تم النشر في: 13 أبريل 2026
قراءة رواية دماء ذهبية كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: دماء ذهبية
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: سمر إبراهيم
الفصل: الأول
تم النشر يوم الإثنين
13/4/2026
بيت العيلة
منزل متواضع بإحدى قرى محافظة الغربية، مكون من أربعة طوابق لنفس العائلة، فهو كغيره من منازل الريف فيما يعرف بـ "بيت العائلة"
الأب "عبد الله " والأم "وفاء" يقطنون في الطابق الأرضي، وأبنائهم الذكور الثلاثة يقطنون في الأدوار العليا مع زوجاتهم، وأبنائهم، فيما عدا ابنهم الأوسط "قَدرِي" الذي يسكن هو وزوجته "هالة" في الطابق الثالث، ولم يرزقهم الله بالأطفال بعد، رغم مرور ما يقارب الخمس سنوات على زواجهم.
في الطابق الثاني يقطن الابن الأكبر حسين، هو وزوجته حنان، وأبناؤهما الثلاثة، عبد الله، وفاء، وعلي، فكما هي عادة الريف يجب على الابن الأكبر تسمية أبنائه على اسم والديه.
أما في الطابق الرابع فيوجد أصغر الأبناء، صلاح، وزوجته عايدة، وطفليهما التوأم سلمى، وسليم.
❈-❈-❈
تململت في نومها، تشعر بنعاس شديد، لا تقوى على تحريك جسدها من كثرة الإرهاق، ولكنها مضطرة أن تستيقظ الآن؛ حتى لا يصيبها بطش والدة زوجها، تفرك عيناها عدة مرات حتى تستطيع فتحهما، نظرت في الساعة المعلقة على الحائط أمامها، فوجدت أنها قاربت على السادسة صباحًا، فزفرت بتعب، ونهضت وهي تنظر إلى ذلك النائم بجوارها بسخط وتمتمت وهي تلوي فمها:
- أهو ده اللي انت فالح فيه، استعنا على الشقى بالله.
قالت جملتها الأخيرة وهي تزفر بضيق وغادرت الفراش متجهة نحو المرحاض؟ لكي تغتسل، وتهبط لشقة حماتها حتى تبدأ روتينها اليومي، أو بالأحرى عذابها الذي لا ينتهي.
هبطت على السلم وقابلت سلفتيها اللتين كانتا في طريقهما إلى الطابق الأرضي أيضًا، فألقت عليهما التحية، وهي تحاول رسم ابتسامة على وجهها، ولكنها فشلت في ذلك فخرجت ابتسامتها باهتة بلا روح:
- صباح الخير يا بنات.
عقبت حنان بابتسامة ودودة:
- صباح الفل يا لولو عاملة إيه النهاردة.
أومأت لها وهي تجيبها بعد أن تنهدت بتعب:
- بخير الحمد لله، يلا ننزل بدل ما نسمعلنا كلمتين مالهومش لازمة عالصبح.
حركا رأسيهما بموافقة على حديثها، وهبطن سويًا حيث شقة والدي أزواجهن، وفور دخولهن الشقة وجدن حماتهن تجلس أرضًا، تنظر إليهن بتحفز ليعودن بظهورهن إلى الخلف بخوف ولكنهن حاولن تمالك أعصابهن وألقين عليها التحية في صوت واحد:
- صباح الخير يا ماما.
وكعادتها قابلتهن بوجه عابس، وأملت عليهن مهامهن اليومية دون حتى أن ترد عليهن التحية:
- يلا يختي انتي وهي، ناموسيتكم كحلي ولا إيه؟ الشمس طلعت وانتوا لسة نايمين يلا هموا ورانا شغل كتير.
ثم أشارت إلى هالة موجهة إليها الحديث وهي تلوي شفتيها بعدم رضا:
- وانتي يا غندورة اعملي حسابك هنروح النهاردة بعد المغرب لشيخة جديدة في بلد جنبنا الناس بيشكروا فيها أوي، لعل وعسى الشفا يجي على إديها، واشوف لكم حتة عيل.
أنهت حديثها وهي تلوح بسبابتها أنام وجهها مردفه بلهجة تحذيرية:
- بس يكون في علمك دي آخر فرصة ليكي عندي، ولو الشهر دَهُوَّت عدا هو كمان من غير ما يحصل المراد، وبطنك تشيل، أني هشوف عروسة لابني، كفاية مستحملينك السنين دي كلها، اللي زيك عيالهم ماشيين في إديهم، واديكي شايفة بعينك أهه سلفتك اللي متجوزة بعدك بسنتين معاها بدل العيل اتنين، وجايباهم تومي كمان، أني خلاص جبت آخري معاكي، ودي آخر فرصة ليكي عندي ومحدش يلومني بعدها.
طالعتها بعينين اغرورقت بالدموع، ولم تدري ماذا تقول لتلك السيدة المتجبرة، التي لطالما أسمعتها كلماتها السامة لشيء ليس لها يد فيه، فلقد ذهبت لأكثر من طبيب، وجميعهم قالوا أنها ليس بها أي عيب يمنع الإنجاب، وطلبوا من زوجها عمل بعض الفحوصات، والتحاليل الطبية؛ للتأكد من سلامته هو الآخر، ولكنه رفض هو ووالدته عمل ذلك بحجة أنه سليم، ولا يمكن أن يكون العيب منه، ومن المؤكد أنها هي السبب لا محالة.
بعد فشل مساعيهم لدى الأطباء بدأت حماتها إرغامها على فعل بعض الوصفات البدائية التي لا تدل إلا عن جهل محض بحجة أنها من المؤكد مكبوسة كما يطلقون عليها في اللغة الدارجة، وعندما فشلت تلك الوصفات هي الأخرى بدأت تأخذها إلى المشعوذين، والسحرة، بحجة أنه من الممكن أن قام أحدهم بعمل سحر لها ليمنعها عن الإنجاب.
("الكابسة" هو مصطلح يطلقونه على من تتأخر في الإنجاب بلا سبب، يقومون بفعل أشياء لا تمت للمنطق بصلة وبعضها تكون أفعال في غاية التقزز، حتى تنفك الكابسة كما يقولون، كل هذا حتى تستطيع المرأة أن تحمل، وهي عادات منتشرة بكثرة خاصة في الريف والصعيد)
تحدثت هالة بصوت مختنق بالبكاء تحاول منع دموعها من النزول قدر استطاعتها:
- طب وأنا ذنبي إيه بس يا ماما؟ أنا مخلتش دكتور مروحتلوش وكلهم قالوا إني كويسة ومعنديش عيب، حتى الدجالين مسيبتيش واحد الناس قالتلك عليه إلا وخدتيني ليه، حتى الوصفات البلدي عملتها، أعمل إيه أكتر من كدا.
لم تتأثر وفاء قيد أنملة بحالة زوجة ابنها وحدثتها بطريقتها الجافة المعتادة وهي تلوي شفتيها، وأشاحت بيدها بلامبالاة:
- ولا يلزمني الكلام ده كله أني قولتلك اللي عندي، وخلص الكلام، ويلا غوري شوفي وراكي إيه اعمليه.
ذهبت من أمامها مطأطأة الرأس، بقلبٍ مكسور، وروح خاوية، لا تدري ماذا تفعل أكثر مما فعلته، زفرة حارقة خرجت منها وهي تتذكر مأساتها مع حماتها منذ أن تأخر حملها بضعة أشهر فقط بعد الزواج، بدايةً من إرغامها على عمل تلك الوصفات الغريبة، حتى انتهى بها الأمر إلى إجبارها على الذهاب إلى المشعوذين والسحرة.
اقشعر بدنها عندما تذكرت كيف بدأ كل شيء منذ ثلاثة سنوات، عندما يئسوا من الذهاب إلى الأطباء، وقررت حماتها معالجتها بطريقتها الخاصة.
كانت البداية مع تلك اللوفة الغريبة التي أعطتها لها لكي تستحم بها وكانت هذه هي بداية اللعنة.
لا يمكنها نسيان ذلك اليوم الذي أتتها فيه بوجه متجهم، ممسكة في يدها شيئًا ما ملفوف في حقيبة بلاستيكية سوداء، وحدثتها ببرود وهي تعطيها هذه الحقيبة:
- خدي الليفة دي تستحمي بيها في طيشت مش في الحمام كل يوم جمعة قبل الصلاة لمدة ٣ جُمَع وأوعي تفوتي ولا جمعة ومية الحموم إرميها في الشارع مش في الحمام.
فتحت الحقيبة وأخرجت منها لوفة خاصة بالاستحمام، أمسكت بها وهي عاقدة حاجبيها، وأخذت تقلبها يمينًا، ويسارًا، متعجبة من ذلك الطلب الغريب وتحدثت بكثير من الدهشة:
- بتاعة إيه الليفة دي يا ماما؟ وليه أعمل كدا؟
عقبت بلامبالاة وكأن ما ستقوله شيء أقل من العادي:
- دي الليفة اللي اتغسلت بيها خالتك أم إبراهيم جارتنا اللي ماتت امبارح الله يرحمها، هتستحمي بيها عشان الكبسة تتفك، وربنا يكرمك بقى.
ألقت اللوفة من يدها بفزع شديد، وتحدثت وهي تضرب بيدها على صدرها:
- يا نهار اسود يمَّا انتي عايزاني أستحمى بليفة غسل واحدة ميتة؟ لا أنا مقدرش أعمل كده.
حدجتها وفاء بنظرات نارية وعقبت على حديثها والشرر يتطاير من عينيها:
- بقولك إيه يا بنت انتي، انتي تعملي اللي بقولك عليه من سكات، وإلا وربي وما أعبد أخلي ابني يطلقك ويرميكي في الشارع، كتر خيرنا اننا مستحملين قرفك السنين دي كلها، مش كفاية إنك أرض بور وإحنا ساكتين، واحد تاني غير ابني كان اتجوز من زمان، كان زماني شايلة عياله لدوقتي إنما نقول إيه نصيب.
قالت ذلك وهي تلوي فمها بعدم رضا، وأشارت إليها بسبابتها مردفه بتوعد:
- اعملي حسابك لو منفذتيش اللي قولت عليه ملكيش عيشة معانا، تلمي هدومك وتروحي بيت أهلك، هما أولى ببنتهم يشوفوا بقى يعالجوكي ولا هما حرين.
أنهت حديثها وتركتها متجمدة مكانها لا تعلم ما الذي يمكنها فعله؟ لتجد جسدها يرتجف بشدة من هول ما سمعت، فهي تعلم أن امرأة بجبروت حماتها قادرة على تنفيذ تهديدها، خاصة مع زوج مثل زوجها، مسلوب الإرادة، ضعيف الشخصية، خاصة أمام والدته.
أخذت تلك اللوفة المقيتة على مضض، ونفذت بالفعل ما أمرتها به حماتها، وهي تشعر بتقزز شديد متأملة أن تأتي بنتيجة، خاصة بعد أن اشتكت إلى والدتها وأخبرتها بما فعلت حماتها معها، فما كان منها إلا أن حثتها على طاعتها وعدم عصيانها؛ حتى لا تخرِب بيتها، وتعود إليهم مطلقة مرة أخرى، وهذا ما لن يستطيعون تحمله.
انتظرت نتيجة ما فعلته، ولكن تجد نتيجة، ولم يحدث حَمل، ومنذ ذلك اليوم وهي أصبحت فأر تجارب لحماتها، فكل بضعة أشهر تجرب عليها شيئًا جديدًا عله يأتي بفائدة.
لا تستطيع أن تمحي من ذاكرتها ذلك اليوم الذي كانت تجلس فيه معها أمام المنزل، لتأتي إحدى الجارات وهي تحمل على يديها طفلًا رضيعًا، ألقت عليهما تحية السلام وأعطتها الطفل وهي تحدثها بود مصطنع:
- خدي يا هالة يا حبيبتي سمي وشيلي عشان ربنا يرزقك.
حملت الطفل وهي تبتسم بودٍ للمرأة، ضمته إلى صدرها بحنانٍ، وكشفت الغطاء عن وجهه حتى يتسنى لها تقبيله، صرخة مدوية خرجت منها، وانتابتها حالة من الفزع، لتلقي به من يدها سريعًا، فلم يكن سوى دمية بوجه أسود، محترق، ومرعب، فما كان من وفاء إلا أن زجرتها، ولكزتها في كتفها بقوة وحدثتها بلا مبالاة وكأنها لم تفعل شيء:
- إتكتمي يا بت لميتي علينا الناس في إيه؟ شوفتي عفريت دي عروسة أم ابراهيم جايباها عشان تتخضي وربنا يكرمك.
نظرت إليها وهي تبكي ولا تدري ماذا تقول لينعقد لسانها من هول الصدمة، وظلت صامتة وهي تضع يدها على قلبها لبعض الوقت حتى استطاعت تمالك نفسها بعض الشيء، وتحدثت بلهجة استفهامية، ولسان ثقيل يصعب عليه إخراج الحروف:
- إيه الكلام ده؟ يعني انتي عملتي فيا كدا عشان أتخض، وأحمل؟ طب مخوفتيش يحصلي حاجة من المنظر ده؟ ولا تجيلي سكتة قلبية وأروح فيها؟!
لوت شفتيها بعدم رضا من حديثها وأجابتها باستهزاء:
- يجيلك ساكتة قلبية من حتة عروسة؟! لا متخافيش يختي ما انتي زي القردة قدامي أهه ومحصلكيش حاجة، وإن شاء الله الخضة دي تعمل مفعولها وربنا يكرمك.
عندما فشلت تلك الطريقة ذهبت بها إلى المذبح لتقف بجوار ذلك الجزار وهو يذبح ذبيحته، وأتى بالدم الدافئ ووضعه على قدميها، وأخذت حماتها قطنة وغمستها في تلك الدماء وأعطتها لها لكي تمسح بها على أماكن معينة في جسدها، أخذتها من يدها باشمئزاز شديد ولا تدري كيف يمكنها عمل ذلك؟ فوضع تلك القطنة الملوثة بالدماء على تلك المناطق من المؤكد ستصيبها بعدوى ما، وهذا ما حدث بالفعل.
مرضت مرضًا شديدًا، ورفضت حماتها في بادئ الأمر الذهاب بها إلى لطبيب إلا عندما اشتد عليها المرض، فذهبت بها على مضض، خوفًا من أن يحدث لها شيئًا ويلومها الناس لا أكثر.
أصيبت الطبيبة بحالة من الذهول عند الكشف عليها، ومعرفة ما حدث، وما فعلته بنفسها، أو بالأحرى ما فعلته بها تلك المرأة.
وبختهما الطبيبة و حدثتهما بعصبية شديدة فلقد نفرت عروقها من شدة الغضب عندما رأت ما وصلت إليه الحالة:
- إيه الجهل والتخلف اللي انتوا عملتوه ده؟
وجهت حديثها لهالة بغضب:
- انتي مش عارفة إن كان ممكن يجيلك مرض خطير من الهباب اللي عملتيه في نفسك ده؟ إزاي تعملي كدا؟ سيبتي إيه للناس الجهلة؟
لم تستطع هالة أن تعقب على حديثها، فلا تدري ماذا يمكن أن تقول؟ فلقد انعقد لسانها وكل ما استطاعت عمله هو أن طأطأت رأسها في خزي؛ لعلمها بصحة حديث الطبيبة.
فهمت الطبيبة أنها من المؤكد فعلت ذلك مجبرة خاصة عندما تحدثت وفاء بلا مبالاة:
- وهي كانت عملت إيه يعني يا دَكتورة؟ دي وصفة متجربة، ونفعت مع ناس كتير.
أنهت حديثها وهي تلوي شفتيها، ونظرت نحو هالة باستهزاء:
- غيرش بس إحنا اللي مالناش بخت مش عارفة ليه؟
أخذت وقت طويل لكي تتعافى من أثر ذلك التلوث، وتلك العدوى التي لحقت بها، وفور تعافيها وجدت وفاء تنتظرها بتجربة جديدة بلا كلل، أو تعب، فأول شيء قالته لها فور رؤيتها بعد تعافيها:
- إنتي خفيتي يختي؟ طب الحمد لله، اعملي حسابك بقى يوم الجمعة ساعة الصلاة هتيجي معايا التُرب.
جعدت جبينها وحدثتها بتعجب:
- الترب؟! هنروح الترب نعمل ايه؟
طالعتها وهي تفعل لزمتها المعتادة عندما لا يروق لها حديث أحدهم، وهي أن تلوي شفتيها وحدثتها بنبرة مليئة بالخبث:
- هنكون هنعمل إيه يعني؟ هنزور أمواتنا ونقرالهم الفاتحة.
ازداد تعجبها من ذلك الحديث فهم معتادين على زيارة المقابر يوم الخميس وليس الجمعة، كما أن حماتها ليست من محبي زيارة المقابر.
حاولت أن تفهم أكتر فهي لا تأمن مكر تلك المرأة، واكتفت من تجاربها المهينة، والمثيرة للاشمئزاز، فحدثتها باستفهام:
- واشمعنى يوم الجمعة ما احنا علطول بنروح يوم الخميس.
أنهت وفاء ذلك الجدال سريعا وحدثتها بلهجة آمرة:
- بقولك إيه أنا مش عايزة رغي كتير، اللي أقولك عليه تعمليه من سكات، أنا مش ناقصه وجع دماغ.
ذهبتا إلى المقابر بالفعل، وأعطتها وفاء أداة غريبة تشبه العصا القصيرة ولكن من المعدن، وأمرتها أن تسير في جميع شوارع المقابر، وعند دخول أي شارع جديد تضع تلك العصا على الأرض وتقوم بالمرور فوقها، وكررت تلك الفعلة في كل الشوارع وعندما انتهت عادتا إلى المنزل لا تفهم شيئًا مما حدث، لتزيد وفاء من تعجبها عندما أخبرتها أنهم سيكررون ذلك الفعل في الجمعتين اللاحقتين في نفس الميعاد، وبنفس الطريقة ومعهم العصا الحديدية.
《لمن لا يعلم المقابر في الريف ليست مثل المدن، فهي في الغالب تقع جميعها في مكان واحد في القرية ويتم الدفن على سطح الأرض، وتكون المقبرة على شكل قبة كـ قباب المساجد ولكنها صغيرة الحجم، قباب متراصة بجوار بعضها البعض ولكل قبر باب حديدي صغير هو الذي يتم من خلاله إدخال المتوفى لقبره، ويتركونه على سطع الأرض، ويرحلون ويكون القبر عبارة عن حجرتين صغيرتين يطلقون عليها اسم "عين" فهناك عين للرجال وأخرى للنساء》
عندما فشلت جميع وصفاتها تلك بدأت تذهب بها إلى الدجالين، لتبدأ معها رحلة معاناة جديدة فلقد ذهبت بها لعدد لا بأس به منهم، وما هي النتيجة لا شيء.
لا تستطيع نسيان ذلك الدجال القذر ذو الرائحة النتنة الذي حاول الاعتداء عليها، محاولًا إقناعها بأنه سيجعلها تحمل بطريقته الخاصة، لولا أنها استغاثت بحماتها التي دخلت عليها في الوقت المناسب قبل أن يدنس شرفها، ومن وقتها وحماتها تفضل الذهاب بها إلى الدجالات؛ حتى تتفادى تلك الأفعال القذرة من هؤلاء الرجال.
تنهيدة حارة خرجت من صدرها، ودمعة قهر نزلت من عينها فور تذكرها ما حدث لها على يد تلك المرأة القاسية، فلا تدري إلى متى ستتحمل هذا الوضع المذري؟ نعم هي تعلم أنها ضعيفة، قليلة الحيلة، وذلك بسبب سلبية عائلتها فكلما تشتكي لوالدتها ما تفعله حماتها تجدها توافق على ذلك، بل وتحثها على إطاعتها؛ علها تنجح في مسعاها، فدائمًا ما تسمعها نفس الكلام كلما حدثتها وكأنها لا تعلم غيره:
- معلش يا بنتي استحملي، نصيبك كدا هنعمل ايه بس؟ اسمعي كلام حماتك وارضيها عشان تدعيلك، بدل ما تدعي عليكي، دي دعوة الأم في الكُم، ودعوة الحما في السما.
لا تعلم إلى أي مدى يمكنها التحمل، فكلما زاد صمتها زاد معه تجبر حماتها، وها هي من جديد تريد أخذها لدجالة جديدة، ولا تدري ماذا يمكن أن تفعل لكي تضع حدًا لكل هذا؟
أفاقت من شرودها على تعنيف حماتها لها، فهي دون أن تشعر نسيت المقلاة على النار فاحترق البيض الذي كانت تعده للإفطار، ولم تنتبه سوى عند سماعها لصوت وفاء الذي يصم الأذن:
- نهار أبوكي إسود، حرقتي البيض؟ طبعًا ما انتي عقلك مش فيكي، دنا هسود عيشتك انتي واللي جابوكي، امشي انجري اغسلي الطاسة، واقلي غيره، واعملي حسابك مالكيش فطار النهاردة عشان تتعلمي إزاي تاخدي بالك وانتي بتعملي الأكل.
لم تستطع التحمل أكثر من ذلك، فتركت كل شيء وصعدت إلى شقتها، وهي تستمع لسباب حماتها الذي لا ينقطع.
ولجت الشقة وهي منهارة من البكاء لتجد زوجها قد استيقظ، ويستعد للهبوط للأسفل؛ لتناول الإفطار قبل الذهاب لعمله، وعندما رآها في تلك الحالة حدثها بلامبالاة كعادته:
- فيه إيه عالصبح؟ يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، صوتكم واصل لآخر الشارع ليه؟
حدثته بصوت متقطع من كثرة البكاء:
- هو ده اللي ربنا قدرك عليه، يعني سامع شتيمة مراتك بودنك وبتسأل فيه ايه؟ فيه إن أنا تعبت والله العظيم، خلاص جبت آخري من العيشة دي.
عقب بصياح مستهجنًا تلك الطريقة الجديدة التي تتحدث بها أمامه:
- تعبتي من العيشة ومعدتش عاجباكي يبقى تروحي بيت أهلك، وتشوفيلك عيشة تانية تعجبك، أنا مش ناقص وجع دماغ عالصبح، وقايلك من الأول كلمة أمي سيف على رقاب الجميع، ومفهمك تعامليها إزاي عشان تكسبيها، عاجبك على كدا عاجبك مش عاجبك الباب يفوت جمل، واعملي حسابك تنزلي تستسمحيها وتحبي على رأسها وإديها كمان، ولو معملتيش كدا أرجع ملاقيكيش في البيت.
قال هذه الكلمات السامة وغادر مغلقا الباب خلفه بقوة أفزعتها، ليزداد انهيارها قهرًا على ما آلت إليه حياتها، فلم تكن تتخيل ولو في أسوأ كوابيسها أن يكون ذلك هو مصيرها، ولا تدري ماذا تفعل؟ فهي متيقنة أنها إن ذهبت لبيت والدها سوف يعيدونها مرة أخرى كما يحدث دائمًا، فلقد سئمت تلك الحياة بكل ما عانته بها، ووصلت لدرجة من اليأس أن تتمنى الموت، فلو كان قتل النفس ليس بكبيرة من الكبائر لما ترددت لحظة في فعلها.
استغفرت ربها وقامت لتتوضأ لكي تطفئ تلك النيران المشتعلة بقلبها، وتنحي تلك الأفكار جانبا.
صلت كثيرًا ودعت ربها في سجودها أن يزيل همها، ويرزقها الذرية الصالحة لعلهم يكفوا أذاهم عنها.
نعم هي تعلم أنها تغضب ربها بذهابها لهؤلاء الدجالين ولكن ماذا بيدها لتفعله وهي بتلك الحالة التي يرثى لها.
نزلت بالفعل لوفاء واعتذرت منها، وليس هذا فقط بل قبلت رأسها، ويدها أيضًا كما أمرها زوجها، وقامت بجميع مهامها في المنزل وقبيل الغروب ارتدت ملابسها؛ لتذهب معها إلى تلك الدجالة الجديدة، دون أن تعلم ما الذي يخبئه القدر لها.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية٠
