تاريخ النشر: 19-04-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل التاسع والعشرون
تم النشر الأحد
19/4/2026
استيقظ يوسف والضيق يسيطر عليه، خرج إلى الصالة بخطوات ثقيلة وجلس على طرف الأريكة، يشبك أصابعه ببعضها ويحرك قدمه بتوتر وهو ينتظر خروج تامر. كانت عيناه غائرتين من قلة النوم، يراقبان الفراغ بتركيز مريب. اقتربت منه سميرة بخطوات حذرة، وضعت صينية الإفطار أمامه ونظرت إليه بحزن، ثم وضعت يدها على كتفه في محاولة لتهدئته.
سميرة بنبرة حانية وهي تحاول لفت انتباهه:
ـ يا يوسف حاول تاكل لقمة علشان تقدر تقف على رجلك، إنت مأكلتش كويس امبارح..
رفع يوسف نظره إليها ببطء، وابتسامة باهتة مريرة ترتسم على وجهه، ثم هز رأسه نفياً وهو يتنهد بعمق.
ـ ماليش نفس لأي حاجة يا سميرة.. أنا بس مستني تامر، عايز أحس إننا بدأنا ناخد خطوة حقيقية علشان جيهان، مش عايز أسيبها لليأس أكتر من كدة.
في تلك اللحظة، هبطت ندى من غرفتها، كانت تعدل حقيبتها وتنظر في ساعتها بتوتر، لكنها توقفت تماماً حين رأت حالة شقيقها. اقتربت منه وربتت على ظهره قائلة:
ـ صباح الخير يا يوسف.. أنا عندي شغل كتير ومهم النهاردة ولازم أمشي دلوقتي، بس أكيد هعدي على المستشفى وأقعد مع جيهان شوية وأطمن عليها، وبالليل لما أرجع هقولك حالتها وصلت لإيه.
نظر إليها يوسف بامتنان، ولمعت عيناه ببريق أمل بسيط.
ـ تسلمي يا ندى، كتر خيرك يا أختي.. خلي بالك منها وطمنيني عليكي وعلى جيهان.
بمجرد مغادرة ندى، ظهر عدنان ومعه تامر. كان عدنان يرتدي حلته الرسمية بكامل هيبته، وكأنه يستعد لمعركة. سحب كرسياً وجلس بوقار، بينما تامر كان يقلب في هاتفه بتركيز قبل أن يضعه جانباً وينظر ليوسف.
عدنان وهو ينظر ليوسف بنظرة حازمة ومشجعة:
ـ أنا هنزل الشركة مع تامر النهاردة يا يوسف.. مينفعش أسيبه في وسط الدوشة دي لوحده، لازم أسنده لحد ما شدتك تزول وترجع لنا بالسلامة.
هنا، ترك يوسف قطعة الخبز من يده، والتفت بجسده كاملاً تجاه تامر، ملامحه أصبحت حادة وعيناه تفيضان بالإصرار.
يوسف بصوت متهدج من الانفعال:
ـ تامر.. أنا عايزك النهاردة تنسى أي حاجة تانية وتركز في موضوع القدم الصناعية. دور لي على أحسن مكان في مصر، ولو مالقناش هنسفرها بره.. المهم جيهان ترجع تمشي تاني، ومستعد أدفع كل اللي ورايا واللي قدامي عشان ده يحصل.
توقف تامر عن الأكل تماماً، ونظر لشقيقه بتقدير، ثم أومأ برأسه بجدية شديدة تعكس شعوره بالمسؤولية.
ـ رقبتي ليك يا يوسف، متشلش هم أبداً.. أنا النهاردة هقلب الدنيا وهسأل دكاترة كبار وهجيب لك الخلاصة، وبالليل هكون عندك ومعايا كل التفاصيل والمواعيد كمان.
انتهى الحوار وعلامات الارتياح الطفيف ظهرت على وجه يوسف، بينما استعد عدنان وتامر للمغادرة وهما يحملان ثقل هذه المهمة.
انطلق تامر إلى الشركة وعقله لا يتوقف عن التفكير؛ فالمسؤولية التي ألقاها يوسف على عاتقه لم تكن سهلة. بمجرد أن جلس خلف مكتبه، فتح حاسوبه وبدأ يبحث بتركيز شديد عن أفضل الكيانات الطبية في مصر. ظل يدقق في التفاصيل، والمقارنات، والتقنيات المتاحة، حتى استقر على المركز العالمي للأطراف الصناعية كونه الوجهة الأمثل التي ستعيد لجيهان قدرتها على المشي بأحدث الأجهزة الألمانية. دون الأسماء والبيانات على هاتفه بعناية، وتنهد بارتياح وهو يقرر تأجيل إبلاغ يوسف للمساء حتى يرتب كافة المواعيد، ثم انصرف لمتابعة أعمال الشركة بهدوءٍ شديد.
أما في المستشفى، فقد وصلت ندى وهي تشعر بنظرات الموظفين والممرضات تلاحقها في الممرات؛ نظرات تحمل مزيجاً من الهمس والفضول. حاولت تجاهل الأمر وبدأت بمتابعة مهام عملها، لكن قلبها كان يحدثها بأن مكروهاً قد وقع. توجهت فوراً إلى غرفة جيهان، وما إن فتحت الباب حتى رأت جيهان تجلس بملامح يكسوها الغضب والضيق، بينما كانت كاميليا تقف بجانبها وعلامات الاستياء واضحة على وجهها.
ندى بقلق وهي تنظر لكاميليا:
ـ في إيه يا كاميليا؟ مالكم وشكم مفسر كدة ليه؟
كاميليا بحدة وغيظ:
ـ اسألي نور يا ندى.. دخلت هنا وعملت خناقة مع الدكتورة النفسية وقلبت الدنيا، لولا ستر ربنا كان الموضوع كبر أكتر من كدة.
تجمدت ندى في مكانها، وشعرت بموجة من الغضب تجتاحها بسبب تصرفات نور غير المسؤولة. جلست معهما لبعض الوقت محاولةً تهدئة الأجواء، لكن تفكيرها كان في الطبيبة التي أُهينت بسبب عائلتها. استأذنت وذهبت فوراً إلى مكتب الطبيبة النفسية، وحين دخلت كانت ملامحها تفيض بالخجل.
ندى بأسف شديد وخجل:
ـ أنا بجد مش عارفة أقولك إيه يا دكتورة منه.. أنا بعتذر لك جداً نيابة عن العيلة كلها، اللي حصل ده ميصحش أبداً، وحقك عليا أنا.
الطبيبة بهدوء رغم ألمها:
ـ حصل خير يا ندى، أنا مقدرة الظروف اللي الكل بيمر بيها، بس الطريقة كانت صعبة شوية.
قالت ندى بانفعال شديد:
ـ صدقيني أنا مش هعدي الموضوع ده، ولازم أبلغ يوسف بكل اللي حصل، نور لازم تعرف إن اللي عملته ده غلط كبير.
هنا، قاطعتها الطبيبة بسرعة، رافضةً أن يتطور الأمر أكثر من ذلك.
ـ لأ يا ندى، أرجوكي بلاش.. أنا مش عايزة أكون سبب في خناقة بين يوسف ومراته، كفاية المشاكل اللي هو فيها. اوعديني إن الكلام ده يفضل بيننا ومش هيوصل ليوسف.
ترددت ندى كثيراً، فبداخلها بركان يريد الانفجار في وجه نور، لكنها أمام إصرار الطبيبة ورغبتها في التسامح، لم تجد مفراً من الموافقة. غادرت المكتب وهي تعدها بأن السر سيبقى معها، لكن الغصة ظلت في حلقها.
أكملت ندى يومها في المستشفى وهي تشعر بضغطٍ نفسي هائل، فالحرج كان يلاحقها في كل ممر تدخل إليه، ونظرات زملائها من الأطباء والممرضات كانت كالسياط التي تلهب وجهها، وكأن الجميع يحمّلها مسؤولية ما فعلته نور. كانت تشعر برغبة عارمة في الانفـ.ـجار، وقررت ألا يمر هذا اليوم دون أن تضع حداً لنور وتعاتبها بقسوة على إحراجها للعائلة أمام الغرباء.
اتجهت ندى بخطوات سريعة وغاضبة نحو مكتب نور، وهي ترتب في عقلها كلمات العتاب اللاذعة، لكنها حين وصلت، استوقفها أحد الأطباء قائلاً:
ـ بتدوري على دكتورة نور يا ندى؟ دي لسه واخدة إجازة وماشية من شوية، قالت إن عندها ظروف ومشيت من المستشفى.
وقفت ندى في مكانها والذهول يسيطر عليها، زفرت بضيق وهي تحدث نفسها:
ندى بهمس وغيظ:
ـ ماشي يا نور.. بتهربي؟ بس هتروحي فين، لازم تعرفي إن اللي عملتيه ده مش هيعدي بالساهل.
كانت ندى في حالة من التشتت، تشعر برغبة قوية في الحديث مع شخص يشاركها هذا الثقل. فكرت في الاتصال بـ تامر، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة وهي تهز رأسها رفضاً
ندى في سرها وهي تسير في ممر المستشفى:
ـ لأ.. تامر لو عرف مش هيهدى، ده ممكن يروح ليوسف ويقوله كل حاجة، وساعتها البيت هيو.لع فيه نار ويوسف مش ناقص هم فوق همه، لازم أتصرف بحكمة.
وفي غمرة انشغالها بتفكيرها، اهتز هاتفها باتصال من فارس، وكأن قلبه قد شعر بضيقها في تلك اللحظة.
فارس بصوت هادئ ومطمئن:
ـ أيوة يا ندى.. إنتي كويسة؟ صوتك مش عاجبني خالص، فيه حاجة حصلت؟
ندى بمحاولة فاشلة لإخفاء توترها:
ـ أهلاً يا فارس.. أنا.. أنا بس مضغوطة شوية من الشغل، واليوم كان غريب أوي في المستشفى.
فارس بحزم محب:
ـ لا يا ندى، أنا عارف صوتك كويس. اسمعي، أنا مستنيكي دلوقتي في الكافيه اللي قدام المستشفى فوراً، تعالي يا ندى ومستنيكي متتأخريش.
بدلت ندى ملابسها وخرجت من المستشفى بخطوات مضطربة، كان التوتر يظهر في طريقة إمساكها بحقيبتها وضغطها على أصابعها. ما إن دخلت الكافيه ورأت فارس، حتى شعرت بغصة في حلقها، اقتربت منه بينما وقف هو يرحب بها بلهفة وشد لها الكرسي لتجلس، ثم طلب لها عصيراً ليهدئ من روعها.
جلست ندى أمامه، وكانت تتجنب النظر في عينيه مباشرة، فعيناها كانت تلمع بدموع مكتومة من شدة الإحراج والضغط. ظل فارس صامتاً، يراقب حركتها المتوترة وهي تعبث بوشاحها، وانتظر حتى وضع النادل المشروبات وانصرف، ليعم الهدوء المكان.
مال فارس بجسده نحوها، ونظر في عينيها بتركيز وقلق:
ًـ ها يا ندى.. أحكي لي بقى، إيه اللي حصل وخلى حالك مقلوب كدة؟ نظراتك بتقول إن فيه مصيبة حصلت في المستشفى.
تنهدت ندى بعمق، وكأنها كانت تنتظر هذه الكلمة لتنفجر، بدأت تحكي له عما فعلته نور، وكيف اهتزت صورتها وصورة عائلتها أمام الجميع. كانت تتحدث بسرعة وبانفعال، ويداها ترتجفان وهي تصف موقفها مع الطبيبة النفسية.
ندى بصوت متهدج وعيون يملؤها الألم:
ـ كنت هموت من كسفتي يا فارس.. الدكتورة خلتني أوعدها وأقسم لها إني مقولش ليوسف حاجة، حطتني في موقف صعب أوي.. خايفة على بيت أخويا يتهد، وفي نفس الوقت مش قادرة أشوف الغلط وأسكت!
أمسك فارس كوب قهوته، وظل ينظر إليها بهدوء يحاول أن ينقله لها، ثم وضع الكوب ببطء وقال بصوت رزين:
ـ بصي يا ندى.. اهدي خالص
قالها وهو يضع يده على الطاولة قريباً منها ليشعرها بالأمان
.. أنا شايف إنك لازم تلتزمي بوعدك للدكتورة. يوسف دلوقتي أعصابه في التلاجة، ولو عرف اللي حصل البيت هيو.لع فيه نار، وإحنا مش عايزين صراع زيادة بينه وبين نور في الظروف دي.
صمتت ندى قليلاً، وبدأت ملامحها تلين تدريجياً تحت تأثير كلمات فارس المطمئنة، فتابع هو حديثه وهو يبتسم لها ابتسامة خفيفة ليخفف عنها:
ـ بس ده ميمنعش إنك تحذريه.. يعني بالراحة كدة ومن بعيد لبعيد، نبهيه إن نور محتاجة تهدا شوية علشان خاطر جيهان، من غير ما تخشي في تفاصيل الخناقة.
ارتشفت ندى من عصيرها، وشعرت وكأن جبلاً قد انزاح عن صدرها، نظرت لفارس بامتنان وظهرت ابتسامة خفيفة على وجهها لأول مرة منذ الصباح. ودعته وهي تشعر أنها استعادت توازنها، وقررت العودة للمستشفى لإنهاء عملها، وهي تضمر في نفسها أن تتحدث مع يوسف في المساء بمنتهى الحذر.
❈-❈-❈
أنهت ندى ما تبقى من عملها بذهنٍ شارد، وفي المساء اتجهت بخطوات مترددة نحو غرفة جيهان. كانت تضع يدها على قلبها، وتتجنب التقاء الأعين مع أي ممرضة تصادفها، فصورة ما فعلته نور لا تزال تطاردها. فتحت الباب ببطء، لتفاجأ بوجود والدها عدنان وشقيقها تامر هناك؛ تجمدت ندى في مكانها لثوانٍ، وشحب لونها وهي تترقب ملامحهما، خوفاً من أن تكون كاميليا قد باحت بالسر وأخبرتهما بما جرى.
ندى بنبرة مرتبكة وعينين تزيغان بين الوجوه:
ـ مساء الخير.. إيه ده، بابا وتامر هنا؟ منورين.
تامر بابتسامة هادئة وهو ينهض:
ـ بنورك يا ندى، إحنا قولنا نيجي نطمن على جيهان ونقولها على الترتيبات الجديدة.
تنفست ندى الصعداء حين وجدت نبرة تامر طبيعية، وأدركت أن كاميليا لم تتحدث. التفت تامر نحو جيهان وقال لها بلهجة مشجعة:
ـ جهزي نفسك يا جيهان، أنا بكرة هخلص كل إجراءات الخروج، وهعدي عليكي الصبح عشان أروحكم البيت بإذن الله.
هنا، ساد الصمت للحظة، قبل أن يتحدث عدنان بوقاره المعهود ونبرة جادة لا تقبل الجدل، وهو ينظر في عيني جيهان مباشرة:
ـ بس أنا عندي رأي تاني يا بنتي.. إنتي لازم تيجي تقعدي معانا في البيت الكبير يا جيهان. إنتي في ظروف محتاجة فيها إن الكل يكون حواليكي وبخدمتك، ومش هينفع تقعدي لوحدك في شقتك دلوقتي.
تغيرت ملامح جيهان فوراً، وظهر الإصرار في عينيها رغم انكسار جسدها. هزت رأسها بالرفض القاطع وهي تضغط على غطائها بيدها المرتجفة.
جيهان بصوت حزين لكنه حازم:
ـ متشكرة جداً يا عمي، كتر خيرك.. بس أنا مكاني في بيتي، مش هقدر أروح في حتة تانية، أنا محتاجة أتعود على حياتي الجديدة في المكان اللي يخصني.
حاول عدنان إقناعها مرة أخرى بنظراته، لكنه حين وجد صدوداً في عينيها، آثر الصمت احتراماً لرغبتها. نهض الجميع استعداداً للمغادرة، وودعوها بكلمات طيبة، بينما بقيت جيهان وحيدة مع أفكارها التي بدأت تتسارع.
نظرت جيهان إلى النافذة، وغرقت في دوامة من التساؤلات المريرة؛ كيف ستواجه جدران بيتها وهي بنصف جسد؟ كيف ستكون نظرات يوسف لها حين يراها عاجزة عن الحركة؟ وكيف ستستطيع مواجهة حياتها القادمة التي تبدو في عينيها الآن كطريق طويل مظلم لا نهاية له.
كان يوسف يجلس في الصالة، وعيناه معلقتان بعقارب الساعة التي بدت وكأنها توقفت عن الدوران. كان يفرك كفيه بتوتر، وقلبه يخفق مع كل حركة خارج المنزل، منتظراً على أحر من الجمر عودة تامر ليقطع هذا الشك باليقين ويخبره عما وصل إليه في رحلة البحث.
فجأة، كسر صمت المكان صوت محرك السيارة وهو يتوقف أمام الباب. تنفس يوسف الصعداء، بينما تحركت سميرة بخفة ونشاط نحو المطبخ وهي تقول:
ـ حمد الله على سلامتهم، هروح أرص الأكل على السفرة فوراً علشان يلحقوا ياكلوا لقمة سخنة على ما يغيروا هدومهم وينزلوا.
دخل تامر وندى وبرفقتهما والدهما عدنان. وما إن وطأت قدم تامر المنزل، حتى ركض الصغار نحوه بضحكات ملأت الأرجاء، وارتموا في أحضانه. انحنى تامر وحملهم بحب ظاهر، وهو يوزع قُبلاته عليهم، بينما وقفت ندى تتابع المشهد وهي تضع يدها في خصرها مدعية الغضب والغيرة.
ندى بضحكة مداعبة:
ـ ماشي يا ولاد.. هو تامر بس اللي وحشكم؟ يعني أنا ماليش نصيب في الحضن ده ولا إيه؟ هو الحب كله رايح لعمكم بس!
ضحك الصغار وتوجهوا نحو عمتهم ندى وضموها بقوة، مما رسم ابتسامة باهتة على وجه يوسف رغم همومه. وأثناء صعود الجميع لتبديل ملابسهم، مر تامر بجانب يوسف وربت على كتفه بقوة، ونظر في عينيه نظرة طمأنة.
قال تامر بنبرة هادئة وواثقة:
ـ جهز نفسك يا يوسف.. أنا وصلت لكل اللي إنت عايزه وأكتر، بس ناكل لقمة الأول ونقعد برواق، وهحكي لك كل حاجة بالتفصيل.
أومأ يوسف برأسه بصمت، لكن بريقاً من الأمل بدأ يشتعل في عينيه، وجلس ينتظر نزولهم بتركيز شديد، وكأن حياته كلها تتوقف على الكلمات التي سيلقيها تامر بعد قليل.
بعد فترة وجيزة، اجتمعت العائلة حول مائدة الغداء، وساد صمتٌ تقطعه فقط أصوات الأواني. كانت أعين يوسف تراقب حركات تامر بترقبٍ شديد، فلم يلمس طعامه إلا قليلاً، وكأن لقمته تقف في حلقه انتظاراً للخبر اليقين. بمجرد أن انتهوا، انتقل الرجال إلى الصالة، وجلس عدنان بوقاره المعهود يتابع الموقف، بينما كان يوسف يجلس على طرف الأريكة، وجسده كله يتجه نحو تامر.
أخرج تامر هاتفه وبدأ يستعرض المعلومات التي دونها بتركيز، ونظر لشقيقه يوسف نظرةً تملؤها الثقة.
تامر وهو يشير بيده بحماس:
ـ بص يا يوسف.. أنا قلبت الدنيا النهاردة، وسألت دكاترة ومختصين، وكل الطرق دلتني على مكان واحد هو التوب في مصر المركز العالمي للأطراف الصناعية.
لمعت عينا يوسف، واعتدل في جلسته وهو يسأل بلهفة:
ـ يعني ده أحسن مكان يا تامر؟ هيقدروا يرجعوا جيهان تمشي بجد؟
تامر بثقة وطمأنة:
ـ يا يوسف المكان ده شغال بأحدث تكنولوجيا ألمانية موجودة في العالم، بيتعاملوا مع شركة "أوتوبوك" العالمية. عندهم أطراف ذكية فيها معالجات إلكترونية بتخلي الحركة طبيعية جداً، ولا كأن فيه إصابة أصلاً.
تدخل عدنان في الحوار بصوته الرزين، وهو ينظر لابنه يوسف:
عدنان:
ـ تامر معاه حق يا بني، المركز ده سمعته سابقة، وأنا سألت ناس في الشركة وشكروا فيه جداً. المهم دلوقتي نتوكل على الله ونبدأ في الإجراءات.
ساد الصمت للحظة، ويوسف يستوعب الكلمات، وبدأ صدره يرتفع وينخفض بتنفسٍ مريح لأول مرة منذ أيام.
يوسف بنبرة متهدجة من الأمل:
ـ ومستنيين إيه؟ المهم جيهان ترجع تقف على رجلها من تاني، مش مهم الفلوس ولا مهم أي حاجة في الدنيا غير إنها متكسرش.. قولي يا تامر، هنبدأ إمتى؟
أجابه تامر بجدية:
ـ أنا خدت ميعاد مبدئي للمقابلة وفحص الحالة، وبكرة الصبح بعد ما أخرجها من المستشفى وأوصلها البيت، هكلمهم أكد الميعاد عشان نبدأ في إجراءات القياسات والعملية لو احتاجت.
بعد أن انتهى تامر من عرض كافة التفاصيل، ساد جو من الارتياح الممزوج بالترقب. ظلوا لبعض الوقت يرتبون الخطوات القادمة؛ من سيرافق جيهان، وكيف سيتم تنسيق المواعيد مع المركز. كانت ندى تجلس في زاوية الأريكة، تراقب شقيقها يوسف بعينين قلقة، وتتحين تلك اللحظة التي يفرغ فيها المكان لتنفرد به كما خططت.
بمجرد أن استأذن والدهم عدنان وصعد لغرفته، وتبعه تامر وهو يغلق هاتفه بعد يوم شاق، همَّ يوسف بالوقوف هو الآخر، وعلامات الإرهاق تكسو وجهه. في تلك اللحظة، قطعت ندى الصمت بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة حازمة جعلت يوسف يتوقف في مكانه.
ندى وهي تنظر إليه بجدية شديدة:
ـ يوسف.. استنى ثانية، كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم، ومش عايزة حد يسمعنا.
توقف يوسف، ونظر إلى ملامح أخته المستنفرة، فشعر أن هناك أمراً لا يقل أهمية عما دار قبل قليل. عاد لجلسته ببطء، وسند ظهره للخلف وهو يزفر نفساً طويلاً.
يوسف بتوجس وهو يقطب حاجبيه:
ـ خير يا ندى؟ وشك ميطمنش.. حصل حاجة تانية أنا معرفهاش؟ جيهان فيها حاجة؟
اقتربت ندى منه قليلاً وخفضت صوتها، بينما كانت تشبك أصابعها بتوتر:
ـ لأ، جيهان كويسة.. بس الموضوع بخصوص نور.
تغيرت تعبيرات يوسف فور سماع الاسم، وظهرت على وجهه علامات الضيق والنفور، فمالت ندى نحوه أكثر وأكملت بلهجة تحذيرية:
ـ يوسف، أنا مش عايزة أتدخل بينك وبين مراتك، بس لازم أقولك إن نور محتاجة تفرمل شوية. طريقتها وتصرفاتها الفترة دي مش في مصلحة حد، وبالذات جيهان. حاول تسيطر على الأمور وتخليها تهدا، لأننا مش حمل مشاكل زيادة تكـ.سر اللي بنحاول نبنيه.
ظل يوسف صامتاً، لكن عروق جبهته برزت قليلاً، وراح يضغط على قبضة الكرسي بقوة وهو يستمع لندى التي كانت تختار كلماتها بعناية فائقة كي لا تكسر وعدها للطبيبة، وفي نفس الوقت تنقل له خطورة الموقف.
يوسف بصوت منخفض حاد وعينين تشتعلان غضباً مكتوماً:
ـ هي عملت إيه تاني يا ندى؟ انطقي.. نور عملت إيه في المستشفى خلتك تتكلمي معايا بالمنظر ده؟
ندى ارتبكت قليلاً وحاولت الثبات وهي تتذكر نصيحة فارس:
ـ مواقف كتير يا يوسف.. نظراتها، كلامها مع الناس هناك، حتى تدخُلها في اللي مالهاش فيه. أنا بس بحذرك عشان تاخد بالك منها وتلجمها، لأن جيهان لو حست بأي حاجة من ناحيتها، كل اللي تامر عمله ده مش هيفرق معاها في حاجه.
زفر يوسف بغضب، ونهض من مكانه فجأة وهو يمسح وجهه بيده، وكأنه يحاول استيعاب كم الضغوط التي تنهمر فوق رأسه من كل جانب.
ـ ماشي يا ندى.. وصلت الرسالة. أنا أصلاً كنت ناوي أصفي الحسابات دي كلها، بس كنت مستني جيهان ترجع البيت. كتر خيرك إنك نبهتيني.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

💞💞💞💞
البارت قصير جدا جدا
انا لسة عند. رئى أن جهان مترجعش ليوسف كفاية اهنات لنفسها