سم الحروف - الفصل 20 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (20)



في المساء، وصل مراد برفقة شاكر، ومعهم شقيقته وزوجته، بالإضافة إلى يارا ونور اللتين حضرتا للمشاركة في هذه المناسبة المهمة ومشاركة كارما فرحتها.

كان في استقبالهم بحفاوة وترحاب كبير كل من ياسين وحمزة، برفقة كاميليا التي استقبلت الضيفات بابتسامة دافئة. تبادل الجميع عبارات الترحيب بحرارة، قبل أن يتحركوا جميعاً للجلوس في غرفة الاستقبال الواسعة لتناول القهوة وبدء الأجواء الرسمية، بينما ظلت كارما في غرفتها يغمرها التوتر والخفقات السريعة في انتظار ما ستسفر عنه الجلسة.

جلس الجميع في غرفة الاستقبال، وتبادل ياسين وكاميليا الترحيب الحار بالضيوف شاكر، وميار، بالإضافة إلى يارا ونور.

وأثناء ترحيب حمزة بالجميع، تلاقت عيناه بنظرات سريعة مع يارا، نظرات تحمل الكثير من الهدوء والاهتمام المتبادل وكأنها تحية صامتة بينهما وسط زحام المناسبة.

التفتت ميار بكامل توجهها نحو كاميليا وسألتها بلطف:

ـ أومال فين كارما يا كاميليا؟ شكلها مكسوفة ولا إيه؟

ابتسمت كاميليا بابتسامة دافئة وحانية، وأجابتها:

ـ قاعدة في أوضتها، هروح أجيبها بنفسي عشان تكون معانا.

نهضت كاميليا بهدوء متجهة نحو غرفة كارما، وفي تلك اللحظة اعتدل شاكر في جلسته، ووجه حديثه بوقار واحترام إلى ياسين، ليعلن سبب الزيارة قائلّا بصوت رزين:

ـ إحنا جايين النهاردة يا جماعة، وطالبين القرب منكم.. مراد شاب محترم ونتمناه، وطالب إيد كارما على سنة الله ورسوله، وأتمنى تفتحوا بيتكم لنا ونبقى أهل.

ابتسم ياسين برضا، بينما استعد الجميع لسماع الرد في أجواء يملؤها الود والترقب.

اعتدل ياسين في جلسته، وظهرت على وجهه ابتسامة هادئة، ليرد بترحيب واختصار:

ـ منورين يا جماعة، والبركة فيكم.. وعلى بركة الله، موافقين وطبعًا مبروك للعروسين.

علت ابتسامات الجميع في الغرفة وتبادلوا التهاني بحرارة، وارتفعت أصوات المباركات والبهجة التي ملأت المكان، بينما اقتربت ميار من كارما الجالسة معهم لتغمرها بعناق دافئ وتهنئها بابتسامة واسعة، وسط تباريك الجميع وفرحتهم الصادقة.

ابتسم شاكر برضا وسط أجواء البهجة، ثم أردف قائلًا بصوت هادئ ومطمئن:

ـ بما إننا بقينا أهل، فنحب ننجز الأمور.. إيه رأيكم نخلي الخطوبة كمان أسبوعين، عشان نكون لحقنا نجهز كل حاجة وتكون جمال وحبيبة راجعين بالسلامة من أمريكا ويحضروا الفرحة معانا؟

التفت الجميع بابتسامات موافقة، وتهلل المكان بالترحيب بالفكرة وسط تأكيد ياسين على سعادتهم بجمع العيلة كلها في المناسبة.

تحرك مراد بابتسامة واسعة، ليشارك في الحديث باقتراح حماسي:

ًـ بما إننا اتفقنا، فإيه رأيكم نخليها خطوبة وكتب كتاب في نفس الليلة؟ كدة نبقى خلصنا الإجراءات ونوفر الوقت، خصوصًا إن بابا وحبيبة راجعين من السفر بالسلامة، ويكونوا حاضرين معانا اللحظة دي كاملة.

التفت الجميع بترحيب وفرحة غامرة لهذا الاقتراح، وعلت تعبيرات الموافقة والتشجيع من ياسين وكاميليا وباقي الحاضرين وسط أجواء من البهجة.

نظر ياسين إلى مراد بابتسامة واسعة، وقد لمعت في عينيه فكرة جريئة ومناسبة لهذه اللحظة، فالتفت بهدوء إلى شاكر وقال بصوت دافئ يملؤه الود:

ـ طالما الحكاية فيها بركة وخير، ورايحين لنفس النهاية السعيدة.. إيه رأيك يا شاكر نخليهم فرحين في ليلة واحدة؟ أدي مراد وكارما، ونعمل معاهم خطوبة وكتب كتاب حمزة ويارا بالمرة، خصوصًا إننا بقينا أهل وعايزين نلم الشمل على خير.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

اتسعت عيون حمزة من الصدمة وعلت وجهه حمرة خفيفة، والتفت بسرعة نحو يارا التي تجمدت في مكانها وامتلا وجهها بالخجل، بينما تحولت أنظار الجميع إليهما وسط حالة من الذهول المفاجئ.

لم تتمالك ميار نفسها من الدهشة الممزوجة بالفرحة، فالتفتت إليهما بابتسامة واسعة قائلة بلطف:

ـ يا سلام! ده أنتوا كنتوا مخبيين علينا ولا إيه؟!

أما شاكر فنظر إلى ياسين بابتسامة واسعة مليئة بالمفاجأة والقبول، وهتف ضاحكًا:

ـ فكرة وزي الفل يا ياسين.. طالما الخير جيه لحد عندنا، يبقى على بركة الله نخليهم فرحين في ليلة واحدة!

علت أصوات التصفيق والزغاريد في أرجاء الغرفة، وانهال الجميع بالتهاني والمباركات على حمزة ويارا اللذين كان الخجل يكسو وجهيهما وسط ضحكات الحاضرين ومداعباتهم.

وما إن هدأت الأجواء قليلًا حتى بادر شاكر بابتسامة واسعة، وطلب منهم قراءة الفاتحة للعروسين الجدد قائلًا:

ـ على بركة الله، يلا بينا نقرأ الفاتحة لحمزة ويارا كمان، ربنا يتمم لهم على خير.

رفع الجميع أيديهم بخشوع، وترددت كلمات الفاتحة بصوت جماعي هادئ يملؤه البركة والرضا. وبعد أن انتهوا وارتسمت الابتسامات على وجوه الجميع، التفت شاكر إلى ياسين وكاميليا بنبرة مرحة قائلًا:

ـ بما إن الشباب بقوا خاطبين وبقوا جزء رسمي من العيلة، ما تخلوا يارا وحمزة يخرجوا هما ومراد وكارما يحتفلوا سوا برة شوية، يغيروا جو ويحتفلوا مع بعض بعيد عن قعدة الكبار؟

نظر ياسين إلى حمزة وكارما ثم إلى يارا، وظهرت على وجهه ابتسامة موافقة ومرحة وهو يرد:

ـ على خير يا شاكر، ما يغلاش عليهم.. توكلوا على الله يا ولاد، واقضوا سهرة لطيفة مع بعض.

ابتسمت كاميليا برقة وهي تنظر إلى نور التي كانت تجلس بهدوء، ثم اقترحت باهتمام:

ـ إيه رأيك يا نور تخرجي معاهم إنتي كمان يا حبيبتي، تغيري جو وتشاركيهم السهرة؟

ابتسمت نور بهدوء ورفعت عينيها باعتذار، قائلة بلطف:

ـ متشكرة جدًا لحضرتك يا طنط.. بس حاسة بإرهاق شوية وعايزة أرتاح، معلش اعذروني مش هقدر أروح معاكم المرة دي.

تدخلت سوسن متممة على حديث ابنتها باهتمام:

ـ معلش يا كاميليا، فعلاً شكلها تعبان ومحتاجة ترتاح.. واحنا كمان نستأذن بقى عشان نمشي.

نهض شاكر بعد حديثها، وودع ياسين وكاميليا بحرارة، قبل أن يتحرك برفقة زوجته سوسن، وشقيقته ميار، وابنته نور لمغادرة المنزل، بينما استعد الشباب مراد، وكارما، وحمزة، ويارا للخروج معًا للاحتفال.

تحرك الشباب الأربعة معًا في سيارة مراد، وبعد فترة قصيرة وصلوا إلى مكان هادئ وراقٍ يطل على إطلالة مميزة، أجواؤه هادئة ومناسبة للحديث.

وما إن نزلو من السيارة واتجهوا للجلوس، حتى بادر مراد بذكاء وابتسامة خبيثة لكي يترك مساحة لكل ثنائي بمفرده، قائلًا:

ـ إيه رأيكم يا جماعة، الجو هنا جميل وكل ترابيزة بعيدة عن التانية.. إحنا نقعد على الترابيزة دي، وأنتوا يا حمزة أنت ويارا خدوا الترابيزة اللي هناك دي أحسن.

ابتسم حمزة بخجل وهو ينظر إلى يارا التي انخفضت عيناها بتورد، بينما وافق مراد وأجلس كارما بجواره على الطاولة الأولى، ليتحرك حمزة ويارا بهدوء ويجلسا على الترابيزة الأخرى، ويبدأ سهرتهما الخاصة بعيدًا عن أعين الجميع.

جاء الصمت هادئًا ولطيفًا بينهما على الطاولة المجاورة، يحيط بهما هواء المساء المنعش وأضواء المكان الخافتة. ظل حمزة ينظر إليها بطرف عينه، محاولًا التقاط أنفاسه وسط خفقات قلبه المتسارعة، قبل أن يبتسم برقة ويكسر هذا الصمت المربك بصوت دافئ:

ـ لحد دلوقتي حاسس إن اللي حصل في بيت عياد كان حلم.. يعني تخيلي، في نفس الليلة وبدون أي مقدمات، نبقى قاعدين كلنا كدة وفجأة نبقى خاطبين رسمي!

رفعت يارا عينيها نحوه ببطء، وابتسامة خجولة ترتسم على شفتيها بينما تلون الخجل بوجهها، فأجابت بنبرة رقيقة هادئة:

ـ ولا أنا كنت مصدقة أصلًا.. عمي ياسين فاجأنا كلنا، وخصوصاً أنا.. حسيت إن الدنيا وقفت بيا لما فتح الموضوع ده، ومكنتش عارفة أبص فين من كتر الكسوف.

ضحك حمزة بخفة وهو يميل قليلًا نحوها، وقد لمعت في عينيه نظرة إعجاب عميقة وحنان طال كتمانه، قائلًا بصدق:

ـ تعرفي؟ من أكتر الحاجات اللي فرحتني في الليلة دي كلها، إن نهايتها ربطت اسمي باسمك.. كنت بتمناها من زمان، بس ما كنتش أتخيل إن القدر هيسرعها بالشكل الجميل ده.

توردت وجنتا يارا أكثر، وانخفضت عيناها بخجل وهي تعبث بأصابعها برقة، لكنها ردت بصوت هامس يحمل كل معاني القبول والود:

ـ وأنا.. بصراحة مكنش في بالي إن الموضوع هيبقى بالسرعة دي، بس يمكن عشان من قلبنا، ربنا كتبلنا نبقى سوا.

مد حمزة يده بحذر واهتمام على الطاولة، واضعًا إياها بقرب يدها في لمسة دافئة وحانية تبعث الطمأنينة في قلبها، وهمس بصوت صادق يلامس الروح:

ـ مبروك عليّا إنتِ يا يارا.. ومبروك عليا البداية دي اللي هتعوضنا عن كل ثانية استنيناها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

رفعت يارا وجهها ونظرت إليه بعينين تملؤهما السعادة والطمأنينة، وابتسمت بحب قائلة:

ـ الله يبارك فيك يا حمزة.. ويارب دايماً سوا.

على الطاولة الأخرى، بعيدًا قليلًا وفي أجواء هادئة يغلفها سحر المكان، كان مراد جالساً بجوار كارما التي مازالت عيناها معلقتين بالفراغ غير مصدقتين لما جرى قبل قليل. التفت إليها مراد، وابتسامة دافئة تزين وجهه، ليميل برأسه قليلاً ويهمس بصوت مليء بالحنين:

ًًـ لحد دلوقتي حاسس إني بكلم نفسي.. يعني تخيلي، مامتك كاميليا هي اللي وافقت بنفسها وخلت عمي ياسين يحدد ميعاد الخطوبة بكل سهولة، وفجأة بقينا قاعدين هنا رسميًا!

التفتت كارما إليه، وقد لمعت الدموع الخفيفة في عينيها من شدة التأثر والسعادة، وردت بنبرة تهتز رقة:

ـ ولا أنا قادرة أستوعب يا مراد.. كنت متوقعة الموضوع هياخد وقت طويل ومناهدة، بس طريقتها ومبادرتها هي وبابا حسستني إن الدنيا ضحكت لنا وأخيراً جمعتنا.

مد مراد يده ليحتضن كفها بين كفيه بحنان بالغ، وضغط عليها بخفة كأنه يثبت لنفسه ولها أنها حقيقة لا تمحى، ثم قال بصوت عميق وصادق:

ـ مبقاش فيه أي عائق خلاص يا كارما.. مباركة كاميليا لينا هي أحسن بداية عشان أقدر أخد الخطوة دي وأنا مطمن.

رفعت كارما بصرها ووضعت يدها الأخرى فوق يده بحب، وابتسمت وسط دموع الفرح قائلة:

ـ يمكن عشان صبرنا كتير، ربنا عوضنا الليلة دي بكل حاجة حلوة كنا بنتمناها.

اقترب منها أكثر في تلك اللحظة الهادئة، وهمس بنبرة عاشقة تلامس روحها:

ـ مبروك عليا إنتِ يا كارما.. ومبروك لقلبي إنه أخيرًا لقي مكانه الحقيقي جنبك.

ابتسمت كارما بعمق، وسلّمت أمرها لدفء اللحظة ولمساته الحانية، قائلة بصوت هامس:

ـ الله يبارك فيك يا مراد.. ويا رب العمر كله نبقى سوا.

استمرت سهرتهما معًا وسط أجواء المكان الهادئة وأضويته الخافتة، حيث تبادلا الحديث عن أحلامهما القادمة وتفاصيل البداية الجديدة التي ينتظرانها بفارغ الصبر، وكأن الساعات تنساب بسلاسة لتعوضهما عن كل وقت مرّ في الانتظار.

ومع اقتراب منتصف الليل، انتهت السهرة برقة وهدوء. نهضا معاً وخطا بخطوات منسجمة نحو الخارج، حيث رافقها مراد حتى وصل بها إلى منزلها. وقف الاثنان أمام الباب في اللحظات الأخيرة قبل أن تودعه، فالتفتت إليه كارما بابتسامة دافئة تزين وجهها، وقالت بصوت هامس:

ـ تصبح على خير يا مراد.. وأشكرك على أحلى سهرة وأجمل بداية.

نظر إليها بعينين تملؤهما السعادة والحنان، واردف بصوت دافئ:

ـ وأنتِ من أهله يا كارما.. خدي بالك من نفسك، وبكرة يبين لنا نهار جديد بكل حاجة حلوة.

لوّحت له برقة قبل أن تفتح الباب وتدخل، بينما وقف هو يتابعها حتى اختفت عن عينه، ثم استدار ليعود إلى بيته وقلبه يغمره شعور بالسلام والاطمئنان بأن القادم أفضل بكثير.

أما حمزة ويارا، فقد كانا في سهرة أخرى خاصة بهما في أجواء رومانسية هادئة تشبه سكون الليل وأنواره الدافئة. ظلا جالسين يتحدثان طويلاً عن تفاصيل مستقبلهما وكيف تحولت ليلتهما المفاجئة إلى حقيقة جميلة لا تصدق.

ومع انتهاء السهرة وانقضاء الوقت، رافقها حمزة حتى وصل بها إلى منزلها. وقف الاثنان أمام الباب للحظات أخيرة مليئة بالدفء، قبل أن تبتسم له يارا بخجل وتودعه قائلة:

ـ تصبح على خير يا حمزة.. وشكرًا على أحلى ليلة.

ابتسم لها بعمق وحنان، ورد بصوت هادئ يلامس قلبها:

ُـ وأنتِ من أهله يا يارا.. ارتاحي، وبكره يبدأ بينا طريقنا الصح.

لوّحت له برقة ودخلت المنزل، بينما وقف يتابع خطواتها بقلب يغمره الفرح، مستعدًا لتبدأ حكايتهما الحقيقية معًا.

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس الهادئة تتسلل برقة من نافذة الغرفة، بينما كانت نور جالسة بمفردها على حافة السرير، شاردة الذهن وكأن عقلها يدور في ألف فكرة وفكرة عما جرى مؤخرًا.

فتحت والدتها الباب بهدوء وخطت إلى الداخل بخطوات ناعمة، وما أن وقعت عينيها على ابنتها وهي غارقة في أفكارها، حتى اقتربت منها بابتسامة حانية وجلست بجانبها على السرير، محيطة كتفيها بدفء قائلة بصوت هادئ:

ـ مالك يا نور؟ قاعدة لوحدك هنا في الأوضة ومنعزلة عن الكل ليه؟

التفتت نور نحوها، وبدت على وجهها ملامح الحيرة والتفكير العميق، فردت بنبرة هادئة تحمل شيئاً من الإرهاق:

ـ مفيش يا ماما.. بس قاعدة بترتب أفكاري ومشاعري، محتاجة أهدى وأقرر هعمل إيه الفترة الجاية في كل اللي بيحصل حوالينا ده.

تنهدت نور بعمق، وابتلع غصة صغيرة تقف في حلقها قبل أن تكمل بصوت يكسره الحزن:

ـ حاسه إني تايهة قوي يا ماما.. بعد كل اللي عديت بيه الفترة اللي فاتت، حاسة إن جوايا فراغ كبير قوي مش عارفة أمليه، وزي ما يكون في حاجة انكسرت جوايا ومبقاش ليها إصلاح.

عقدت والدتها حاجبيها بقلق، وشددت على قبضتها حول كف ابنتها بحنان، لتسترسل نور وهي تغالب دموعها:

ـ والموضوع مبقاش واقف على اللخبطة اللي حوالينا دي وبس.. حتى الشخص اللي كل شوية بيبعتلي الورد والشوكولاتة، مبقاش عارفة أتعامل مع إشاراته ولا مع نفسي أصلًا.. أنا مبقاش عندي أي قدرة إني أدخل في تجارب جديدة، أو حتى أحاول أفهم مين ده وعايز إيه.. أنا مقتنعة تمامًا إني مبقتش نور بتاعة زمان.. نور العنيدة القوية اللي كانت بتواجه أي حاجة.. نور اللي موجودة دلوقتي دي فقدت روحها، بقت واحدة غريبة عني مفيش بيني وبينها غير الشبه، واحدة مش عارفة عنها حاجة ولا فاهمة هي رايحة فين!

أجهشت بالبكاء الخفيف وهي تفرغ كل الشحنة التي ثقلت صدرها طويلاً، لتضمها والدتها إلى صدرها بحنان بالغ، محاولة طمأنتها واحتواء عاصفة مشاعرها المتعرجة.

امتصت الأم صدمة كلمات ابنتها، وظلت تضمها إلى صدرها برفق لتدعها تفرغ كل ما تحمله من ألم وثقل، ثم بدأت تمسح على شعرها بحنان بالغ وتتحدث بصوت دافئ يملؤه الاحتواء:

ـ حبيبتي يا نور.. اللي عديتي بيه مش هين، وطبيعي جدًا تحسي إنك تايهة وإن روحك متعبة بعد كل الضغوط دي. بس اوعي تقولي إنك فقدتي نفسك أو إن نور القديمة راحت.. نور اللي جواكي موجودة وقوية، بس تعبانة ومحتاجة ترتاح شوية، مش أكتر.

رفعت نور رأسها قليلًا، وبدت عيناها محمرتين من الدموع، لتستطرد والدتها بابتسامة مطمئنة:

ـ أما موضوع الشخص اللي بيبعت الورد والشوكولاتة ده.. فسيبي كل حاجة لوقتها، مفيش حاجة غصب عنك هتحصل، وأهم حاجة دلوقتي إنك تهدي وترجعي لنفسك بالراحة، وأنا جنبك ومش هسيبك لحد ما تلاقي طريقك تاني.

ظلت سوسن معها تدعوها للهدوء وتمسح على يديها بكلمات دافئة ومطمئنة حتى لاحظت أن أنفاسها بدأت تنتظم وموجة البكاء هدأت نسبيًا. وقفت سوسن بعد ذلك بهدوء، وطبعت قبلة خفيفة على جبينها، ثم ابتسمت لها قائلة:

ـ سيبك أنتِ دلوقتي، حاولي تغمضي عينك وتريحي شوية، وأنا هسيبك لوحدك تاخدي وقتك، وهبقى أرجع لك كمان شوية.

خرجت سوسن من الغرفة وأغلقت الباب خلفها برفق، لتترك نور وحدها في سكون الغرفة، بينما بدأت أفكارها تهدأ قليلًا وسط هدوء المكان.


في المساء، كانت كارما تجلس في جنينة الفيلا مع والدتها، وسط كومة من مجلات الموضة وكتالوجات الفساتين، يحاولان حسم اختيار فستان الخطوبة. كان الجو هادئًا، ونسمات الليل تداعب أوراق الشجر، بينما كانت كارما تتصفح الصور بتركيز شديد.

فجأة، شعرت كارما بيدين دافئتين تغطيان عينيها من الخلف، فانتفضت بذعر وأطلقت صرخة مكتومة، لتمسك بمعصمي الشخص الذي خلفها وهي تقول بلهفة وخوف:

ـ مين؟! يا ماما.. مين ده؟!

لم تتمالك كاميليا نفسها، وضحكت بصوت عالي وهي تراقب المشهد، بينما كان الشخص خلف كارما يطلق ضحكات خفيفة مألوفة. أزاح ريان يديه ببطء، لتلتفت كارما بسرعة خلفها، وما أن رأت ريان يقف أمامها حتى اتسعت عيناها بذهول، ثم انقلبت ملامحها للزعل وقالت بعتاب حاد:

ـ بجد يا ريان؟ سايبني لوحدي من إمبارح ورايح السفرية دي؟! مش معقول تسيبني في الوقت ده وتختفي فجأة!

ابتسم ريان بابتسامة هادئة ومحاولة لاحتواء غضبها، فاقترب منها بخطوات بطيئة وقال بنبرة مليئة بالاعتذار:

ـ حقك عليا يا ستي، غصب عني وظروف الشغل طارئة جدًا وماكنش ينفع أعتذر عنها.. بس اطمني، أنا خلصت كل حاجة ورجعت أهو، ومش هسيبك لوحدك تاني، وهكون معاكي طول الوقت يوم الخطوبة.

ابتسمت كارما ببرود مصطنع وحاولت تبعد عيونها عنه، لكنها لم تستطع إخفاء سعادتها الحقيقية بعودته، فعقدت ذراعيها وقالت بنبرة حاولت إظهار الجفاء فيها:

ـ ماشي يا ريان.. هديك عذر المرة دي عشان رجعت قبل الحفلة، بس لو فكرت تسافر تاني في أي ظروف تخصني، اعتبر مفيش أخت ليك أصلًا!

ضحك ريان بصوته كله وهو يقترب منها أكثر ليحتضنها بقوة، رغمًا عن اعتراضاتها الصورية، وقال مازحًا:

ـ يا سلام! خلاص توبة.. ولا أقولك، تعالي نفتح الكتالوجات دي ونشوف الفستان اللي مطلع عينك من الصبح في التفكير، وأنا هختار معاكي ذوقي يمكن يعجبك وتقولي ذوق ريان أحسن من الحيرة دي كلها!

تدخلت كاميليا وهي تبتسم برضا وسعادة لعودة ابنها، وقالت وهي تشير إلى مجلات الموضة:

ـ أحسن، أهو جه يساعدك بدل وجع الدماغ اللي أنا فيه من الصبح لوحدي معاكي.

انحنت كارما على الكتالوجات مرة أخرى بتركيز، بينما جلس ريان بجانبها، يقلب الصفحات بملل مصطنع قبل أن تتوقف يده عند فستان بتصميم ملكي أنيق، بسيط في تفاصيله لكنه يخطف الأنظار.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

أشار ريان للفستان وقال بحماس:

ـ إيه رأيك في ده؟ بعيداً عن الدوشة والخرز اللي مالي الصفحات اللي فاتت، ده شيك جدًا وهيبقى لايق عليكي ومميز في الخطوبة.

نظرت كارما للصورة بتمعن، ثم اتسعت ابتسامتها وهي تشعر أنها أخيرًا وجدت ضالتها، وقالت بصوت متهلل:

ـ يا ريان! أنت عندك حق، فعلًا ده اللي كنت بدور عليه! التصميم هادي وفخم في نفس الوقت.

تطلعت كاميليا إلى الصورة التي يشيران إليها، فتهلل وجهها بابتسامة عريضة وأومأت برأسها في إعجاب شديد:

ـ ما شاء الله يا ريان، ذوقك طلع أحسن من ذوقنا بكتير! فعلًا الفستان ده فخم جدًا ومناسب جدًا لشكل جسم كارما، ومختلف عن كل اللي شوفناه النهاردة. تسلم إيدك يا حبيبي، ده أحلى اختيار بجد.

تنفست كارما الصعداء وهي تغلق الكتالوج بابتسامة رضا:

ـ خلاص، مفيش حيرة تاني. بكرة الصبح أول حاجة هنعملها، هنروح للمصمم ونعتمد التصميم ده!

تنحنح ريان وهو يشعر بالإرهاق يسيطر على جسده بعد السفر الطويل، فوقف وقال بنبرة تعب واضحة:

ـ أنا هطلع أرتاح شوية يا جماعة، راجع تعبان جدًا من الرحلة ومش قادر أفتح عيني.. تصبحوا على خير.

صعد ريان إلى غرفته بخطوات بطيئة، وما أن دلف إلى الداخل وأغلق الباب حتى خلع ساعته ورمى نفسه على السرير بكسل. شبك يديه خلف رأسه وأخذ يحدق في سقف الغرفة بذهن شارد الذهن، ليتساءل بصوت هامس بينه وبين نفسه:

ـ يا ترى.. هيجي اليوم اللي نور تختار فيه فستان خطوبتها زي كارما كده؟!

أغلق عينيه بابتسامة خفيفة محملة بالأمنيات والتفكير العميق، واستسلم تدريجيًا لثقل أجفانه، لينزلق في نوم عميق.

في اليوم التالي، توجه ريان برفقة كارما إلى أتيليه المصممة الشهيرة لاعتماد التصميم النهائي لفستان الخطوبة. استقبلهما جو مليء بالحيوية، وبينما كانت كارما تقف أمام المرآة لتجربة البروفة الأخيرة وأخذ المقاسات بدقة، كان ريان يجلس بجانبها يبدي ملاحظاته الذكية بخبرته، حتى استقرا تمامًا على الشكل النهائي وبدأت المصممة في التنفيذ الفعلي.

مرت الأيام التالية بسرعة وسط دوامة من التجهيزات المستمرة لحفل الخطوبة المرتقب. لم يكن ريان منقطعًا عن المساعدة؛ ففي الأيام التي لا تكون لديه فيها رحلات جوية، كان يكرس وقته بالكامل لدعم مراد وحمزة في ترتيبات الحفل الكبرى، من تنسيق القاعات وحتى التفاصيل الصغيرة التي تريح العروسين. وفي نفس الوقت، كانت يارا قد حسمت أمرها برفقتهم، فاختارت فستانها الخاص لتكون بكامل إطلالتها المميزة في تلك الليلة السعيدة.

في اليوم التالي، قرر جمال أن يذهب لرؤية كارما والتعرف على أسرتها عن قرب، وذهب معه في هذه الزيارة مراد وميار وحبيبة التي ذهبت لتتعرف على أجواء العائلة وتتقرب منهم.

ما أن وصلوا حتى استقبلهم ياسين وكاميليا بترحاب شديد وكرم ضيافة يليق بهم. وما هي إلا لحظات حتى هبطت كارما إلى الأسفل بطلتها البسيطة بعد علمها بحضورهم، فانضمَت للجلسة وسط أجواء دافئة ومبهجة.

خلال الحديث، لم ينكر ياسين أنه أعجب بشخصية جمال كثيراً واستمتع بالحديث معه؛ فقد لفت انتباهه أنه، ورغم إقامته الطويلة في أمريكا، إلا أنه ظل محتفظًا بكل عاداته وتقاليده المصرية الأصيلة وكأن السفر لم يُغير فيه شيئاً.

وأثناء اندماجهم في الحديث، هبط ريان من غرفته على إثر الأصوات والحركة بالأسفل، ليودعهم قبل ذهابه إلى المطار لبدء رحلته الجديدة. انضم إليهم بابتسامته المعهودة ومزاحه الخفيف الذي أضفى جواً من البهجة على الجلسة، مما جذب انتباه جمال وجعلـه يعجب بشخصيته وأسلوبه الراقي في الكلام، حتى إنه تمنى للحظة لو أن شابًا مثله يكون زوجاً لابنته يومًا ما.

وفي الوقت ذاته، لم تنكر حبيبة في سرها أنها أعجبت به هي الأخرى، وبحضوره الطاغي الذي لفت انتباهها فور دخوله. وبعد دقائق قليلة، استأذن ريان بلطف لتفادي التأخير على موعد طائرته، مودعًا الجميع بحرارة قبل أن يغادر الفيلا في طريقه للسفر.

قضوا جلستهم في ود وسعادة، ليغادر جمال برفقة أسرته بعد ذلك عائدين إلى مكان إقامتهم، وتمر الأيام سريعة حتى أتى اليوم الموعود.. يوم الحفل الكبير.


تألقت كارما بفستان خطوبتها الملكي الذي اختارته بعناية فائقة؛ تصميم هاديء وفخم في آن واحد، بلا تكلف أو دوشة، بل اعتمد على قصة أنيقة تبرز رقة قوامها وتنساب برقي حتى الأرض، مع لمسات بسيطة من التفاصيل الراقية التي جعلت إطلالتها تشبه الأميرات، وزادها هدوء ملامحها وسعادتها سحرًا خاصًا.

بينما ظهرت يارا بفستان ساحر ومميز للغاية يعكس ذوقها الراقي؛ تصميم عصري وجذاب يليق بجمالها وحضورها، بلونه وتفاصيله التي تناسب أجواء الحفل الكبرى، لتتألق بجوار رفيقاتها وتخطف الأنظار بإطلالة استثنائية لا تقل روعة عن العروس.

بدأت المراسم في أجواء دافئة ومبهجة، حيث كانت القاعة مزينة بلمسات بسيطة وأنيقة تعبر عن رقي العائلتين، والجميع يجلس في ترقب وسعادة.

توجه شاكر نحو ابنة أخيه يارا، وبخطوات واثقة وحنونة اصطحبها لتقف بجانب حمزة، ووضع يدها في يده بابتسامة فخر واضحة، بينما في الجانب الآخر، كان ياسين يقف بجانب ابنته كارما، ينظر إليها بكل فخر ومحبة، ثم تقدم بها ببطء نحو مراد الذي كان يقف بانتظارها بوقار.

بمجرد أن وقف الثنائيان (كارما ومراد) و(يارا وحمزة) أمام المأذون، ساد صمت هادئ ومقدس في المكان. تبادل الجميع نظرات الفرح، وبدأ المأذون في إجراءات عقد القران وسط هتافات الأهل وتصفيقهم الحار، معلنين رسميًا بداية حياة جديدة للثنائيين في ليلة لا تُنسى.

وسط أجواء الاحتفال الصاخبة والمبهجة، كانت نور جالسة بهدوء في أحد أركان المكان، عيناها تتبعان تفاصيل الحفل بسعادة، لكنها لم تكن تعلم أن هناك عيوناً أخرى تراقبها بتركيز شديد. كان ريان يتابع حركاتها وسكناتها بهدوء، حتى رأاها تنهض بخطوات هادئة وتتجه نحو حديقة الفيلا الخارجية لتبتعد قليلًا عن ضوضاء القاعة.

لم يتردد ريان لحظة؛ فنهض من مكانه وتبعها بخطوات خفيفة حتى وصل إلى الحديقة خلفها.

شعرت نور فجأة بصوت خطوات خافتة تقترب من خلفها في الأجواء الهادئة، فتجمّدت في مكانها وتسلل القلق إلى قلبها، والتفتت بذعر طفيف لتكتشف من يتبعها. وما أن وقعت عيناها عليه ورأت ملامحه المألوفة وابتسامته الهادئة، حتى تبدد ذلك القلق فورًا، وتنفس صدرها براحة، وبدأت ملامحها تهدأ تدريجياً وهي ترتسم بابتسامة خجولة.

قطعت نور الصمت بابتسامة هادئة وقالت بصوت خافت:

ـ عاوزة أشكرك على مساعدتك ليا.. وكمان الورد والشوكولاتة.

هتف ريان بتواضع وهو ينظر إليها:

ـ أنا عملت الطبيعي اللي أي حد هيعمله.

فتحت عينيها باندهاش لطيف وهتفت بنبرة ذات مغزى:

ًـ يعني عاوز تفهمني لو واحد شاف بنت في الصحرا بنفس حالتي يومها هـيساعدها عادي؟

أغمض عينيه للثوانٍ وكأن شريط الذكريات مر أمامه، متذكرًا بقسوة رفض صديقه المساعدة في ذلك اليوم العصيب، ليفتح عينيه بهدوء ويتبدل ملمحه قليلًا. أما هي، فابتسمت برقة وهي تنظر إليه بإعانة، ثم تابعت بصوت دافئ:

ـ وشكرًا كمان على الكاميرا.. بس مبقتش محتجاها خلاص.

نظر إليها ريان بعيون تملؤها الحيرة والدهشة، وسألها بصوت مفعم بالاستغراب:

ـ يعني ايه مبقتيش محتجاها؟!

ابتسمت نور بهدوء وهي تنظر أم قبالته، ثم أردفت بنبرة حاسمة:

ـ أنا مش هكمل في الصحافة.. وهسافر أمريكا أول القضية ما تخلص على خير.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

وقعت الكلمات على ريان كالصاعقة؛ تجمد في مكانه لصدمته، وارتسمت على وجهه علامات الذهول وعدم الاستيعاب، فهو لم يكن يتوقع أبدًا أن تتخلى عن مجالها وتسافر بهذه السرعة. في تلك اللحظة، وتحت وطأة صدمته وخوفه من أن يخسرها للأبد، تحطمت كل حواجز التردد داخله، وقرر أن الوقت قد حان ليقول ما يخفيه قلبه طوال الفترة الماضية، معلناً لها عن حبه العميق الذي لم يعد قادراً على كتمانه أكثر من ذلك.

عندك حق، الجملة دي كانت غير دقيقة وفيها لخبطة في المعنى بالنسبة لموقف ريان ونور.

نظر إليها ريان بعيون تعكس صدقًا جارفًا وخوفًا حقيقيًا من أن تضيع من بين يديه، فاقترب منها بخطوات هادئة ليمنعها من الهروب من كلماته.

قال بصوت منخفض ودافئ يقطر مشاعر صادقة:

ـ تسافري وتسيبي كل حاجة كده فجأة؟! تفكري إني ممكن أستحمل أبعد عنك أو أخسرك بعد ما لقيتك؟!

التفتت نور إليه بذهول، وعيناها تتسعان من وقع كلماته غير المتوقعة، ليردف هو بنبرة تهز قلبها:

ـ تفتكري بعد كل اللي جمعنا، وبعد ما دخلتي حياتي وقلبتيها رأس على عقب، ممكن أتخيل يومي من غيرك؟ أنا مش بس بساعدك يا نور.. أنا وقعت في حبك من أول يوم شفتك فيه في الصحرا، وقلبي اختارك ومش ناوي يتراجع.. مش هسمحلك تبعدي وتسافري وتسيبي كل مشاعري دي معلقة كده، أنا عايزك جنبي ومعايا.

ظلت نور متجمدة في مكانها، وعيناها تلمعان بصدمة طاغية وهي غير مصدقة لما يسمعته؛ فهزت رأسها ببطء محاولة استيعاب الأمر، وقالت بصوت مرتعش وخافت:

ـ أكيد أنت غلطان.. ده.. ده ممكن يكون تعاطف! تعاطف مع حالتي الصعبة والظروف اللي كنت فيها وقتها، مش أكتر.. ماتلخبطش بين الإحساسين.

اقترب منها ريان أكثر بخطوات بطيئة وثابتة، ونظراته تفيض بصدق عميق لا يترك مجالاً للشك، ليهز رأسه نفيًا وهو يقول بصوت دافئ وواثق:

ًـ مش تعاطف يا نور.. لو كان تعاطف، كنت قدرت أكمل حياتي طبيعي بعد ما أنقذتك وأنساكي زي أي موقف عادي، بس اللي حصل العكس تمامًا.. حاولت كتير أبعد وأكمل حياتي بعيد عنك، وفشلت في كل محاولاتي، لأنك بقيتي جوايا في كل تفصيلة.

بدل أن تستوعب كلماته، تملكتها حالة من الذهول والارتباك الشديد؛ فرمشته بعينيها سريعاً وكأنها تهرب من واقع المشهد كله. ولم تمنح نفسها فرصة للتفكير أو الرد، بل استدارت فجأة ودون حتى أن تنطق بكلمة واحدة، وانطلقت راكضة باتجاه الفيلا، تاركة إياه يقف مكانه في الحديقة وسط صدمته، بينما صدى نبضاتها المسرعة يتردد في أذنيها وهي تصعد إلى غرفتها وتغلق الباب خلفها بأنفاس متقطعة.

بينما كانت ركضة نور تخترق صمت المكان، كانت حبيبة قد خرجت لتوها إلى الحديقة هربًا من ضوضاء الحفل والزحام لتستنشق بعض الهواء النقي. وما إن رأت ريان واقفًا بمفرده وبجعبته تلك النظرات الشاردة، حتى لمعت الفكرة في ذهنها؛ فقررت استغلال الفرصة للتقرب منه ولفت انتباهه.

اقتربت منه بخطوات بطيبة ودلال، وابتسامة رقيقة تزيح ملامح الجدية عن وجهها، لتتحدث إليه بنبرة مرحة قائلة:

ـ شكل الجو برة أحسن بكتير من جو القاعة جوة.. مش كده؟ ولا إيه رأيك يا ريان؟

التفت ريان إلى حبيبة، وابتسم بابتسامة خفيفة ومقتضبة ليحفظ أدب الموقف، وقال بهدوء:

ـ أه فعلًا، الهواء برة أهدى بكتير.

وقبل أن تكلق حبيبة حديثها أو تتاح لها فرصة أخرى لفتح كلام، استأذنها ريان بابتسامة سريعة وعاد أدراجه بخطوات واسعة وهادئة نحو الداخل، فعقله كله منشغل بما حدث للتو مع نور، ولا يزال يحاول استيعاب رد فعلها المصدوم.

التفت ريان إلى حبيبة وبصوت هادئ قال بجدية واضحة:

ـ معلش يا حبيبة، أنا هدخل جوه.. مش حابب أتكلم مع حد دلوقتي.

وقبل أن تستوعب ما قاله أو ترد، تحرك ليدخل إلى الفيلا، فما كان منها إلا أن لحقت به ودخلت معه في نفس اللحظة. كانت كاميليا تتابع الموقف بعينيها، فالتقطت نظراتهما ودخولهما معًا لترتسم على وجهها علامات التعجب والدهشة، لكنها أدركت سريعاً أن وسط صخب الحفل وكتب الكتاب ليس الوقت المناسب للأسئلة أو الحديث.

ومرت اللحظات وانتهت أجواء الحفل الرسمية بسلام، ليتجه الشباب معًا بمرح للاحتفال بخطبتهم الخاصة بعيدًا عن الكبار. وهنا، حدث ما لم يكن في الحسبان وجعل الجميع يتوقفون في دهشة، حين فاجأهم جمال بطلب غير متوقع قائلًا إن حبيبة وريان يجب أن يذهبا مع الشباب أيضًا لحضور السهرة والاحتفال معهم!

« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل