قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل الخامس عشر
تم النشر يوم الأربعاء
8/4/2026
وسط صخب القاعة وأنغام الموسيقى التي تملأ الأجواء، كان حمزة يجلس بجوار ديما، لا تحيد عيناه عن وجهها المشرق، وكأنه يحاول حفظ كل تفصيلة من تفاصيلها. اقترب منها قليلاً، وتجاوزت همساته أصوات الموسيقى لتصل إلى قلبها مباشرة، وقال بصوتٍ يفيض بالعاطفة:
هل تصدقين يا ديما؟ أحياناً أظن أنني أعيش حلماً جميلاً وأخشى أن أستيقظ منه. أنتِ هنا، تجلسين بجانبي، وبكامل بهائكِ ورقتكِ.. أتشعرين بمدى دقات قلبي الآن؟ أريدكِ أن تعلمي أنكِ أجمل عروس رأتها عيناي.
التفتت إليه ديما بابتسامة رقيقة, وأجابته بصوتٍ دافئ:
لقد مررتُ بالكثير يا حمزة.. ولم أصدق أن أعيش يومًا كهذا, لم أكن أظن أنني سأشعر بهذا الأمان يومًا. وجودك بجانبي... جعل كل شيء أخف.
ثم سكتت قليلًا قبل أن تقول :
عدني ياحمزة ألا تتركني أبدًا.
شعر حمزة بغصةٍ في حلقه وهو يلمح ذلك الحزن العابر في نبرتها، فتسلّل إلى صدره شعورٌ ثقيل، قديم، يعرفه جيدًا… ذلك الإحساس الذي يداهمه كلما اقترب منها أكثر، كأنّه يذكّره بما يحاول أن يدفنه.
فأطبق بيده على يدها برفقٍ شديد، ومرر أصابعه على خاتمها، وقال بحنان:
أعاهدكِ أمام الله, أن أكون لكِ السند والعوض. أن أمحو كل لحظة ألم مررتِ بها يوماً، وأن أجعل أيامكِ القادمة كلها سعادة, أنتِ لستِ فقط زوجتي يا ديما، أنتِ الروح التي أنارت عتمة أيامي.
على الجانب الآخر من القاعة، وبعد أن غادرت ريم محيط آسر بخطوات متسارعة، اختارت زاوية هادئة لتلتقط أنفاسها. كانت تشعر بثقل الموقف، وقلبها لا يزال يخفق بشدة من نظرات لميس وكلماتها، حين سمعت وقع كعبٍ عالٍ يقترب منها بحدة.
التفتت لتجدها هي تقف أمامها، ملامحها مشدودة وعيناها تلمعان بغضب محتوم كشرارة نار توشك على الانفجار.
بدأت لميس الهجوم بصوت خفيض لكنه مسموم، مليء بالتعالي:
هل تظنين أن بضع نظرات متبادلة ودموع مسكينة ستجعله يركض خلفكِ؟ أفيقي يا ريم. آسر الهاشمي لي، ولن أسمح لفتاة نكرة مثلكِ أن تقترب منه أو تسرقه مني. مكانكِ ليس هنا، ومحاولاتكِ للفت انتباهه مجرد شفقة يمنحها لكِ لا أكثر!
رفعت ريم رأسها، ورغم ارتباكها الداخلي ووجعها، إلا أن كرامتها انتفضت لتمنحها ثباتاً لم تتوقعه. نظرت إلى لميس ببرودٍ وهدوء قاتل، وقالت بنبرة واثقة:
أولاً، أنا لا أسرق ما ليس لي، ولا أخوض معارك للحصول على رجل ارتبط بغيري. ثانياً، إن كان آسر لكِ حقاً كما تدّعين ويحبكِ، لما كنتِ هنا الآن تتركينه لتبحثي عني وتهاجمينني بدافع الخوف والغيرة.
اشتد غيظ لميس، واقتربت خطوة مهددة وهي تضغط على أسنانها:
أنا لا أغار من بائعة حلويات! أنا فقط أضعكِ في حجمكِ الحقيقي. مهما حاولتي واصطنعتِ البراءة، لن تكوني سوى نزوة عابرة في حياته، شيء يشفق عليه وسرعان ما يملّه.
ابتسمت ريم ابتسامة باهتة مليئة بالكبرياء، لم تهتز فيها شعرة، وردت بصوت قاطع وحاسم:
لو كنتُ نزوة كما تقولين، لما ارتجف قلبكِ واشتعلت أعصابكِ لمجرد وقوفي لدقائق معه. اطمئني يا لميس، أنا من اختار الابتعاد بمحض إرادتي، ليس خوفاً منكِ، بل لأنني أمتلك عزة نفس تمنعني من التواجد في مكان لا يليق بي، ولأنني لا أقبل أن أكون طرفاً في علاقة كهذه!
احتفظي به إن استطعتِ، لكن تذكري.. هناك أشياء، مهما امتلكتِ كل شيء، ستبقين عاجزةً عن شرائها.
أدارت ريم ظهرها للميس بكل شموخ، وتركتها واقفة تحترق بنار كلماتها وتأكلها غيرتها، ومضت بخطوات واثقة عائدة إلى حيث تجلس سناء، تاركةً خلفها معركة انتصرت فيها بأخلاقها وكبريائها.
2-
لم تكن ليلة الفرح مجرد احتفالٍ عابر، بل كانت مواجهةً أخيرة مع ماضٍ قررت أن تتركه خلف ظهرها. ورغم تلك الكلمات المسمومة التي حاولت لميس غرسها في روحها، ورغم نظرات آسر التي كانت تلاحقها كظلٍّ لا يهدأ، استيقظت ريم في الصباح التالي وهي تشعر بنوعٍ مختلف من القوة؛ تلك القوة الهادئة التي تولد حين يدرك الإنسان أن ليس لديه ما يخسره بعد الآن. لم تكن قوةً لتواجه بها العالم، بل كانت قوةً لتواجه بها نفسها؛ لتقول لذاك الصوت الخائف بداخلها إن زمن الانحناء قد ولّى، وإن الندوب التي كانت تخفيها بالأمس صارت اليوم هي درعها الذي لا يُخترق.
وقفت أمام المرآة، رتبت هندامها بعناية، لملمت شتات نفسها، وأغلقت حقيبتها على أحلامها الصغيرة التي بدأت تكبر، ثم توجهت في الموعد المحدد نحو شركة الأستاذ حازم السيد.
استقبلها الرجل بترحاب شديد، ولم تمضِ ساعة حتى كانت قد استلمت وظيفتها كسكرتيرة خاصة له بمرتب كبير لم تكن تتخيله، لتطوي بذلك صفحة الحاجة وتبدأ أولى خطوات استقلالها الحقيقي.
مرت الأيام وريم تثبت كل يوم أنها أهل لهذه الثقة. وفي أحد الصباحات، بينما كانت منهمكة في ترتيب بعض الملفات الهامة على مكتبها بدقة متناهية، قطع تركيزها صوت الأستاذ حازم يناديها بوقار من داخل مكتبه:
– يا ريم، تعالِ.
نهضت بسرعة ودخلت بخطوات مترددة، وهي تتساءل إن كان هناك خطأ ما. لكنه استقبلها بابتسامة ودودة وقال:
– أردت فقط أن أخبرك أنني راضٍ جدًا عن عملك هنا، وكل من في الشركة يشكر في اجتهادك وأسلوبك.
ابتسمت ريم بخجل، وقد احمرّت وجنتاها قليلًا:
– أشكرك يا أستاذ حازم، هذا من لطفك.
جلس حازم في مقعده وأشار لها أن تجلس، ثم قال بنبرة متفحصة:
– بالمناسبة، أنتِ أخبرتِني سابقًا أنك لم تُكملي دراستك في الجامعة بسبب ظروف عمك، أليس كذلك؟
أومأت ريم برأسها بصوت منخفض:
– نعم، لم أتمكن من إكمال دراستي بسبب بعض المشاكل العائلية.
ابتسم حازم وقال بثقة:
– ولماذا لا تفكرين الآن في العودة لإكمال دراستك؟ أرى أن لديكِ حماسًا وذكاءً يستحق أن يُستثمر.
سكتت ريم للحظة، ثم قالت مترددة:
– في الحقيقة، فكرتُ في ذلك، لكنني كنت خائفة من أن يُثير عمي المشاكل مجددًا. ما رأي حضرتك؟ هل ترى أن أخطو هذه الخطوة؟
أومأ حازم بإيجابية قائلاً:
– بالطبع، يجب أن تكملي تعليمك، ولا تقلقي، إذا احتجتِ أي دعم أو مساعدة، أنا معكِ.
تهللت ملامح ريم بفرحة صادقة وقالت بحماس:
– من الغد صباحًا سأذهب إلى الجامعة وأخبرهم أنني أريد العودة لإكمال دراستي.
وقف حازم مبتسمًا وقال:
– هذا القرار يسعدني جدًا، وأنا أثق أنك ستنجحين.
خرجت ريم من المكتب بخطوات خفيفة، وقلبها يرقص فرحًا، وكأنها عادت تلمس خيوط حياتها التي سُلبت منها منذ زمن.
3-
في صباح اليوم التالي، ارتدت ريم ملابسها على عجل، وخرجت متجهة إلى الجامعة. كانت خطواتها مترددة في البداية، لكن قلبها ينبض بالحماسة كأنها تستعيد شيئًا مفقودًا من حياتها. وصلت إلى مكتب شؤون الطلبة، وقدمت أوراقها لإعادة القيد.
بعد إنهاء الإجراءات، جلست في ساحة الجامعة عند البرجولة القديمة، تتأمل المكان .وبينما كانت تنتظر ردًا على طلبها، لمحَت رجلًا كبير السن يقترب منها بخطوات متأنية، عيناه تتفحصان ملامحها بدهشة.
قال الرجل بصوت عميق يحمل شيئًا من الذكريات:
– أنا أشعر أنني أعرفك... أنتِ تشبهين أحدًا أعرفه.
ابتسمت ريم بخجل وقالت:
– ربما تعرف أمي، فأنا أشبهها كثيرًا، هكذا يقول الجميع.
اقترب أكثر وسألها باهتمام:
– ومن تكون والدتك؟
قالت بهدوء:
– اسمها منال. وأبي كان جمال منصور، رحمه الله.
اتسعت عيناه بدهشة ممزوجة بالحنين، وقال بصوت متهدج:
– يا إلهي! أنتِ إذن ابنة جمال منصور... الله يرحمه. لقد كان صديقي العزيز، وقد أوصاني بكِ يومًا، لكنني فقدت أثرَك بعد أن أخذك عمك وسافرتم. أنا عمكِ طــه.
جلست ريم مستقيمة وقد شعرت بموجة من الدفء تغمر قلبها، فأشارت له أن يجلس بجانبها:
– تفضل، اجلس يا عمّي... طمئني عنك.
جلس الرجل بجوارها مبتسمًا:
– الأهم أن أطمئن أنا عليكِ أنتِ يا ابنتي. كيف حالك؟
أجابت بابتسامة رقيقة:
– بخير، الحمد لله. أحاول أن أستعيد حياتي من جديد.
رفع حاجبيه متسائلًا:
– وماذا تفعلين هنا إذن؟
أطرقت رأسها قليلًا وقالت:
– كنت مضطرة لتأجيل دراستي بسبب ظروف عمي، لكنني قررت الآن أن أعود لإكمالها.
ظهر الاستياء على ملامحه وقال بنبرة غاضبة خفيفة:
– وكيف يجرؤ عمك على أن يحرمك من الدراسة؟! هذه كانت وصية أخيه، رحمه الله.
هزّت ريم كتفيها بابتسامة حزينة:
– ربما كانت المصاريف كثيرة عليه. يكفيني أنه تكفّل بي طوال هذه السنوات.
نظر إليها الرجل بدهشة، وقال بحزم:
– تكفّل بكِ من ماله؟ يا ابنتي، هذه أموالك أنتِ! هذا حقك من والدك. أنا كنت معه حين كتب وصيته، وترك لكِ رصيدًا محترمًا في البنك كان كل ما يملكه وقتها!
اتسعت عينا ريم بذهول، وتلعثمت:
– أبي... ترك لي مالًا؟!
هزّ رأسه مؤكدًا:
– نعم، بالطبع! هل كان عمك يخبرك أنه ينفق عليك من ماله الخاص؟
أومأت ريم ببطء:
– نعم... كنت أظن ذلك!
تمتم الرجل بحرقة:
– لا حول ولا قوة إلا بالله...
قالت ريم بارتباك وصوت مرتجف:
– إذن، لي مال عند عمي؟
أجابها بثقة:
– بالطبع. ابحثي عن حساب والدك في البنك، وستعرفين كل شيء. لا تتركي حقك يضيع.
ظلت ريم صامتة لثوانٍ، وصوت قلبها يعلو بداخله:
– إذن كل تلك السنوات... كان حقي معه، وأنا لا أدري!
رفعت رأسها وعينيها تلمعان بالإصرار:
– لن أترك حقي هذه المرة. سأقف أمام الجميع لأستعيد حقي، حتى لو كان عمّي نفسه.
4-
في اليوم التالي جلست ريم في مكتب الأستاذ حازم ، مديرها، وعيناها تتلألآن بمزيج من الغضب والارتباك وهي تحكي له ما اكتشفته عن عمها ممدوح. أصغى حازم بانتباه، يداه متشابكتان فوق المكتب، وعندما أنهت حديثها قال بلهجة حاسمة:
– اطمئني يا ريم، سأجعل محامي الشركة يجلس معكِ ونقرر ما سنفعله.
هزّت رأسها بسرعة وقالت بقلق واضح:
– لكني لا أريد أن أرفع قضية على عمي، مهما حدث... في النهاية هو من ربّاني.
ابتسم حازم ابتسامة ودودة وقال:
– لن نصل إلى ذلك مباشرة، لكن علينا أن نفهم منه أولاً ونحدد خطواتنا. سأطلب الأستاذ عبدالرحمن الآن.
مدّ يده إلى هاتف المكتب واتصل بالمحامي، ثم التفت إلى ريم مطمئنًا:
– ثقي أن الأمور ستُحل بهدوء.
لم تمضِ دقائق حتى دخل الأستاذ عبدالرحمن، رجل وقور بملامح هادئة، صافح ريم وجلس. بدأ حازم بسرد القصة باختصار، ثم قال للمحامي:
– أريدك أن تساعد ريم لتعرف حقها دون أن نثير مشاكل كبيرة.
ابتسم عبدالرحمن بثقة وقال:
– الأمر بسيط. باختصار، سأجلس مع عمك وأطلب منه دفع المبلغ المستحق لكِ. وإذا رفض، سألوّح له باللجوء إلى المحكمة، لكني أعتقد أننا لن نصل إلى تلك المرحلة.
شعرت ريم بقليل من الراحة لأول مرة، وقالت بصوتٍ خافت:
– وكيف سنعرف المبلغ بالضبط؟
أجابها عبدالرحمن بثقة:
– دعي هذا لي. الحصول على كشف بحساب والدك من البنك أمر سهل، وسأتصرف فيه بنفسي.
ابتسمت ريم، لكن في داخلها ظل شعور القلق يضغط على قلبها من الخطوة القادمة، وكأنها تقترب من مواجهة لم تكن مستعدة لها بعد.
5-
جلس حمزة مع آسر في أحد المطاعم الهادئة، وقد بدا على وجهه مزيج من الترقب والقلق. التفت إلى آسر وقال بصوتٍ يحمل بريق أمل:
– آسر، جاءني رد من طبيب العيون الذي راسلته في ألمانيا... ووافق أن يجري العملية لديما.
ابتسم آسر بدهشة ممزوجة بالفرح:
– حقًا؟ هذا خبر رائع!
أردف حمزة بثبات:
– يجب أن تأتي معنا يا آسر، فهي تحتاج إلى دعمك أنت أيضًا.
تردد لحظة، ثم تنهد وقال بوجه متجهم:
– آسر... هناك شيء عليّ أن أعترف لك به. أنا...
أنا من صدم ديما بالسيارة.
تجمدت ملامح آسر وكأنه لم يفهم ما سمعه:
– ماذا تقول؟ أنت من فعل هذا بها؟! كيف تخفي عني وعنها أمرًا كهذا؟
خفض حمزة رأسه بخجل وألم:
– لم أقصد ذلك، كل ما حدث كان غصبًا عني، وكنت خائفًا أن تتركني، أن تبتعد عني ديما إذا عرفت الحقيقة. لم أكن أملك الشجاعة لأخبركم.
قال آسر بنبرة حادة:
– وهل تتخيل لو أنها رأتك بعد العملية وعرفت أنك السبب أنها ستبقى إلى جانبك؟ لقد بنيت كل شيء بينكما على كذبة، كذبة دنيئة سرقت حقها في أن تعرف من جرحها ومن خان ثقتها! كيف استطعت أن تتزوجها وأنت تحمل هذا الذنب؟!
رفع حمزة نظره بعزم وقال:
أعلم أنني أخطأت، وأعلم أن ما بنيته معها كان على كذبة، لكني أحبها يا آسر، ولم أقوَ على خسارتها. الآن لا يهم سوى أن تستعيد بصرها، وأنا مستعد لدفع أي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن أن أخرج من حياتها إلى الأبد.
ساد الصمت للحظة، وعينا آسر ما زالتا مشدودتين إليه، قبل أن يزفر ببطء، وكأنه يحاول تهدئة عاصفة في داخله. مد يده يربت على كتف حمزة قائلًا بنبرة أقل حدة:
– حبك لها صادق يا حمزة... ربما هذا ما يمنعني من كرهك الآن. سأسامحك، لكن لا أدري إن كانت ستفعل هي ذلك أم لا.
6-
داخل مكتب المحامي "عبد الرحمن"، كان الهدوء يسبق العاصفة. جلس ممدوح واضعاً قدماً فوق الأخرى، يحاول رسم ملامح الجبروت التي اعتاد عليها، بينما كان عبد الرحمن يقلب ملفاً أمامه ببرود مستفز. صمتَ عبد الرحمن لبرهة، ثم رفع نظره بحدة اخترقت قناع ممدوح وقال:
—أظن أننا أضعنا وقتاً كبيراً في المناورات يا سيد ممدوح. المبلغ الذي استوليت عليه من تركة شقيقك هو حق شرعي وقانوني لريم، والمماطلة لن تفيدك بشيء الآن.
رد ممدوح بحدة وهو يحاول النهوض مغادراً:
—أي تركة وأي حق؟ ريم أخذت ما تستحقه وزيادة، والأموال التي تتحدث عنها صُرفت على تربيتها وتعليمها.. اذهب وأعلى ما في خيلك اركبه.
لم يهتز عبد الرحمن، بل أخرج ورقة مختومة بختم "البنك المركزي" ووضعها على الطاولة ببطء، وقال بصوت منخفض لكنه قوي كالصخر:
—هذا كشف حساب تفصيلي بحساب شقيقك الراحل قبل وفاته بأيام، يوضح المبالغ التي حوّلتها لحسابك الشخصي بصفتك الواصي على ابنته على دفعات كثيرة . إذا رُفعت هذه الورقة للقضاء غداً، فلن تخسر الأموال فقط، بل ستقضي ما تبقى من عمرك خلف القضبان بتهمة تبديد الأمانة والتزوير.
شحب وجه ممدوح فجأة، واهتزت ثقته بنفسه وهو ينظر للورقة وكأنها وحش يوشك على ابتلاعه. حاول بلع ريقه بصعوبة، وتغيرت لهجته من الهجوم إلى الدفاع المذعور:
— "أنا.. أنا لم أقصد سرقتها، كنت أحفظها لها فقط , فقد كانت صغيرة!
قاطعه عبد الرحمن بقسوة، وأخرج ورقة ثانية كانت بمثابة الضربة القاضية:
—كفّ عن هذا الهراء.. لقد اكتشفتُ أيضاً أنك قمت ببيع شقة مطروح التي كان يملكها شقيقك لنفسك بعقد بيع صوري وبشكل غير قانوني تماماً. وبما أن الشقة تم التصرف فيها، فقد قمت بتقدير قيمتها السوقية الحالية بالسعر الرسمي.
انتفض ممدوح في مقعده وتلعثم:
—هذا.. هذا البيع كان قانونياً، لقد دفعت مبلغه بالكامل!
رد عبد الرحمن بضحكة جافة وهو يميل بجسده للأمام:
—دفعته لمن؟ لنفسك؟ العقد باطل بطلاناً مطلقاً. هذه جناية استيلاء واضحة وضوح الشمس. لن أطالبك بإعادة الشقة ، ولكن قيمتها بالكامل ستُضاف إلى حساب ريم لأنه حقها!
سقط القناع تماماً عن وجه ممدوح، وبدا عليه الانكسار الحقيقي. جلس بضعف وهو يمسح العرق عن جبينه، ثم قال بصوت مكسور:
—حسنًا.. سأضيف قيمة الشقة للحساب مع بقية المبالغ، لكن أرجوك اقبل بجدولتها، المبلغ ضخم ولا أستطيع توفيره دفعة واحدة.
أومأ عبد الرحمن برأسه ببرود وهو يفتح أوراقًا أمامه, كانت شيكات بنكية:
—هذا هو الكلام العاقل.. وقع هنا على إقرار المديونية بالمبلغ كاملاً متضمناً قيمة الشقة، وهنا على الشيكات. ولتعلم أن عيني ستظل على كل خطوة تخطوها حتى يعود لريم آخر قرش من حقها.
خرج ممدوح من المكتب يجر أذيال الخيبة والهزيمة، بينما رفع عبد الرحمن سماعة الهاتف ليتصل بحازم الذي كان ينتظره :
—مبروك يا حازم بيك.. ممدوح وقع على كل شيء وهو يرتجف، وحق ريم في مبالغ البنك وقيمة شقة مطروح عاد إليها رسمياً.
7-
وقف آسر وحمزة أمام غرفة العمليات، والقلق يكسو وجهيهما، وكل منهما يحاول أن يخفي ارتجاف يديه. كانت الساعة تمر ببطء شديد، حتى خرج الطبيب أخيرًا، مبتسمًا وهو يقول:
– الحمد لله، العملية نجحت، وخلال ساعة ستستفيق من التخدير، ثم نزيل الضمادات عن عينيها.
لم يتمالك حمزة نفسه، فسجد على الأرض يشكر الله بدموع الفرح، ثم نهض وهو يردد بصوت مبحوح:
– الحمد لله... الحمد لله.
نظر إلى آسر وابتسامته ترتجف:
– هذه اللحظة لا تخصني ، ادخل أنت يا آسر، كن معها حين تفتح عينيها.
هز آسر رأسه موافقًا، وربت على كتف حمزة تقديرًا لموقفه.
بعد ساعة تقريبًا، جاء الطبيب ليزيل الضمادات. كان آسر واقفًا بجوار سريرها، يمسك بيدها برفق ويقول:
– لا تقلقي يا ديما، كل شيء سيكون بخير.
كانت أنفاسها سريعة، وشفتيها تتحركان بالدعاء بصوت لا يكاد يُسمع. وحين نزع الطبيب آخر طبقة من الشاش، فتحت ديما عينيها ببطء، كمن يخشى مواجهة النور.
لمحت السقف أولًا، ثم تحركت عيناها بتردد نحو آسر. تجمدت لحظة، وعيناها تتسعان شيئًا فشيئًا، حتى انفجرت الدموع على وجنتيها، وهمست بصوت يرتجف كقلب طفل:
– آسر... أنا أرى! أنا أرى يا آسر!
ارتعش قلب آسر، وكأنه يسمع أجمل خبر في حياته. غلبته الدموع، فابتسم وهو يبكي، وانحنى ليضم يديها بكل ما في قلبه من حب وخوف وامتنان:
– الحمد لله يا ديما... الحمدلله ياحبيبتي.
لم تحتمل ديما شدة الانفعال، فمدّت يدها المرتجفة تتحسس وجهه، لتتأكد أنه حقيقي، وأنها لم تعد أسيرة الظلام. ضحكت من بين دموعها كطفلة ترى الدنيا لأول مرة، أما هو فشعر أنه ولد من جديد وهو يراها تبصر النور.
أخرج آسر هاتفه واتصل بسناء، وقلبه يخفق بالفرح, حيث كانت سناء تجلس على أعصابها، لا تقوى على الحركة، وبجانبها يحيى الذي أصرّ على البقاء معها. يحيى الذي كان يحترق شوقًا ليكون هناك، لكنه آثر أن يكون السند الذي تستند إليه سناء في لحظات ضعفها وانهيارها، خشية أن يصيبها مكروه من شدة التوتر.
بمجرد أن رن الهاتف، خطفه يحيى وفتحه بسرعة، ليسمع صوت آسر المتهدج:
—أمي... ديما فتحت عينيها! لقد نجحت العملية!
انفجرت سناء بالبكاء وخرّت ساجدة في مكانها تشكر الله، بينما تجمّد يحيى في مكانه، كانت عيناه تلمعان بدموعٍ حبسها طوال اليوم, لكنها الآن انهمرت بغزارة لتغسل كل ذرات القلق التي سكنت قلبه. تكلم بجدية حاول أن يتصنعها, لكن صوته خانه وهو يتمتم بنبرة متهدجة:
—الحمد لله يا آسر.. الحمد لله.
وبمجرد أن سمع صوتها الضعيف ينساب عبر الأثير، أغمض عينيه بقوة وكأنه يستحضر صورتها أمام وجهه، وقال بنبرةٍ مفعمة بالحب:
—مباركٌ يا نور عيني.. مباركٌ يا قلب أخيكِ. كنتُ أتوق لأن أكون بجانبكِ في تلك اللحظة، لقد أشرقت الدنيا من جديد يا ديما.. عودي إلينا سريعاً، فالبيت كان مظلماً موحشاً في غيابكِ.
تعالت ضحكات ديما وسط دموعها، وشعرت بحنان يحيى يطوق روحها رغم المسافات، وقالت بصوتٍ خافت يحمل كل الامتنان:
—سأفعل يا يحيى..
ما إن أغلق يحيى الهاتف، حتى انهار حصن ثباته المصطنع، فارتمى في أحضان سناء يشاركها الفرحة، وكأنه يفرغ في حجرها كل الرعب والتمزق الذي كبته في صدره طوال الساعات الماضية، لتختلط دموع فرحتهما بعودة النور إلى قلب العائلة.
بعد أن أنهت المكالمة، التفتت ديما إلى آسر وسألته:
– أين حمزة؟ لمَ لم يدخل؟
ابتسم آسر وقال:
– هو بالخارج... سأخرج لأناديه.
وقف حمزة عند باب الغرفة، قلبه يخفق بعنف، والفرح يختلط داخله بالخوف. وفي تلك اللحظة، قرر أن يواجه الحقيقة، مهما كانت النتيجة...
دخل بخطوات مترددة، وعيناه تمتلئان بالقلق. لحظة أن رآه آسر، تنحى جانبًا، بينما بقيت ديما مستلقية على سريرها، لم تدرك في البداية من القادم.
لكن حين اقترب حمزة، وقعت عيناها على ملامحه لأول مرة منذ شهور، وفجأة ارتجف قلبها وعاد بها الزمن إلى تلك اللحظة القاسية... إلى صورة وجهه المذعور يوم الحادثة، حين كان صوته المرتبك يصرخ:
— هل تسمعينني؟ هل أنتِ بخير؟
تسمرت عيناها عليه، ثم فتحت فمها بصدمة وقالت بصوت مرتعش كمن انكشفت أمامه الحقيقة:
-أنت... ماذا تفعل هنا؟! أنت من صدمَني بالسيارة!
تجمد حمزة في مكانه، حاول أن يرد، لكنه تلعثم، ثم قال بصوت مبحوح:
- أنا... أنا حمزة يا ديما.
صرخت بدهشة وغضب:
- كاذب! أنت آخر وجه رأيته قبل أن أغرق في الظلام لشهور! أنت مستحيل أن تكون حمزة!
تلألأت الدموع في عينيه، وصوته ارتجف وهو يقول بحرقة:
- أقسم لكِ يا ديما، لم يكن قصدي. أقسم بالله لم أتعمد أن أصدمك. لقد كان خطأ!
قاطعت استعطافه بعينين تلتهبان غضباً، عينيها اللتين أبصرتا النور لتوّهما لتجدا أمامها الشخص الذي سلبها إياه لشهور، وقالت بصوتٍ حاد:
— وهل عقدتَ قرانك عليّ فقط كي تضمن صمتي؟ هل فعلت كل هذا لتتأكد أنني لن أبلغ عنك إن عاد إليَّ بصري ورأيتُ وجهك؟ هل كان زواجك مني مجرد وسيلة للهروب من السجن؟"
تراجع حمزة خطوة إلى الوراء، كأن كلماتها صفعت قلبه، وقال بصوت يختنق:
- لا، والله لا! يا ديما، أحببتكِ بصدق. أنتِ كنتِ نور عينيّ، وحياتي كلها. وإن كنتِ تشكين في حبي لكِ، فهل شككتِ في حبكِ أنتِ لي؟
– كنتُ مخدوعة بك... لم أعلم أنك المجرم الذي سلبني بصري لأشهر! أخرج من هنا، لا أريد أن أرى وجهك ثانية. أرسل إليّ ورقة طلاقي على بيت أبي.
انهارت ديما على وسادتها، تغطي وجهها بيديها، ودموعها تتساقط بغزارة. في تلك اللحظة اندفع آسر إليها، احتضنها برفق وقال محاولًا تهدئتها:
-اهدئي يا ديما، أنا هنا، كل شيء سيكون بخير.
أما حمزة، فقد وقف للحظات كتمثال محطم، ثم انحنى برأسه وغادر الغرفة بخطوات بطيئة، وقلبه ينزف ألمًا لم يشعر به من قبل.
8-
كان يحيى يقف وحيداً في زاوية غرفته، ينظر من النافذة , لكن عقله كان غارقاً في تفاصيل تلك المواجهة الأخيرة التي جمعته بلميس. كانت كلماتُها لا تزال تتردد في أذنيه بصداها المسموم، وهي تعترف بوضاعة ما فعلت دون ذرة ندم.
تذكر وقفته أمامها بنبرته الخفيضة الباردة حين قال لها:
—كنتِ تظنين حقاً أن قلبي بضاعة تُشترى وتُباع في مزاداتكِ القذرة؟ أرسلتِ لي فتاة لتؤدي دور العاشقة فقط لتبعديني عن طريقكِ؟
لم يهتز للميس جفن، بل ردت ببجاحةٍ صلبة وهي تنظر في عينيه مباشرة:
—الأمر أبسط من ذلك يا يحيى.. كنتَ عقبة في طريقي، وكان لزاماً عليّ أن أجد وسيلة للخلاص منك. فرح لم تكن سوى أداة، تماماً كما كان الجميع.. أنا لا أسمح لأحد بأن يفسد خططي.
في تلك اللحظة، ابتسم يحيى ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيه اللتين ظلتا كقطعتي ثلج، وقال بلهجةٍ واثقة:
—المشكلة يا لميس أنكِ تظنين الجميع مثلكِ.. بلا روح. قذارتكِ لم تلوثني، بل ارتدت إليكِ؛ أنتِ لا تملكين أحداً، ولن تملكي أبداً سوى الفراغ الذي يسكن صدركِ.
ثم أدار ظهره لها بكل ترفع، وكأنها لم تكن موجودة أصلاً، تاركاً إياها تغلي خلفه.
أفاق يحيى من شروده بآهةٍ مكتومة، وأدرك أن الصمت لم يعد خياراً؛ فاستمرار وجود هذه المرأة في حياة أخيه يعني تسميم العائلة بأكملها. قبض بيده على حافة النافذة وقرر أن المواجهة الحقيقية يجب أن تبدأ الآن. خرج من غرفته متجهاً إلى غرفة آسر، ولم يكن في قلبه تردد؛ كان يحمل الحقيقة التي ستكون الرصاصة الأخيرة في نعش علاقة آسر ولميس، والسبب الذي سيمنح آسر القوة ليخطو خطوته الأخيرة نحو حريته الضائعة.
9-
كانت ريم تقف أمام مكتب الأستاذ حازم، مديرها، ممسكة بطرف حقيبتها بارتباك، وعيناها تتجنبان النظر المباشر إليه. لاحظ حازم ترددها فابتسم قائلًا:
– تفضلي يا ريم، أهناك ما تريدين قوله؟
جلست بهدوء وقالت بصوت متردد:
– في الحقيقة... أريد أن أطلب من حضرتك طلبًا.
رفع حازم حاجبيه باهتمام:
– طلب؟ وما هو؟
تنفست ريم بعمق، ثم قالت بخجل:
– كما تعلم، حصلت مؤخرًا على مبلغ بسيط من عمي، وأنا لا أريد أن أتركه بلا فائدة... خطر ببالي أن أسألك إن كان بإمكانك تشغيله أو استثماره معك.
تأملها حازم لثوانٍ، وقد بدت الجدية على وجهه، ثم قال بابتسامة:
– فكرة جيدة يا ريم. استثمار المال أفضل بكثير من تركه مجمدًا. دعيني أراجع الأمر وأرى أنسب طريقة لتشغيله.
صمت لحظة ثم قال مازحًا:
– يبدو أنكِ ستصبحين سيدة أعمال يا ريم.
ابتسمت ريم بخجل ولم تُجب، لكن ملامحها أظهرت مزيجًا من الحرج والفخر، وكأن الفكرة بدت لها بعيدة لكنها لأول مرة غير مستحيلة.
10-
كان الصمت في مكتب آسر ثقيلاً كالجبال، قبل أن يقطعه دخول لميس بخطواتها الواثقة وكبريائها الذي لا ينحني. وقفت أمامه وهي ترفع رأسها بتعالٍ قائلة:
إلى متى سيستمر هذا الجفاء يا آسر؟ لستُ ممن يُوضعون على الهامش بانتظار إشارة منك!
التفت إليها آسر ببطء، وكانت ملامحه جامدة كأنها نُحتت من صخر. نظر إليها ببرودٍ لم تعهده منه وقال بصوتٍ هادئ لكنه حاد:
لقد انتهى كل شيء يا لميس. الحقيقة أنني لم أحبكِ يوماً، ولم أشعر تجاهكِ بأي شيء سوى الفراغ. أنتِ لا تعرفين الحب، أنتِ مريضة بالتملك، تريدين اقتناء البشر كأنهم ممتلكات تزيد من بريقكِ الاجتماعي. لم تكوني يوماً شريكة، بل كنتِ قيداً حاولتُ طويلاً إقناع نفسي بالتعايش معه.
قبل أن تنطق بكلمة، نزع خاتم الخطبة من إصبعه بآليةٍ باردة وألقاه فوق المكتب ليرنَّ معدنه بقسوة، وتابع:
وهذا القيد قد كسرته الآن. وعرفتُ أيضاً حقيقتكِ القذرة وما فعلتِهِ مع يحيى واستئجاركِ لتلك الفتاة فرح!
لم تهتز لميس، ولم تلمع عيناها بدمعة واحدة، بل ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة مستفزة وقالت بمنتهى البرود:
وما المشكلة؟ كنتُ أشعر ببعض الملل، وأردتُ أن ألعب قليلاً.. لم أكن أظن أن الأمر سيأخذ كل هذا الحجم.
اشتعلت عينا آسر بالغضب، وصرخ فيها بصوتٍ هزَّ أركان الغرفة:
تلعبين؟ أنتِ إنسانة حقيرة ومجردة من أي ذرة أخلاق!
اشتعل وجه لميس بالغيظ لكنها حافظت على تماسكها، وقالت بنبرة تقطر سماً:
كل هذه الإهانة وهذا الغضب من أجلي؟ أم من أجل تلك البائعة التي سلبت عقلك؟
تقدم آسر نحوها بخطوةٍ واحدة، وقال بلهجةٍ حادة:
إياكِ أن يمر اسمها على لسانكِ! ريم أنقى من أن تذكريها. هي حب عمري وهي الوحيدة التي سأكمل حياتي معها، والوحيدة التي تليق بأن تحمل اسمي, ريم هي الحقيقة الصادقة التي جعلتني أدرك مدى زيفكِ الذي عشته طويلًا!
رفعت لميس رأسها بكبرياءٍ جريح، وقالت وهي تتجه نحو الباب:
اذهب إليها إذاً.. ففي النهاية أنت الخاسر، لأن امرأة بمكانتي وجمالي خسارةٌ في رجلٍ مثلك.
خرجت لميس وأغلقت الباب خلفها بقوة، ليدخل يحيى فوراً وكأنه كان ينتظر انتهاء هذه العاصفة. نظر يحيى إلى أخيه بقلق وقال:
"آسر.. لقد دخلتُ لأنني أريد التأكد من شيء واحد؛ هل اتخذت هذا القرار بسببي؟ أم هو قرارك؟
وضع آسر يده على كتف أخيه، وتنفس الصعداء وكأنه ألقى عن كاهله حملاً ثقيلاً، وقال بصدق:
اطمئن يا يحيى.. هذا القرار كنتُ سأتخذه منذ زمن طويل، فالعلاقة كانت ميتة بالفعل، لكن كل شيء بأوانه، وما فعلتْهُ معك لم يكن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير.
ساد صمتٌ مريح في أرجاء المكتب بعد تلك الكلمات، صمتٌ يختلف تماماً عن ذلك الثقل الذي كان يجثم على صدر آسر, نظر يحيى إلى أخيه بنظرة تقديرٍ صامتة، مدركاً أن آسر لم يستعد كرامته فحسب، بل استعاد نفسه التي ضاعت في دهاليز المجاملات والزيف.
أما آسرفتنفس بعمق وكأنه يطرد آخر بقايا هواء لميس المسموم من رئتيه، ثم اتجه نحو النافذة متطلعاً إلى الأفق بملامح بدأت تلين لأول مرة. لقد انزاح السحاب الداكن الذي كان يحجب الرؤية، وبات الطريق نحو ريم أخيراً خالياً من العوائق، فالحرب الكبرى مع الزيف قد انتهت، وما ينتظره الآن ليس سوى النور الذي طالما بحث عنه في ذكريات طفولته البعيدة.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاءالدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
