رواية جديدة ظلها في قلبه لعلا السعدني - الفصل 10 - الثلاثاء 21/4/2026

تم النشر في: 21 أبريل 2026


قراءة رواية ظلها في قلبه كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ظلها في قلبه

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 


الفصل العاشر

تم النشر الثلاثاء 

21/4/2026


الفصل السابق


انتهت (أوهيلا) من آخر محاضراتها في ذلك اليوم، وكانت تشعر بصداع خفيف ينبض خلف عينيها وقفت في بهو الجامعة بجوار (هند)، التي بدا عليها السعادة فجأة عندما رأت شابًا يقترب منهما وابتسمت له فابتسم لها هو الآخر فأخبرت (هند) صديقتها انها عليها الرحيل مع خطيبها الآن ولكن والدها أخبرها سيأتى ليأخذها من الجامعة وان هاتفها مغلق ولا تستطيع الاتصال به، فأخبرتها (أوهيلا)انها ايضًا هاتفها قد فصل شحن ولكن ليس عليها القلق هي سننتظر والدها وستخبره انها انصرفت مع خطيبها، فاحتضنتها (هند) سريعًا، وطبعَت قبلة خفيفة على وجنتها، ثم لوّحت لها وهي تغادر مع خطيبها، تاركةً (أوهيلا) وحدها في بهو الجامعة المزدحم ..

وبينما كانت تسير نحو كافتيريا الحرم الجامعي، اشترت وجبة بسيطة فخرجت نحو الخارج وفتحت سيارتها وبدأت أن تأكل طعامها وهي تنتظر قدوم (رأفت)، تفكر في اخر حديث حدث بينها وبين (آسر) ولكن هل لنا سطوة على مشاعرنا؟! ..

زفرت بضيق بينما كانت تتابع الوقت والمارة، لمحَت من بعيد سيارة سوداء مألوفة تتوقف بهدوء أمام الجامعة، تسارعت دقّات قلبها دون سبب واضح، فتح (رأفت) باب السيارة ونظر في ساعته، معتقدًا أن ابنته ستخرج حالًا فترجلت (أوهيلا) من سيارتها ثم اقتربت منه بخطوات واثقة وقالت بهدوء
- حضرتك .. (هند) مشيت مع (حسن) خطيبها وأنا استنيت حضرتك عشان أطمنك متقلقش عليها

نظر إليها (رأفت) باستغراب ممزوج بحدة وقال
- ليه متصلتيش يا (أوهيلا)؟ بدل ما تعذبي نفسك؟! والهانم هى كمان متصلتش ليه؟

ازدردت (أوهيلا) ريقها بتوتر واضح، وقالت 
- أصل تليفوناتنا فصلت شحن ومحدش مننا عرف يتصل بحضرتك .. وبصراحة أنا مش مضايقة أنا أصلاً كنت لسه بتغدا وبحب الأكل السوري اللي في الجامعة أوي فقلت وانا باكل استنى حضرتك

ابتسم (رأفت) بنظرة متفهمة وقال
- طب والجحش (حسن)؟ متصلش بيا ليه؟

ضحكت (أوهيلا) بخفة وقالت
- خاف من حضرتك .. أصل حضرتك دايمًا مش بترضى تخرّجهم سوا وكل شوية تهزقه .. فقال الأحسن أنا اللي اقولك بدل ما يحرج نفسه 

قطّب (رأفت) جبينه بحدة وقال بنبرة غاضبة
- الكلب بيحطني قدام الأمر الواقع! عشان كتب كتابه خلاص بقى راجل؟ وليه كلمة؟

انفجرت (أوهيلا) في ضحكة خفيفة، لم تستطع كتمانها، ضحكتها كانت هادئة وبريئة لكنها صادقة، فابتسم (رأفت) وقال لها بنبرة حنونة
- بس عمومًا أنا مبسوط إني شوفتك .. إنتى متعرفيش أنا بحبك قد إيه

اتسعت عيناها في دهشة، وقد بدا على وجهها الصغير مزيج من المفاجأة والسعادة والارتباك
- بجد؟ بجد يا (رأفت)؟

توقف الزمن للحظة حين نطقت اسمه هكذا، بلا ألقاب أو تحفّظ رمقها بنظرة عميقة لكنه تجاهل الموقف وقال
- طبعًا .. إنتى زيك زي (هند) بالظبط

تجمّد وجه (أوهيلا) فجأة، واهتزت ابتسامتها التي كانت تزين وجهها لم تكن تنتظر أن يُلحق جملته بذلك التشبيه ووسط صمتها، استمعت إلى صوت ضحكات صاخبة، التفتت برأسها بسرعة لتجد (آسر) جالسًا على سيارتها، ممسكًا بهاتفه ويقول بمرح وكأنه يحادث أحدهم على الهاتف
- لا لا يا (محمد) .. عيد الحتة دي تاني .. ضحكتني أووووي!

نظرت إليه بغيظ شديد، وهي تعرف تمامًا أنه سمع ما قاله (رأفت)، وشماتته كانت واضحة في ضحكته المفتعلة وأنه لا يخاطب أحدهم عبر الهاتف بينما عندما نظر (رأفت) لصوت الضحكات ووجد (آسر) فقال بسخرية خفيفة
- آه يبقى إنتي قاعدة مستنية (آسر)؟ مش مستنياني أنا يا لئيمة؟

هزّت (أوهيلا) رأسها بسرعة نافية وقالت مرتبكة
- لا لا خالص .. أنا أصلاً ماكنتش أعرف إنه جاي

أغلق (آسر) هاتفه بتمثيل فاضح وقال مبتسمًا
- إيه يا أوهى؟ هتخبّى على أونكل (رأفت)؟ وبعدين أنا عارف إني مفضوح أوي بس أعمل إيه .. أول ما بشوفها ببقى مش عارف أخبّي مشاعري

ضربته (أوهيلا) على ظهره ضربة قوية، فتأوّه ممسكًا بظهره وقال وهو يبتسم ل (رأفت)
- بتموت فيا .. بس بتكسف .. وأنا بحب كسوفها ده أووووي

انفجر (رأفت) ضاحكًا وهو ينظر إليهما، ثم قال برضا
- خلاص كده .. أنا اتطمنت عليكِ .. روحي معاه يا (أوهيلا) وأنا هرجع البيت .. ولما أشوف (حسن) الزفت ده .. هطلع عينه!

مضى (رأفت) بعد أن اطمأن قلبه على ابنته، فى حين ظلت (أوهيلا) واقفة لحظة تنظر إلى أثر خطاه، قبل أن تنتقل بعينيها نحو (آسر) بغيظ شديد الذي كان ما يزال واقفًا وقد ارتسمت على ملامحه ابتسامة ماكرة، التفتت إليه بضيق وقالت
- وبعدين معاك بقى؟ أنت اتجننت ولا إيه؟

ابتسم (آسر) ساخرًا، وأجابها وهو يضع يديه في جيبيه 
- يعني غلطان إني خايف عليكِ؟ وبعدين من فضلك ده بيعتبرك زي بنته .. يا بنتي الحقيقة إنك أد بنته فعلًا فوقي! بدل ما تلاقي نفسك ضيعتي شبابك في وهم فاضي

ثم التفت إلى نفسه ونظر لملابسه ولنفسه يحثها على النظر إليه وقال بنبرة فيها تهكّم 
- يا بنتي هو احنا انقرضنا؟ قصرنا معاكم في إيه؟ عشان تبصوا لراجل اربعيني داخل عَلى الخمسين؟

ارتجف شيء في صدرها من كلماته، امتزج فيه الغضب بالحزن ولم تجب، بل خطت بخطى حادة نحو السيارة الخاصة بها وفتحت الباب بعنف، ثم جلست خلف المقود لكن قبل أن تغلق الباب، دخل (أسر) من الجهة الأخرى وجلس بجانبها بلا استئذان رمقته بنظرة نارية، وقالت بضيق
- أفندم؟ عاوز إيه؟

رفع حاجبيه ببراءة زائفة وقال
- يا بنتي أنا قدرك .. ومن هنا ورايح هنكون مع بعض كتير .. إتقبلي الواقع بقى

زفرت وهي تضع يديها على المقود وقالت بسخرية لاذعة
- حلو .. دمك خفيف .. وبتستظرف .. فأنا هحبك بقى وهقع في غرامك يا واد

ابتسم بثقة ونظر في عينيها مباشرة
- وما تقعيش في حبي ليه؟ شاب أمور مستوايا مش بطال دمي خفيف وعسل وشربات .. إيه فيا مش مواصفات فتى أحلامك؟ ولا عشان مش مهكع؟ بتحبي المهكعين إنتِ؟

نظرت إليه بحدة، ثم تجاهلته وبدأت تقود السيارة بصمت لم يلبث أن لمح ساندوتشات الشاورما بجانبها، فتناول أحدها دون إذن، صاحت فيه
- يااااا بااااارد! حتى أكلي؟!

ضحك وقال
- جعان .. وبعدين ده حتى الأكل ثواب .. مش عاوزة تكسبي ثواب؟

لم ترد فقط زفرت بعمق وتابعت القيادة، بينما كان هو يلتهم الساندويتش بسعادة واضحة فجأة، قال بصوت منخفض وجاد
- أنا آسف يا (أوهيلا)

توقفت عن القيادة ، ومال قلبها قليلاً نحو كلمته، لكنها لم تنظر إليه ،فتابع هو وقد صار صوته أهدأ
- كنت قليل الذوق معاكي .. إنتِ مش شبه مرات أبوكِ خالص حتى لو هي اتغيرت .. أنا عارف كويس إنك اتشدّيتي ل (رأفت) بس عمرك ما هتصارحيه بكده عشان إنتِ مش زيها .. إنتِ واحدة نفسك في أب حنين .. مش خطّافة رجالة وأنا متأكد من كده

لامس كلامه شيئًا دفينًا داخلها لم تُجبه لكنها شعرت بالسعادة أنه يثق بها أكثر مما هي تثق بنفسها ولكن ملامحها كانت جامدة، لم تبدي أي سعادة أمامه، نظر إليها مطولًا ثم قال ضاحكًا
- أنا ممكن أصبغ الشعريتين اللي قدّام دول أبيض .. وأعوضك عن حنان الأب .. إيه رأيك؟

نظرت إليه بغيظ، ثم لكمته بقبضتها في بطنه بقوة تألم بشدة ثم انفجر ضاحكًا وقال ساخرًا
- يا بنت إيدك طويلة بجد .. وبتووجع! .. بلاش تلامس أرجوكِ

نظرت إليه بنظرة مشاغبة وقالت
- يا بسكوتة

اتسعت عيناه من الصدمة
- أنا بسكوتة؟! يا بنت احترمي نفسك

ضحكت وأشاحت بوجهها عنه، ثم قالت بنفاذ صبر وهي تتابع قيادة سيارتها
- طب وبعدين بقى؟ أنا مروحة .. إنت رايح فين؟ انزل شوفلك تاكسي

رفع حاجبيه بدهشة وقال بنبرة تمثيلية
- أهون عليكي يعنى؟ أمشي كده في الشارع .. البنات تعاكس فيا؟

رمقته بنظرة حانقة وقالت
- لا يا نوغة لا يا بسكوتة هوصّلك لحد البيت وأطمن إنك طلعت يا كوكو، أي خدمة تانية؟

تابع تمثيله وهو يضع يده على قلبه
- بس أوعي بعد ما أطلع .. عينك تزوغ على مهكع كده ولا كده .. خليكِ مخلصة زي ما أنا مخلص

لم تحتمل المزيد، زفرت بعنف فابتسم هو ثم قال بنبرة جادة
- أطلعى عَلى بيتك بجد كفاية هزار بقى
❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي ..
كانت أشعة الشمس تتسلل عبر ستائر المكتب الزجاجية، فى حين جلس هو خلف مكتبه يُراجع بعض التصاميم، وقد بدا عليه التركيز، حين سمع طرقًا خفيفًا على الباب رفع رأسه وسمح للطارق بالدخول ،فتحت الباب، دخلت (سدرة) بخطوات خجولة وابتسامة بسيطة، فوقف الزمن في عينَي (مالك) لثوانٍ اتسعت عيناه دون إرادة منه، وتفلت القلم من بين أصابعه ليسقط على سطح المكتب بصوتٍ خافت فهو حقًا لا يريد رؤيتها حتى لا يتعلق بها أكثر ..

فقالت (سدرة) بهدوء، وعيناها لا تجرؤان على النظر مباشرة في عينيه
- مستر (شامل) قالّي إني هبقى المساعدة الخاصة بحضرتك، بيقول إن الاستقبال مش مناسب ليا عشان مش بعرف أتكلم أوي

تجمدت الكلمات في حلق (مالك)، وكأن الزمن قد أعاده إلى تلك اللحظة التي طلب فيها بنفسه من (شامل) أن تُنقل للعمل معه، حينما لم يكن يعرف بعد بخطبتها، وها هو الآن يدفع ثمن قراره المتسرّع، فقد نسى تمامًا أن يخبره ان لا يفعل شئ ويبدو أنه أراد مساعدته لأنهم اصدقاء كي يتقرب منها أكثر واكثر، ازدرد ريقه وأدار وجهه لحظات قبل أن يستعيد رباطة جأشه، ثم ابتسم على مضض وقال
- تمام .. هعلمك الشغل متقلقيش .. مواعيدك زي ما هي مش هتيجي بالليل زيى دي حاجات أنا بس اللي بعملها .. أنا كنت محتاج مساعدة في تنظيم القاعات مش أكتر

هزّت رأسها بالإيجاب وجلست في المقعد المقابل لمكتبه، تحاول أن تبدو واثقة رغم التوتر البادي في أصابعها المتشابكة، لكن قبل أن يبدأ بشرح أي شئ، فُتح الباب فجأة بعنف، ودخلت (شيرين) غاضبة، وعيناها تقدحان شررًا
- مخدتنيش ليه يا (مالك) أشتغل معاك بدل (سدرة)؟! أنت عارف إني بحب أبقى قريبة منك!

احمرّ وجه (سدرة) من الإحراج، ومالت بعينيها أرضًا، بينما نهض (مالك) من مكانه دفعة واحدة، وقد بدا الغضب واضحًا في نبرة صوته 
- هي رحلة؟! هاخدك معايا؟! وبعدين يا (شيرين) مستر (شامل) هو اللي جابها تشتغل .. وبصراحة أنسبلك تفضلي في الاستقبال .. أنتي أصلا بجحة مش بتتكسفي ورغاية انما هي مش كده 

نظرت له (شيرين) مذهولة، وكأنها لم تصدق ما تسمعه، ثم تمتمت، والدموع تحتشد في عينيها
- كده يا ملوكي؟ فيها إيه لما أكون عاوزة أبقى قريبة منك؟

فى حين كانت (سدرة) تشعر بالخجل من وجودها وسط تلك المشكلة، تغيرت نبرة (مالك) فجأة، وصارت أكثر حدة ممزوجة برجاء 
- أرجوكِ .. أرجوكِ كفاية! أنا مش عايز أجرح مشاعرك .. مش معنى إني ساكت إني موافق على اللي بتعمليه .. أنتي بنت خالتي وبس انا مش خطيبك .. اللي بتقوليه للناس عنّا بيضايقني .. ومش هيخليني أحبك! صدقيني اللي بتعمليه ده بيخليني أنفر أكتر!

بدت (سدرة) مصدومة من حدة الموقف وان (شيرين) ليست خطيبته هل هى مهوسة به كما يقول، ووقفت بتلعثم
- ط .. طيب أنا هستنى برة لما تخلصوا كلام

لكن (مالك) صرخ فجأة فيها دون أن ينظر إليها
- استني انتِ! متتحركيش! هي اللي هتمشي

ثم التفت إلى (شيرين) وقال بنبرة أكثر هدوءًا من نبرته السابقة معها رغم قسوة حديثه
- أرجوكِ متخلينيش أقول كلام ميتقالش .. أنا بعزك وبقدرك وبعتبرك أختي .. متخليش مشاعرك تبوظ العلاقة اللي بينا

حاولت (شيرين) السيطرة على دموعها، وكأنها ترفض أن تُهزم، وقالت بنبرة مرتجفة
- ماشي يا (مالك) .. أنت عارف كويس إني بحبك ومستعدة أعمل أي حاجة علشانك .. وبستحمل منك الزلط .. ولعلمك محدش هيستحملك غيري! وبعدين .. إنت أصلًا دمك تقيل و بنضارة وتنح ورزل، ومش أمور! سم في نفسك كده .. مين هيقبل بيك؟!

ابتسم (مالك) ثم قال
- ولما أنا كده، هتموتي عليا ليه؟

نظرت له بنظرة قاسية قبل أن تقول بحدة
- بكسب فيك ثواب!

ثم استدارت وخرجت دون أن تلتفت خلفها، زفر (مالك) طويلًا، وهزّ رأسه بأسى قبل أن يُعاود الجلوس نظرت له (سدرة) بتردد وقالت
- أحرجتها قوي قدامي .. دي كانت هتعيط

رفع عينه إليها وقال بهدوء
- دي جبلة مبتحسش .. سيبك منها .. فى البريك هتيجي تجيبلي أكل كأن مفيش حاجة حصلت!

مرّ الوقت، جلسا معًا يتحدثان في تفاصيل العمل، وكانت (سدرة) تصغي له بكل اهتمام، حتى أنها في نهاية الشرح ابتسمت وقالت
- عارف إن شغلك ممتع جدًا؟ كفاية إنه بيعمل حاجات بتفرّح الناس

ابتسم (مالك) وقال
- ادينا بنحاول، يمكن اللي شدني هنا أن صاحب الفندق رافض يشغل الموسيقى واغاني حتى تنظيمات الحفلات بدون اي موسيقى، وده شئ مش ممكن تلاقيه في مكان تاني، ومع ذلك الشغل كتير

ابتسمت وهزت رأسها بتفهم، صمت لبرهة قبل أن ينظر إلى يدها الخالية من خاتم خطبتها وسأل بعد تردد
- ولما إنتِ مخطوبة .. ليه مش لابسة دبلتك؟

تنهدت (سدرة) وأجابت بهدوء
- عشان دايمًا بحطها في جيبي أو شنطتي .. عشان الوضوء والصلاة لما بلبسها الماية مش بتوصل لصباعي كويس فبقلعها .. وبنسى ألبسها تاني

رمقها (مالك) بنظرة طويلة قبل أن يسأل
- وخطيبك مش بيتضايق؟

هزت كتفيها بلا مبالاة وقالت
- كان بيتضايق في الأول بس فهمته إن دي شكليات .. وبعدين هو جاري أصلا والشارع كله عارف إننا مخطوبين يعني مفيش مشكلة

أومأ برأسه بصمت وقد بدا على وجهه مزيج من الحيرة والانزعاج، وهل العالم بأكمله يقتصر على الشارع الذي تسكن به!! .. 
❈-❈-❈

في ركن من أركان الملجأ ، حيث يلهو الأطفال ويلعبون، جلست (چوليا) تراقبه بعينين حنونة ذلك الطفل ذو الأثنى عشر عامًا الذي لا يلعب ولا يضحك مع أقرانه، يجلس وحيدًا بعيدًا عن صخب أصدقائه منذ عدة أيام وهى تراه على ذلك الحال فأنتباهها الفضول ..

اقتربت (چوليا) منه بهدوء، ناظرةً إلى وجهه ثم جلست إلى جواره، وخاطبته بصوت ملؤه الرقة والاهتمام
- (فابيو) ما بالك لا تلعب مع الأطفال؟ 

رفع (فابيو) نظره إليها، لكنه لم يُجيب، كأن كلماته قد تكسرت في حلقه أصرّت (چوليا)، فى محاولةً منها أن تفهم ما به
- أعلم أنك منذ رحيل (أندريا) لم تصبح كما كنت .. لكنني سعيدة من أجله فهو الآن في أسرة تحبّه وتعتني به

التفت (فابيو) نحوها بعد أن تجمد للحظة ثم ارتسم على شفتيه ابتسامة باردة ساخرة، ولم يتفوه بكلمة ،ترددت (چوليا) للحظة، متسائلة في نفسها هل يحقد على (أندريا) لأنه صار مع أسرة جديدة؟ أم أنه يفتقد صديقه ليس إلا ..

ثم أمسكت بيده بلطف، وابتسمت له بنقاء
- مهما كان ما في قلبك فأنت لست وحدك هنا .. وإذا أردت أن تتحدث فأنا مستعدة لسمعاك

ظل (فابيو) ينظر إليها بصمت، لايعرف ماذا عليه أن يقول ..
❈-❈-❈

في المساء ..
 كانت (چوليا) تنحني فوق الطاولة الخشبية الصغيرة في المطبخ، تأخذ أطباق الطعام واحدًا تلو الآخر لتضعه على طاولة الطعام بالخارج ..

ما إن انتهت من تجهيز الطاولة، حتى انفتح باب الشقة ودخل (معتصم) متعبًا، خلع سترته ووضعها على المقعد المجاور، ثم دلف إلى غرفته وبدل ملابسه وبعدها خرج ثم جلس أمام (چوليا) دون أن يمد يده للطعام بعد وقال بهدوء
- (چوليا) .. لا أشعر بالراحة وأنا أعيش معك في المنزل ذاته .. أرجوكِ أودّ أن أجد غرفة أو مكانًا أستأجره

رفعت (چوليا) نظرها إليه، بعينين خاليتين من الانفعال، وقالت بلا مبالاة
- سكنك بمفردك أمر خطير للغاية يا (معتصم)، لا أعلم ما المشكلة معك يا فتى .. أخبرتك أنك تحتاج إلى كل المال الآن حتى نرى ما يمكننا فعله في أمر إقامتك هنا .. ثم إنني لست منزعجة لا تكبّر الأمر أكثر من اللازم

شعر (معتصم) بضيقٍ داخلي، يعلم أن علمت (سدرة) بذلك الأمر، قد يثير قلقها أو غيرتها رغم أنه حقًا لا يرى (چوليا) كأنثى رغم جمالها النادر ف (چوليا) ذات شعر بنّي داكن، منسدل على كتفيها بكثافة متموجة، أما عيناها فكانتا بلون البندقيّ المائل إلى الخُضرة، واسعتان وبشرتها بيضاء ولكن ما من امرأة في عينيه سوى خطيبته، لا (چوليا) ولا غيرها، مهما بلغ جمالها، صمت قليلًا، ثم قال دون أن يرفع عينيه عن صحنه
- أريد أن أشتري هاتفًا .. كي أتحدث مع عائلتي ..ومع خطيبتي

أومأت له بعينيها وقالت بهدوء
- حسنًا سأذهب معك غدًا لنبتاع واحدًا

ساد الصمت لحظة، ثم قطعت (چوليا) ذلك الهدوء 
- أريد أن آخذ رأيك في أمر ما

رفع (معتصم) نظره إليها، وهو يتناول لقمته التالية منتبهًا لها، لتقول( چوليا) بصوت يحمل قلقًا 
- لديّ طفل في الملجأ .. عمره اثنى عشر عامًا .. كان لطيفًا ومشاغبًا هو وصديقه (أندريا) لكن منذ أن تبنّت أسرة (أندريا) تغيّر تمامًا يرفض اللعب لا يشارك أحد لا يضحك .. فقط يجلس بمفرده طوال الوقت .. أشعر بالشفقة عليه

ابتسم (معتصم)، وقال مازحًا بنصف ابتسامة
- أنتِ تشعرين بالشفقة حتى على فئران السكك يا (چوليا) لديكِ قلب حنون أكثر مما يجب

احمرّت وجنتاها بخجل، وخفضت نظرها قبل أن تبتسم وتقول
- أخبرني فقط ماذا أفعل لأساعده؟

تنهد (معتصم) بعمق ثم قال
- يبدو أنه يمر بأزمة نفسية .. كان لديّ صديق يعمل أخصائيًا نفسيًّا للأطفال فى مصر .. كان دائمًا يقول لي إن الورقة والقلم مفاتيح أرواحهم .. اجعليه يرسم ما يشعر به .. أي شيء ثم أعرضي تلك الرسومات على مختصّ نفسي .. ستفهمين بعدها بماذا يمر ذلك الفتى ..

لمعت عينا (چوليا) بدهشة وامتنان، ثم قالت بحماس
- أنتَ مذهل حقًّا (معتصم) .. أتعلم؟ كلّ يوم أقع في غرامك أكثر يا فتى!

اتسعت عينا (معتصم) بدهشة حقيقية، وسعل فجأة وكأن الكلمات اختنقت في حلقه، فأسرعت (چوليا) تحضر له كوبًا من الماء، وضعته أمامه وهي تضحك بخفة ثم قالت مازحة
- أعلم أن قلبك ملك لتلك الفتاة المصرية .. ولكن ماذا بوسعي أن أفعل مع فتى وسيم مثلك؟!

نظر إليها بحدة، لكن ملامحه لم تكن قاسية بل مشوشة ، قهقهت (چوليا)، وقالت وهي تلوّح بيدها
- أمزح فقط يا رجل! ألا تعرف المزاح؟

هزّ (معتصم) رأسه بأسى مبتسم، ولم يُعلّق، بينما تابعت (چوليا) بنبرة أكثر جدية
- حسنًا .. سأبدأ مع (فابيو) غدًا
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل