سم الحروف - الفصل 21 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (21)



تابعت كاميليا ما يجري، ولاحظت تركيز ياسين الشديد فيما يحدث حوله، قبل أن تحول بصرها نحو ريان لتلتقط نظرات الاستغاثة والتوسل في عينيه وكأنه يرجوها أن تتدخل وتنقذه من هذا المأزق.

وقبل أن تتحرك أو تنطق بحرف، قطع جمال الصمت بهتاف مرح وهو يوجه حديثه إليه مباشرة:

ـ إيه يا ريان، مقولتش ردك على طلبي؟

حاول ريان أن يخفي توتره وابتسم ببلاهة مصطنعة ليغطي على الموقف، ورد بصوت متحفظ:

ـ مافيش مشكلة يا عمي.. يلا يا حبيبة.

تحرك الجميع معًا لمغادرة الفيلا، متجهين نحو أحد النوادي القريبة للاحتفال بحفل خطبتهم وعقد قرانهم وسط أجواء الصخب والفرح، بينما بقي عقل ريان معلقًا هناك، يتمنى لو أنه استطاع الهروب والعودة إلى حيث تكمن حيرته الحقيقية.

غادر ياسين برفقة كاميليا متجهين إلى منزلهم، بينما انتقلت الأجواء إلى النادي حيث صاخبة الموسيقى وضوضاء الاحتفالات. جلس كل ثنائي على طاولة خاصة بهم في زوايا المكان، بينما جلس ريان برفقة حبيبة على طاولة هادئة نسبيًا.

تقدم النادل بخطوات سريعة ليضع أكواب العصير على الطاولة قبل أن يغادر في الحال، تاركًا إياهما وسط صخب المكان. ظلت حبيبة متكئة برأسها قليلًا، تطالعه بنظرات يملؤها الإعجاب الشديد والشغف الواضح، وكأنها لا ترى أحدًا سواه في المكان، بينما كان ريان غارقًا في عالمه الخاص، يتهرب من نظراتها شاردًا بذهنه بعيدًا عن هذه الطاولة برمتها.

ظل ريان صامتًا لعدة لحظات، شاردًا بذهنه بعيدًا عن الطاولة، قبل أن تقرر حبيبة كسر هذا الجمود لتتقرب منه بسؤال هادئ عن طبيعة عمله:

ـ طول السهرة وأنت ساكت يا ريان.. كلمني عن شغلك كطيار، وإيه أكتر الدول اللي بتقضي فيها وقتك وبتسافر لها بحكم شغلك؟

التفت إليها ببطء، وبدت على وجهه ملامح التكلف وهو يحاول مجاراة الحديث، فأجاب بنبرة جافة وخالية من الشغف:

ًـ الشغل ماشي كالعادة.. طبيعة السفر بتكون متعبة ومتقلبة، وغالبًا أغلب رحلاتي بتكون ما بين دول الخليج وأوروبا بحكم خطوط الطيران والجدول المتبقي.

توقفت لحظة لتتأمل جفاذه، ثم سألته باهتمام واضح:

ـ وأنت في الطيارة، مش بتزهق من كتر السفر وتغيير المواعيد ده؟ ولا اتعودت؟

أجابها باختصار وهو يشيح ببصره عنها قليلًا نحو أجواء النادي:

ـ مع الوقت الواحد بيتعود، بيبقى شغل عادي.

ابتسمت حبيبة بخفة محاولة أن تبث بعض الحيوية في الحديث، ثم تابعت بصوت هادئ:

ـ يمكن عشان شغلك كله حركة وسفر بتحس بالملل أحيانًا.. عكسي تمامًا، أنا الفترة دي منغمسة بالكامل في دراستي. تخصص إدارة الأعمال في جامعة كولومبيا واخد كل وقتي وتفكيري، والمحاضرات والدراسة هناك بجد عالم تاني خالص.

شعر ريان بأن بقاءه أصبح ثقيلًا ومحمولًا بتوتر لا يطيقه، فقرر استغلال طبيعة عمله للانسحاب بهدوء. التفت إليها وبدت على ملامحه مسحة من الجدية، ليقاطئ حديثها بصوت هادئ ومتحفظ:

ـ معلش يا حبيبة، أنا مش مركز خالص النهاردة.. ورايا رحلة طيران بدري بكرة، ولازم أروح أرتاح.

ابتسمت حبيبة برقة متفهمة لظروفه، وردت ببساطة:

ـ لا ولا يهمك يا ريان، سلامتك.. اتفضل طبعًا.

استقام ريان من جلسته واتجه معها إلى السيارة ليوصلها إلى منزل خالها شاكر حيث تقيم. طوال الطريق ساد الصمت بينهما، وحين وصلوا أمام الفيلا، ودّعها باختصار لتنزل وتدخل، بينما تحركت سيارته ليعود إلى منزله.

وما إن همّ بمغادرة فيلا شاكر حتى لاحظ ضوءًا خافتًا ينبعث من نافذة غرفة نور. توقف مكانه لوهلة، وشعر برغبة ملحة للاطمئنان عليها ورؤيتها بعد كل ما حدث، لكنه سريعًا ما أشاح بنظره عنها، ليتحرك بخطوات سريعة متجنبًا البقاء حتى لا يضعف أمام نبضات قلبه، مغادرًا المكان في طريقه لبيته.

اتجه ريان إلى منزله بخطوات متعبة، وصعد مباشرة إلى غرفته ليتخلص من ملابسه ويجلس على حافة فراشه يفكر في كل أحداث هذه الليلة، مترددًا بين صدى حديثه مع نور وبين ما حدث. ما إن أغلق عينيه حتى تملكه ضيق شديد وهو يتذكر طلب جمال بأن يخرج هو وحبيبة بمفردهما؛ فشعر بغصة غضب داخل صدره. لم يستطع كبح مشاعره أكثر من ذلك، فمد يده إلى هاتفه، وقرر أن يرسل لنور رسالة رومانسية تخفف عنه وعنها:

رغم كل تعب اليوم وصخبه، ما فكرت في غيركِ، كأن عيني لا تستطيع إغماض أجفانها قبل أن تطمئن أنكِ بخير. وجودكِ هو الهدوء الوحيد في وسط كل هذه الفوضى.. تصبحي على خير يا ملاكي.

انتظر لبرهة وعيناه معلقتان على الشاشة متأكدًا من وصول الرسالة وظهور علامة الإرسال، بينما كان قلبه ينبض بقلق بانتظار أي رد.

أما عند نور، فكانت تجلس وحيدة في غرفتها، تائهة في أفكارها وهي تتذكر حديث ريان معها واعترافه الصادق بمشاعره تجاهها. لكن هذا الدفء تحطم على صخرة الشك والغيرة، حين تذكرت بقسوة كيف رأته قبل قليل من شباك غرفتها وهو يوصل حبيبة ويعود بها.

وفجأة، رنّ هاتفها معلناً عن وصول رسالة جديدة. انتفض قلبها بخوف مفاجئ، وأغمضت عينيها بشيء من الهلع متأثرة بذكريات مؤلمة وسيئة تخشى تكرارها. ببطء شديد وأصابع ترتجف من القلق والريبة، أمسكت الهاتف لتفتح الرسالة، وتطلع إليها بتوتر وشحوب، غارقة في مزيج من الحيرة والشك حول صدق كلماته بعد ما رأته عيناها مع حبيبة.

نظرت نور إلى الرسالة طويلًا، ثم أغلقت شاشة الهاتف بحدة وضعتْه على الطاولة بجوارها، وقررت أن تحاول النوم لعل عقلها يهدأ من صخب الأفكار والشكوك التي تنهشه.

أما في غرفة ريان، فقد ظهرت على شاشة هاتفه علامة قراءة الرسالة وتأكد من وصولها، فتنفس الصعداء قليلًا، ووضع هاتفه جانبًا واستسلم لسلطان النوم بعد ليلة طويلة ومحملة بالتوتر.

وفي تلك الأثناء، فتح باب الفيلا بهدوء وصدح صوت خطوات هادئة في الردهة؛ فقد وصل حمزة وكارما عائدين في وقت متأخر، ليصعد كل منهما بخطوات متعبة إلى غرفته مستسلمين للنوم ونهاية هذه الليلة الطويلة.

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي، كان شاكر يجلس في الصالة برفقة جمال ونور، بينما كانت نور تعيد بتوتر سرد أحداث الأمس في رأسها، ولا سيما رسالة ريان التي مازالت تردد أصداؤها في عقلها.

قطع سكون المكان صوت جمال وهو يلتفت نحو شاكر بنبرة تخفي خلفها الكثير:

ـ قولي يا شاكر.. تعرف إيه عن ريان؟

أجاب شاكر باختصار ودون اهتمام يذكر:

ـ طيار.

توسعت ابتسامة جمال بخبث وهو يرمي شباكه بحذر، وتابع بنبرة توحي بالمكر:

ـ واضح أنه شاب كويس.. يا ترى فيه حد في حياته ولا لا؟

كانت نور تتابع حديثهما بقلب يرتجف وأعصاب مشدودة، لكنها تظاهرت بالهدوء التام والاندماج في تصفح هاتفها، محاولة بشتى الطرق أن تبدو غير مهتمة بما يدور.

استرسل جمال في حديثه متسائلًا ومؤكداً على شكوكه:

ـ يا ترى فيه حد في حياته ولا لا؟ بس أظن مفيش.. لو فيه، كانت حضرت الخطوبة، ولا إيه رأيك؟

لكن صوت شاكر قطع أفكارها ببرود وهو يجيب:

ـ فيه.. في حياته واحدة، وقريب هيعلن ارتباطه بيها.

وكأن صاعقة هزت جدران الغرفة، تجمدت الحروف في أذن نور وانحبست أنفاسها في صدرها. لم تعد قادرة على احتمال حرف آخر؛ فوقفت بسرعة لتفر إلى غرفتها هاربة، وما إن خطت خطوات قليلة حتى اختل توازنها، وفقدت وعيها لتسقط أرضًا قبل أن تبلغ الباب.

لم يكتمل صدى سقوطها حتى هبّ شاكر وجمال من مكانيهما بفزع، وركضا نحوها بخطوات متسارعة يخترقها القلق والخوف. انحنى شاكر بجوارها سريعًا بملامح شاحبة، بينما هتف جمال بصوت مرتبك وهلع:

ـ سوسن!.. يا سوسن الحقينا!

علّق صدى نداء جمال في المكان، فهرعت سوسن من الداخل بخطوات مفزوعة، لتجد ابنتها ملقاة على الأرض فاقدة الوعي. تعاون شاكر وجمال على حملها بحذر شديد، وصعدوا بها سريعًا إلى غرفتها، وقلوبهم تكاد تخفق رعبًا عليها وهم يحاولون بكل الطرق إفاقتها.

مرت لحظات ثقيلة وثيرة من التوتر والقلق، حتى بدأت جفونها تتردّد ببطء، وفتحت عينيها بتثاقل وغواشي الشتات تملأ بصرها. لتستفيق على وجوه محيطة بها، وتجد والدتها تجلس بجانبها على السرير بلهفة بالغة، وعيناها تمتلئان بالخوف والدموع وهي تربت على كفها بحنان وقلق.

ما إن رأت سوسن ابنتها تفتح عينيها حتى تنفست الصعداء بلهفة، وقالت بصوت يغلفه القلق:

ـ حمد لله على سلامتك يا بنتي.. حاسة بايه؟ أنا هقوم أكلم الدكتور حالًا يجي يكشف عليكي.

حاولت نور أن تعدل جلستها بتثاقل، فرفعت يدها بضعف ومنعت والدتها بصوت خافت:

ـ لأ.. مفيش داعي يا ماما، أرجوكي متكلميش حد.. أنا كويسة، بس كل ما هنالك إني محتاجة أرتاح شوية وبس.

في هذه اللحظة، تبادل شاكر وجمال النظرات عند باب الغرفة وهما يطمئنان على حالتها، فقال جمال بصوت هادئ:

ـ طالما فاقت وبقت أحسن، نسيبها ترتاح يا سوسن، وابقي طمنينا عليها.

أومأ شاكر برأسه موافقًا، وغادرا معًا بهدوء من الغرفة، تاركين سوسن وحدها بجانب ابنتها لتأخذ نصيبها من الراحة.


استيقظ ريان، وجلس في غرفته لبعض الوقت، ناظرًا إلى هاتفه مرارًا علّه يجد ردًا على رسالته لنور، ليشعر بتوتر خفي يتسلل إلى صدره. هبط إلى الأسفل ليجد والدته كاميليا تجلس وحدها في حديقة المنزل، فأقترب منها بهدوء وجلس بجوارها، ثم اسند رأسه على كتفها بحركة عفوية تحمل كل تعب أيامه وتشتتها.

شعرت كاميليا بثقل رأسه على كتفها، فرفعت يدها الرقيقة لتتحسس وجهه بحنان أمّ تفهم لغة صمت ابنها قبل كلامه، وهتفت بهدوء:

ـ إيه الحكاية يا ريان؟ مالك يا حبيبي؟

تنهد بعمق، ورفع رأسه لينظر إليها مباشرة، قبل أن يهتف بنبرة جادة يملؤها الإصرار:

ـ عايز أخد خطوة بقى يا ماما.. أنا اتكلمت مع نور امبارح في الحفلة.

تهادت ملامح كاميليا بابتسامة دافئة محبّة، وقالت وهي تطيل النظر إليه بتشجيع:

ـ احكي لي.. حصل إيه؟

أخذ نفسًا طويلًا، ثم أخبرها بكل ما دار بينهما تفصيلياً، بكل كلمة وكل نظرة، وكيف سارت الأمور بينهما في تلك الليلة.

استمعت له كاميليا بهدوء تام، واحتوت كلامه بوعي أمّ خبيرة، ثم أخبرته أن ينتظر قليلًا ولا يستعجل في خطواته، مشددة عليه أن يحذر، فهي شعرت من حديث جمال بالأمس بأنه يخطط لشيء ما يخص ابنته وريان.

هز ريان رأسه مستوعبًا، وأخبرها أنه يريد فعلاً أن يتحدث مع نور لحسم الأمور، مؤكدًا أنه سيطلب مساعدة كارما في هذا الأمر فور عودته من رحلته في الغد.

ظلا يتحدثان معًا في هدوء، قبل أن ينضم إليهما حمزة ويجلس معهما. دار الحديث بينهم عن أجواء حفلة الأمس وما حدث فيها، وسط ضحكات خفيفة ومداعبات أخوية، إلى أن نظر ريان إلى ساعته ونهض قائلًا:

ـ طيب هطلع أبدل هدومي وأجهز، عشان الحق المطار.

صعد ريان إلى غرفته بخطوات هادئة، وبدل ملابسه بسرعة، ثم جمع أغراضه الأخيرة وتأكد من جواز السفر وتذاكر السفر. عاد بعدها ونزل إلى الأسفل ليودعهم قبل رحيله، فوقف بينهم يصافحهم بحرارة ويتبادل معهم الكلمات الطيبة والدعوات بالسلامة، قبل أن يتجه نحو الباب مودعاً إياهم على أمل اللقاء القريب.

مر اليوم في هدوء، وفي اليوم التالي عاد ريان، وقرر أن يتحدث مع كارما التي كانت جالسة في غرفتها، فوقف أمامها مباشرة ليبدأ الحديث معها بهدوء.

جلس ريان جوار كارما على الأريكة وقال بنبرة رجاء:

ـ أرجوكِ يا كارما ساعديني أتقابل مع نور... فكري معايا في طريقة، اكلمها أقولها إيه؟

نظرت إليه كارما بتفكير لبرهة ثم ردت:

ـ خلاص، أنا هكلمها وأطلب منها تقابلني في النادي، ومن غير ما تحس إنك موجود.

أومأ ريان بلهفة:

ـ تمام، اعملي كده وأنا هكون هناك فورًا.

بالفعل، أمسكت كارما هاتفها واتصلت بنور، وبعد حديث قصير وافقت نور على اللقاء. وفي الموعد، ركبت نور السيارة مع السواق متجهة إلى النادي، بينما تحرك ريان بسرعة البرق ليصل إلى هناك ويسبقها لانتظارها.

وصلت نور إلى النادي، وبحثت بعينيها عن كارما فلم تجدها في الأرجاء، فقررت الجلوس في مكان هادئ تنتظرها فيه. وفي تلك اللحظة، وصل ريان إلى النادي باحثاً عن نور، فوقع بصره عليها وهي جالسة ويبدو الحزن ظاهراً على ملامح وجهها.

اقترب منها بحذر شديد، حتى وقف أمام طاولتها مباشرة. وحين رفعت عينها ورأته يقف أمامها، نهضت فورًا لتغادر المكان هاربة من لقائه، فتحرك بسرعة ليقف في طريقها مانعًا إياها من الذهاب. حاول أن يمد يده ليمسك بمعصمها بلطف لتهدئتها، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة احترامًا لموقفها، وهتف بنبرة هادئة يملؤها الصدق:

ـ خلينا نتكلم سوا يا نور.. من فضلك.

توقفت مكانها والتفتت إليه، ثم هتفت بسخرية ووجع ظاهر في نبرتها:

ـ هنتكلم في إيه؟! أظن تشوف البنت اللي في حياتك أفضل.. كنت متوقعة إنك واضح وصريح، بس اكتشفت العكس.. ليك علاقات زيك زي غيرك!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظر إليها بدهشة محملة بالحيرة، وعقد حاجبيه غير مصدق لما يسمعه، قبل أن يسألها بصوت متجهم:

ـ قصدك إيه بالكلام ده؟ مين البنت اللي في حياتي؟!

التفتت إليه بعيون تلمع بالدموع وشرارة الغضب تشتعل فيها، وهتفت بانفعال:

ـ امبارح بس كنت بتعترف لي بحبك.. وبعدها بشوية بس شفتك مع حبيبة! والصبح عرفت أساسًا إن فيه واحدة تانية في حياتك! جاي تقولي بحبك وإنت مكشوف كده؟!

ثبت ريان نظراته في عينيهابثبات، وبنبرة جادة حاسمة لا تحتمل الشك، قال لها:

ـ أيوه، أنا بحبك.. ووجودي مع حبيبة امبارح كان موقف غصب عني اتحطيت فيه تمامًا.. وبعترف أه، فيه واحدة في حياتي فعلًا!

تسمرت نور في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة بالغة وهي تفاجأ بجرأته وصراحته وغرابته في الرد، وكأن كلماته وقعت عليها كالصاعقة. عجزت عن الابتلاع أو النطق لثوانٍ معدودة، ثم عقدت العزم على الابتعاد فورًا وعدم الاستماع لأكثر من ذلك، فاستدارت بخطوات سريعة متجاهلة إياه.

لكنه لم يدعها تذهب، بل رفع صوته بنبرة هادئة وقوية اخترقت صمت المكان ووصلت إلى أذنيها بوضوح تام:

ـ البنت دي إنتي يا نور!

تجمدت في مكانها فجأة، وكأن صوته كان حائط صدّ منيعًا منع قدميها من التقدم. استدارت ببطء شديد، ودموعها معلقة في رموشها، وعيناها تتسعان بذهول قاتل وهي تستوعب وقع حروفه. فتحت فمها لترد، لكن الكلمات هربت منها تمامًا، ووقف الهواء في صدرها عاجزاً عن التعبير أمام صدمة لم تكن في الحسبان.

تقدم خطوة صغيرة نحوها، وابتسم برقة وهو يشير بيده إلى الطاولة المجاورة، صوته يحمل دفئًا وهدوءًا خاصًا:

ـ تعالي نقعد يا نور.. علشان خاطري، خلينا نتكلم سوا بهدوء.

بين التشتت والصدمة، تحركت قدماها ببطء شديد دون أن تدرك، لتجلس على المقعد وهي شاردة وتايهة، وعيناها معلقتان بالأرض. نادى سريعًا على النادل وطلب كوبين عصير لهما، وما إن وضِع الطلب أمامهما حتى تنهد بعمق وبدأ يحدثها بصدق خرج من أعماقه:

ـ صدقيني يا نور.. أنا حبيتك من أول مرة شفتك فيها، حتى قبل ما أعرف أي حاجة عنك!

رفعت عينيها نحوه بذهول، وقالت بصوت مهتز وغير مصدق:

ـ ليه أنا يا ريان؟! أكيد معا بحكم شغلك وسفرك بنات كتير أوي في المطار وغيره.. اشمعنى أنا؟

قاطعها بحسم ونبرة يملؤها اليقين، وعيناه تغرقان في عينيها:

ـ السؤال ده إجابته مختلفة خالص يا نور.. أنا فعلًا شفت بنات كتير بحكم شغلي وسفري من بلد لبلد، بس الرابط اللي بينا ده مفيش إرادة لأي حد فيه.. القدر هو اللي جمعنا سوا، وخلانا نتقابل، وهو اللي خلاني أحبك بالشكل ده.

تذكرت نور رؤيتها له بالأمس وهو يقوم بتوصيل حبيبة إلى الفيلا، فعقدت حاجبيها وهتفت بنبرة متسائلة:

ـ طيب إيه علاقتك بحبيبة أصلًا؟! أنا شفتك وأنت بتوصلها امبارح الفيلا!

أجابها بثبات وصدق:

ـ والدها طلب أخرج أنا وهي مع مراد، كارما، حمزة، ويارا.. ما عرفتش أرفض واضطريت أوافق. وفعلًا خرجنا، ورجعت بدري.

أغمضت عينيها لثوانٍ وهي تستوعب كلماته، ثم فتحتهما لتتفوه بصوت يملؤه التردد:

ـ يعني مفيش حاجة بينك وبينها؟!

ابتسم لها بخفة واقترب خطوات قليلًا، ليهتف بنبرة هادئة وثابتة تذيب أي شك في قلبها:

ـ ما فيش أي حاجة خالص.. قلبي وعقلي ما فيهمش غيرك إنتي وبس يا نور، اطمني وخلي ثقتك فيا كبيرة.

ابتسم ريان بوضوح وعيناه تلمعان بجدية وعزم، ليقترب منها قليلاً ويهتف بنبرة حاسمة ومطمئنة:

ـ أنا مش هضيع وقت تاني يا نور.. أنا هجي أتقدم لك الليلة دي.

شعرت بتوتر مفاجئ يسري في عروقها، واهتزت دقات قلبها بقوة من مفاجأة جراءته وسرعة قراره، فحاولت إخفاء ارتباكها وقالت بصوت مهتز:

ـ الليلة؟! مستعجل أوي كده يا ريان.. طب بقولك إيه، تعالى نمشى شوية في النادي لحد ما أعرف أجمع أفكاري.

ابتسم بخفة لتخبطها اللطيف وأومأ برأسه موافقًا:

ـ اللي تعوزيه يا ستي، قومي نتنفس هوا ونتمشى، وأنا كده كده هوصلك لحد البيت، وهناك هحدد ميعاد مع والدك عشان أجيب والدي ووالدتي وأخواتي ونيجي نتقدم لك رسمي الليلة دي.

بالفعل، أنهيا جلستهم وتحركا معًا بخطوات هادئة حتى وصلا إلى محيط الفيلا. وما إن اقتربا، حتى كانت الفاجعة بانتظارهما؛ وجدا جمال يقف هناك وبجواره حبيبة، ليتسمر الاثنان في مكانهما بدهشة وصدمة من وجود نور وريان معاً بهذه اللحظة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم يتردد ريان لحظة واحدة وسط نظرات جمال وحبيبة المذهولة، بل تقدم بثبات وقوة، وتوجه مباشرة إلى شاكر والد نور الذي كان موجودًا بالمكان، ليهتف بنبرة واثقة ومسموعة:

ـ يا عمي، أنا جاي لحضرتك النهارده أنا ووالدي ووالدتي وأخواتي، عشان أطلب إيد نور رسمي.. وعايز أخد رد حضرتك.

ابتسم شاكر بهدوء ودفء وسط دهشة الجميع، وأومأ برأسه موافقًا ليهتف بنبرة مرحبة:

ـ على خيرة الله يا ريان.. البيت بيساع من الحبايب ألف، وأنا مستنيكم بالليل.

وما إن سمعت نور كلمات والدها ووجدت الأنظار تتجه نحوها، حتى تسرب الخجل إلى وجهها، فالتفتت مسرعة ودلفت إلى الداخل، لتصعد أدراج منزلها بخطوات حثيثة نحو غرفتها وكأنها تهرب من نظرات الجميع وهي تحاول التقاط أنفاسها وسط دقات قلبها المتسارعة.

أما ريان، فاستدار بخطوات سريعة وملؤها الحماس، وانصرف عائدًا لمنزله ليبلغ والدته بكل ما حدث ويستعدان سويًا لتلك الليلة الفارقة.

دخل ريان إلى المنزل بخطوات سريعة وملامح وجهه جادة ومفتعلة للعبوس، وما إن خطا دلف إلى الصالون حتى وجد كارما ووالدته بانتظاره على أحر من الجمر للاطمئنان على ما جرى.

طالعته كارما بلهفة وهي تنهض من مكانها، لتهتف بتوتر:

ـ ها يا ريان؟ طمنّا، عملت إية وقابلت نور ولا لأ؟!

أخذ ريان نفسًا عميقًا وأظهر إحباطًا مصطنعاً، ثم مرر يده على شعره وقال بصوت مثقل بالحزن المفتعل:

ـ للأسف.. نور رفضت تسمعني خالص، ورفضت تمامًا أي كلام، وقالت إنها مش عايزة أي علاقة تكون بيننا أصلًا!

تجمدت ملامح كاميليا وكارما بصدمة، وعقدت كارما حاجبيها بقلق وهي غير مصدقة ما يسمعه:

ـ إزاي يعني رفضتك؟! مش معقول!

أومأ ريان برأسه بأسى مصطنع، وجلس على أقرب مقعد وهو يضع رأسه بين يديه، متنهدًا بعمق ليُكمل تمثيله المتقن للحزن:

ـ حاولت معاها بكل الطرق، بس مفيش فايدة.. قفلت الباب تمامًا وقالت لي إنها مش عايزة أي علاقة تكون بيننا أصلًا.

نظرت كاميليا إلى كارما بقلق بالغ، ثم اندفعت كارما تقول بعزم وهي تمسك هاتفها الموضوع على الطاولة أمامها:

ـ مش هسكت، لازم أكلمها دلوقتي وأفهم منها إيه اللي حصل، مستحيل تسيب الأمور تقف بالشكل ده!

وما إن همّت بضغط زر الاتصال حتى خطف ريان الهاتف من يدها بسرعة، ثم تنهد وهو ينظر إليهما بجدية، متخليًا عن قناع الحزن ليقول:

ـ سيبيها يا كارما، الموضوع مش مجرد سوء تفاهم عادي.. نور شافتني امبارح وأنا بوصل حبيبة الفيلا، ومن وقتها وهي معتقدة إن فيه علاقة بيني وبينها، ورافضة تمامًا تصدق أي مبرر بقوله.

في تلك اللحظة، فُتح باب الفيلا ودخل ياسين بخطوات سريعة ومرحة، فهو قد تلقى اتصالًا من ريان وهو في طريقه، وعلم منه أنه أخذ ميعادًا رسميًا الليلة للتقدم لنور، فكان يتوقع أن يستقبله الجميع بالفرح والتهليل.

توقف ياسين فجأة في منتصف الصالون، وهو يرى كاميليا وكارما في حالة من الحزن والتوتر، وريان يجلس بملامح كئيبة لا تناسب الخبر الذي سمعه قبل دقائق.

نظر ياسين بينهم باستغراب شديد، ثم سأل بذهول:

ـ إيه ده؟! فيه إيه؟ المفروض ألاقيكم بتجهزوا نفسكم عشان ميعاد بالليل، مالكم زعلانين كده ليه؟!

نظرت كاميليا إلى ياسين بتعجب وهتفت بانفعال:

ـ ميعاد إيه؟!

التفت ياسين إليها، ثم نظر إلى ريان بابتسامة خبيثة وقال:

ـ هو ريان مبلغكوش ولا إيه؟!

ضيقت كارما عينيها بقلق وقالت بحدة:

ـ بلغنا بإيه يا بابا.. اتكلم!

ابتسم ياسين بسخرية وهو يشير برأسه نحو ريان:

ـ اسألوا الباشا.. ما هو بيعمل عليكم مقلب كالعادة.

هنا لم يمتلك ريان نفسه أكثر من ذلك، فانفجر في ضحكة عالية، وهو يرفع يديه للاستسلام قائلًا:

ـ خلاص خلاص.. أصلكم صدقتوا بسرعة!

هبت كارما واقفة بذهول، والتفتت كاميليا إلى ريان بصدمة، لتخترق عيون كارما شقيقها وهي تهتف بصوت غاضب:

ـ أنت بتهزر؟! يعني نور موافقة وكل ده كان مقلب؟! بتشتغلنا يا ريان؟!

انفجر ريان ضاحكًا وهو يرى صدمتهما تتحول إلى نظرات غضب، وما إن نطق بكلمته الأخيرة حتى نهضت كارما كالإعصار وهي تلتقط أقرب وسادة من على الأريكة، وصرخت بصوت يملؤه المرح والغضب المفتعل:

ـ بقى بتشتغلني يا ريان؟!

انطلق ريان هاربًا نحو الردهة وهو يقهقه بأعلى صوته، بينما كانت كارما تلاحقه وهي تصيح:

ـ اقف عندك يا ريان! هتموت وتستمتع بموقفي وأنا مصدقة تمثيلك ده، صح؟!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كاميليا وياسين كانا يتابعان المشهد بضحكات متتالية؛ كاميليا تضع يدها على وجهها وهي تحاول استيعاب المقلب، وياسين يهز رأسه ضاحكًا وهو يراقب ريان وهو يلتف حول طاولة السفرة ليحمي نفسه من ضربات وسادة كارما.

في لحظة طيش، تعثر ريان وهو يحاول تغيير اتجاهه، فتوقفت كارما فجأة لتضحك على منظره، ليغتنم هو الفرصة ويقفز خلف كاميليا ليحتمي بها، وهو يلهث من الضحك:

ـ يا ماما! الحقيني، بنتك اتجننت وعايزة تخلص عليا قبل ما أروح أتجوز!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ضحكت كاميليا وهي تدفع ريان بخفة أمامها:

ـ تستاهل، كنت ممثل شاطر زيادة عن اللزوم يا ريان!

تدخل ياسين بابتسامة وهو يرفع يديه ليهدئ الأجواء، بينما يقترب منهم بخطوات هادئة:

ـ خلاص يا جماعة اهدوا بقى، بلاش تعذيب للعريس.. قدامنا ليلة مهمة ومش عايزين ريان يروح خطوبته وهو مبهدل!

في تلك اللحظة، فتح باب الفيلا مرة أخرى ليدخل حمزة، ليتفاجأ بحالة المرح والضحك المنتشرة في المكان. نظر حمزة إليهم باستغراب وابتسامة واسعة تزين وجهه:

ـ إيه ده، واضح إني فايت كتير.. فيه إيه، مقلب جديد ولا إيه الحكاية؟

هتفت كارما وهي تلتقط أنفاسها وتعدل خصلات شعرها:

ـ ريان عمل فينا مقلب ودخل فهمنا إن نور رفضته وقفلت الموضوع تماماً.. وطلع بيشتغلنا!

ضحك حمزة وهو ينظر إلى ريان بغمزة ماكرة:

ـ عملها الباشا! بس تستاهلوا عشان بتصدقوا بسرعة.

التف الجميع حول السفرة بعدما هدأ التوتر وحل مكانه جو من البهجة والتفاؤل، وتجمعوا لتناول طعام الغداء معاً في أجواء عائلية دافئة تخللتها القفشات والتعليقات الساخرة من مقلب ريان.

وبعد الانتهاء من الغداء، نهض الجميع بنشاط، وتوجه ريان وياسين وحمزة إلى الأعلى للتحضير وارتداء ملابسهم الرسمية استعداداً للذهاب لقاء شاكر في موعدهم المنتظر.

❈-❈-❈

لاحظت ميار نظرات الضيق التي رسمت نفسها على وجه جمال منذ لحظة معرفته برغبة ريان في الارتباط بنور، وفضلت أن تنتظر حتى ينفردَا بأنفسهما لتستفسر منه عما يدور في ذهنها.

بعد قليل، تحركت ميار بخطوات هادئة نحو غرفتهما، وما إن أغلقا الباب حتى التفتت إليه وقالت بنبرة هادئة:

ـ جمال.. أنا لاحظت إنك مكنتش مبسوط خالص لما عرفت موضوع ريان ونور ده.. فيه إيه؟

نظر إليها جمال لبرهة، ثم بادلها السؤال بجدية:

ـ قولي لي الأول يا ميار.. إنتي كنتي عارفة إن ريان ونور فيه ما بينهم حاجة من زمان ولا لأ؟

أومأت ميار برأسها بهدوء، وأجابت:

ـ أيوة.. كنت عارفة. بس إنت بتسأل ليه؟ إيه اللي يضايق في إن ريان يرتبط باللي بيحبها؟!

تنهد جمال بعمق، وأجاب بصوت منخفض:

ـ لأني كنت باخطط لحاجة تانية خالص.. كنت عايز ريان يرتبط بحبيبة مش بنور.

اتسعت عيناها بذهول، وهتفت ميار بصدمة وهي غير مصدقة ما تسمعه:

ـ حبيبة؟! إنت بتقول إيه يا جمال؟! دي لسه بتدرس، وبعدين ريان ونور بيحبوا بعض، إزاي تفكر في حاجة زي دي أصلًا؟!

اقتربت منه وحاولت أن تهدئ من حدة نبرتها، فوضعت يدها على ذراعه وهي تضيف بهدوء:

ـ ريان اختار طريقه مع نور، والقلوب مش بيدينا.. سيبهم يفرحوا وربنا يسعدهم.

تنهد جمال بعمق وأشاح بنظره لبرهة، قبل أن تلين ملامحه تدريجيًا متأثرًا بكلماتها العقلانية، فهز رأسه بهدوء مستسلمًا للأمر الواقع:

ـ عندك حق.. أنا بس كنت راسم حاجة تانية في دماغي وكنت بتمناه لبنتي، بس طالما هو اختار يبقى ربنا يوفقهم ويكتبلهم الخير.

أومأت ميار برأسها وهي تستعد للخروج من الغرفة:

ـ عندك حق.. أنا هقوم أروح لحبيبة أطمن عليها وأشوفها عاملة إيه.

تحركت ميار بخطوات هادئة نحو غرفة حبيبة، وما إن اقتربت حتى استمعت لصوت شهقات خفيفة من الداخل. طرقت الباب برفق ثم فتحته بحذر، لتنقبض قلبها عندما رأت حبيبة جالسة على السرير وتخفي وجهها بين كفيها بينما تذرف الدموع بصمت.

أسرعت ميار نحوها وجلست بجانبها على السرير، واحتضنتها بحنان دافئ وهي تمسح على شعرها برفق:

ـ حبيبتي يا حبيبة.. مالك بس يا روحي، إيه اللي زاعلك كده؟

رفعت حبيبة عينيها المدمعتين ونظرت إلى والدتها بصوت متقطع يملؤه الحزن:

ـ مفيش يا ماما.. بس أنا حاسة بوجع ومش قادرة أستوعب.

ابتسمت ميار بحنان وأخذت كفها بين يديها لتلطف من روعها، وقالت بصوت هادئ ومطمئن:

ـ يا حبيبتي، اللي حسيتي بيه ده مجرد إعجاب أو تعلق بشخصية ريان، بحكم قربه وطيبته، وده شعور طبيعي جدًا في سنك.. لكن ده مش حب حقيقي يا بنتي، بكرة ربنا يبعت لك اللي يستاهل قلبك وتحبيه بجد ويبقى من نصيبك.

تنهدت حبيبة بعمق، وبدأت شهقاتها تهدأ تدريجياً تحت تأثير كلمات والدتها الحانية واحتضانها الدافئ، فهزت رأسها ببطء وكأنها تبدأ في استيعاب الأمر واستعادة هدوئها.


تنتقل الأجواء إلى غرفة نور، حيث تسود حالة من التوتر الممزوج بالفرحة والترقب وهي تستعد لاستقبال ريان وعائلته. تجلس أمام طاولة الزينة بينما تقف بجانبها والدتها ويارا لمساعدتها في اللمسات الأخيرة.

كانت سوسن تضبط خصلات شعر ابنتها بحنان، وتنظر إليها بابتسامة واسعة لتخفف من توترها:

ـ ما شاء الله يا حبيبتي، عروسة زي القمر.. بطلي توتر بقى عشان كل حاجة تبقى تمام.

أخذت نور نفسًا عميقًا وهي تنظر إلى انعكاس وجهها في المرآة، وقالت بصوت مرتبك يملؤه القلق:

ـ أنا مش مصدقّة إن ده بيحصل بجد يا ماما.. حاسة إن قلبي هيوقف من كتر الخوف.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اقتربت منها يارا بخطوات سريعة، ووضعت يدها على كتفها بابتسامة مشاكسة لتستفزها قليلًا وتخرجها من حالة القلق:

ـ بطلي توتر بقى يا عروسة.. الباشا زمانه جاي في الطريق دلوقتي مع باباه وعيلته عشان يطلب إيدك رسمي.

توردت وجنتا نور بخجل، وهزت رأسها بابتسامة خفيفة وهي تعتدل في جلستها لتلتقط أنفاسها المنتظمة.

ساد الصمت لثوانٍ بينما كانت سوسن تضع اللمسة الأخيرة على إطلالة ابنتها، ثم نظرت إلى نور ويارا بابتسامة مطمئنة وقالت:

ـ هسيبكم أنا دلوقتي وأروح أشوف التجهيزات تحت، وأستقبل الناس لما يوصلوا.. خلوا بالكم من نفسكم.

خرجت سوسن من الغرفة بخطوات واثقة، ونزلت إلى الطابق الأسفل حيث كان شاكر وجمال يقفان عند المدخل استعدادًا لاستقبال الضيوف. لم يمر وقت طويل حتى توقفت سيارات عائلة ريان أمام البوابة، وخرج منها ريان يتبعه والده ياسين وبقية أفراد العائلة.

سارع شاكر وجمال لاستقبالهم بترحيب حار، وتبادل شاكر العناق مع ياسين بحرارة، بينما كان جمال يصافح ريان بابتسامة مهذبة، رغم ما يدور في خاطره، قائلًا بصوت جهوري يملؤه الترحاب:

ـ يا ألف أهلًا وسهلًا.. البيت نور بوجودكم، اتفضلوا، البيت بيتكم!

أومأ ياسين بامتنان وقال وهو يخطو للداخل برفقة ريان:

ـ تسلم يا شاكر، ده نوركم اللي استقبلنا.. إحنا اللي سعداء بوجودنا معاكم النهاردة.

مع دخول الضيوف وجلوسهم في مجلس الاستقبال، التقت عيون مراد بـ كارما التي كانت تقف بالقرب، فتبادلا نظرات سريعة تحمل الكثير من المعاني الخفية والابتسامات المتبادلة.

التفتت كاميليا بعد ذلك إلى سوسن وقالت بابتسامة ودودة وهي تبحث بعينيها في المكان:

ـ أومال فين نور يا سوسن؟ مش باينة يعني!

ابتسمت سوسن وأجابتها برقة:

ـ في أوضتها يا حبيبتي، كنت لسه طالعة أناديها..

ما إن انتهت سوسن من جملتها حتى تقدمت كارما بخطوات سريعة وابتسامة واسعة، وقالت بجرأة ومشاكسة:

ـ خليكي مرتاحة يا طنط.. سيبيني أنا أطلع أنزل عروسة أخويا بنفسي!

تعالت ضحكات الحضور بخفة على جرأة كارما وطريقتها المرحة، فهزت سوسن رأسها بابتسامة حانية وهي توافقها، لتتحرك كارما سريعاً نحو السلم متجهة إلى غرفة نور.

صعدت كارما السلم بخطوات خفيفة متجهة إلى غرفة نور، وما إن فتحت الباب ودلفت للداخل حتى تفاجأت بإطلالة نور، لتطلق صفارة إعجاب قصيرة وهي تنظر إليها بذهول مصطنع:

ـ مين دي يا يارا؟!

التفتت يارا ناحيتها وضحكت بخفة، لتكمل كارما وهي تقترب منها بتعجب مازح:

ـ لا، معلش.. فين نور لو سمحتي؟ دي واحدة تانية خالص!

ابتسمت نور بخجل وأشادت بكتفيها بتلقائية وهي تقول:

ـ أنا برضه بقول بلاش الفستان ده وألبس بدله، أنا أصلًا مش متعودة على الفساتين وحاساها مأڤورة!

وما إن همت بالتحرك نحو الدولاب لتغيير ملابسها، حتى أسرعت كارما ومسكت بيدها بملامح ماكرة وابتسامة خبيثة:

ـ بدلة إيه بس يا مجنونة؟! ده أنتِ لو لبستِ بدله، ريان مش هيتراجع عن قراره قدامي يا عروسة!

تعالت ضحكات يارا ونور على مداعبتها، بينما تأملت كارما فستان نور الرقيق البسيط؛ فقد كان مصممًا من قماش الشيفون الأبيض الناعم بقصة هادئة وبسيطة دون أي مبالغة، ينسدل برقة على قوامها ليعكس بساطتها وجمالها الطبيعي، مع خصلات شعرها التي كانت منسدلة بحرية على كتفيها لتزيدها إشراقًا.

نزلت كارما ونور الدرج ببطء، وكانت نور تبدو كأنها تمشي على جمر من شدة الخجل. وما إن بدأت خطواتها الأولى في قاعة الاستقبال، حتى تجمد ريان في مكانه تماماً بمجرد أن وقعت عيناه عليها.

بقي ريان صامتًا، يراقبها بذهول وكأنه يرى ملاكاً يمشي على الأرض، مما جعل الابتسامات تعلو وجوه الحضور مع ضحكات خافتة على تعبيرات وجهه التي لم يستطع إخفاءها.

أما كاميليا التي كانت تتابع المشهد بابتسامة دافئة، فقد أومأت لنور بيدها بلطف، مشيرة إليها أن تقترب منها، فتوجهت نور بخطواتها المترددة والمحمرة خجلاً لتجلس بجوارها، بينما لا تزال عينا ريان تلاحقها بإعجاب شديد لم يغب عن نظر الجميع.



« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل