الخوف منه لن يغيره، وأن الشجاعة لا تعني عدم الخوف، بل المضي قدمًا رغم وجوده.
وهكذا، خرج جواد من المتاهة… أو ربما، تعلم كيف يعيش داخلها دون أن يضيع.
لأن الحقيقة يا صديقي، أن الحياة نفسها متاهة. لن نجد فيها طريقًا مستقيمًا، ولن نحصل على إجابات لكل أسئلتنا. لكن الفرق بين من يضيع ومن يجد طريقه، هو في قدرته على الفهم، وعلى المواجهة.
فهل كان اختراع جده إسماعيل لعنة؟
أم نعمة؟
الإجابة ليست واحدة.
هو لعنة لمن يهرب من الحقيقة، ونعمة لمن يملك الشجاعة ليواجهها. هو عبء على من لا يريد أن يرى، ونور لمن يبحث عن الفهم، مهما كان الثمن.
وفي النهاية، لم يكن الاختراع هو المهم… بل ما فعله جواد به.
لأن كل إنسان يملك بطريقته الخاصة “اختراعه” الذي يكشف له نفسه، سواء كان تجربة، صدمة، أو حتى لحظة صدق عابرة.
والسؤال الحقيقي ليس: هل نحن تائهون؟
بل: هل نملك الشجاعة لنعرف لماذا؟
لكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد، لأن الخروج من المتاهة لا يعني أبدًا نهاية الأسئلة، بل ربما بدايتها الحقيقية.
بعد أن بدأ جواد يفهم، ظن لوهلة أن الأمور ستصبح أسهل، أن وضوح الرؤية سيمنحه راحة دائمة، وأنه أخيرًا سيعيش في سلام مع نفسه. لكنه اكتشف شيئًا آخر، شيئًا لم يخطر بباله من قبل… أن الوعي نفسه مسؤولية.
لم يعد بإمكانه أن يتجاهل ما يعرفه. لم يعد قادرًا على أن يعود إلى جهله القديم، حتى لو أراد. صار يرى الأمور كما هي، بلا زينة، بلا تبرير، بلا أوهام تحميه من الحقيقة. وهذا، رغم جماله، كان مرهقًا.
كان عليه أن يختار كل يوم، أن يواجه نفسه كل يوم، أن يكون صادقًا في عالم اعتاد المواربة. صار يدرك أن الهروب كان سهلًا، وأن المواجهة هي الطريق الأصعب… لكنها الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى شيء حقيقي.
وفي إحدى لحظات الصمت، جلس جواد يتأمل كل ما مر به، وسأل نفسه سؤالًا مختلفًا هذه المرة:
“ماذا لو لم يكن الهدف هو الخروج من المتاهة أصلًا؟”
توقف طويلًا عند هذه الفكرة.
ماذا لو كانت المتاهة هي الحياة نفسها؟
وماذا لو كان المطلوب ليس أن نجد المخرج، بل أن نتعلم كيف نسير داخلها دون أن نفقد أنفسنا؟
حينها فقط، شعر بشيء من الطمأنينة.
لأول مرة، لم يكن يسعى للإجابة، بل تقبّل وجود السؤال.
بدأ يفهم أن الإنسان لا يصل إلى مرحلة يخلو فيها من التيه، بل يصل إلى مرحلة يتصالح فيها معه. أن الحيرة ليست ضعفًا، بل دليل على الوعي. وأن من لا يتساءل، لا يرى، ومن لا يرى، يعيش نصف حياة فقط.
اختراع جده إسماعيل لم يمنحه يقينًا مطلقًا، ولم يحل كل الألغاز، لكنه منحه شيئًا أهم… منحه القدرة على الرؤية، على التساؤل، على الشك، وعلى البحث.
وهذا، في حد ذاته، كان أعظم من أي إجابة.
صار جواد أكثر هدوءًا، ليس لأنه وجد كل الحلول، بل لأنه توقف عن مطاردة الكمال. تقبّل أنه سيخطئ، سيحتار، سيخاف أحيانًا، لكن كل ذلك جزء من الرحلة، لا عيب فيها.
لم يعد ينظر إلى نفسه كضائع، بل كمسافر… مسافر داخل متاهة واسعة، يتعلم مع كل خطوة، ينضج مع كل تجربة، ويقترب أكثر من نفسه، لا من النهاية.
وربما، وهذا هو الأهم، أدرك أن النهاية ليست الهدف.
لأن من يبحث عن نهاية سريعة، قد يفوته جمال الطريق.
وهكذا، لم يعد يسأل: “أين المخرج؟”
بل صار يسأل: “كيف أسير بوعي؟ كيف أفهم أكثر؟ كيف أكون صادقًا مع نفسي؟”
وفي تلك اللحظة، دون أن يشعر، لم يعد تائهًا كما كان.
بل صار إنسانًا يعرف أنه قد يضيع أحيانًا… لكنه يعرف أيضًا كيف يعود.
الفصل التالي
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية