قراءة رواية الوجه الآخر من العالم كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل الخامس
تم النشر يوم الثلاثاء
7/4/2026
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل الخامس
تم النشر يوم الثلاثاء
أتاري الدنيا مبتديش وده اللي إتقال،،
Gawad. A. ABDWLHAY
هذا هو مسمى الصفحة الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي _الفيس بوك _لدى جواد.
تتصفحها يومياً سجى حتى حفظت منشوراتها وصوىه الخاصه بها عن ظهر قلب.
'عارف أنت لما تكون بتسمع أغنية عادية، وكلامها عادي، ولحنها عادي، وتيجي هي تبعتهالك!
فترجع تسمعها تاني وتلاقيها أروع أغنية اتعملت في التاريخ وتلاقيك بتقول من جواك ياراجل إيه الجمال دا؟! ..
ولمّا مثلاً تنزل صورتك ستوري وكل الناس تشوفها عادي لكن أول ما هي تشوفها ترجع تفتح الاستوري تاني وتتفرج عليها بعنيها وتحس أنك أجمل إنسان في هذا الكوكب ويا أرض اتهدِ ماعليكِ أدى والجو دا. ..
طب عارف أنت لما تكتب بوست عنها ويجيلك كمية لايكس وكومنتس والشير وأول ما هي تعمل لايك تشوف نفسك نجيب محفوظ.. عارف أنت أن كل شيء في الدنيا عادي لحد بس ما هي تلمسه فيتحول العالم كله لـ جنة، هي كده في عيني وفي قلبي من سنين، إزاي أكون طماع واحلم أنها في يوم تكون ملكي. ملكي أنا!'
هذا هو اكثر منشور تقف عنده سجى يومياً حتى حفظت كلماته وحركاته وسكونه بها.
ضمت هاتفها إلى صدرها وتطلعت إلى القمر رفيقها وتنهدت لينعكس صوره بعمق عيناها وكأن جمال المجرة كلها تجمع بمُقلتيها.
*قبل الحادث*
سيدة فى منتصف الثلاثينات، تهرول مذعورة ناحية باب منزلها حينما دلف رجل هيئته تبدو عليها الحيرة والخوف ولكن ثيابه تبدو من النوع باهظ الثمن على عكس السيدة هذه.
_هاه، لاقيتوه؟!
جلس الرجل حزيناً إلى الاريكه مردفاً
_مالوش أثر، بلغنا الاقسام ودورنا فالمستشفيات
دبت السيدة مذعورة على صدرها وقالت بنبرة صوت عاليه مزعجه
_يعنى ايييه؟ حسن راح فييين حسن فين ياناس
_وانا إيه اللى عرفنى؟ انا عملت اللى عليا
قالها الرجل فهبت به السيدة تتحدث إليه بنبرات يختلجها العصبيه
_اه طبعاً، ماهو ابن البطه السودا.. الست الغلبانه الشقيانه مرات اخوك اللى لسه دمه مبردش فتربته
وابنه ضاع وانت ماصدقت عشان ميورثش حاجه مش كدا
هنا، قام الرجل بزج جسدها قليلاً أبعدها عنه للوراء مردفاً
_ورث ايييه، ابنك مالوش ورث دى فلوسي انا ومالى وأنا حر فيه
أقتربت منه السيدة تكشف عن انيابها وهى تحدق بمقلتيه بشدة
_لكن لا متجوز ولا مخلف، يبقى فلوسك من حق ابنى وابنى لازم يرجع
يا إما والله هبلغ القسم واقول أنت اللى خطفته!
....
استيقظ جواد من غفوته عقب استخدامه لورق السوليفان الاحمر_ورق الماضى_وكان قبلها عقله يفكر ب أمر حسن صديقه.
جلس مشدوهاً، يفكر فيما رأى.
أيعقل؟! حسن ليس لاقيطاً ولا ابن غير شرعى، بل له أب وأم
هل فُقد منهم ام تم اختطافه؟ والاحرى من كل ذلك... هل سيخبر حسن عما رأى؟
بالطبع سيقول عنه ب أنه مجنون ومن المستحيل أن يصدقه.
هل يوجد احداً يصدق أن هناك اشياء تكشف الماضى والمستقبل عن طريق بعض الورق!
_ششش، ششششش
كان يحاول إسكات كل مايدور بعقله، قصه حسن ومفاجئته بها، قصة والده التى لم تكتمل
قصة الجثة التى رآها فى المستقبل لشخص رآه ويعرفه.
أحداث كثيرة وتطورات ظهرت بحياته من وقت ظهور إسماعيل وظهور هدية العيد ميلاد الغريبة هذه.
شيئاً ما داخله يدعوه ليتوقف جواد عن كل هذا ولايشغل باله به ثانية، وشيئاً آخر كشغفه المميت وسعيه دائماً وراء كل ماهو غير منطقى يجعله يثبت اقدامه بالأمر والمضى به.
...
_الحياة بتكمل بكل الناس يابنى ، ومن غيرهم.. مفيش مخلوق أيًا كان قُربه منك الحياة ممكن تقف عليه، اللي بيعيش على شوية ذكريات بينه وبين ناس كانوا في حياته ومبيقدرش يتخطاهم ما هو إلا إنسان ضعيف، لأن كل الناس ممكن تجاوزهم عادي .. أنا بقى بالنسبة مرحلة انى اتجاوز أبوك واتخطى وأعيش كانت صعبه عليّا جداً، لحد ماهو الله يباركله عمل فيّا المعروف دا وقدمهولى على طبق من دهب.
نهض جواد من أمام والدته بعدما أنتهى نقاشهم ككل مرة عن والده، هل يعقل سفره المبالغ فيه وتغيبه عن المنزل بسبب العمل هو من قطع حبل عشق زوجته فاطمه له؟
ام هناك اشياء أخرى؟
توجه جواد الى غرفته عازماً أن يصل الى حقيقه الامر اليوم، اوصد الباب وتوجه ناحية علبه ورق السوليفان
وامسك بورقه حمراء وقام بفركها فتعتمت المكان حوله دخاناً غريب الرائحه واللون كالعادة.
_أنا كنت عاوز الدهب بتاعك يافاطمه
تعجبت فاطمه من طلب زوجها منها، قامت بوضع صغيرتها بالفراش بعدما أتمت رضاعتها واقتربت من مجلسه
_عاوز دهبي ليه يا أحمد؟!
_معذور فقرشين، استلفتهم من واحد بقالى زمن وجه طالبنى بيهم
لم تنتظر فاطمه ان يُكمل كلماته حتى قامت بخلع مصوغاتها من يديها وصدرها واصابعها ووضعتهم بيديه بمنتهى الراحه والسلام النفسي مُتبسمه
_أنا ومالى تحت أمرك يا أحمد، ماعاش ولا كان اللى يذلك عشان فلوس.
صورة أخرى تبدلت، سواد يعم المكان ونساء كثيرة تقوم بتعزيه فاطمه
جواد فى سن الثامنه عشر، ونيللى طفله صغيرة ذات الثلاث اعوام.. وعينا فاطمه تورما بُكاءا على فقيدها زوجها الراحل.
حتى فوجئت ب أن هناك إحداهن تقوم بتعزيتها، منى إبنه عمها وابنه عم المرحوم.
_مُتشكرة يامنى، منجيش ليكِ فحاجه وحشه
تحدثت منى بصوت متهدج يتقطع من شدة الحزن
_متشكرة على ايه يافاطمه، انا مبعزيش ف ابن عمى.. انا جايه اقولك حبيبنا راح يافاطمه وعاوزاكى تشدى منى لأنى مش قادرة
إنتبهت فاطمه فاعتدلت فى وقفتها ورفرفت ب أهدابها عدة وأردفت
_إنتِ بتقولى إيه
_اللى سمعتيه، أحمد كان جوزى على سُنة الله ورسوله وابو بنتى
_ودا حصل أمتى وازاى، انطقى
رن هاتف جواد، ف أعاده مرة أخرى الى واقعه.. بينما هو كان يلهث كأنه آتياً من طريق طويل هرولا
متعجب، يقوم بخبط رأسه عدة مرات
ماذا؟! أباه كان متزوجاً بغير أمه؟! هل هذا هو سرك يا أمى؟ هل هذا هو سبب حزنك
ام هناك مفاجأه اكبر.
تباطئ فى نهوضه زائد شعوره بالصداع والدوار ككل مرة، اثقل خطوة قدميه ليصل إلى الهاتف فيجد المتصل حسن صديقه فيعزم الامر انه سيتصل به لاحقاً.
اغلق الاضاءه واستعد لنوم عميق كى يستخدم الورق الازرق فهو يريد فتح خزائن المفاجئات كلها دفعه واحده.
وفى اليوم التالى، استيقظ واول شئ صنعه بيومه
امسك احدى الوريقات الزرقاء وقام بفركها فسقط مغشى عليه كالمرة السابقه.
كان أحدهم.. شاب فى الخامسة عشر من عمره، يقوم ب إخراج سلاح أبيض ووضعه على رقبه أحد المدرسين زملاء جواد والجميع فى حالة ذعر!!
....
مرحبًا عزيزي الذى سيصبح عن قريب أحد المُختلين عقلياً، جواد
كيف حالك اليوم؟
أود أن أعتذر لك إن كان عالمك سيء وأيامك مملة واللعبة التى اقحمت نفسك بها قد تودى بك إلى الجنون، ، وأعتذر لأن جميع من حولك خذلوك وآذوك ولأنك محاط بالمغفلين الذين لا يعرفون قيمتك جيدًا ،انت الساعى الوحيد وراء عالم آخر أفضل.
قد أحمل إعتذار ايضاً لقلبك الذي يحمل الحزن و يتحمل الألم.
أنت جميل وأجمل من هذا الحزن صدقني
أبتسم من أجلي اليوم وقاتل بمعركتك حتى النهاية،،
سطر جواد تلك الكلمات بقائمه الملاحظات بهاتفه فى محطه المترو، كان يقف العديد على الارصفه حتى ولج القطار إلى المحطه وهدأت سرعته ليستقله الركاب ومن بينهم جواد عائداً إلى منزله،وقبل ان ينغلق الباب تصعد مُسرعه سجى!
"لا تفاول بالنهاية باكر نعيش ونشوف
إما زان الحظ ولا ربنا بيعيننا"
كان جواد يسير في الحياة كما يسير الغريب في مدينة لا يعرف شوارعها، يكتفي بأن يضع قدميه أمام الأخرى دون أن يسأل نفسه إلى أين ينتهي الطريق. لم يكن يرى في ذلك عيبًا، بل كان يظنه نوعًا من السلام الداخلي؛ أن تترك الغد للغد، وأن تؤمن بأن كل شيء سيأتي في وقته، دون استعجال أو قلق. لكن الحقيقة التي لم يكن يراها، أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه فوضى مؤجلة، دربكة تنتظر لحظة الانفجار.
طوال ما أنت تمشي دون وجهة واضحة، تظن أنك مرتاح لأنك لا تحمل هم القرار، ولا ثقل الاختيار، لكنك في الواقع تؤجل المواجهة فقط. تترك حياتك تتشكل بعوامل خارجك، وتُسلّم زمام أمرك للظروف، حتى تجد نفسك فجأة في نقطة لم تخترها، وسط أحداث لم تخطط لها، ومواقف أكبر منك. وحينها فقط، تدرك أن الهدوء الذي كنت تعيشه لم يكن إلا هدوء ما قبل العاصفة.
جواد كان يؤمن بذلك الأسلوب في الحياة. كان يقول لنفسه إنه شخص مسالم، لا يحب التعقيد، لا يميل إلى كثرة الأبواب المفتوحة ولا يحتمل المفاجآت. كان يرى أن البساطة هي النجاة، وأن ترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي هو الحكمة بعينها. لم يكن مستعجلًا، ولم يكن يشعر بأنه متأخر. كان يسير بهدوء، راضيًا بما هو عليه، مقتنعًا أنه يعرف نفسه جيدًا، ويعرف ما يريد، حتى لو لم يضع لذلك خريطة واضحة.
لكن لأول مرة، اهتز هذا اليقين.
بعد ما اكتشفه مؤخرًا، شعر وكأن الحياة لم تعد تمشي بجانبه، بل أصبحت تركض خلفه، تلاحقه، تضغط عليه، تدفعه دفعًا نحو قرارات لم يكن مستعدًا لها. أحس أن الزمن الذي كان يظنه واسعًا، بدأ يضيق فجأة، وأن المساحة التي كان يتحرك فيها بحرية، تحولت إلى ممر ضيق لا يسمح بالتردد.
كان يقف أحيانًا في غرفته، ينظر إلى السقف، وكأنه يبحث عن إجابة مكتوبة هناك. يسأل نفسه: هل كنت مخطئًا؟ هل الهدوء الذي عشته كان مجرد هروب؟ هل الرضا الذي تمسكت به كان في حقيقته استسلامًا؟ لم يكن يجد إجابة واضحة، فقط شعور متزايد بالضغط، وكأن هناك شيئًا ما يتشكل في الداخل، يطالب بالخروج، يرفض الصمت الذي طال.
كان قد وضع لنفسه قواعد، آمن بها بشدة. أن لا يرهق نفسه بالتفكير في كل شيء، أن لا يفتح أكثر من باب في وقت واحد، أن لا يركض خلف الفرص بشكل هستيري. كان يعتقد أن هذه القواعد تحميه، تحافظ على اتزانه، وتجنبه التشتت. لكن ما لم يدركه، أن الحياة لا تسير دائمًا وفق قواعدنا، وأن التمسك الصارم بما نؤمن به قد يتحول في لحظة إلى قيد يمنعنا من النجاة.
الانقلاب لم يكن تدريجيًا، بل جاء فجأة، كصفعة. موقف واحد، أو ربما سلسلة مواقف متلاحقة، جعلته يرى الصورة كاملة بشكل مختلف. وجد نفسه أمام اختيارات حقيقية، لا يمكن تأجيلها، ولا يمكن الهروب منها. وجد أن كل ما كان يؤجله، تراكم، حتى أصبح جبلًا فوق صدره.
في تلك اللحظة، شعر جواد بالعجز. ليس لأنه ضعيف، بل لأنه لم يعتد أن يكون في هذا الموقف. لم يتعلم كيف يقرر تحت الضغط، كيف يواجه المفاجآت، كيف يتعامل مع احتمالات متعددة في وقت واحد. كان دائمًا يختار الطريق الهادئ، الواضح، البسيط. أما الآن، فلم يعد هناك طريق واحد، بل طرق كثيرة، وكل طريق يحمل معه مخاطره وأسئلته.
جلس مع نفسه طويلًا. حاول أن يستعيد توازنه، أن يفهم ما يحدث. أدرك شيئًا مهمًا: أن السلام الذي كان يبحث عنه لا يأتي من الهروب من التعقيد، بل من القدرة على التعامل معه. وأن البساطة الحقيقية ليست في تقليل الخيارات، بل في وضوح الرؤية وسط كثرتها.
بدأ يسأل نفسه بطريقة مختلفة: ماذا أريد حقًا؟ ليس بشكل عام، بل بشكل محدد. ماذا أريد الآن، في هذه اللحظة؟ ما الذي يمكنني فعله، بدلًا من التفكير في كل ما لا أستطيع فعله؟ كانت أسئلة صعبة، لكنها كانت ضرورية.
لم يكن التحول سهلًا. في البداية، شعر بالتردد، بالخوف من اتخاذ قرار خاطئ. كان يخشى أن يخسر الهدوء الذي اعتاد عليه، حتى لو كان هذا الهدوء وهميًا. لكن مع الوقت، بدأ يلاحظ شيئًا غريبًا: أن المواجهة، رغم صعوبتها، تمنحه شعورًا بالقوة لم يعرفه من قبل.
اكتشف أن اتخاذ قرار، حتى لو كان ناقصًا أو غير مثالي، أفضل من البقاء في حالة انتظار. وأن الخطوة الصغيرة الواضحة، أقوى من الوقوف الطويل في مكان ضبابي. بدأ يفهم أن الحياة لا تحتاج إلى يقين كامل، بل إلى شجاعة كافية.
لم يتخلَّ عن طبيعته المسالمة، ولم يتحول إلى شخص متهور أو مندفع. لكنه تعلم أن السلام لا يعني السكون، وأن الهدوء لا يعني التوقف. أصبح أكثر وعيًا بحركته، أكثر انتباهًا لاختياراته. لم يعد يترك الغد للغد بشكل مطلق، بل بدأ يضع له ملامح، حتى لو كانت بسيطة.
وفي أحد الأيام، وهو يسير في نفس الطريق الذي اعتاد أن يمشي فيه بلا تفكير، توقف فجأة. نظر حوله، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. لم يكن كل شيء قد اتضح، ولم تكن كل مشاكله قد حُلت، لكنه شعر بشيء مختلف. شعور بأنه لم يعد تائهًا كما كان.
أدرك أن المشكلة لم تكن في أنه كان يسير ببطء، بل في أنه كان يسير دون اتجاه. وأن الفرق بين الاثنين كبير. البطء يمكن التحكم فيه، ويمكن تعويضه، أما التيه، فيستهلك العمر دون أن نشعر.
الآن، لم يعد جواد يخاف من الطريق، حتى لو كان مليئًا بالمفاجآت. لأنه فهم أن الخوف الحقيقي ليس في ما قد يحدث، بل في أن تعيش دون أن تكون جزءًا مما يحدث. وأن تترك حياتك تُدار دون أن تمسك أنت بمقودها.
وربما لم يصل بعد إلى وجهته النهائية، وربما لن يصل أبدًا بشكل كامل، لكن هذا لم يعد يقلقه. لأنه أخيرًا، بدأ يمشي وهو يعلم إلى أين يريد أن يذهب، حتى لو كانت الخطوات بطيئة، وحتى لو تعثر أحيانًا.
فالحياة، كما فهمها أخيرًا، ليست أن تترك كل شيء للغد، ولا أن تعيش تحت ضغط المستقبل، بل أن تمسك باللحظة، وتقرر فيها ما تستطيع، ثم تمضي. ليس بكمال، بل بوعي. ليس بخوف، بل بإرادة.
وهكذا، لم تعد الدربكة التي كانت تلوح في الأفق مخيفة كما كانت. لأنها لم تعد مجهولة بالكامل. أصبح يعرف أنه، مهما تعقدت الأمور، لديه الآن ما يكفي من الشجاعة ليواجهها، لا ليهرب منها. وهذا وحده، كان بداية التغيير الحقيقي في حياته.
إلى اللطيف الذي كان…
كنتُ أودّ أن أقول لك إنني لم أعد تلك التي كانت تحلم وتخطّط لنفسها بثقة وهدوء. تغيّرتُ على نحوٍ لم أتوقّعه يومًا، وكأنّ الطرق التي رسمتها لنفسي تفرّعت فجأة دون دليل، فتهتُ بينها. صرتُ أقوى في مواضع لا تحتاج إلى هذه القسوة، كأن أتماسك حين ينبغي أن ألين، وأتظاهر بالثبات حين يكون الانكسار أصدق. وفي المقابل، أضعف في أشياء كان ينبغي أن أواجهها بشجاعة، فأرتبك وأتراجع كأنني لم أتعلّم من الحياة شيئًا.
لم تعد مشاعري مستقرة كما كانت، بل باتت تهتزّ كغصنٍ في مهبّ الريح، تتأرجح بين الحنين والخذلان، بين الأمل والخوف. وعقلي، الذي كان يومًا ملاذي الآمن، صار ساحةً للفوضى، تضيع فيه الأفكار وتتزاحم دون أن تستقرّ على قرار. أحيانًا أشعر أنني أعيش داخل نسخةٍ غريبة من نفسي، لا أعرفها تمامًا ولا أستطيع إنكارها.
أتساءل كثيرًا: هل سأظلّ هكذا طويلًا؟ هل هذه مرحلة عابرة ستمرّ كما تمرّ العواصف، أم أنها تحوّلٌ عميق سيبقى فيّ ويعيد تشكيل ملامحي من جديد؟ أبحث عن إجابة، لكنني لا أجد سوى صمتٍ ثقيل يحيطني من كل جانب.
وأفكّر فيك… هل كان وجودك في حياتي هو ما يمنحني ذلك الاتزان؟ هل كنتَ أنت النقطة التي تدور حولها فوضاي فتصبح نظامًا، والخيط الخفي الذي يجمع شتاتي؟ ربما لم أدرك حينها قيمة ذلك التوازن، ولم أفهم أن بعض الأشخاص لا يغيّرون حياتنا فقط، بل يضبطون إيقاعها دون أن نشعر.
الآن، بعد أن صرتُ أواجه نفسي بكل هذا الاضطراب، أدرك أنني فقدت شيئًا أكبر من مجرد حضورك… فقدتُ ذلك الجزء مني الذي كان يزدهر بقربك. ومع ذلك، أحاول أن أتعلم كيف أستعيد توازني وحدي، كيف أعيد ترتيب قلبي وعقلي دون أن أعلّق ذلك على أحد.
فإن عدتُ يومًا إلى نفسي، سأكون أقوى حقًا… لا في غير موضع القوة، ولا أضعف في غير موضع الضعف، بل متزنة كما كنتُ أتمنى أن أكون.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية