قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل السابع
تم النشر الجمعة
10/4/2026
بعد مرور أربعة أيام ..
كانت هي تعتني بذلك الغريب بكل حنان، تطعمه بيدها، وهو لا يتناول سوى لقيمات قليلة لا تكاد تكفي ليبقى على قيد الحياة عرفته بنفسها رغم أنه لم ينبس ببنت شفة منذ أن استفاق فهي تدعى (جوليا ماركو)، وقررت أن تسميه (لوكا)، حتى تتحدث اليه بأسم معين فهي لا تعرف أي شئ عن ماضيه ..
كانت (جوليا) تأتي إلى المنزل في المساء بعد أن تنتهى من عملها، تقص عليه كل ما جرى في يومها، تتحدث وكأن (لوكا) يسمع، لكن السؤال الذى ظل يطاردها هل هو أبكم؟ أم فقد ذاكرته؟ أم أنه في غيبوبة ذهنية جراء صدمة ما؟ كانت تحاول جاهدة أن تفهم حالته، وتجد له طرقًا لمساعدته حتى في كل شئ تقريبًا، وهو يبدي لا مبالاة تامة لما حوله ..
امتلئ قلبها مشاعر الشفقة، فهي لا تعرف ما الذي أوصله إلى هذا الحال، وفكرت في استدعاء طبيب نفسي ليقيم وضعه ويقدم له المساعدة اللازمة لأنها فشلت بكل الطرق أن تجعله ينطق ولو بكلمة واحدة ..
في المطبخ وبينما كانت تعد الطعام، أمسكت الملعقة لتُعد له الحساء وبعد أن انتهت توجهت إلى غرفته وجلست بجانبه على الفراش، وبدأت تطعمه الحساء ببطء، لكنه رفض بلطف تناول الطعام فلم تيأس، أصرت على إطعامه، فهو فقد الكثير من وزنه خلال الأيام الماضية فدفَع الحساء عنه ليثنيها عن فعل ذلك فسقط الحساء فوق قدمها، تلَفَتَتْ تتألم، وهي تقول بغضبٍ
- أيها اللقيط .. كيف استطعت أن تفعل بي ذلك؟
نهضت محاوِلة تنظيف ملابسها المبللة، بينما ابتسم هو بابتسامة خافتة، فقد كانت حالتها مزرية للغاية اتسعت عينها دهشة، وهمست
- حقًا؟ هل تسمعني يا (لوكا)؟ أنت لست أصمًا! لم أكن أعلم أن عضلات وجهك تعرف الابتسام يا رجل
هز (معتصم) رأسه بآسى، وقال بنبرة حزينة
- يجب أن تضعِي ماءً مثلجًا على قدميك حتى لا تتأذي
ذهلت، وهي لا تصدق أن الكلمات خرجت من فمه، وأنه يتحدث الإيطالية بطلاقة جلست بجواره وهي لا تهتم بقدمها التى تحولت للأحمرار بسبب الحساء الساخن، فهي لا تعبأ إلا به الآن ثم سألته بنبرة ملؤها الفضول والقلق
- من أين أنت؟ من أي بلد؟ أم أنك لا تذكر شيئًا عن ماضيك؟ هل دفعك الموج وسقطت على رأسك ففقدت ذكرياتك القديمة؟
أمسك (معتصم) رأسه بيده، ثم قال
- فيضُ حديثكِ لا يهدأ يا (جوليا) .. لكن على كل حال أشكرك على كل المساعدة التي قدمتيها لي لكنى كنت اتمنى لو تركتيني أموت
نهض عن الفراش ثم تابع
- بعد تفكير دام لأربعة ليالٍ قررت أن أسلم نفسى وأترك الحكومة الإيطالية تتولى أمري، لم أعد قويًا على فعل شيء
تصنمت (جوليا) بمكانها ثم قالت
- احكي لي يا (لوكا)؟ ما قصتك؟ ربما أستطيع مساعدتك من أي البلاد أنت؟
رد عليها بهدوء
- مصر
نظرت له مليًا، ثم ضحكت بخفة
- لا أصدق! أنت لست أسمر اللون .. تعاملت مع كثير من المصريين وأنت لا تشبههم على الإطلاق قل الحقيقة يا (لوكا)
صر (معتصم) على أسنانه، وضغط شفتيه بغضب ثم قال
- أنا مصري أبًا عن جد والمصريون ليس لهم شكل محدد نحن أصل كل الأصول لا نشبه فرقة معينة من البشر
شعرت (جوليا) بأنه غاضب من اجابته، فهمست بهدوء
- حسنًا .. آسفة يا (لوكا) قص عليّ حكايتك
فقال وهو يمسح بوجهه بيده
- لستُ أدعى (لوكا) اسمي (معتصم)
كررته وهي تنطق الاسم بثقل
- موتصم .. حسنًا قل لي حكياتك
استند (معتصم) إلى الحائط، وبدأ يقص قصته كاملة كيف تعرض لعملية نصب، وكيف كانت هجرته غير شرعية، وكيف فقد بعض من كان معه أرواحهم، حتى أصدقاؤه لا يعرف هل ماتوا ام تم إنقاذهم من خفر السواحل، وفي كل الحالات لا يتخيل مصيرهم الآن، وكيف لم يستطع التحدث خلال الأيام الماضية، لأن كل ما واجهه لم يكن ليتخيله يومًا فشعرت (جوليا) بالشفقة تجاهه، ثم قالت
- لكنك تتحدث الإيطالية ببراعة
أخذ (معتصم) نفسًا عميقًا، ثم قال
- كنت أعمل مترجمًا للإيطالية لبعض الكتب والمقالات .. فهي لغتي الثانية كان هذا سببًا من أسباب قدومي إلى هنا
ابتسمت (جوليا) وقالت
- لا تقلق موتصم .. سأساعدك هنا الكثير من المصريين مثلك وأحيانًا نساعدهم سأجد لك عملاً دون أن يسأل أحد عن هويتك أو ماضيك .. اتفقنا يا رجل؟
أخذ (معتصم) نفسًا عميقًا، ثم قال
- أرجوكِ يكفي ما فعلتيه .. أريد فقط التعفن في السجن، فأنا لا أستطيع مواجهة عائلتي ليتني مت
نهضت (جوليا) وهي تشعر بشفقة عميقة نحوه، اقتربت لتحتضنه كي تهون عليه ذلك الألم الذى يعتصر قلبه قائلة
- أنا حقًا آسفة (معتصم) لما حدث لك لكن لا تقلق لن أدعك دون مساعدة .. أنت ما زلت شابًا لا يجب أن تتعفن في السجن لأن أناسًا حمقى خدعوك
اتسعت عينا (معتصم)، وهو لا يصدق أن تلك الفتاة احتضنته هكذا ابتلع ريقه بصعوبة، ثم أبعدها عنه قائلاً
- يا فتاة .. لست مثلك وهذه الأمور ليست شائعة بيننا .. أنا مسلم
ابتسمت (جوليا) وقالت
- يالله .. أنت فتى خجول للغاية
حدق بها (معتصم) قليلاً فتلك الفتاة يوجد خلل فى رأسها بالتأكيد، لتردف هى
- اخلد للنوم الآن وسنتحدث في الصباح .. أيها الخجول
خرجت من غرفته، وظل هو ينظر حوله، جلس على الفراش واضعًا رأسه بين راحة كفاي يده يشتاق لأهله كثيرًا لحبيبته لكنه تساءل ماذا سيقول لهم؟ هل يحدثهم ليزداد قلقهم، أم يجعلهم يظنون أنه مات؟ ولم يعد له وجود بعد ..
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي ..
كانت جالسة في مكان عملها تحاول جاهدة أن تظل متماسكة، لكن قلبها كان ملئ بالقلق، وعقلها مشغول فقط ب(معتصم) وما حدث له لم تتلقَ أي اتصال منه منذ ما يقرب من اسبوعين، وعقلها يرفض تصديق أن مكروهًا قد أصابه لكن إن لم يكن كذلك، فلماذا لا يتصل؟!
أهملت (سدرة) نفسها فى الأيام الماضية، لم تهتم بطعامها أو نومها، لم تفعل سوى البكاء المتكرر، أو الحديث مع والدة (معتصم) التي شعرت هي الأخرى بالقلق، فليس هناك أحد يشعر بما يثقل قلبهم ..
بينما كان (مالك) يراقب (سدرة) منذ عدة أيام، وقد لفت انتباهه شيء غريب فيها أنها اصبحت منطفئة حزينة طوال الوقت ورغم أنه لم يكن يهتم عادة بأحد، ولا يلتفت إلا لأمر عمله فقط، إلا أن (سدرة) كانت مختلفة ..
فمنذ أن رآها تبكي للمرة الأولى، وهو يشعر بشيء من الشفقة تجاهها فتصرفاتها كطفلة رغم كبر سنها في الأيام الماضية بدت عليها علامات التعب والضعف الشديد، وجهها شاحب عيناها تفقدان بريقهما، وبينما هو يراقبه دون أن تشعر هى وأثناء وقوفه مع زميله قرب قاعة الاستقبال بالفندق، شاهدها تسقط مغشية عليها فجأة تراجع (مالك) خطوة للخلف وهو لا يفهم ماذا حدث لها ولكن ما لبث أن هرع نحوها بسرعة، وسط تجمهر الناس حولها، رفع رأسه قائلاً بصوت حازم
- ياريت الناس ترجع ورا شوية .. لازم يبقى عندها مساحة تتنفس .. الزحمة دي مش حلوة ليها
امسكتها صديقتها وقامت باسندها لكنها لم تستطع حملها فاتى (مالك) من الجهة الآخر واسندها هو الآخر ثم اجلسوها على أقرب مقعد، وقفت زميلتها تحاول تهدئتها، ونثرت قليلاً من العطر على وجهها فبدأت (سدرة) تفتح عينيها ببطء، وكان أول ما رأته تلك العيون العسلية الهادئة ل (مالك)، أنفه المستقيم وملامحه الوسيمة التي تحمل دفء ناعمًا، طلب من النادل أن يحضر لها كوبًا من العصير على وجه السرعة فاقتربت زميلتها من (سدرة) وأمسكت بها بين ذراعيها قائلة بقلق
- مالك يا (سدرة) حصل إيه؟
أجابت (سدرة) بصوت خافت ضعيف، فرأسها ما زالت تدور
- تعبانة بس شوية
عند وصول النادل، أسرع (مالك) بأخذ كوب العصير وقدمه لها
- اشربي
هزت (سدرة) رأسها رافضة
- مليش نفس
رفع (مالك) حاجبيه بحزم
- بلاش دلع يا (سدرة) اشربي
ترددت قليلاً، ثم أخذت الكوب وارتشفت منه قليلاً فقالت زميلتها وهي تراقبها بعينين مليئتين بالحزن
- لازم ارجع الريسبشن هجيلك تاني يا (سدرة) خلى بالك منها يا (مالك)
جلس (مالك) بجانبها وقال بهدوء ممزوج بالقليل من الصرامة
- انتِ مش صغيرة عشان تعملي كده في نفسك
رفعت (سدرة) رأسها نحو (مالك) ونظرت له بامتنان
- شكرًا يا (مالك) .. أنا عارفة إني دايمًا بتعبك معايا وبصراحة .. إنت شهم جدًا كل مرة بتقف جنبي
ابتسم (مالك) بلطف، وكان في ابتسامته دفء كبير
- اهتمي بنفسك وصحتك عشان أكيد في ناس بتحبك ويهمهم وجودك
لم تستطع (سدرة) كبح دموعها فانسابت دموعها على خديها فأخرج (مالك) منديلًا من جيبه ومدّه لها قائلاً
- تاني بتعيطي؟ ارحميني بقى
ابتسمت (سدرة) ابتسامة باهتة، ثم قالت
- لازم أقوم أكمل شغل
فنهضت من مكانها بهدوء ليقول (مالك) بحسم
- استني هنا .. تقومي تروحي فين؟ انتي مش قادرة تقفي
هزت رأسها نافية وهى تقول مبررة
- ده شغلي هعمل ايه يعني؟!
رد عليه بابتسامة خفيفة
- ملكيش دعوة انا هكلملك مستر (شريف) واستأذنلك منه
كانت تشعر بتعب وأرهاق كبيران لذا سألته وهى تقول
- تقدر تعمل ده؟
اماء لها بعينه بأنه يستطيع ثم قال
- تحبي اوصلك أنا كده كده كنت ماشي وهرجع تاني بليل على ميعاد الحفلات
فهزت رأسها نافية فصمم (مالك) قائلًا
- يا ستى اعتبريني اوبر
ترددت للحظات فهي تشعر بالأعياء والضعف خائفة أن تستقل الحافلة بمفردها وان يغشى عليها وهي وحدها فى الطريق لذا قالت بهدوء
- ماشي .. المرة دي بس
ابتسم لها، وهي توجهت لجمع اغرضها، بينما اتجه (مالك) نحو رئيسها في العمل ليحدثه ويستأذن منه وبعد دقائق اتجه نحو قاعة الأستقبال وسارا معًا نحو الخارج ..
استقلا السيارة سويًا، فشعرت (سدرة) بالتوتر الشديد لأنها بمفردها معه فى السيارة، ولكنها أملت عليه عنوان منزلها بينما كان هو يريد في نفسه أن يعرف سر شحوبها وحزنها، لكنه يعلم جيدًا أن علاقتهما لا تسمح له بالتدخل أكثر من ذلك لذلك آثر الصمت عندما وصلا إلى منزلها، نظرت إليه بعيون مليئة بالامتنان وقالت
- شكرًا أوي يا (مالك)
هز رأسه وكأنه يقول لا عليكِ، ظل ينظر إليها إلى أن دخلت بيتها، ثم نظر إليها بابتسامة دافئة وهو يردد لنفسه
- إيه يا عم (مالك) .. مالك؟!
❈-❈-❈
دلف والدها أولًا إلى الغرفة ثم تبعته والدتها بخطى متعجلة، وما إن وقعت عيناها على ابنتها الحزينة المتكورة على نفسها أعلى فراشها حتى شعرت بالحزن على حال ابنتها الوحيدة، أسرعت نحوها واحتضنتها بقوة، كما لو أنها تحاول أن تُرمم بها شروخ قلبٍها الهشّ ..
انهارت (سدرة) بين ذراعي والدتها، وراحت تبكي بحرقة، كأنها تحاول أن تطرد كل ما عجزت عن قوله، اقترب والدها وجلس إلى جوارهما على طرف الفراش ثم مد يده يربت على كتف ابنته بحنان بالغ فهمست والدتها بنبرة تخفي فيها ذعرها من ألم ابنتها
- اهدي يا (سدرة)
رفعت (سدرة) وجهها، وقد اختنق صوتها بالبكاء
- قلبي متقطع عليه يا ماما .. مش عارفة هو عامل إيه دلوقتى .. نفسي أسمع صوته واتطمن عليه .. أنا أصلًا مكنتش متخيلة إني هعيش يوم من غير ما يكون جنبي .. وكمان معرفش عنه حاجة .. قلبي يا ماما بيتقطع أوي!
كانت كلماتها كسكاكين تنغرس فى صدر والدتها، فضمّتها من جديد وهي تمسح دموعها أما والدها فتنحنح وقال بهدوء مزيج بين الحزم والشفقة
- اهدي يا (سدرة) .. هو ربنا أعلم بحاله بس انتِ لازم تفَوقي لنفسك احنا لسه في الأول .. أومال لو فضلتِ مش عارفة عنه حاجة هتعملي إيه؟
ابتعدت (سدرة) عن حضن والدتها ببطء، ووضعت يدها المرتجفة على صدرها، عند موضع القلب، وقالت بصوت متهدج
- م.. محدش يقول كده .. (معتصم) بخير .. أنا واثقة إنه بخير .. قلبي بيقول كده بس أكيد فى سبب مانعه عنى!
زفرت والدتها بضيق، لم تستطع كتمانه أكثر
- أنا مش فاهمة بصراحة إيه اللى عاجبك فى الهم ده؟ من ساعة ما قرر ياخد قرض بضمان شقته وأنا مش طايقاه
مسحت (سدرة) دموعها، ورفعت نظرتها نحوها
- يا ماما غصب عنه .. مش كان عاوز يجوز أخته؟
فقالت والدتها بضجر واضح
- يعني يجوز أخته وانتى تخللى جنبه؟ أنا مكنتش عاوزة أتكلم وقتها عشان مبقاش وحشة .. بس هو غلطان وسابك وباعك عشان أخته وعيلته .. وانتِ أصلاً سيد سيده يتمناكى!
عضت شفتاها بضيق وهي تشير بيدها بحنق ثم أردفت قائلة
- لا .. وكمان خد بعضه وسافر ومكلفش نفسه يتصل .. ده اتلاقيه بيشوف حياته هناك! هو اللى بيسافر بيرجع يا (سدرة)؟ فوقى يا ماما!
كان قلب والد (سدرة)، يغلي من طريقة حديث زوجته، فحدّق فيها بقوة وهو يقول
- اسكتي دلوقتي يا (شهيرة) .. مش وقته الكلام ده
أشاحت بوجهها عنه وزفرت غاضبة
- بنتك مش صغيرة يا (رشاد)! هتفضل هبلة وهطلة لحد إمتى؟ أنا قايمة .. وسايباك تعقل بنتك!
خرجت غاضبة، وصفقت الباب بقوة فيما بقي (رشاد) يضم ابنته إليه، يُهدّئ من رجفتها، ويُمسد على شعرها برفق
- بُصى يا (سدرة) .. أنا عارف إن (معتصم) بيحبك .. مش بيحبك بس ده مجنون بيكِ كمان
ارتسمت ابتسامة باهتة على وجهها رغم الدموع فهذا حقًا ما تريد سماعه وليس حديث والدتها الجاف، فابتسم والدها هو الآخر لتلك البسمة التى شقت ثغر ابنته وتابع بهدوء
- بس أنا عاوزك تبقي قوية .. تكوني مستعدة تسمعي أي خبر .. أو حتى تبقي مستعدة إنك متسمعيش أي خبر .. أنا مش عاوز حاجة تكسر ضهرك يا بنتي
تجهم وجه (سدرة)، وأطلت نظرة الخوف من عينيها من جديد، لكنها لم تنطق فلسانها قد شُل فربت والدها على كتفها بحنان شديد
- قومي صلي وادعيله .. وإن شاء الله ربنا يريح قلبك عليه
هزّت رأسها بالموافقة، وكأنها تستجمع ما تبقّى من قوتها ثم نهضت ببطء، ومضت إلى الحمام كي تتوضئ وبعد ان فرغت ارتدت اسدلًا للصلاة وبدأت بالصلاة ثم ظلت تدعو إليها حتى نامت وهي على سجادة الصلاة ..
❈-❈-❈
في المساء ..
كانت (أوهيلا) تقف أمام المرآة داخل حمام الكافيه، تُعدّل من خصلات شعرها المنسدلة على كتفيها، وهي تتأمل نفسها وفستانها فقد ارتدت فستانًا أنيقًا بلون الزمرد الأخضر، ضيقًا من الأعلى، يلتف حول خصرها ثم ينفلت من تحته بتموجات ناعمة، تنساب عند الركبتين كان الفستان مكشوف الكتفين، وضعت لمسات من المكياج تُبرز ملامحها الفاتنة، وعينيها السوداوين الواسعتين، لتبدو في كامل فتنتها ..
بعد أن انتهت خرجت نحو الخارج تتحرك بين الطاولات في القاعة تنظم وترتب أمر الحفل، تتحدث مع (هند) فى تفاصيل الحفل ..
ورغم غيرتها الدفينة، لم تستطع أن ترفض له طلبًا حين طلب منها الإشراف على الحفلة، فقط لأنها لا تريد سوا قربه تشعر بالراحة وهو قريب منها ويتحدث إليها ويعتمد عليها وأنها لها مكانة خاصة في قلبه ..
في تلك اللحظة، دخل (آسر) إلى القاعة، يحمل كاميرته بيد ويمسك حقيبة معدات صغيرة باليد الأخرى كان يرتدي تي شيرت أسود بسيط، يلتصق بجسده الرياضي، وبنطلون جينز داكن اللون نظيف المظهر، حذاؤه اسود اللون، لمحت (أوهيلا) دخوله، فابتسمت دون وعي فذلك المتعجرف الذي تجرأ يومًا وحدثها بعنجهية اليوم هو أسفل ضرسها اقتربت منه بخطوات واثقة، كان منشغلًا بضبط الكاميرا، دون أن يلاحظ قدومها فقالت بنبرة فيها سخرية لاذعة
- يا أهلًا بيك في ملعبي!
رفع بصره ببطء، وحين وقعت عيناه عليها، توقف لحظة يتأملها فهى نفس الفتاة، التي تشتهر على مواقع التواصل الاجتماعي ولكنها تبدو فاتنة للغاية، ولأنه ينسى دائمًا مواقفه السيئة أمام الجميلات أجاب يتغزل واضح
- عنيا للقمر!
اتسعت عينا (أوهيلا)، والدهشة تعلو وجهها أهو نفسه ذاك المتعجرف..؟! الآن ينظر لها بإعجاب؟! بل ويتغزّل بها!
لكنها ما لا تعرفه عنه أنه فقط وقت العمل صارمًا ولكن فى الحقيقة هو يغازل اى فتاة تقع عينيه عليها فقالت بنبرة استعلاء
- (رأفت) كان عاوز مصوّر وأنا رشحتك ليه .. يعني أنا ليا الفضل إنك تبقى في مكان زي ده
تبدلت ملامح (آسر) فجأة، وأضيقت عيناه فهو لا يقبل أن تتحدث معه اي فتاة بتلك الطريقة وكأنها تمن عليه بشئ فقال بحدة
- بصي أنا أكتر حاجة بكرهها في حياتي إن حد يكلمني بالأسلوب ده .. وممكن أمشي من الحفلة دلوقتي حالًا ولا هيفرق معايا لا عربون ولا تصوير ولا (رأفت) بتاعك وشوفي مين هييجي يصور حفلتك!
عضّت (أوهيلا) شفتها بغيظ، هذا الفتى .. لا يمكن إيقاعه بسهولة! فزفرت بعصبية وقالت
- خلاص .. شوف شغلك وانت ساكت يا (آسر)
ابتسم، وهو يغيظها متعمدًا ساخرا من لدغتها التي نطقت اسمه بها
- اسغ والله طالعة من بوقك حلوة ..سكغ يا سكغ!
ضاقت عيناها أكثر، واستدارت غاضبة، تمشي بخطوات سريعة أما هو، فظل يراقبها، يدلك أسفل رأسه من الخلف وهو يتمتم
- قمر .. بنت الإيه!
بدأ العمل تحرك بين الحاضريين، يصور الحدث لكن مع مرور الوقت، لاحظ أمرًا غريبًا، ف (أوهيلا) لم تكن بخير كانت نظراتها تائهة، تتحرك بجسدها فقط وكلما رآها تنظر إلى صاحب الحفل، كانت عيناها تنكمش، وابتسامتها تضمحل وحين حان وقت اطفاء الشموع، التفت يبحث عنها بعينه وجدها تخرج من الباب نحو الخارج ويبدو عليها الضيق، طلب من مساعده أن يقوم بالتصوير حتى عودته وخرج خلفها، يفتش عنها حتى لمحها من بعيد، خلف إحدى الأشجار في الحديقة الجانبية، حيث كانت تقف وحدها، تبكي بحرقة وإنكسار اقترب بخطوات بطيئة، وهي لا تشعر بوجوده خلفها كان صوتها الخافت يصل إلى اذنيه، تحدث نفسها وهي تغالب شهقاتها
- هو ليه بيحب مراته كده؟ ليه مش واخد باله مني؟ ليه بجد؟ وانا كل شوية باجي على نفسى عشانه ..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
