سم الحروف - الفصل 22 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (22)



همست كاميليا لنور بابتسامة خفيفة وهي تجلس بجوارها، وقالت بصوت خافت لا يكد يرى:

ـ فيه خبر مهم لازم تعرفيه يا نور...

التفتت إليها نور بسرعة، وعقدت حاجبيها بفضول وقلق خفي:

ـ خبر إيه؟!

أجابتها كاميليا بنبرة جادة:

ـ الموضوع خاص بمحاكمة طارق ومدحت.

ما إن نطقت بالاسمين حتى تجمد الدم في عروق نور، واتسعت عيناها بصدمة جعلت الكلمات تضيع في حلقها، بينما ساد صمت مفاجئ ومطبق على المكان كله، لترتسم علامات الذهول على وجوه الجميع وسط هذه اللحظة التي انقلبت فيها الأجواء رأسًا على عقب.

لاحظ ياسين شحوب وجه نور والصدمة التي عقدت لسانها، فالتفت إليها وبملامح هادئة ونبرة مطمئنة قال بصوت حنون:

ـ متقلقيش يا بنتي، الخبر هيفرحك ومش هيضايقك أبدًا.

لكن قلق شاكر تعاظم، ولم يستطع الانتظار أكثر من ذلك، فهتف بنبرة يملؤها التوتر:

ـ إيه الخبر ده يا جماعة؟ فهمونا، في إيه؟!

التفتت كاميليا بعينين لامعتين بالنصر والارتياح، وهتفت بصوت حاسم لتقطع الشك باليقين:

ـ طارق ومدحت.. اتحكم عليهم بالإعدام!

دوت الكلمة في أرجاء المكان كالصاعقة، فتبدلت ملامح الجميع بين مذهول ومرتاح، بينما تجمدت نور في مكانها غير مصدقة ما ترميه الأذان، وعيناها معلقتان في الفراغ غير قادرة على استيعاب وقع الخبر الذي يمحو كابوسًا طويلاً عاشت تحته طويلًا.

هتفت نور بصوت مهتز تغلب عليه الدموع وهي تكاد لا تصدق ما تسمعه:

ـ يعني خلاص؟ هقدر أعيش حياتي من غير خوف تاني؟!

ابتسمت كاميليا بحنان وهي تربت على كفها بحنو بالغ:

ـ اطمني يا نور، الكابوس انتهى خلاص.. أه، نتيجته كانت قاسية وصعبة، بس المجرم خد عقابه العادل علشان الكل يخاف بعد كده ويعرف إن الظلم ملوش أمان، تضحيتك مراحتش هدر.. مبروك يا حبيبتي.

تدخل ريان بملامح ماكرة وابتسامة خبيثة ليخفف من حدة التوتر والمشاعر الجياشة في المكان، وقال بصوت مرح:

ـ طيب بما إننا خلصنا من طارق وابنه.. شوفوا حالتي بقى أنا! تعبت بصراحة، هو إحنا جايين هنا نتكلم عنهم ولا عشان نقر الفاتحة ولا إيه النظام؟!

تعالت ضحكات الجميع على تعليقه العفوي، وابتسم شاكر بخفة وهو يهز رأسه، بينما توردت وجنتا نور أكثر وهي تخفض عينيها خجلاً وسط جو من المرح بدد كل مخاوف الماضي.

تنحنح ياسين بخفة وهو يبتسم بتهذيب، ثم التفت إلى شاكر وقال بنبرة وقورة يملؤها الود:

ـ إحنا جايين النهاردة وعيننا على بنتك نور، وطالبين إيدها لـ ريان.. نتمنى توافق وتكون بداية لنسب مبارك يفرح قلوبنا.

ابتسم شاكر بارتياح واضح وهو يربت على كتف ريان بحنو أبوي، ثم رد بحفاوة:

ـ على بركة الله.. والنعم في ريان، والبيت بيكم أوسع.

ابتسم ياسين برضا وهو يرى الأمور تسير بكل يسر، ثم نظر إلى الحضور وقال بنبرة دافئة:

ـ توكلنا على الله.. طب يا جماعة، نقرأ الفاتحة ويبدأ الفرح بجد.

عمّ الهدوء الدافئ المكان، ورفع الجميع أيديهم بخاشعة لقراءة سورة الفاتحة، بينما كانت عيون ريان تسرق النظرات نحو نور التي أطرقت رأسها بحياء شديد، والدموع تحارب لتمنع نفسها من النزول، لكن هذه المرة دموع فرح وسكينة بعد سنوات طويلة من القهر والخوف.

وما إن انتهوا من قراءة الفاتحة، حتى ضج المكان بالزغاريد الخفيفة والتهاني المتبادلة، وتقدم ياسين ليحتضن ابنه ريان بفخر، بينما نهض شاكر ليبارك للجميع، وفتحت سوسن ذراعيها لتضم نور إلى صدرها بحنان بالغ ودموع فرح تجمعت في عينيها، وهي تهمس لها بصوت يملؤه الحب:

ـ مبروك يا بنت قلبي.. أخيرًا شفتك مبتسمة بجد وعوض ربنا جه لحد عندك.

بينما اقتربت كاميليا منهما بابتسامة دافئة وباركتهما بحفاوة، ليتنفس الجميع الصعداء وكأن جبلًا ثقيلًا انزاح عن صدر العائلة بأكملها، ليطوي هذا اليوم صفحة الألم ويبدأ كتابة أجمل فصول حياتهم معًا.

وبعد أن هدأت مشاعر التأثر قليلًا وتهادت الابتسامات على وجوه الجميع، التفت ريان بوقار إلى شاكر الذي كان يراقب ابنته بنظرات يملؤها الرضا، وقال بصوت واثق وهادئ:

ـ يا عمي.. أنا عارف إننا عدينا كتير، ونفسي أبدأ حياتي مع نور في أسرع وقت، فكنت حابب أقترح إن الفرح يكون بعد شهرين من دلوقتي.. إيه رأيك؟

ابتسم شاكر برضا وهو يرى صدق النوايا في عينيه، ورد بحفاوة:

ـ على بركة الله يا بني.. اللي تشوفوه مناسب، وأنا ما عنديش أغلى من نور عشان نستنى أكتر من كده.

ثم أضاف ريان بابتسامة مطمئنة وهو يوجه كلامه لـ سوسن وكل الحضور:

ـ وبالنسبة للسكن، الحمد لله شقتي الخاصة جاهزة ومستنية عروستي.. وأكيد وقت سفرياتي الطويلة، البيت هيكون مفتوح ليها دايمًا هناك وسط أهلي، بابا ياسين وماما كاميليا، عشان تطمن وتفضل وسطهم.

تأثرت سوسن بكلمات ريان التي تحمل الكثير من الاحترام والتقدير لابنتها، وأومأت برأسها في امتنان، بينما اتسعت ابتسامة كاميليا وياسين، لترتفع أصوات التهاني والمباركات مجددًا، وسط أجواء من البهجة والارتياح العميق.

وبعد أن هدأت مشاعر التأثر قليلًا وتهادت الابتسامات على وجوه الجميع، استغل ريان تلك اللحظة، فالتفت بوقار إلى شاكر وقال بنبرة مهذبة ومرحة:

ـ يا عمي.. بما إننا قرأنا الفاتحة واتفقنا على كل حاجة، أنا كنت حابب آخد نور في جولة سريعة كدة برة.. نغير جو ونحتفل بخصوصيتنا شوية، تسمحلي؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

ابتسم شاكر برضا واضح على ثقته الكبيرة فيه، وقال بحفاوة:

ـ على بركة الله يا بني.. خدوا راحتكم، بس ما تتأخروش.

اتسعت ابتسامة ريان وهو ينظر إلى نور، التي لمعت عيناها بخجل وفرحة ممزوجة ببعض التوتر، فنهض وقال بحماس:

ـ يلا يا ست البنات؟

نهضت نور بخجل، بينما لحقها ريان بخطوات واثقة، وودعا الجميع بابتسامات دافئة قبل أن يغادرا المنزل. ما إن ابتعدت السيارة عن الأنظار حتى انطلق ريان في طريقه، ونور بجانبه تحاول تهدئة نبضات قلبها التي تسارعت مع كل متر يقطعونه بعيداً عن صخب البيت.

بعد فترة قصيرة من القيادة الهادئة، توقفت السيارة أمام مطعم "برج القاهرة" الشاهق. ترجل ريان وفتح لها الباب، ثم قادها إلى المصعد الذي صعد بهما بسرعة البرق نحو الأعلى.

بمجرد أن انفتح باب المصعد، تبدل العالم أمام عيني نور؛ فقد وجدا أنفسهما في قلب القاهرة ليلًا، حيث يتربع المكان على قمة البرج ليمنح زواره رؤية بانورامية لا تُصدق. أضواء العاصمة تمتد تحت أقدامهما كبساط مرصع بآلاف الجواهر المضيئة التي تتلألأ وتتراقص مع حركة السيارات الخافتة في الأسفل، بينما ينساب نهر النيل في المنتصف كخيط من حرير أسود تلمع فوقه انعكاسات أضواء الكباري والمنشآت.

كان المكان في الأعلى هادئًا، يلفه نسيم عليل يداعب خصلات شعرها، والإضاءة خافتة وراقية تعتمد على الشموع الموضوعة بعناية فوق طاولات خشبية أنيقة. تجمدت نور في مكانها للحظات، مذهولة من عظمة المنظر وجماله الذي يخطف الأنفاس، وكأنها ترى المدينة لأول مرة في حياتها بعيون مليئة بالأمل والحرية.

التفت إليها ريان، وتأمل ملامحها المنعكسة عليها أضواء المدينة، ثم قال بابتسامة دافئة وهو يشير إلى طاولة في زاوية منعزلة ومميزة تطل مباشرة على سحر النيل:

ـ إيه رأيك؟ هنا بس نقدر نتنفس بعيد عن أي دوشة.. تستاهلي المكان ده وأكتر يا نور.

نظرت إليه نور وعيناها تلمعان بدموع فرح صامتة، ثم همست بصوت رقيق لم يكده يظهر من هدوء المكان:

ـ المكان خيال.. بجد مش عارفة أقولك إيه يا ريان.

سحب ريان الكرسي لها برفق لتجلس، ثم جلست المقابل له، ومد يده ليمسك كفها المتردد فوق الطاولة بحنان بالغ، وقال بصوت دافئ وصادق:

ـ عشانك.. أعمل أي حاجة في الدنيا.

رفعت نور عينيها إليه بذهول، وعقدت حاجبيها بابتسامة متسائلة وهي غير تصدق حجم اهتمامه، وقالت بصوت خافت:

ـ كل ده؟! قدرت تجهز المفاجأة دي وتظبط كل التفاصيل دي إمتى؟ ده إنت كنت مسافر ولسا واصل!

ابتسم ريان بخفة، ونظر في عينيها بعمق وهو يرد بثقة:

ـ جهزت كل حاجة وخلصت الترتيبات دي قبل ما أسافر أصلًا.. كنت حاطط في خطتي كل خطوة علشان لما أرجع أبدًا أعيش حياتي جنبك بجد ومن غير تأخير.

سرت في قلبها رعشة دافئة من هول المفاجأة وصدق مشاعره، فتابعت بسؤال محمل بفضول مشوب بالخجل:

ـ طيب.. يا ترى لو كنت رفضت ارتباطنا أو اتهربت.. كنت هتعمل إيه ساعتها؟

تأملها ريان لثوانٍ معدودة بابتسامة واثقة، ثم ضحك بخفة وقال:

ـ هحاول أكتر من مرة.. ولغايه ما توافقي.

توردت وجنتا نور خجلًا من إجابته الواثقة، وابتسمت برقة وهي تخفض عينيها نحو الطاولة لبرهة، قبل أن ترفع نظرها إليه بامتنان قائلة:

ـ ربنا ما يحرمنيش منك.. ولا من إصرارك اللي دايماً بيطمني.

بدأت الأجواء تهدأ أكثر بينهما مع تقديم الطلبات، واستغلت نور الفرصة لتنتقل بالحديث إلى مستقبلهم الهادئ بعيدًا عن صخب الماضي، فسألته باهتمام وعينيها تلمعان بالحماس:

ـ قولي بقى.. فكرت في كل تفصيلة بخصوص الشقة ولا لسه؟ ولا هنسيب كل حاجة لوقت الفرح؟

أخذ ريان رشفة من مشروبه ثم وضع الكوب أمامه، وأجابها بابتسامة حماسية:

ـ لا طبعًا مش هسيب حاجة للصدفة.. الشقة جاهزة بالكامل من دهانات وأثاث، بس كنت مستني أشوف ذوقك في اختيار الديكورات الأخيرة والفرش النهائي عشان تكون على مزاجك بالظبط.

تابعت كلامه بابتسامة واسعة وسعادة لا توصف، وردت بحماس:

ـ بجد؟ نفسي ألف معاك بكرة قبل ما أي حاجة تتفرش، عشان أختار كل زاوية فيها بنفسي.

ـ من عيوني الاتنين.. بكرة من الصبح نخلص كل ورانا ونزل نلف براحتنا.

قضيا باقي السهرة في تبادل الضحكات والأحاديث الهادئة عن أحلامهما الصغيرة، وكيف سيؤسسان بيتهما الجديد بعيدًا عن أي خوف أو قلق، لتشعر نور ولأول مرة أن حياتها قد بدأت تأخذ شكلها الحقيقي والأمن بجانب من تحب.

انتهت السهرة الرومانسية الدافئة، وعاد ريان ونور أدراجهما في سيارته، حيث غمر الطريق هدوء مريح وجميل يملؤه الرضا والاطمئنان.

أوقف ريان السيارة أمام منزل عائلة نور، وترجل ليفتح لها الباب برفق، وودعها بابتسامة دافئة ونظرات مليئة بالشوق والوعد بلقاء قريب، وانتظر حتى اطمأن تماماً لخفقان خطواتها وهي تدخل وتختفي عن أنظاره.

تحرك ريان بسيارته عائدًا إلى فيلا عائلته، وكان التعب والإرهاق قد بدأ يتسلل إلى جسده بعد هذا اليوم الطويل الحافل بالمشاعر والأحداث. وما إن دخل من بوابة الفيلا وأوقف السيارة، حتى صعد إلى غرفته، وألقى بجسده على الفراغ ليستسلم لسبات عميق وهادئ بعد أن اطمأن أن كل شيء قد سار كما ينبغي.

❈-❈-❈

أشرقت شمس اليوم التالي بنورها الدافئ، لتبدأ حالة من الحماس الشديد والنشاط داخل الفيلا، حيث انشغل الجميع بتجهيز تفاصيل حياتهم القادمة؛ فبدأ حمزة ويارا في التخطيط لسكنهما الخاص وترتيبه باهتمام بالغ نظرًا لاقتراب موعد زفافهما، وكانت كارما ونور ترافقهما للمساعدة وإبداء الرأي في كل صغيرة وكبيرة، بينما كان ريان يرافقهم جميعًا بعد عودته من رحلاته، ليشاركهما هذه الأجواء المفعمة بالحيوية، مستغلاً الفرصة ليجهز هو الآخر سكنه الخاص مع نور، لتغمر الجميع حالة عارمة من البهجة والتفاؤل بمستقبلهم الجديد.

وفي وسط تلك الأجواء الصاخبة بالسعادة، مالت كارما على يارا بابتسامة ماكرة ولمعة حماس في عينيها، وقالت بصوت مفعم بالحيوية:

ـ بقولك إيه يا عروسة.. سيبك من جو العفش والفرش ده دلوقتي، ورانا الأهم.. فستان فرحك! الوقت بجد بيجري، ومش هرتاح غير لما أطمن إننا اخترنا أحلى فستان هيجنن حمزة.. قومي يلا بينا.

انفـ.جرت يارا ضاحكة على طريقتها، وقالت وهي تهز رأسها بابتسامة:

ـ يا بنتي انتي مش بتبطلي حركة.. بس ماشي يا ستي، تعالي نروح قبل ما تاكلي عقلي.

انطلق الفتيات في سيارة كارما، حيث سيطرت أحاديث الزفاف والفساتين على الأجواء، حتى وصلن إلى "أتيليه الفيروز". بمجرد دخولهن، استقبلتهن فيروز بابتسامتها المعهودة وذوقها الرفيع، فبدأت يارا تشرح لها بتوتر ممتزج بالخجل التصميم الذي تحلم به، بينما كانت كارما ونور تتدخلان بلمساتهما واقتراحاتهما التي أضفت على الجلسة روحاً من الألفة.

انهمكت فيروز في تدوين الملاحظات ورسم الخطوط الأولية للفستان، وتناقشت مع يارا في نوع القماش والتفاصيل التي ستجعل الفستان فريدًا. وبعد وقت من التخطيط الممتع، اتفقت يارا مع فيروز على تفاصيل الفستان، وودعنها وهن يشعرن بارتياح كبير لأن حلم الفستان أصبح حقيقة.

خرجت الفتيات من الأتيليه وهن يشعرن بجوع شديد بعد يوم طويل من التجهيزات. نظرت كارما لصديقاتها وقالت بحماس:

ـ بقولكم إيه، بعد اللفة دي كلها، أنا مش هقدر أكمل من غير غدا محترم.. إيه رأيكم نطلع على مطعم قريب ونحتفل ببداية تجهيزات الفستان؟

وافقتها نور ويارا بحماس، وتوجهن جميعاً إلى مطعم أنيق، حيث جلسن يتبادلن الضحكات ويتناولن وجبة الغداء في أجواء دافئة ومبهجة، يخططن فيها لكل تفاصيل الأيام القادمة، وكأن السعادة لم تعد تسعهن.


تمر الأيام سريعة كأحلام جميلة، حتى أتى اليوم الموعود، يوم زفاف حمزة ويارا.

تألقت يارا في ليلة عمرها، مرتديةً فستانًا أبيضَ ساحرًا بتصميم ملكي فريد؛ فجاء الطابق العلوي من الدانتيل الفرنسي الراقي المطرز بفرشات خفيفة من اللؤلؤ والكريستال الذي يلمع مع كل حركة، لينساب الفستان باتساع هادئ وفخم يعكس أناقتها، مع طرحة طويلة مطرزة تتدلى برقة على كتفيها، لتخطو كالأميرة وتخطف أنظار كل الحاضرين.

وفي قاعة الاحتفال المزينة بالورود والأضواء الدافئة، وقف شاكر بمظهر وقور وملامح يملؤها الفخر والحنان. اقتراب موعد تسليم العروس، فمد يده الحانية ليأخذ بيد يارا، وتقدم بها بخطوات ثابتة نحو حمزة الذي كان ينتظرها وعيناه تلمعان عشقا وذهولاً بجمالها.

وقف شاكر، وسلم بيد يارا إلى حمزة قائلاً بصوت دافئ ومؤثر:

ـ أمانتي اهيه يا حمزة.. بقت في عهدتك، وصونها زي ما أنت دايمًا راجل وقد المسؤولية.

ابتسم حمزة بعمق، ونظر إلى يارا بامتنان وعشق لا ينتهي، ثم أخذ يدها بتقديس، بينما ارتفعت أصوات الزغاريد والتصفيق الحار من الجميع لتعلن بداية قصة جديدة ومشرقة لهما معا.

بدأت الموسيقى الهادئة تعزف ألحانها الساحرة في أرجاء القاعة، وتوهجت الأضواء الخافتة لتضفي جوًا من البهجة والرومانسية، واختلطت ضحكات المدعوين بأصوات التهاني والتبريكات.

اندمج الجميع في أجواء الحفلة المبهجة، حيث تقدم ريان بخطوات واثقة نحو نور، ومد يده بابتسامة دافئة ودعها للرقص. ما إن انضم الاثنان إلى حلبة الرقص وسط أنغام الموسيقى الهادئة، حتى تبادلا النظرات المليئة بالحب والوعود الهادئة لمستقبلهما معًا، وكأن العالم قد اختفى ولم يبقَ سويهما.

وفي الجانب الآخر من القاعة، اقترب مراد بخطوات مرحة نحو كارما، ومد يده لها بابتسامة ماكرة، لترافقه هي الأخرى إلى حلبة الرقص بسعادة وطاقتها المعتادة، متبادلين المزاح والضحكات وسط أجواء الاحتفال الساحرة.

عمّت الفرحة المكان، وباتت القاعة تنبض بالحياة والدفء، لتعيش العائلة كلها أجمل لحظات العمر بهجة واطمئنانًا.

انتهى الحفل الساحر، واجتمع أفراد العائلة والأصدقاء لوداع العروسين وسط الدموع الغالية والدعوات الصادقة. تقدم حمزة ويارا لوداع الجميع بحرارة، فحضنت كارما صديقتها بدموع الفرح، بينما ودع ريان وباقي أفراد العائلة حمزة وتمنوا لهما رحلة مباركة.

توجه العروسان إلى سيارة حمزة، وانطلقا معاً تاركين خلفهما صخب المدينة، قاطعين طريق السفر نحو ساحل البحر الأحمر الممتد الذي يلفّه هدوء الليل.

كان الطريق طويلاً لكن الأجواء بينهما كانت تفيض بالسكينة والبدايات الجديدة، حيث تبادلا أطراف الحديث والأحلام حتى لاحت في الأفق تباشير الفجر الأولى ومياه الجونة الفيروزية الساحرة.

توقف حمزة بالسيارة أمام المنتجع الذي اختاراه، ونظر إلى يارا بابتسامة تملؤها السعادة والحب، وقال:

ـ وصلنا يا عروسة.. رحلة السفر انتهت، ومن هنا بتبدأ أجمل أيام حياتنا.

دلفا إلى الجناح الخاص بهما، وقد نال منهما التعب والإرهاق بعد سهرة الزفاف الطويلة ورحلة السفر الممتدة. لم يضيعا وقتاً، فاستسلما لراحة عميقة ونوم هادئ يزيل عنهما عناء الأيام الماضية، ليستيقظا في صباح اليوم التالي بكامل طاقتهما مستعدين لبدء أجمل أيام إجازتهما معًا.

تسللت أشعة الشمس الدافئة بهدوء إلى داخل الجناح، داعبةً الوجوه بعد نوم عميق ومريح أزال عنهما تعب السفر الطويلة وسهاد ليلة الزفاف. فتحت يارا عينيها ببطء لتجد نفسها بين أحضان حمزة الذي كان يتابعها بابتسامة دافئة ونظرات تفيض عشقًا، وهمس بصوته الهادئ:

ـ صباح الجمال على عيون أحلى عروسة في الدنيا.

بادلته يارا ابتسامة خجولة وهي تعدل خصلات شعرها، ليقضيا بقية النهار في راحة وسكينة تامة داخل المنتجع، مستمتعين بهدوء المكان وخصوصيته بعيداً عن أي ضغوط.

مع حلول المساء، وانخفاض حرارة الجو، ارتدت يارا فستاناً صيفياً رقيقاً يناسب سحر الساحل، بينما ارتدى حمزة ملابس أنيقة وبسيطة. صعدا معاً إلى سيارتهما وتوجها إلى منطقة "أبو تيج مارينا" (Abu Tig Marina)، حيث اليخوت الفاخرة المطفأة الأنوار على صفحة الماء، والمطاعم المطلة على المارينا التي تتلألأ بإضاءاتها الخافتة.

اختارا طاولة رومانسية على حافة الميناء مباشرة، حيث نسيم البحر العليل يداعب المكان، وهدوالأمواج يخلق خلفية ساحرة. طلبا عشاءً هادئًا، وجلسا يتبادلان الحديث الضاحك والذكريات، بينما ينعكس ضوء النجوم على مياه المارينا، ليعيشا معاً أولى سهرات شهر العسل في أجواء لا تُنسى.

مع إشراقة شمس اليوم التالي، استيقظ حمزة ويارا على صوت الأمواج الخافت، وقررا أن يكون الصباح مخصصًا للاستجمام ومياه البحر الصافية.

ارتديا ملابس البحر، وتوجها معًا إلى أحد شواطئ الجونة الساحرة ذات الرمال الناعمة والمياه الفيروزية الصافية. كان الشاطئ هادئاً ومنعشًا في ساعات الصباح الأولى. دخلا إلى المياه الباردة والمنعشة معاً، فبدأ حمزة يرش المياه بضحكات مرحة نحو يارا التي بادلته الضحك والمشاكسة، ليقضيا وقتاً ممتعاً في السباحة واللعب وسط الطبيعة الخلابة، مستمتعين بهدوء المكان ودفء الشمس وهما يبدآن أيامهما الأولى معاً بكل طاقة وسعادة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

بعد أيام قليلة مليئة بالسكينة والذكريات الجميلة في الجونة، انتهت إجازة حمزة ويارا وعادا إلى القاهرة. بدلاً من الذهاب لمنزل نور، قررا أن تكون مفاجأة عودتهما في فيلا ياسين وكاميليا ليطمئنا عليهم ويشاركاهم تفاصيل السفر.

دخلا الفيلا بهدوء، وفاجآ ياسين وكاميليا اللذين استقبلوهما بترحاب شديد وأحضان دافئة. جلسا جميعًا في الحديقة وسط أجواء عائلية مريحة، وبدأ حمزة ويارا يرويان لهما طرائف الرحلة وأجواء الجونة الهادئة، بينما سادت الجلسة الضحكات والارتياح برؤيتهم سالمين.

انفتح باب الفيلا، ودخل ريان وكارما محملين بأكياس التسوق الخاصة بترتيبات الفرح. ما إن وقعت عيناهما على حمزة ويارا الجالسين في الصالون، حتى تهللت وجوهاهما بالسعادة.

تقدم ريان مسرعًا بابتسامة واسعة، وهو يفتح ذراعيه ويرحب بحمزة بحرارة، قائلًا:

ـ حمد الله على السلامة يا عريسنا! نورت البيت، الجونة شكلها عملت معاك أحسن الواجب.

وفي نفس الوقت، سارعت كارما نحو يارا واحتضنتها بحنو، وقالت بترحيب دافئ:

ـ حمد الله على السلامة يا يارا.. وحشتينا جداً، والبيت نور بوجودكم!

ابتسم ياسين وكاميليا بسعادة وهما يتابعان لقاء الأبناء، لتستقر اللمة العائلية في أجواء هادئة ومبهجة.

❈-❈-❈

مرّت الأيام سريعًا، ليأتي اليوم المنتظر الخاص بنور وريان.

في القاعة الكبيرة التي ازدانت بالورود والأضواء الهادئة، وقف ريان في مكانه ببدلته الأنيقة، وقلبه يخفق بترقب وهو ناظر إلى باب القاعة بانتظار وصول نور. ثوانٍ وفتح الباب، فطلّت نور بالفستان الأبيض الذي زادها جمالاً، ويسير بجانبها والدها شاكر ممسكاً بيدها بحنو ليسلمها إلى عريسها، وتتوسط والدتها سوسن المكان بعيون تلمع بالدموع والزغاريد التي تعالت لتملأ القاعة.

اقترب شاكر بخطوات ثابتة ووجهه يغمره الفخر والرضا، ليسلم ابنته إلى ريان، وهو يربت على كتف الأخير بابتسامة دافئة، قائلًا:

ـ خدها في عينك يا ريان، دي النور بتاع البيت كله.

ابتسم ريان بامتنان وهو يتسلمها، وتقدم خطوة سريعة فاتحًا ذراعيه، وهمس لنور بصوت دافئ:

ـ أخيراً النور طلّ.. مبروك يا روح قلبي.

رفعت نور عينيها إليه بخجل يغلفة الفرح العارم، وردت بصوت هادئ:

ـ بارك الله فيك.. مش مصدقة إننا وصلنا اليوم ده أخيرًا.

كان ياسين وكاميليا، ومعهم حمزة وزوجته يارا، واقفين بالقرب منهما تلمع عيونهم بالدموع من الفرحة العارمة، بينما اقتربت كارما منهما وعيونها تدمع من التأثر، فاحتضنت شقيقها بحنو، ثم لفت ذراعيها حول نور وقالت بصوت دافئ يغمره الحماس:

ـ مبروك يا حبايب قلبي.. أخيرًا شفت اليوم اللي بيجمعكم مع بعض، ربنا يسعدكم!

ارتسمت الضحكات الهادئة والابتسامات على وجوه الجميع في وسط أجواء عائلية دافئة، وبدأت ليلتهما بكل حب وسعادة.

مع انطلاق نغمات موسيقية هادئة ورومانسية، تقدم ريان ليأخذ بيد نور وتبدأ رقصتهما الأولى، حيث مال عليها بمهدئ بينما تضع يدها برقة على كتفه:

ـ بحبك، وأخيرًا بقيتي مراتي.

ردّت نور بصوت يغمره العشق والسعادة، وهي ترفع عينيها إليه بامتنان لتلتقي نظراتهما في ومضة دافئة تحكي الكثير:

ـ وأنا بحبك أضعاف يا ريان.

كانا يتحركان بانسجام تام على ألحان الموسيقى الهادئة، وكأن العالم بأسره قد اختفى ولم يعد يضم سويهما، بينما اكتست ملامحها بابتسامة رقيقة عكست راحة قلبها وطمأنينتها بجواره بعد كل انتظار.

وما هي إلا لحظات حتى انضم إليهم حمزة برفقة زوجته يارا، ومراد برفقة كارما، ليتشاركا معهم حلبة الرقص في مشهد عائلي دافئ تمتزج فيه نظرات الحب والانسجام، وتحيط بهم قلوب الجميع بالدعوات الصادقة والسعادة الغامرة.

وصلت علياء برفقة نزار في تلك اللحظات، بعد أن جمعتها بكاميليا قضية نور التي أثمرت عن صداقة قوية بينهما، بينما حضر نزار أيضاً بحكم علاقته العملية القوية بوالد العروس شاكر، ليشاركاهما فرحتهما ويهنئا نور وريان بهذا اليوم السعيد.

وما إن رآهما الجميع حتى استقبلوهما بترحاب حار وابتسامات عريضة زادت من بهجة المكان. توجهت علياء نحو كاميليا بحماس لتبادلا التحية والترحيب بابتسامات دافئة، بينما تقدمت لتقدم مباركتها لـ نور وريان بكلمات رقيقة، وتبادل نزار النظرات الودية وعبارات المباركة مع ريان وشاكر، مؤكدين على عمق الروابط التي تجمع العائلات ببعضها.

استمرت الأجواء الاحتفالية النابضة بالحياة؛ تعالت الضحكات المتبادلة والأحاديث الجانبية المفعمة بالمرح بين الجميع، واختلطت الألحان الراقصة بسعادة القلوب الحاضرة. ومع استمرار الحفل حتى ساعات الليل المتأخرة، ظلّت القاعة غارقة في دفء العائلة والأحباب، حتى انقضت الليلة بكل تفاصيلها الساحرة، تاركةً في قلوب الجميع ذكريات لا تُنسى وبداية مباركة لحياة جديدة.

ومع إسدال الستار على سهرات الحفل الممتعة وانصراف المدعوين، ودّع العروسان أهلهما وأحبابهما وسط الدموع والزغاريد، ولم يضيّعا وقتاً؛ بل توجها فوراً نحو سيارة حمزة الذي كان بانتظارهما لينطلق بهما مباشرة نحو المطار في منتصف الليل، قاصدين شرم الشيخ لبدء إجازة شهر العسل.

وهناك أنهيا إجراءات السفر على الرحلة الليلية وصعدا إلى الطائرة، وما إن استقرا في مقاعدهما حتى اقترب منهما أحد مضيفي الطيران بابتسامة واسعة، حاملًا بين يديه باقة من الزهور الفاخرة وعلبة هدايا أنيقة، وقال بصوت مهذب:

ـ مبروك يا فندم.. دي هدية ومباركة من زملاء الكابتن ريان في الشغل، متمنين لحضرتكم رحلة سعيدة وحياة مكللة بالفرح.

التفتت نور إلى ريان بعيون تلمع بالدهشة والسعادة، وابتسم هو بامتنان بالغ، وهو يوجه شكره للمضيف على هذه اللفتة الطيبة التي أضفت على بداية رحلتهما بهجة لا تُنسى.

هبطت الطائرة بسلام على أرض شرم الشيخ، وما إن خرجا من المطار حتى وجدا سيارة أجرة تنتظرهما لتقلهما سريعاً وسط نسيم الليل العليل نحو الفندق المطل على البحر.

أنهى ريان إجراءات التسكين بسرعة، وصعدا معاً إلى الجناح الخاص بهما. فتح ريان الباب ودخلت نور أمامه لتتفاجأ بالمكان الذي زُين برقة وأضيء بإضاءة هادئة وخافتة تناسب أجواء البدايات الجديدة، بينما تراءت أمامهما الشرفة الواسعة وهي تحتضن أمواج البحر الهادئة تحت ضوء القمر.

تقدّم ريان من خلفها، ولفّ ذراعيه برقة حول وسطها، مستنداً بذقنه على كتفها بينما يهمس بصوت دافئ يلامس أذنها:

ـ أخيرًا بقينا لوحدنا.. السفر كان طويل، بس وجودك جنبي هنا نساني كل تعب الدنيا.

استندت نور برأسها على صدره بابتسامة حالمة، ووضعت كفيها فوق يديه، لتجيبه بصوتها الهادئ المليء بالعشق:

ـ ومهما كانت السكة طويلة أو تعبنا، أحلى حاجة في الدنيا إننا بقينا سوا للأبد يا ريان.

استدار بها ريان لتلتقي عيناهما في صمت ناطق بالمشاعر، ومال بتقبيل جبينها بحنان بالغ، قبل أن يمسك بيدها ليتوجها معاً نحو السرير الواسع، ليخلدا معاً إلى نوم عميق وراحة تامة بعد ليلة العمر الطويلة.


تسللت أشعة الشمس الذهبية الأولى بخفة عبر زجاج النافذة، لتداعب بوعي ناعم جفوني نور التي فتحت عينيها ببطء، فوجدت نفسها محاطة بذراعي ريان الذي كان يحيطها بحماية واحتواء وكأنه يخشى أن تبتعد عنه.

كان مستغرقًا في نوم عميق، وملامحه الهادئة تعكس راحة تامة وسعادة غامرة. أخذت نور تتأمل وجهه بابتسامة حالمة رقيقة، ورفعَت كفها برقة شديدة لترتب خصلات شعره التي بعثرتها ريح السفر، متمسكة بلحظات السكون والسكينة هذه.

شعوره بحركتها الخفيفة جعل ريان يفتح عينيه تدريجيًا، وما إن التقت عيناه بعينيها حتى رسمت ابتسامة دافئة على شفتيه، وشدّد على احتضانها أكثر إليه وهو يهمس بصوت هادئ يحمل كل معاني العشق:

ـ صباح الخير يا أجمل حاجة حصلت في حياتي.. أحلى صباح لما أفتح عيني ألاقيكي قدامي.

أشْرقت عيناها بدموع الفرح وهي تجيبه بصوت خافت يلامس قلبه:

ـ صباح النور يا حبيبي.. مش مصدقة إننا هنا لوحدنا وإننا بقينا لبعض.

مال ريان وطبع قبلة حنونة وطويلة على جبينها، قبل أن يتشاركا ضحكة خفيفة مليئة بالحب، مستعدين لبدء أول أيام شهر العسل في أجواء مليئة بالدفء والبهجة.

بعد لحظات من الاستيقاظ وتبادل كلمات الحب الصباحية، طلب ريان فطورًا خفيفًا ومتنوعًا وصل إلى الجناح سريعًا. جلسا معًا في شرفة الجناح المطلة على البحر، يتناولان فطورها ببطء وسط أجواء هادئة وضحكات متبادلة تملأ المكان ببهجة البدايات.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

وبعد أن انتهيا، ارتديا ملابس البحر وتوجها إلى الشاطئ الخاص بالفندق. وما إن اقتربا من مياه البحر الزرقاء الصافية ولامست أمواجها الخفيفة أقدامهما، حتى تراجعت نور للخلف بخفة وبدت على ملامحها علامات التردد والخوف، فالتفت إليها ريان وابتسم بحنان وهو يمسك يديها الاثنين بين كفيه:

ـ مالك يا حبيبتي؟ خايفة ليه؟

نظرت إلى المياه ثم إليه وقالت بصوت يملؤه التوتر:

ـ خايفة يا ريان.. أنا أصلًا مش بعرف أعوم خالص، وحاسة إنها عميقة قوي.

ضغط على يديها بلطف وطمأنها بنظراته الدافئة:

ـ اطمني خالص وخليكي في حضني.. أنا معاكي ومش هسيبك تبعدي خطوة واحدة، ومستعد أعلمك بنفسي لحد ما تحبي البحر.

نظرت إلى عينيه فرأت فيهما الأمان المطلق الذي تبحث عنه، فرسمت ابتسامة خجولة على شفتيها وأومأت برأسها موافقة، ورغم دقات قلبها السريعة من الخوف، نزلت معه تدريجيًا إلى المياه خطوة بخطوة، معتمدة على يده القوية التي كانت تحيطها بكل حب وحماية.

وقفا معًا في المياه الضحلة حيث تداعب الأمواج الخفيفة ساقيهما، فأحاط ريان خصرها برفق وثبت قدميه جيدًا ليمنحها شعورًا كاملًا بالثبات. نظر إليها بعينين مليئتين بالتشجيع وقال بصوت دافئ:

ـ يلا يا حبيبي.. أول خطوة إنك ترخي جسمك خالص وتثقي فيا.. أنا شايلك متخافيش.

أخذت نور نفسًا عميقًا لتسيطر على ارتباكها، ووضعت يديها على كتفيه مستندة إليه بكل وزنها. بدأ ريان يتحرك بها ببطء داخل الماء، موجهاً إياها لتمديد جسدها بخفة على سطح الماء بينما يدعمها بذراعيه الاثنتين.

وبينما تحاول تنفيذ توجيهاته بتوتر، انزلقت قدمها فجأة وصرخت بخفة وهي تتعلق برقبته بقوة، فابتسم ريان بصوت هادئ ومطمئن وشدّد على احتضانها إليه وقال بحنان:

ـ شفتي؟ ولا أي حاجة.. أنا معاكي أهو، يلا جربي تاني بهدوء ومن غير عصبية.

أخذت نور تنفث أنفاسها المتقطعة ببطء، محاولةً التغلب على خفقات قلبها السريعة، ثم نظرت إليه وقالت بصوت خجول يغلب عليه التوتر:

ـ قلبي بيدق بسرعة يا ريان.. حاسة إني مش هعرف أعملها، وخايفة أغطس.

قرّبها إليه أكثر واقترب بوجهه ليطبع قبلة خفيفة وحانية على جبهتها، وقال بنبرة واثقة هادئة:

ـ سيبي إحساس الخوف ده خالص وعيشي اللحظة.. أنا عينيكي اللي بتشوفي بيها، وعمري ما هخليكي تغرقي أبداً. يلا جربي تمدي جسمك على المية تاني وأنا معاكي.

أخذت نور نفسًا عميقًا وأغمضت عينيها لثوانٍ، ثم فتحتهما وهي تستمد القوة من نظراته الثابتة والمشجعة. أرخت جسدها تدريجياً ببطء، ووضعت كفيها المرتجفتين على ذراعيه بينما بدأ هو يتحرك بها للأمام بحركات خفيفة ومدروسة داخل الماء.

شعرت نور لأول مرة بخفة جسدها وهو يحملها، فتبدلت ملامح الخوف رويدًا رويداً إلى دهشة سعيدة وابتسامة واسعة زينت محياها، لتهتف بفرحة طفولية وهي تنظر إليه:

ـ ريان! أنا.. أنا حاسة إني بجد طايرة على المية!

ضحك ريان بصوت عذب يملؤه الرضا وهو يراها تتخطى خوفها، وقال بابتسامة واسعة:

ـ طبعًا طايرة.. ما أنا قولت لك إنك شاطرة وهتعلميها في أقل من دقايق!

بعد أن قضيا وقتًا ممتعًا في الماء وتجاوزت نور خوفها بفضل تشجيع ريان، خرجا وتوجها مشيًا على الأقدام لبعض الوقت على طول الشاطئ، بينما كانت أشعة الشمس الذهبية تبدأ في الميل نحو المغيب معلنة نهاية نهارهم الأول.

عاد الاثنان إلى الجناح الخاص بهما لأخذ قسط من الراحة وتغيير ملابسهما بعد ملوحة ومياه البحر، حيث ارتدى ريان ملابس أنيقة وبسيطة، بينما تألقت نور بفستان ناعم يناسب أجواء السهرة الهادئة على شاطئ البحر.

قررا تناول عشاء رومانسي في أحد المطاعم المطلة مباشرة على المياه. جلسا على طاولة صغيرة زينتها الشموع الهادئة، وأمضيا الوقت في تبادل أطراف الحديث الضاحك والذكريات، بينما تداعب أمواج البحر سكون الليل في خلفية تفيض بالدفء والحب.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل