رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 8 - الثلاثاء 14/4/2026

تم النشر في: 14 أبريل 2026


قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ظلها في قلبه

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 


الفصل الثامن

تم النشر الثلاثاء 

14/4/2026


الفصل السابق

وقف (آسر) يحدّق فيها بصدمة، فتاة فاتنة مثلها، بكل هذا الجمال والنضارة، تبكي بحرقة على رجل يكبرها بعشرين عامًا أو أكثر؟ رجل متزوّج! تراجع خطوة وهو يرمش كأنّه يحاول أن يستعب ذلك الأمر ثم هزّ رأسه بعدم تصديق،ابتسم بسخرية وهو يقول بنبرة مرحة يخفي خلفها اضطرابه
- بطلة الاعلانات اللي قدامي دي بيحب الكومبارس اللي على المعاش؟!

اتسعت عينا (أوهيلا) وامتلأت بالدهشة، ثم بسرعة مسحت دموعها بأنامل مرتجفة قبل أن تردّ
- (آسر)؟! إنت بتعمل إيه هنا؟ مش المفروض تكون جوّه بتصوّر؟

ردّ وهو يرفع حاجبه بسخرية خفيفة
- متقلقيش في حد غيري جوّه بيصوّر .. إنما أنتِ .. أنتِ إيه اللي عاملاه في نفسك ده؟ بقى دي واقعة تقعِيها؟

ثم أخرج من جيب سترته منديلًا، وقدّمه لها
- امسحي وشّك اللي باظ ده

أخذت المنديل منه بتردّد، ثم همست بصوت مكسور
- أرجوك .. متقولش لحد عن اللي سمعته

ضحك بخفة وهزّ رأسه قائلاً مقلدًا إياها
- أغجوكى (أرجوكي) .. انتِ اصغفى نظغ (اصرفي نظر) عن الكهل اللى جوّه ده

رفعت حاجبيها وهي تمسح بقايا دموعها، وقالت بضيق
- (آسر) .. أنا مش ناقصاك بجد إنت مش هتفهم حاجة ومش معنى إنك عرفت حاجة شخصية زي دي إن ليك حق تقول رأيك فيها

ثم تركته بخطوات غاضبة، متجهة نحو داخل القاعة تابعها (آسر) بنظراته، لا زال غير مصدّق وقف لدقائق ثم قرّر أن يدخل ليستكمل عمله، لكن عيناه ظلت تراقبها ..

بعد انتهاء الحفلة، اقترب (رأفت) من (أوهيلا) وسحبها جانبًا، قائلاً بصوت ممتن
- أنا مش عارف أشكرك إزاي بجد

ابتسمت (أوهيلا) بسعادة، وردّت
- مفيش شكر بينا حضرتك

كان (آسر) يقف بالجوار يستمع إلى حديثهم سويًا، لكنه لم يتدخل حينها عرض (رأفت) عليها وهو ينظر فى ساعته لأن الجو أصبح متأخرًا 
- تعالي اركبي معانا عشان اوصلك

ابتسمت وشعرت بسعادة تغمرها فهاهو يهتم بأمرها ويهتم أن لا تسير فى وقت مثل ذلك بمفردها وقبل أن تجيبه تدخل (آسر) قائلًا
- لا يا (رأفت) بيه .. (أوهيلا) هتروح معايا

التفتت إليه (أوهيلا) بدهشة لمصدر الصوت، فتبعها بنظرة وابتسامة وهو يكمل كذبته
-أنا و(أوهيلا) جيران من زمان وأمّي – الله يرحمها – كانت صاحبة أمّها

ثم نظر إليها وهو يغمز لها عينيه اليسرى وقال مدللًا إياها 
- مش كده يا أوهى؟

نظر (رأفت) إلى (أوهيلا) ثم قال بمزاح
- بجد؟ عشان كده .. كنت أول واحد جه في دماغها لما قولتِ على الحفلة؟ يا عفريتة

عضّت (أوهيلا) شفتها بغيظ، بينما أكمل (آسر) بثقة
- طبعًا يا أونكل .. دي جارتي من زمان جدًا .. دي متقدرش تمشي في حتة من غيري

ثم استرسل متظاهرًا بالتذكّر بذكريات ليس لها أى أساس من الصحة
- يااه أقولك إيه ولا إيه؟ .. تعرف مين اللي مسمّيها (أوهيلا)؟

نظر له (رأفت) باهتمام
- إنت ولا ايه؟

ضحك (آسر) ثم قال
- لا بصراحة .. اللي سمّاها هو أبوها كان راجع من السفر وهى كانت لسه مولودة وأول ما شافها قال أوه من جمالها، وأمّها كانت بتاكل وقالت على الأكلة هايلة .. الاسم جه كده

رمشت (أوهيلا) عدّة مرات من شدّة الكذب، بينما انفجر (رأفت) ضاحكًا
- طيب يا بنتي هسيبك مع جارك ده .. لو عاوزاني في حاجة كلميني

نظر (آسر) إليها مبتسمًا، وما إن انصرف (رأفت) حتى أمسكت ذراعه بغضب وهى تقول
- إيه بقى المسرحية اللي إنت عملتها دي؟

ردّ بمرح
- والله بعمل فيكي جميلة يا بنتي .. ده كلها سنتين ويروح دار مسنين! بتحبي فيه إيه ده؟!

زفرت (أوهيلا) بقهر، ثم تركته لتتجه نحو سيارتها فلحق بها حتى وما أن وصلا إلى سيارتها قال
- هاتي المفاتيح، انتِ مش قادرة تسوقي

نظرت إليه بجمود
- إنت صدّقت نفسك؟ صدّقت إننا جيران من الطفولة؟

ابتسم قائلاً بثقة
- ما هو راجل چنتل مان زيي ما يسيبش واحدة زي القمر تمشي لوحدها فى وقت زى ده لازم يبقى في راجل معاها

كانت مرهقة، لم تعد تحتمل جداله، فأعطته المفاتيح وجلست على المقعد الجانبي ..

بدأ يقود السيارة بعد أن أخبرته بالعنوان أثناء الطريق، لاحظ أن هاتفها يضيء باتصال نظرت للاسم ثم زفرت بضيق دون أن تجيب ألقى هو نظرة سريعة على الشاشة، ليقرأ الاسم (شاكر) رفع حاجبه قائلاً
- إنتي بتخونيني أنا و(رأفت) مع (شاكر) يا (أوهيلا)؟

هزّت رأسها بيأس
- ممكن تسكت شوية؟ .. إنت صداع على فكرة

ابتسم دون أن يرد وحين وصلا، نزل من السيارة وأعطاها المفاتيح
- أول ما تطلعي بصّيلي من الشباك واعمليلي باي باي .. عشان أطمن عليكِ يا روحي

نظرت إليه بنفاذ صبر قالت
- إنت لازم تروح تتعالج .. بجد عشانك مش عشاني

ثم صعدت إلى العقار ببطء، بينما وقف هو يبتسم فهو أكثر ما يزعجه دموع الفتيات، وحين رأها تبكي قرر مساعدة تلك المجنونة، فهي تحفر قبرها بيدها بتفكيرها المريض ذلك ..
❈-❈-❈

مرّ شهرٌ كامل .. 
في ذلك الشهر، استطاعت (جوليا) أخيرًا أن تجد ل (معتصم) عملًا في أحد المطاعم الصغيرة، كان بسيطًا، متعبًا، لم يعارض بالطبع لأنه بحاجة إلى ذلك العمل ..

ورغم انشغاله الدائم بالعمل، كان لديه رغبة عارمة في الحديث إلى والدته، إلى شقيقته، إلى حبيبته إلى حضن الوطن، ولكنه ماذا عساه أن يقول لهم أن يظنوا انه ميت افضل بكثير من أن يكون علمهم بالحالة التي أصبح عليها تردد أكثر من مرة، أمسك هاتف (جوليا)، يريد أن يسمع صوتهم أن يطمئنهم عليه ويطمئنوا عليه ولكنه لا يستطيع الحديث معهم لابد من مواجهة، يعلم ذلك لكن الآن هو لا يقوى على ذلك ربما تلك الحادثة تركت فى قلبه ندبة لم تطيب بعد ..

خائفٌ من المواجهة، من أن ينكسر في أعينهم، من أن يعرفوا أنه يعيش بلا أوراق، بلا أمان، فيزيد قلقهم أضعافًا، كان كل ما يقدر عليه هو البكاء والحنين فقط ..

فى حين كانت والدته وشقيقته (فريدة) يغرقن في القلقٍ جربتا كل ما يمكن تجربته، حتى أن (فريدة) فكرت في التواصل مع أهل أصدقائه الذين سافروا معه، لعلها تجد خيطًا، ولكن لا جديد ..

لا أحد يعرف شيئًا، لا أحد يعلم حتى مكان الشركة التي رتبت السفر، إذ تبين لاحقًا أن الشركة كانت وهمًا، لا وجود لها مما زاد في قلبهم القلق وهم ينتظرون حتى ولو يستمعوا عنه خبر واحد حتى لو مات ليرتاح قلبهم المنهك ..

أما (سدرة) فكانت أضعف من أن تحتمل هذا الفراغ بات جسدها هزيلًا، وروحها شاردة، لا تجد طعمًا لأيّ شيء دون حبيبها كانت تتألم بصمت، تذبل كما تذبل الزهور عند انقطاع الماء عنها لكنها رغم وجعها، أصرّت أن تتحمّل عنه عبء الدين، وأن تستمرّ في سداد أقساط القرض من راتبها المتواضع، فهي على يقين تام أن (معتصم) يمر بمحنة صعبة فهو ليس من عادته الاستسلام هكذا ..

في حين كان (مالك) قد بدأ يشعر بانجذاب غامض نحو (سدرة) رغم أن تعاملهم مع بعض بسيط للغاية ولكن شيءٌ ما فيها جذبه، شئٌ مختلف .. ربما حياؤها، وربما انعزالها عن الآخرين، أو ذلك الجدار الذي تبنيه بين نفسها وبين الأشخاص حولها ومع ذلك هو يشعر أن لديها مشكلة ومشكلة كبيرة لأنها شاردة وحزينة طوال الوقت ..

ورغم أنه يدرك أنها لا تشبه غيرها من الفتيات، لكنه لا يعرف كيف يتقرب منها، لا يعرف كيف يُذيب الجليد الذي يفصل بينهم كل ما أراده هو أن يكسب ثقتها، ولكن بصبر ..

في الوقت ذاته كانت (شيرين) قد التحقت بالعمل في الفندق، تحاول الاقتراب من (مالك)، تُكثر من الحديث معه، تفتعل الصدف والابتسامات، لكنّه .. لم يهتم بوجودها حتى ..

أما (آسر)، فقد تلقّى عرضًا ضخمًا من إحدى العلامات التجارية العالمية اُختير لحملةٍ دعائية تُصوَّر في عدة عواصم أوروبية كان يعلم أن السفر سيبعده عن (أوهيلا)، وأن المسافة قد تكبر في غيابه، لكنّه لم يكن يملك خيارًا فالعمل هو أولوياته لكنه قرر مساعدة تلك الفتاة عند عودته ..

فى حين كانت (أوهيلا) حزينة على نفسها وعلى قلبها الذى يدق لشخص خطأ لا تريد أن تصبح سارقة الرجل المتزوج مثل زوجة أبيها ولكنها تنتظر فرصة فقط كي تصبح مع (رأفت) لا تعلم كيف ستأتيها تلك الفرصة لكنها ستستعد للفرصة جيدًا حين تسنح لها ولكنها رغم كل ذلك ترفض الحديث مع والدها بعد تلك الصفعة التى وجهها لها وحاولت والدتها أن تعلم منها سر عدم قبولها للتحدث مع والدها لكنها أخبرتها باعذار واهية مما جعل والدتها تحتار ..

جلست (سدرة) على أحد المقاعد الخشبية التي إلى جانب الممشى الخاص بالفندق فى الأستراحة الخاصة بها من العمل، عينيها شاردتين ..

كانت تفكر فى حال (معتصم) الآن، رغم محاولاتها المستمرة للهرب من هذا السؤال، وفجأة قاطع شرودها صوت هادئ، قريب
- اتفضلي؟

رفعت نظرها بسرعة لترى من المتحدث، انعقد حاجبيها بدهشة، لتجد (مالك) واقفًا أمامها، يمد يده نحوها بعبوة لبن جهينة ميكس شوكولاتة، نظرت إلى العبوة ثم إليه، وحاجبها الأيسر مرفوع بدهشة
- إيه ده؟!

ابتسم (مالك)، وجلس إلى جوارها بهدوء 
- أصلّي ملاحظ إنك اليومين دول لا بتاكلي في البريك، ولا حتى بتتكلمي مع حد .. دايمًا قاعدة لوحدك وبعدين خسيتِ أوي من ساعة ما جيتي الفندق، وشك كان فيه رمق، دلوقتي بقيتي هيكل عظمي!

نظرت إليه بدهشة ممتزجة بحرج، فتابع بنبرة أخف
- بصي .. بعد تفكير طويل قلت اللبن حاجة مفيدة، وفي نفس الوقت مش أكل يعني يدّيكي طاقة من غير ما تضغطي على نفسك .. وبيني وبينك، أنا بعشق الجهينة ميكس شوكولاتة .. بس محدّش يعرف بشربها في السر علشان شكلي وسط الناس

ابتسمت (سدرة) ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ أيام، ونظرت إلى العبوة بتردد كانت (الشفاطة) مغروزة فيها بالفعل، مما جعلها تتراجع قليلًا
- لا طبعًا .. مش هشرب من مطرحك

رفع (مالك) حاجبيه ونظر لها بثبات
- مين قالك إني شربت منها؟! لا يا ستِ أنا بس حطيت الشفاطة كنوع من أنواع الإجبار .. علشان تشربيه وخلاص

اتسعت عيناها قليلًا من التوتر، ثم قالت وهي تُعرض بنظرة جانبية
- ولو برده .. مش هاخد حاجة من حد

رفع صوته فجأة، دون غضب ولكن بحزم
- إيدي ممدودة بقالها ساعة .. خُدي بقى

توترت (سدرة) وأخذت منه العبوة بخجل واضح، فابتسم (مالك) ابتسامة صغيرة وهو يراقب ملامحها المرتبكة فهاهي تعتقد أنه يصرخ عليها لكنه سرعان ما تَجَدَّد في ملامحه التعبير الجاد
- يلا اشربي

ابتلعت ريقها بتردد ثم بدأت في الشرب، بينما ظل هو ينظر إليها فقد رأى بها شيئًا هش، يشبه الأطفال حين يواجهون العالم الكبير لأول مرة وقبل أن يفتح فمه مجددًا، ظهرت (شيرين) بخطواتها المتسارعة، تناديه بصوتها المرتفع
- مـلوووووكي، أنا جبتلك تاكل معايا! يلا عشان ناكل سوا كنت عمالة أدور عليك في الفندق كله!

زفر (مالك) بضيق، وقال بنبرة منخفضة
- مش جعان يا (شيرين)

- لا لازم تاكل يا (مالك)!

فتحت صندوق الطعام الخاص بها، ومدت يدها له بشطيرة، أخذه منها على مضض، لا عن رغبة ثم التفتت إلى (سدرة) ومدّت لها هي الآخرى
- خُدي كُلي .. وسيبك من لبن الأطفال اللي انتي بتشربيه ده بقى! في شاحطة زيك تشرب لبن شوكولاتة؟!

شرقت (سدرة) بغير أراداتها من الضحك، كانت ضحكة خافتة ولكنها صافية، بينما (مالك) شعر بإحراج بالغ، فأرجع نظارته إلى الخلف بتوتر واضح لتسترد (سدرة) أنفاسها ثم تقول
- ليه كده يا (شيرين) .. بالعكس! ده جميل جدًا بجد

لم تكترث بحديثها ووضعت الساندويتش في يدها وقالت
- خُديه يا بنتي وماتتعبينيش سيبك من عك الأطفال ده

نظرت (سدرة) إلى (مالك) من طرف عينها، فلاحظت توتره وهو ينظر بعيدًا أدركت أن وحدها من تعلم بذلك السر الخاص به، فأخذت الشطيرة أخيرًا وبدأوا جميعًا في الأكل، في صمت، وبعد أن انتهت (شيرين) من طعامها، نظرت إلى (مالك) وقالت
- ملوكي ابقى روحني معاك بليز هستناك لما أخلص الشغل .. عاوزاك في موضوع مهم!

زفر مجددًا وقال بضيق
- مواضيعك اللي مش بتخلص دي يا (شيرين) ..

نهضت (شيرين) فجأة
- أنا رايحة أستلم الشغل بقى

ثم اتجهت نحو الداخل بينما وقفت (سدرة) كذلك بتلقائية استعدادًا للرحيل، فسمعت صوت (مالك) يناديها
- (سدرة) .. استني!

توقفت، والتفتت نحوه
- نعم؟

نظر إليها للحظة ثم قال بهدوء
- شكرًا .. عشان حافظتي على السر ومقولتيش لحد

ابتسمت وقالت
- عادي .. مفيهاش حاجة أصلًا هو اللبن بالشوكولاتة وحش؟! .. بس غريبة إزاي خطيبتك مش عارفة إنك بتحبه؟

انعقد حاجباه بدهشة، وقال
- خطيبتي؟! مين قالك الكلام ده؟!

هزّت كتفها بلا مبالاة
- من ساعة ما (شيرين) جت اشتغلت هنا وهي قايلة لينا إنك ابن خالتها وخطيبها

جزّ على أسنانه، وقال من بين شفتيه بغيظ خافت
- أما وريتك يا (شيرين) الكلب

لكن (سدرة) لم تسمع ما قاله، فقط قالت بهدوء
- عن إذنك .. اتأخرت البريك خلص أصلًا

أومأ برأسه بتنهيدة خفيفة
- آه .. اتفضلي
❈-❈-❈

ما إن دلفت (سدرة) إلى البيت، حتى توقفت فجأة مكانها، وقد وقعت عيناها على ملامح والدتها المشدودة بغضبٍ صريح كانت واقفة ذراعاها متشابكتان، وجبينها معقود رفعت (سدرة) حاجبيها بدهشة، وقلبها تسلل إليه توتر مبهم لذا قالت بتردد وهي تقترب منها بخطى حذرة
- إزيك يا ماما؟ مالك واقفة كده ليه؟

لم تجيب والدتها، بل أطلقت زفيرًا غاضبًا، ولوّحت في وجهها بورقة كانت تمسكها بإحكام وقالت بنبرة مشحونة
- إيه ده يا هانم؟!

تجمدت نظرات (سدرة) على الورقة، وارتبكت ثم بلعت ريقها بصعوبة، لتردف الأم بانفعال
- ورقة القسط بتاع القرض بتاع البيه .. البيه اللي سابك وخلع على إيطاليا! رايحة تضيعى شقاكي وتعبك عليه؟!

اشتعلت ملامح (سدرة) بالغضب، وهى ترفع صوتها لأول مرة منذ زمن
- ماما! لو سمحتي، (معتصم) عنده ظروف .. هو مش من النوع اللي يهرب!

ثم أكملت بانفعال أكبر، تكاد دموعها تحرق مقلتيها
- وبعدين مفيهاش حاجة لما أساعد خطيبى! ده حقه عليا!

ضحكت الأم بمرارة، ثم قالت بسخرية مريرة
- خطيبك؟! وهو فين خطيبك ده يا ستي؟ ماهو غار مطرح ما غار!

ثم اقتربت منها خطوة وهي تشير بأصبعها في وجهها
- فوقي لنفسك وحياتك! مانتيش صغيرة .. اللى قدك اتجوزوا وخلفوا وانتِ لسه مستنية حد مش باين له أثر!

نظرت (سدرة) إلى أمها، وقد احتدت ملامحها فجأة، وقالت من بين أسنانها
- أنا أكتر واحدة عارفة (معتصم) تعب أد إيه عشان يجيب الشقة دي! ومش هستنى البنك يحجز عليها!

ثم رفعت صوتها بتحدٍ، ممزوج بحسرة
- دى شقتي! من حقى أدافع عن أملاكي!

شهقت الأم بصدمة، كأن كلمات ابنتها صفعتها دون مقدمات، ثم صرخت بذهول
- إنتِ اتجننتي رسمي؟! شقتك إيه بس؟! ده خطيبك سابك وساب الدنيا كلها وخلع! إنتى لسه شايفة إنها شقتك؟!

ثم استدارت فجأة وقالت بصوت مختنق بالغضب والخذلان
- أبوكِ لما يجي يشوفله حل معاكي .. أنا مبقتش قادرة عليكِ بجد!

ومضت بخطى سريعة إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها بقوة كأنها تحاول الهروب من ابنتها الغبية تلك وفي طريقة تفكيرها الخاطئة ..

في تلك اللحظة، شعرت (سدرة) بالأختناق ،أرخت حقيبتها على الأرض دون وعي، وجلست على أول مقعد قابلها، ودفنت وجهها بين يديها، ثم انفجرت في بكاءٍ عارم ..
❈-❈-❈

جلس في ركنٍ معتم، مطأطئ الرأس، يغالب دموعه التي لم يعد لها طاقة على البقاء حبيسة تحمل في طيّاتها كل ما حاول أن يخفيه طوال الأيام الماضية؛ الشوق، الخوف، والوحدة التي أخذت تنهش قلبه ببطء ..

دفن وجهه بين كفّيه، وهو يبكي بحرقة، حتى أنه لم يسمع الطرق الخفيف على باب غرفته وعندما لم تأتى منه استجابة، دفعت الباب برفق ودخلت الغرفة لتجده جالسًا في الزاوية، يبكي بحرقة لا يعي ما حوله، اقتربت منه، وجلست إلى جواره، ووضعت يدها على ذراعه، وهمست بشفقة
- أوه (معتصم)

رفع رأسه ببطء، ومسح دموعه بكفّه المرتبك، محاولًا استعادة رباطة جأشه، وقال بصوت خافت مجهد
- كان عليكِ طرق الباب أولًا

ابتسمت ابتسامة دافئة وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالحنان
- لقد فعلت .. ولكنك كنت غارقًا في أحزانك

لم يجد ردًا، واكتفى بالصمت، بينما رمقته بنظرة طويلة ثم قالت
- تعلم يا (معتصم) .. أنت فتى حساس للغاية

ظلّ ساكنًا، لكنه لم يعلّق ،تنهدت (چوليا) بأسى، وقد أدركت أن هذا الشاب يحمل فوق صدره أثقالًا كثيرة ليقول هو بضيق فقد ضاق ذرعًا من تدخلها فى حياته
- أخبرتك مرارًا طوال هذا الشهر أن تجدي لي سكنًا آخر يكفى ما فعلته من أجلي

ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم قالت بصوت خافت
- سيكلفك نقود كثيرة عليك استثمار النقود جيدًا كي نحل مشكلتك اولًا .. كما أنه من الممكن أن يشي بك أحدهم للحكومة الأيطالية بسبب سكنك بمفردك

- هذا كثيرٌ للغاية يا (چوليا) .. لم أعتد أن آخذ شيئًا من أحد دون مقابل

هزّت رأسها نافية، وقالت
- لا تفكّر في هذا الأمر (معتصم) .. وجودك هنا لا يزعجني أبدًا كما ترى أنا أعيش بمفردي وهذا لا يُشكل فارقًا

ساد الصمت بينهما للحظة، بعدها تساءلت بنبرة دافئة، امتزجت فيها الشفقة بالقلق
- لِمَ لا تتصل بعائلتك (معتصم)؟ بالتأكيد هم قلقون عليك ونفسيتك ستتحسن كثيرًا إذا سمعت أصواتهم حدّثهم، حتى خطيبتك التي أخبرتني عنها لابد وأنها ستجن الآن ..

نهض (معتصم) فجأة من مكانه، وتوجه نحو الشرفة، ثم وقف هناك متكئًا بيديه على حافتها، وأدار لها ظهره، يخفي ملامحه المرتجفة، وقال بصوت متماسك ظاهريًا، لكنه هشّ في داخله
- لا .. لا أريد الحديث معهم

نظرت إليه (چوليا) مليًا، ثم قالت بنبرة شبه حازمة، لكنها لطيفة
- أنت تكذب (معتصم) .. أنت تتألّم من الوحدة أشعر بهذا جيدًا وأراه في عينيك .. عائلتك لا يريدون منك شيئًا، فقط الاطمئنان عليك .. أنت لم ترتكب جريمة (معتصم) أنت فقط شاب قد نصب عليك

زمّ (معتصم) شفتيه بغيظ، ثم التفت نصف التفاتة وقال بنبرة مختنقة
- لا تقولي ذلك .. لست أبله كي يتم النصب عليّ!

ابتسمت (چوليا) رغم مرارة حديثه، واقتربت منه وهي تقول بنبرة ساخرة بخفّة لطيفة
- حسنًا .. حسنًا .. لقد تمّ خداعك فقط لا أكثر

عض شفتيه بغيظ فالكلمتان سيان ولكنه لم يرد، واكتفى بالنظر بعيدًا، فاقتربت منه أكثر، وأخرجت هاتفًا صغيرًا من جيب معطفها، ثم قالت وهي تمدّه له
- سأعطيك هاتفي .. ريثما نشتري لك آخر تستخدمه لتتحدث معهم

نظر (معتصم) إلى الهاتف باضطراب، أخذ نفسًا عميقًا، وتردّد كثيرًا، شعر بالاضطراب هل عليه حقًا أن يحدثهم، عليهم أن ينسوا أمره تمامًا ..
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل