قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل السادس والعشرون
تم النشر الأربعاء
8/4/2026
بعد أن أنهت كاميليا حديثها مع الطبيبة النفسية، سارت في ممر المستشفى بخطوات مثقلة بالتفكير. وصلت إلى باب غرفة يوسف، ترددت لثوانٍ ثم طرقت الباب ودخلت. كان يوسف مستلقياً بوجه شاحب، وعيناه معلقتان بالسقف، بينما يجلس والده وسميرة بجانبه في صمت كئيب.
بمجرد دخولها، شعرت كاميليا بنظرات يوسف المنكسرة تلاحقها. اقتربت من السرير وقالت بصوت هادئ يحمل الكثير من الأسى:
ـ عمي.. سميرة.. أنا بجد بعتذر عن اللي حصل من جيهان في الأوضة. هي مش في وعيها، والوجع مأثر على أعصابها جداً.
رد عدنان وهو يتنهد بضيق وحزن:
ـ ولا يهمك يا بنتي، إحنا مقدرين. جيهان بنتنا وعارفين إن صدمتها مش سهلة، واللي هي فيه يخليها تقول أكتر من كدة.
أما يوسف، فكان يراقب ملامح كاميليا بدقة. قرأ في عينيها إصراراً غريباً ونظرة توحي بأن لديها كلاماً لا يخص أحداً غيره. شعر بأنها تخفي شيئاً أو تهيئ الأجواء لحديث مصيري.
يوسف بصوت مبحوح:
ـ يا بابا.. معلش، ممكن تسبوني مع كاميليا شوية؟ عايز أسألها على حاجات بخصوص جيهان والتحقيق، ومحتاج أتكلم معاها لوحدنا.
نظر عدنان لسميرة، وفهم أن ابنه يحتاج لهذه المساحة. قام بهدوء وربت على كتف يوسف:
ـ ماشي يا ابني، إحنا هنخرج نتمشى في الممر شوية ونطمن على جيهان من بعيد. خدي راحتك يا كاميليا.
أغلق عدنان الباب خلفه، ليسود صمت تام في الغرفة. بقيت كاميليا واقفة أمام يوسف الذي ظل ينظر إليها بانتظار أن تبدأ هي الكلام.
يوسف بصوت يرتجف:
ـ قولي يا كاميليا.. الدكاترة قالوا لك إيه؟ أنا شوفتك وإنتي داخلة، نظرتك فيها كلام كتير مش قادرة تقوليه قدام أبويا.
أخذت كاميليا نفساً عميقاً وجلست على طرف الكرسي بجانب سريره، وقالت بنبرة جادة:
ـ يوسف، الموضوع مبقاش مجرد جرح في الجسم هيخف مع الوقت.. جيهان بتنهار نفسياً، والانهيار ده هيخلي جسمها ميتقبلش العلاج. أنا طلبت مساعدة دكتورة نفسية هنا، وهي دلوقتي مستنية برا عشان تتكلم معاك.
أطرق يوسف برأسه مفكراً لثوانٍ، والضيق ينهش صدره. لم يكن يريد أن تتحول حالتهما النفسية إلى حديث يتداوله الجميع في المستشفى، أو أن يشعر والده بمزيد من الانكسار. نظر لكاميليا وقال بحسم:
ـ كاميليا، أنا مش عايز حد يحس بحاجة ولا حد يعرف إن فيه دكاترة نفسيين داخلين وطالعين علينا. أنا اللي هروحلها، خديني ليها دلوقتي.
ساعدته كاميليا بهدوء وحذر حتى استقر على كرسيه المتحرك، وخرجت به من الغرفة. وفي الممر، كان عدنان وسميرة يجلسان والقلق يرتسم على وجوههما، فانتفضا عند رؤية يوسف يخرج من غرفته.
عدنان باستغراب وهو يقف:
ـ على فين يا ابني؟ إنت لسه تعبان، رايح فين على الكرسي ده؟
يوسف محاولاً الثبات:
ـ رايح أقابل الدكتور المعالج يا بابا، عايز أفهم منه تفاصيل حالة جيهان بالظبط بعيد عن جو الغرف. معلش خليكم إنتوا هنا..
أومأ عدنان بموافقة:
ـ طيب يا ابني، روح إنت وكاميليا وأنا هروح أقف قدام أوضة جيهان أطمن عليها من بعيد على كاميليا ما ترجع.
تحركت كاميليا بـيوسف في ممرات المستشفى الهادئة حتى وصلا إلى مكتب الطبيبة النفسية. طرقت الباب ودخلت، لتجد الطبيبة تنهض من خلف مكتبها بابتسامة ترحيب شابها التعجب:
ـ أهلاً يا أستاذة كاميليا.. أستاذ يوسف! نورتوا، بس أنا كنت لسه بجهز نفسي علشان أجيلكم الأوضة، ليه تعبت نفسك وجيت؟!
يوسف بنبرة جادة وصريحة:
ـ جيت ليكي يا دكتورة لأن الموضوع حساس جداً، ومش عايز حد من العيلة يعرف طبيعة الكلام اللي هيدور بينا، ولا حتى يعرفوا إن حضرتك دكتورة نفسية. أنا عايز الكلام يفضل هنا.
تفهمت الطبيبة الموقف وأومأت برأسها، بينما شعرت كاميليا أن وجودها الآن قد يمنع يوسف من الحديث بحرية، فقالت بهدوء:
ـ أنا هستأذنكم دلوقتي وأستناكم برا في الممر.. خد راحتك يا يوسف، واتكلم مع الدكتورة في كل اللي شاغلك.
خرجت كاميليا وأغلقت الباب خلفها، ليخيم الصمت للحظات بين يوسف والطبيبة قبل أن تبدأ هي بسؤاله الأول الذي سيفتح أبواب الأسرار.
بعد أن غادرت كاميليا وأغلق الباب، بدأت الطبيبة حديثها مع يوسف بنبرة هادئة ومطمئنة، سألته عن طبيعة علاقته بجيهان وتاريخهما معاً.
بدأ يوسف يتحدث بحذر شديد، وكأنه يزن كل كلمة تخرج منه:
ـ جيهان مش بس زوجتي، دي بنت عمي.. يعني عشرة عمر من وإحنا أطفال. حياتنا كانت مستقرة جداً في البداية، لكن بدأت الأمور تتأثر وتتغير من وقت جوازي الثاني من سميرة.
توقف يوسف قليلاً والألم يظهر في عينيه، ثم أكمل بمرارة:
ـ وعلاقتنا اتحطمت تماماً بعد جوازي الأخير من نور. جيهان شافت في جوازي منها إهانة لتاريخنا ووجودها في حياتي، ورغم إنها فضلت مكملة، بس الشرخ كان بيزيد كل يوم.
الطبيبة رغم محاولتها الحفاظ على ملامحها المهنية، إلا أن علامات الضيق والغضب بدت واضحة على وجهها بسبب طريقة تفكير والد يوسف القديمة، وإصراره على أن يظل يوسف يتزوج حتى ينجب الولد الذي سيكون الوريث، وكأن حياة جيهان ومشاعرها كانت ثمن هذا الموروث.
حاولت الطبيبة امتصاص غضبها لتكمل الحديث معه بهدوء:
ـ طيب ويوم الحادثة يا يوسف؟ إيه اللي حصل بالظبط ووصلها للحالة دي؟
يوسف بصوت مخنوق:
ـ يوم الحادثة كان يوم مشؤوم.. ومن وقت ما عرفت إنهم اضطروا يبتروا قدمها وهي حالتها ساءت بشكل مرعب. جيهان دلوقتي رافضة الحياة تماماً، والألم النفسي عندها بقى أقوى بكتير من وجع الجرح. هي قافلة على نفسها ورافضة تشوف أي حد، حتى أنا.. شايفة إن البتر ده نهى حياتها كست وكزوجه وأم في بيتها.
سكت يوسف وعيناه تملؤهما الدموع، بينما كانت الطبيبة تدون ملاحظاتها وهي تدرك أن المهمة أصعب بكثير مما تخيلت، فالمعركة ليست مع الإصابة فقط، بل مع موروثات عائلية وضغط نفسي استمر لسنوات.
استمرت جلسة يوسف مع الطبيبة قرابة الساعة، كانت خلالها تستمع لكل كلمة ينطق بها بهدوء شديد، وتحلل نبرة صوته المليئة بالندم والحيرة. وبعد أن أفرغ يوسف ما في قلبه، نظرت إليه الطبيبة بجدية وقالت:
ـ أستاذ يوسف، أنا سمعتك كويس. أنا هروح أقابل جيهان في المساء وأحاول أتكلم معاها، لكن لازم تعرف إن قدامك طريق طويل وصعب جداً علشان تقدر تستعيد جيهان وتخليها تثق في نفسها وفيك من تاني.. ده لو كنت بتحبها حقاً ومتمسك بيها زي ما بتقول.
ثم أكملت وهي تنهي الجلسة:
ـ هكتفي بكدة دلوقتي، وهنتكلم مرة تانية في وقت لاحق بعد ما أشوف رد فعلها.
خرج يوسف من المكتب وهو يشعر بحمل ثقيل فوق صدره، حيث كانت كاميليا تنتظره في الممر والقلق ينهشها. لم يتحدث يوسف كثيراً، بل أشار لها برأسه لتعيده إلى غرفته. تحركت كاميليا بالكرسي المتحرك في صمت، بينما كان يوسف غارقاً في تفكيره في كلمات الطبيبة وفي المواجهة الصعبة التي تنتظر جيهان في المساء.
عادا إلى الغرفة، ليجد يوسف أن الأجواء مازالت مشحونة بانتظار العائلة، لكن ذهنه كان في مكان آخر تماماً.. كان مع جيهان وما سيحدث عندما تدخل عليها الطبيبة النفسية.
في غرفة جيهان، كان الصمت يعم المكان إلا من صوت أنفاسها الثقيلة وهي غارقة في نومٍ يشبه الهروب. دخل عدنان ومعه سميرة، ووقفا أمام سريرها يراقبان ملامحها التي غيّرها الحزن الشديد وبتر ملامح القوة التي كانت تميزها.
بدت الكلمات عاجزة عن الخروج من أفواههما أمام هذا المشهد القاسي، لكن عدنان، وبنبرة مليئة بالندم لم تعتدها منه سميرة، قال بصوت منخفض:
ـ أنا غلطت يا سميرة.. غلطت لما ضغطت على يوسف وسمحت له يتجوز نور. كنت فاكر إن الولد هو اللي هيسند العيلة، مكنتش أعرف إن التمن هيكون كسر جيهان بالشكل ده.
نظرت إليه سميرة بصمت، وهي تسمع اعتراف والد زوجها بخطئه لأول مرة، بينما أكمل عدنان بإصرار:
ـ أنا لازم أحاول أصلح اللي حصل، ولازم أرجع الاستقرار لبيت ابني، جيهان لازم ترجع لمكانتها تاني.
بعد هذه اللحظة الصادقة، غادرا الغرفة وعادا إلى غرفة يوسف، حيث وجداه جالساً مع كاميليا التي كانت تنتظر عودتهما لتطمئن على استقرار الوضع. وبمجرد دخول عدنان وسميرة، شعرت كاميليا أن مهمتها هنا انتهت مؤقتاً.
استأذنت كاميليا بهدوء وقالت:
ـ أنا هسيبكم دلوقتي وأروح أكون جنب جيهان، زمانها قربت تصحى ومش عايزة تسأل عليا ومتلاقينيش.
خرجت كاميليا من الغرفة واتجهت لغرفة شقيقتها، لتبدأ رحلة الانتظار الطويلة لجلسة المساء مع الطبيبة النفسية.
❈-❈-❈
بينما كان تامر يتابع أعمال الشركة بذهن مشتت، لم يستطع الانتظار أكثر، فقرر التوجه مباشرة إلى النيابة ليعرف إلى أين وصلت التحقيقات في الحادث الذي دمر استقرار عائلته.
هناك، استقبله الضابط الذي كان يباشر القضية، وبملامح جادة أخبره بالمفاجأة:
ـ يا أستاذ تامر، التحقيقات أثبتت إن الحادثة مكنتش قضاء وقدر وبس.. اللي رتب لكل ده هو غانم المنشاوي. غانم كان داخل المناقصة الأخيرة وكان مستميت عليها، ولما خسرها قدام يوسف، قرر ينتـ.قم منه بأبشع طريقة. والحمد لله، قبضنا عليه وهو بيحاول يهرب برا البلد.
شعر تامر بمزيج من الغضب والراحة لأن الحق ظهر، وشكر الضابط ثم انطلق بسرعة نحو المستشفى. وفي طريقه، فكر في إرهاق الجميع، فتوقف عند أحد المطاعم وأحضر وجبات جاهزة لـ كاميليا ووالده وسميرة.
وصل تامر للمستشفى واتجه أولاً لغرفة جيهان حيث وجد كاميليا تجلس بمفردها، وعلامات التعب واضحة عليها.
تامر وهو يعطيها الطعام:
ـ كاميليا، لازم تاكلي علشان تقدري تقفي على رجلك.. جيهان عاملة إيه دلوقتي؟
كاميليا بيأس وهي تراقب شقيقتها النائمة:
ـ زي ما هي يا تامر.. الوجع اللي جواها أكبر من أي كلام.
حاول تامر تهدئتها وتقوية عزيمتها قائلاً:
ـ إحنا لازم نكون أقوياء علشانها، والحق ظهر يا كاميليا.. غانم المنشاوي هو اللي عمل كدة واتقبض عليه. جيهان قوية وهتعدي الأزمة دي بإذن الله.
بعد أن حاول تامر تقوية عزيمة كاميليا، اتجه إلى غرفة شقيقه يوسف حيث وجد والده وسميرة. وضع الطعام أمامهم وبدأوا يتناولونه في صمت ثقيل، يحاول كل منهم استجماع قوته.
بعد الانتهاء، بدأ تامر يسرد ما عرفه من الضابط في النيابة عن تورط غانم المنشاوي. وقع الخبر كالصا.عقة على يوسف، الذي شعر بضيق شديد يكتم أنفاسه؛ تذكر حينها عرض غانم للمشاركة في تلك الصفقة ورفضه القاطع له، وتذكر بوضوح كلمات التهديد التي ألقاها غانم في وجهه وقتها. لم يتخيل يوسف أبداً أن غانم سيجرؤ على تنفيذ وعيده، والأكثر إيلاماً لقلبه هو أن جيهان كانت هي الضحية والثمن لهذا الصراع.
في هذه الأثناء، بدأت جيهان تفتح عينيها ببطء، لتجد كاميليا بجانبها كظلها. اقتربت كاميليا منها بهدوء وساعدتها على الاعتدال، ثم قدمت لها الطعام. تناولت جيهان القليل في صمت مطبق، وعيناها تائهتان في فراغ الغرفة.
كانت كاميليا تود بشدة أن تخبرها عن الطبيبة النفسية التي ستزورها في المساء، لكن الكلمات توقفت في حلقها؛ خافت من ثورة غضب جديدة قد تنتاب جيهان أو تزيد من شعورها بأنها أصبحت مريضة أو ناقصة. فضلت كاميليا التراجع وجلست تتحدث معها في أمور عامة، محاولةً بشتى الطرق أن تخرجها من صمتها وتخفف عنها ثقل ما تمر به.
مع حلول المساء، ساد الهدوء ممرات المستشفى، وقطعه صوت طرقات خفيفة ومنتظمة على باب غرفة جيهان. فتحت كاميليا الباب لتجد الطبيبة النفسية بطلتها الهادئة والمطمئنة، فأذنت لها بالدخول وهي تشعر بتوتر داخلي.
نظرت الطبيبة لـ جيهان التي كانت مستلقية في فراشها بوجه شاحب، ثم التفتت لكاميليا وقالت بنبرة مهنية هادئة:
ـ مساء الخير.. أنا حابة أتكلم مع مدام جيهان شوية لوحدنا، لو تسمحي لنا يا أستاذة كاميليا.
أومأت كاميليا برأسها وقالت:
ـ طبعاً.. أنا هكون موجودة برا في الممر لو احتجتوا حاجة.
بمجرد خروج كاميليا وإغلاق الباب، زاد تعجب جيهان وارتسمت على وجهها علامات الريبة والضيق. نظرت للطبيبة بنظرة حادة ممزوجة بالانكسار وسألتها بصوت جاف:
ـ إنتي مين؟ وأختي خرجت ليه؟
لم ترد الطبيبة فوراً، بل سحبت كرسياً وهدأت من روع المكان وهي تجلس بجوار السرير مباشرة، مما أعطى جيهان شعوراً بأنها ليست في كشف طبي تقليدي.
الطبيبة بابتسامة رقيقة:
ـ أنا اسمي دكتورة منه، وجيت علشان أسمعك يا جيهان.. مش علشان أكشف عليكي زي بقية الدكاترة. جيت لأنك أكتر واحدة تعبت في الحكاية دي، ومن حقك تخرجي اللي جواكي بعيد عن عيون العيلة والضغط اللي حواليكي.
سكتت جيهان قليلاً، ثم أشاحت بوجهها بعيداً وهي تحاول حبس دموعها وقالت بمرارة:
ـ هتسمعي إيه؟ هتسمعي عن الست اللي بقت ناقصة؟ ولا عن الرجل اللي اتقطعت؟ مفيش كلام يتقال يا دكتورة.. اللي حصل حصل وخلاص.
لم تستسلم الطبيبة لصد جيهان، بل بدأت تتحدث معها بهدوء شديد، محاولةً لمس الخيوط النفسية التي تربط بين شعورها بالعجز وبين خوفها من ضرايرها سميرة ونور وفقدان مكانتها، دون أن تضغط عليها في البداية.
قالت الطبيبة بمهنية شديدة، وهي تراقب انفعالات جيهان:
ـ الوجع مش في الرجل اللي راحت يا جيهان، الوجع في الروح اللي حاسة إنها اتكسرت. إنتي خايفة من إيه بالظبط؟ خايفة من بكرة؟ ولا خايفة من الناس اللي مستنيين وقوعك؟
أدركت جيهان من سياق الحديث وطريقة الأسئلة أنها أمام طبيبة نفسية، ورغم تحفظها في البداية، إلا أن نبرة الطبيبة الهادئة جعلت الحواجز تنهار ببطء. لم تظهر جيهان أي غل أو حقد، بل كان حديثها يفيض بالحزن العميق والوجع الذي سكن روحها قبل جسدها.
بدأت جيهان تتحدث بصوت مرتجف، وهي تنظر إلى الفراغ:
ـ كنت دايمًا بحاول أكون السند لكل اللي حولي.. كنت بشوف قوتي في إني شايلة البيت وشايلة يوسف، ومتحملة كل حاجة بصبر وهدوء. جواز يوسف مرة وتانية كان بياكل من روحي، بس كنت بقول لنفسي أنا الأصل، أنا اللي كلمتي مسموعة في البيت وعمرهم ما هيقدروا يستغنوا عني.
توقفت قليلاً وهي تمسح دمعة خانتها وسقطت على وجنتها، ثم تابعت بكسرة:
ـ دلوقتي يا دكتورة، أنا حاسة إني فقدت السلاح الوحيد اللي كنت بواجه بيه الدنيا.. قوتي وحركتي. الحادثة دي مش بس خدت رجلي، دي خدت الصورة اللي كنت راسمها لنفسي. أنا دلوقتي في نظري ونظرهم ست عاجزة، ومبقتش قادرة أتخيل إزاي هرجع أعيش وسطهم وأنا محتاجة مساعدة في كل خطوة، وأنا شايفة الشفقة في عينين يوسف والحزن في عينين أختي.
استمعت الطبيبة بإصغاء تام، تاركة لجيهان المساحة لتخرج كل هذا المخزون من الوجع. أكملت جيهان بمرارة هادئة:
ـ مش زعلانة من حد، أنا زعلانة على نفسي، وعلى العمر اللي ضاع وأنا بحاول أثبت إني قوية، وفي الآخر انتهى بيا الحال هنا.
كانت الطبيبة تستمع لكل حرف تنطق به جيهان بهدوء شديد، ولم تقاطعها حتى أفرغت ما في قلبها من وجع. بعدها، اقتربت منها الطبيبة أكثر وقالت بنبرة مليئة بالثقة والتشجيع:
ـ جيهان، القوة عمرها ما كانت في القدم اللي بنمشي بيها.. القوة الحقيقية هنا، في عقلك وفي روحك اللي شالت بيت وعيلة سنين طويلة. إنتي مش عاجزة، العجز الحقيقي هو عجز الإرادة، ومن حقك ترفضي نظرة الشفقة من أي حد، لأن اللي شايفك عاجزة فالعجز في عقله هو مش فيكي إنتي.
تابعت الطبيبة حديثها وهي تمسك بيد جيهان لتشجعها:
ـ العلم اتقدم يا جيهان، وإنتي تقدري تركبي قدم صناعية وتتحركي وتعيشي حياتك من تاني.. بس مش علشان خاطر يوسف، ولا علشان تثبتي حاجة لضرايرك، اعملي ده علشانك إنتي، وعشان بناتك اللي محتاجين يشوفوا أمهم قوية زي ما عودتيهم. حياتك ما انتهتش، هي بس بدأت شكل جديد ومحتاجة منك صبر.
كانت جيهان تستمع لكل كلمة بتركيز شديد، وكأن كلمات الطبيبة كانت هي القشة التي تتعلق بها لتخرج من غرقها. بدأت ملامحها تلين قليلاً، وأحست لأول مرة منذ الحادث أن هناك أملاً، وأن قيمتها كإنسانة وكأم لم تذهب مع ذلك الجزء المفقود من جسدها.
ظلت الطبيبة معها مدة طويلة، تدعمها نفسياً وتهيئها لتقبل واقعها الجديد وخطة العلاج القادمة، مؤكدة لها أنها ستظل بجانبها خطوة بخطوة حتى تستعيد ثقتها بنفسها تماماً.
كانت كاميليا قد فكرت أكثر من مرة في الذهاب لغرفة يوسف بدلاً من وقوفها وحيدة أمام الباب، لكنها تراجعت سريعاً؛ فوجودها الدائم في غرفة يوسف في هذا الوقت المتأخر قد يثير شكوك نور أو سميرة، وهي تريد أن تظل هذه الجلسة سراً تماماً حتى يبدأ مفعولها.
وأخيراً، انفتح الباب وخرجت الطبيبة بملامح هادئة. اقتربت منها كاميليا بلهفة وقلق واضحين وسألتها بصوت خفيض:
ـ طمنيني يا دكتورة.. إيه اللي حصل جوه؟ جيهان تقبلت الكلام؟
ابتسمت لها الطبيبة ابتسامة مطمئنة وقالت:
ـ اطمني يا أستاذة كاميليا، جيهان جواها قوة كبيرة بس كانت محتاجة اللي يزيح عنها غبار الصدمة. هي بس محتاجة شوية وقت علشان تستوعب حياتها الجديدة، ومحتاجة دعمكم جداً في المرحلة دي.
ثم أكملت وهي تهمّ بالانصراف:
ـ ادخلي لها دلوقتي، هي محتاجة وجودك جنبها أكتر من أي وقت فات. كلامك معاها ودعمك ليها هو اللي هيكمل اللي بدأناه سوا.
غادرت الطبيبة لإكمال عملها في المستشفى، بينما أخذت كاميليا نفساً عميقاً لتستجمع قوتها، ثم فتحت الباب ودخلت لغرفة شقيقتها. وجدت جيهان مستلقية، لكن نظرة عينيها كانت مختلفة؛ لم تكن تلك النظرة المنكسرة تماماً، بل كانت نظرة شخص بدأ يفكر ويبحث عن طريق وسط الظلام.
اقتربت كاميليا منها وجلست بجانبها، وأمسكت يدها بحنان دون أن تتكلم، منتظرة أن تكون جيهان هي من تبدأ بالحديث.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

❤️❤️❤️❤️
اتمنى ان جيهان تنفصل نهائى عن يوسف وتعمل كيان لنفسها بعيد عنة