تم النشر في: 17 أبريل 2026
قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ظلها في قلبه
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل التاسع
تم النشر الجمعة
17/4/2026
ظل يحدق في هاتفها تردّد لحظات، قلبه يعتصره شوقٌ دفين ولكنه يشعر أنه لا يستطيع المواجهة، لكن شوقه غلبه فالتقط هاتف (چوليا) بين يديه وكتب الرقم الذي ما نسيه يومًا ..
حين سمع صوت والدته، لم يتمالك نفسه انهمرت دموعه كما لم يفعل من قبل، فقد اشتاق إليهم كثيرًا، إلى صوت والدته وشقيقه حدّثهم بنبرة يشوبها الندم والحنين لأنه ظل طوال شهر كجماد ساكن لا تحركه مشاعره فما مر به لم يكن سهلًا، فهو رأى الموت بعينه صحيح نجى ولكن مواجهة الموت اصعب من ما يتخيله بشر قص عليها كل شئ تأسف مرارًا وتكرارًا ،وعد والدته أن يتصل مرةً أخرى، وفي الحقيقة لم يهم والدته ماحدث فهي تحمد الله كثيرًا فالأهم أن ولدها بخير، ومازال على قيد الحياة شعرت براحة كبيرة لم تكن تشعر بها خلال الشهر الماضي ..
حين أنهى المكالمة ظل ساكنًا للحظة كانت روحه قد هدأت قليلًا، كأن صدره تنفّس أخيرًا، نظر إلى الهاتف بين يديه صحيح هو حدث والدته ولكن حبيبته هل ستتفهمه ولكن الشجاعة التي اخذها منذ قليل اجبرته ان يكمل ما بدأه، رفع عينيه إلى (چوليا)، وطلب منها أن يحدث خطيبته ..
لم تمانع، فقط أومأت له بهدوء فأدار الرقم ببطء، وقلبه يخفق بعنف ينتظر فقط سماع صوتها الذي اشتاق له ليال طوال ..
كانت (سدرة) جالسة على الأريكة بجوار والديها، صامتة رغم ضوضاء التلفاز أمامهم، فمحاولة والديها فى الهائها او أن تستمتع لبعض الوقت كانت عبثًا لا شئ يُلهيها عن الفراغ الذي تركه غياب (معتصم)، رنَّ هاتفها فجأة ..
حين لمحت الرقم، وجدت أنفاسها تُحبس في صدرها
رقم دولي .. من إيطاليا!
قامت من مكانها بارتباك، وقلبها يدق بعنف، وسرت في أطرافها رعشة لا تعرف إن كانت فرحًا أم خوفًا ان يكون ذلك سراب أو امل ستفقده بعد قليل نظرت إلى والديها، ثم فتحت الخطّ بصوت متهدّج تحدثت، اغمض عيناه وهو يشعر بأنه كان تائه ووجد منزله اخيرًا، ظهرت على شفتيه ابتسامة لتسمع هي صوته الدافئ
- حقك عليا يا (سدرة) .. أنا عارف إن ليكِ حق تكرهيني .. وتدوسي على قلبي كمان بس انتِ وحشتيني اوووي
لكنها قاطعته بسرعة، والدموع تختنق بصوتها فهي لا يهمها إلا أن تطمئن عليه فقط
- انت كويس؟! انت إيه حصلك؟! كنت فين يا (معتصم)؟! هنت عليك .. كنت هموت من القلق!
ابتسم، تلك الابتسامة التي اشعرته بأنه قد أمتك الدنيا والحياة من جديد، لكن دموعه كانت تفضحه، فهو يعلم أنها لا تزال هناك .. في قلبه، كما كان هو في قلبها ..
وبعد لحظة صمت، جلس على الأرض وأسند ظهره إلى الجدار، وبدأ يحكي .. بصوته المتهدّج ما مر به وكيف تم خداعه وان ذلك السفر لم يكن سفر شرعي كيف صُدم كيف كان فى عرض البحر، حين تلاعبت بهم الأمواج، وكيف رأى الموت بعينه وفقد اصدقائه لا يستطيع معرفة إذا كانوا على قيد الحياة ام لا، عاجز لا يستطيع التواصل أو تتبع اثارهم، كان الموت على بعد خطوة واحدة منه ولكنه نجا ويوجد من وجده وساعده فى إيجاد عمل وكيف كان قلبه ملئ بالهموم والحزن الشهر الماضي كان يخشى مواجهتها ومواجهة عائلته بأنه خسر كل شئ تمنى الموت حتى لا يرى فى أعينهم نظرات الشفقة والحزن على حاله، شعر بالعار من نفسه .. وظنّ أن البُعد أقلّ وجعًا من الاعتراف ..
أخذت (سدرة) نفسًا عميقًا، لكن صدرها ما زال يعلو ويهبط بعنف، وكأنها تحاول إقناع نفسها أن ما يحدث الآن ليس حلمًا لقد سمعت صوته .. حيًّا .. (معتصم) لا يزال على قيد الحياة لا يهم ما حدث، المهم أنه معها الآن ..
عيناها امتلأتا بالدموع، أما قلبها فكان كمن انشطر نصفين؛ نصف سعيد بعودته، ونصف محطم لما قصَّه عليها، لم تستطع أن تتخيّل حجم الألم الذي مرّ به ..
وهي لم تكن جواره، دون أن تخفف عنه وتقوم بمواساته فى أحزانه ..
ثم جاء صوته منخفضًا، مكسورًا، وكأن كل ما فيه ينهار
- سامحيني يا (سدرة)
خفق قلبها بقوة، حتى كادت تسمعه، وردّت بسرعة، بصوت يتقطّع من الدموع
- أنا ميهمنيش غير إنك بخير يا (معتصم) .. بس أرجوك .. أرجوك كلمني باستمرار متبعدش عني كده تاني .. هو ده رقمك؟ أكلمك عليه يعني؟
ابتلع ريقه بتوتر، شعر بيده ترتجف، ثم أجاب ببطء
- لأ .. ده رقم شاب أنا قاعد عنده بس أوعدك .. أوعدك هكلمك قريب .. هجيب تليفون ورقم وأكلمك منه متقلقيش .. مش هبعد تاني
في تلك اللحظة، كان والدها يرمقها من بعيد، ابتسامة هادئة ترتسم على وجهه، فالحياة عادت تدبّ في وجه ابنته من جديد أما والدتها، فكانت تجلس بجوارها، وقد غلبها الغضب لتطلق جملتها المعتادة، بصوتٍ عالٍ غير مبالٍ بما قصه (معتصم)
- ياختى فَكّريه بالقسط اللى عليه بدل ما انتِ عمالة تحبّى فيه كده، عرفيه إنك انتِ اللي دفعتي القسط
شهقت (سدرة)، ورفعت عينيها لأمها في ذهول، لكن الضرر قد وقع .. وصلت كلماتها اللاذعة إلى أُذن (معتصم) الذى شعر بضيق من نفسه وغضب كبير بدأ يتأجج فى قلبه ليتبدل صوته، وحمل معه غضبًا مكبوتًا
- ليه يا (سدرة)؟! ليه دفعتي القسط؟ حد طلب من تعملي كده؟! ده مينفعش خالص!
حاولت التخفيف من حدة الموقف وهي تقول بلطف
- مفيش حاجة يا (معتصم) .. أرجوك ولا كأنك سمعت حاجة .. وبعدين كنت أسيبهم يحجزوا على الشقة؟ طبعًا لأ ..
صمت لثوانٍ، ثم قال بحزم
- أنا هبعتلك الفلوس كل أول شهر .. تدفعي القسط .. تمام؟
همّت أن تعترض، لكنه قاطعها فورًا
- مفيش نقاش يا (سدرة) ويلا أنا مضطر أقفل .. متخافيش هكلمك تاني قريب
هزّت رأسها بالإيجاب، وكأنها تعلم أنه يراها رغم البعد، وقالت
- مع السلامة يا (معتصم)
انتهت المكالمة، وساد صمت ثقيل لتنظر (سدرة) إلى والدتها، ثم قالت بنبرة فيها مرارة
- إنتِ إيه؟ أنا فاتحة الاسبيكر عشان تسمعي معايا أسبابه فى أنه ميكلمنيش عشان تعذريه .. وسمعتي قد إيه هو مرّ بظروف صعبة .. مش قادرة تحسي بيه يا ماما؟ طب حسي ببنتك اللي كل يوم بتنام بدموعها والنهارده أول مرة اهدّى شوية
زفرت (شهيرة) وقالت بحدّة
- الحب مبيأكلش عيش وهو ظروفه كده .. وأنا عاوزة أفرح بيكِ هو أنا غلطانة لما أحب أشوف بنتي الوحيدة عروسة ومرتاحة؟!
وهنا تدخّل والدها بصوت هادئ لكن حاسم
- (شهيرة) سيبي البنت دلوقتي .. اللي فيها مكفيها وأنا ما صدّقت وشها يرجع ينور تاني، الكلام ده مش وقته .. ومحدش عارف بكرة مخبّى إيه
ابتسمت (سدرة) له بامتنان، ونظرت إليه بعينين ممتنّتين، ثم نهضت بهدوء ودخلت غرفتها، بينما يدها ما زالت ترتجف، تحضن الهاتف وكأنه كنزها الثمين ..
وفي تلك الليلة .. للمرة الأولى منذ شهر وأكثر، نامت (سدرة) بهدوء .. بوجهٍ مبتسم، وشعور كادت أن تنسى طعمه هو الراحة .. الراحة فقط ..
❈-❈-❈
جلست (أوهيلا) على طاولة الإفطار، تمضغ شطيرتها ببطء، بينما كانت والدتها تحدق بها بنظرة ممزوجة بالقلق والإلحاح كان صوتها حاملاً في طياته سؤالاً تريد فهمه
- أنا نفسي أعرف بجد يا (أوهيلا) إنتِ ليه مش بترُدي على (شاكر)؟! هو كل شوية يكلمني يقولي خليها ترد عليا .. ومهما أقولك دماغك ناشفة ومش بتسمعي كلامي
رفعت (أوهيلا) عينيها نحو والدتها، ثم أخذت قضمة من الشطيرة بهدوءٍ، قبل أن ترد بنبرة حادة
- مامي .. إنتِ أصلاً لسه على تواصل مع الراجل ده؟! كبري دماغك منه ده واحد رمانا من عشر سنين .. من وأنا عندي ١١ سنة!
ارتسمت على وجه الأم ملامح الاستياء، وقالت بنبرة صارمة لكنها متأثرة
- عيب يا بنتي اللي بتقوليه ده .. مهما كان ده أبوكِ
زفرت (أوهيلا) بضيق، ثم ردّت بنبرة مشحونة بالحزن والمرارة
- إنتِ بجد قلبك طيب يا ماما؟ ده راجل خاين خايفة عليه واحنا اللي اتجرحنا!
نهضت الأم من مكانها، ونظرت إلى (أوهيلا) بعينين تنضحان بالحزن
- محصلش يا (أوهيلا) .. مكنش فى نصيب نكمل هو كان عاوزني أفضل على ذمته بس كان عاوز يتجوز مراته عليا وأنا موافقتش، قلت له طلقني واتجوز براحتك
وقفت (أوهيلا) تنظر إليها بثبات، تتحدها بصوت حاد
- ودي مش خيانة يا ماما؟ هو كان بيبص لغيرك وإنتِ على ذمته!
أطبقت والدتها يديها على رأسها، كأن الألم يكتم أنفاسها، وقالت
- أنا داخلة أنام، مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده
دخلت الغرفة والدموع تترقرق في عينيها، وتركت أبنتها واقفة في مكانها، تتنهد بمرارة ..
أخذت (أوهيلا) حقيبتها، وهي تتجه نحو الباب وما أن نزلت للأسفل قررت التوجه نحو سيارتها، ولكنها سمعت رنين هاتفها ينبعث من حقيبتها فوقفت ثم أخرجته لترى من المتصل، فإذا باسم (آسر) يظهر على الشاشة ..
تجمدت للحظة، ثم حدثت نفسها
- إيه اللي مخليه يتصل؟ هو مش كان غار فى داهية ولا هو كل ما يحب يتسلى، يتسلى عليا؟
ألغت المكالمة ووضعت الهاتف في حقيبتها، ثم شعرت بصوت يأتي من خلفها
- بتطنشيني يا أوهي؟ قلبي خلاص اتكسر بجد!
التفتت إليه بغضب
- إيه ده؟ إنت بتعمل ايه هنا أصلاً إيه اللي جابك هنا؟ واصلاً إنت لسه فاكر تسأل عليا؟ انا قلت عقلت عن الحوار اللي عملته ده!
ابتسم (آسر) مازحًا
- متخافيش، أنا مش ناسيكي
قالها وكأنه يذكرها بأغنية (عمرو دياب) فنظرت إليه بغضب وهي تزفر بضيق
- أنت مجنون! أنت بجد مجنون!
ضحك وقال
- يا بنتي كان عندي شغل مهم وكنت بين باريس ولندن وميلانو .. كنت في حملة إعلانية وكان لازم ناخد شوتات من أماكن مختلفة بس أنا مديون ليكِ باعتذار، لازم أعتذرلك
ردّت (أوهيلا) بنفاد صبر
- أنا مش فاضية لجنانك
قال (أسر) بجدية
- مقولتيش يعنى إن (شاكر) يبقى أبوكِ يا خلبوصة؟
توقفت (أوهيلا)، مندهشة، فهى مشهورة فى مواقع التواصل بأنها (أوهيلا الفخرانى) كيف علم باسم والدها وهى لا تتحدث عنه ليتابع هو حديثه
- أنا صحيح مجاش في بالي .. لأني عارف اسمك (أوهيلا الفخرانى) بس سألت وعرفت .. المهم أنا فضيتلك اليومين دول واخد إجازة للاستجمام بعيد عن الشغل هنقضيهم سوا
نظرت إليه بدهشة واستغراب، وقالت بسخرية
- لا حول ولا قوة إلا بالله يابني! لو مش عارف دكتور نفساني أوديك أنا بنفسي
ابتسم وأجاب
- ليه يا بنتي أصلاً إنتِ اللي محتاجة دكتور نفساني يا معقدة
شهقت (أوهيلا) من وقاحته، وتغير وجهها فجأة، ووجدت نفسها مضطربة، فتابع (آسر) قائلًا
- استني يا (أوهيلا) أنا بكلمك بجد بعيد عن الهزار .. اللي بتفكري فيه ده غلط
صرخت بغضب
- ليه؟ ومين سمحلك تدخل في حياتي أصلاً؟ وبعدين أنا مبعملش حاجة غلط أنا مسرقتوش من مراته!
ضحك بسخرية
- آه مش عاوزة تعملى زي مرات أبوكِ، مش كده؟
فتحت عينيها على اتساع، وكانت الدموع تتجمع في زواياها، وقالت
- أنت بتتجسس عليا؟ ومين سمحلك تشبهني بيها اصلًا .. أن.. انا مش شبهها .. مش شبهها
كانت تتلجلج في الحديث حين هوت تلك الصفعة على وجهها، هي تفعل ما فعلته (رغدة)، ولكنها علمت أنه ليس عليها التبرير لذلك الوغد ولا التفكير هي فقط تريد قرب (رأفت) لن تفعل مثل زوجة أبيها بالتأكيد، فأسرعت نحو سيارتها بسرعة، حاول هو أن يمنعها، فقالت له بغضب واضح
- هصوت وهلم عليك الناس أبعد عن وشي دلوقتي
تركها لتقود هى سيارتها، والدموع تنهمر على وجنتيها، بينما كان هو يضرب الأرض بقدمه بضيق، فهو اخطأ بذلك الحديث هى ليست الفتاة المطيعة التي ستعترف بخطأها بتلك الطريقة، لم يكن عليه المواجهة بتلك الطريقة ..
❈-❈-❈
داخل المطبخ الخاص به، وقف منحنيًا أمام الفرن، يتابع بعينٍه هل الصينية نضجت ام لا بعد أن تابع عدة فيديوهات ليعرف الطريقة الخاصة لعمل المكرونة البشاميل، والمبهر أنه كانت رائحتها الحسنة تعبق بالمكان، تنم على أنه نجح في فعلها لأول مرة في حياته ..
وماهى إلا دقائق حتى أخرج المكرونة من الفرن وبدء يقطعها لينقل الأطباق على طاولة الطعام بالخارج ويزين السفرة بالأطباق الجانبية ..
فى ذلك الوقت سمع صوت احدهم يفتح باب الشقة بالمفتاح، دخل (آسر) توقف عند عتبة الباب فجأة، وهو يشتم رائحة الأكل المنتشرة في أرجاء الشقة ثم نظر نحو الباب مرة أخرى بشك، ثم ضيق عينيه بتعجب
- لا دى شقتنا اهو .. ما المفتاح فتح .. اومال ايه الريحة دى!!
دلف نحو الداخل وتوقف عند السفرة ليراها مُعدة بعناية، والأكل ما زال يخرج منه البخار ابتسم، ثم قال بمزاح وهو يجلس على الطاولة، ورأى (مالك) يخرج من المطبخ
- إيه ده يا حبيبتي! طبخالى بنفسك؟! وحشتك أوي كده ولا إيه؟ يا قلبي
رمقه (مالك) بنظرة طويلة، ثم قال بحدة
- بطل هبل يا زفت! إنت كنت فين؟ أروح أجيبك من المطار تقولّي ورايا مشوار مهم ولازم أروحه الأول .. مشوار إيه ده ؟!
التقط (آسر) شوكة وغرسها في قطعة من المكرونة، وضعها في فمه وتأوه بإعجاب ثم أخذ واحدة من البطاطس المقلية وقال وهو يمضغ الطعام
- الله! الأكل جامد .. جامد جدًا يا (مالك)
ثم نظر له نظرة جانبية وأردف
- بس إيه يا عم عامل فيها مراتي كده ليه؟ إيه الأسئلة الغريبة دي؟
رفع (مالك) نظارته بخفة وسحبها لأعلى وهو يقول
- إنت متخلف أصلاً .. أنا بس كنت عاوز اعرف روحت فين .. أكيد كنت مع المقاطيع صحابك والشلة بتاعتك، وحشوك .. بس غريبة انتوا بقيتوا تعملوا الحفلات الصبح ولا إيه؟
ضحك (آسر) بصوت مرتفع وهو يقول
- يا عم بجد محسسني بالزوجة المصرية الأصيلة .. بس بغض النظر عن أسئلتك الغريبة دي، لا والله مكنتش مع المقاطيع .. كنت في مشوار مهم بجد، وكان لازم أروحه .. بس ياريتني ما رحت
ثم نظر إليه ووجده مازال واقفًا فتابع حديثه
- يلا اقعد بقى عشان تاكل معايا ولا هاكل لوحدي؟!
جلس (مالك) وهو لا يزال ينظر له بشك، وأخذ يأكل بصمت للحظات، فرفع (آسر) رأسه فجأة نحوه وسأله
- قولّي يا (مالك) .. إنت شايف إن الطبيعي إن بنت عندها حاولي 20 سنة تحب واحد أقل حاجة عنده 48؟
توقف (مالك) عن تناول الطعام للحظة، نظر إليه بتوتر، ثم قال
- ياااه إيه العلاقة دى؟ لأ طبعًا .. ده حرفيًا قد أبوها!
أخذ (أسر) نفسًا عميقًا، ثم قال بصوتٍ أخف، وقد تغيرت نبرة المزاح إلى نبرة فيها صدق وألم خفي
- أنا عرفت بنت عندها المشكلة دي .. وبصراحة حاسس إنها ممكن تعمل مصيبة .. سألت عليها وعلى أهلها يمكن ليها أخ أو أخت حد يساعدها
ثم صمت لبعض الوقت وأخذ نفس عميق ليتابع
- بس للأسف أبوها و أمها منفصلين ومحدش فاضي لها
أمها طول النهار في الشغل وبليل قاعدة مع صحابها
وأبوها راميها من زمان ومش بيسأل فيها حتى .. وهي شكلها مش بتطلب حاجة من حد متعودة تكون لوحدها
ترك الشوكة ونظر إلى (مالك) بعد أن تأثر بما يحيكه وسأله
- حاسس إنها تايهة .. ومفيش حد في حياتها يقولّها تعمل إيه .. أنا مقدرتش أتفرج واسكت برده .. مش معقول أشوف غريق وأسيبه .. لازم أحاول أنقذه مش كده؟!
رمقه (مالك) بنظرة جانبية عميقة، ثم قال بهدوء
- هو انت معاك حق بس أتمنى وانت بتنقذها .. متغرقش انت
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي ..
وقف (مالك) أمام خزانة ملابسه، اختار قميصًا أبيض ناصعًا، مفصّلًا بخياطة دقيقة تُظهر عضلات جسده مما جعله وسيم وارتدى فوقه جاكيت رمادي فاتح بموديل أنيق، ونسّقه مع بنطال كحلي مستقيم القصة، صفّف شعره بعناية، وضع القليل من العطر ، ثم نظر إلى نفسه في المرآة ليتأمل نفسه وقد شعر بالرضا قليلًا عن مظهره ..
وصل الفندق ولكنه لم يراها انشغل بالعمل لبعض الوقت حتى جاء وقت الأستراحة ..
حين دقّت الساعة، خرج إلى الحديقة الصغيرة التابعة للفندق التى دائمًا تقضى وقت استراحتها، يحمل في يده عبوة اللبن التى قرر أن يعطيها لها لأنها لا تتناول الطعام تقريبًا منذ أن رأها ، ولكن فى الحقيقة هو اشتاق
لرؤيتها ولا يعرف السر في هذه المشاعر الوليدة ..
وجدها تجلس تحت ظل شجرة، تتناول سندوتشًا بابتسامة بريئة وعيناها تلمعان لمعة لم يراها من قبل فوجهها لم يكن حزينًا كما اعتاد، بل يبدو عليها السعادة ..
اقترب منها بهدوء، مدّ يده بالعبوة وقال مبتسمًا
- اشربى اللبن مع الأكل
رفعت رأسها، وما إن سمعت صوته حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة عفوية، أخذت العبوة دون تردد كما كانت تفعل سابقًا، ثم قالت وهي تشير إلى الأطعمة أمامها
- تعالى كل معايا .. أنا جايبة أكل كتير النهارده
جلس إلى جوارها، وهو لا يصدق فهو حقًا كان يود رؤيتها بتلك الحالة منذ أن تعرف عليها ناولته ساندوتشًا ثم نظرت له وهى تقول
- مشوفتكش امبارح .. وسألت عليك عرفت انك كنت واخد اجازة
شعر بإن نبضات قلبه صوتها عالية للغاية، ثم نظر لها باستغراب وقال
- سألتى عليّا أنا؟!
أومأت برأسها وهي مازالت تمدّ إليه ساندوتش كي يأخذه، فتناوله وبدأ يأكل مبتسمًا، فقال مبررًا لها غيابه
- كان (أسر) مسافر .. كنت بجيبه من المطار .. قضيت معاه اليوم كله، كان بقاله شهر مسافر
هزّت رأسها بتفهم وقالت
- أنا عارفة إحساس التؤام ببعض .. قريت عنه كتير أكيد كنت مفتقده الشهر اللى فات
ابتسم لها وهز رأسه إيجابًا، ثم نظر إلى ملامحها مليًّا وقال بصدق
- بس أنا شايفك النهاردة مختلفة .. مبسوطة وسعيدة .. وبتتكلمى براحتك
أخذت نفسًا عميقًا ونظرت إلى الأفق قبل أن تجيبه
- لازم أكون مبسوطة .. بعد ما قلبي ارتاح خلاص
قطّب حاجبيه بدهشة
- ارتاح؟ من إيه؟
نظرت إليه بعينين صافيتين وقالت
- خطيبى .. كان مسافر إيطاليا ومكنش بيتصل وكنت فاكرة إن جراله حاجة .. بس كلمني امبارح واتطمنت عليه .. طلع عنده ظروف كده
لم يسمع (مالك) شيئًا آخر فقد توقّف الزمن عنده عند تلك الكلمة (خطيبى) ..
كأن أذنه لم تعد تسمع سوى صفير حاد ، طبلة أذنه ترفض الاعتراف بما سمعه للتو نظر إلى يدها، لم يجد خاتمًا .. لا شيء يشير إلى وجود ذلك الخطيب لمَ لا ترتديه؟ تلك الغبية ..
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
