قراءة رواية (على حافة اللا ممكن) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
ارفعي الصورة
رواية: (على حافة اللا ممكن)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (نور إسماعيل) | الفصل: (3)
ُأريدُ لمَن أُحِبُّ أن يكونَ حرًا، حتى منّي.
في ليلة ثقيلة، جلس سيف في غرفة المعيشة بمنزله، يعتليه الهدوء الظاهري، بينما تعصف في داخله نيران الغضب والقلق. بجواره أحمد، أخوه الأصغر، لا يكاد يهدأ من التوتر، يتمشى في أرجاء الغرفة بعصبية ظاهرة. تمارا، ابنة عمهم، تجلس على الأريكة، عيناها دامعتان من الصدمة. بجوارها زوجة أحمد، وجهها شاحب ويديها معقودتان في توتر.
_يعني إيه يا سيف؟! هاني بيقولك صراحة إنه ليه يد في الموضوع؟! ده جنان!
سيف هادئ، بنبرته ثابتة
_متقولش جنان، هاني طول عمره بيلعب تحت الترابيزة. بس أول مرة يلعب بالنار.
تمارا (بصوت مكسور):
_بس ده أخويا يا سيف... مستحيل يوصل لدرجة إنه يستخدم فارس كأداة تهديد! أنا مش مصدقة...هو قالك إيه بالضبط؟
سيف (بصوت حازم):
_قاللي: فارس مش هيرجع إلا لما تفكر كويس في اللي طلبناه منك. ولما سألته تقصد إيه، قاللي بكل برود: أنت فاهم كويس، ما تعملش نفسك مش واخد بالك."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أحمد (مشتعل غضبًا):
_طب والله العظيم لأخلص عليه بإيدي! فارس ده ابننا، مش ورقة ضغط!
سيف (واقف، وبيبصله بحدة):
_اقعد يا أحمد،الغضب مش هيجيب فارس..احنا محتاجين نتصرف بعقل.
تمارا (بدموع):
_أنا مش عارفة أقولك إيه... بس لو فعلاً له دخل، أنا هكون أول واحدة تواجهه.
سيف (بهدوء يشبه الجليد):
_مش عايز مواجهات دلوقتي. الل أنا عايزه نعرف هو فين. لو هاني فعلاً مشارك، بكدا عرفت للاطراف الل بتحركه.. و شايفين في فارس وسيلة ضغط.
أحمد مردفًا
_طب نعمل إيه؟ نبلغ؟ نروح له؟
_نراقب الأول. نعرف بيتحرك إزاي، بيكلم مين، وبيروح فين. وهخلي ياسين يراقب تليفونه... مش هانتصرف إلا لما نبقى ماسكين كل الخيوط.
قالن تمارا:
_أنا ممكن أتكلم معاه، أحاول أفهم منه حاجة.
سيف (بصرامة):
_لأ. لو شك لحظة إننا بنراقبه أو بنتصرف، ممكن دا يأذي فارس. إحنا هنمشيها بالعقل، بالحكمة. وصدقيني يا تمارا، لو ثبت إنه ليه يد، مش هرحمه حتى لو كان أخوكي
تمارا (بصوت خافت):
_لو فعلاً عمل كده... ما يستاهلش يبقى أخويا.
ساد الصمت للحظات. الجميع غارق في أفكارهم، بينما عين سيف تحدق في الفراغ، ولكن عقله كان يعمل كآلة لا تهدأ. يعلم أن فارس في مكان ما، وأن وقته ينفد. لكنه أيضاً يعلم أنه لا يملك رفاهية الغضب... فقط الذكاء، والحسابات الدقيقة، هي من ستعيد ابنه سالماً.
❈-❈-❈
كانت شمس القاهرة تتسلل من خلف الزجاج العريض لمبنى مؤسسة نصّار، منبعثة على أوراق الاجتماعات ووجوه الموظفين. الوقت تجاوز الحادية عشرة صباحًا بقليل، وسارة نصار تجلس على رأس طاولة الاجتماعات الطويلة، تحيط بها الوجوه المتحفزة والمتحفزة، بين احترامٍ صامتٍ وتحفّظٍ خفي.
سارة ..امرأة في أوائل الثلاثين، لكنّك إن لم تكن تعرفها، لظننت أنها صاحبة المكان لا مجرد مديرة أحد فروعه. رغم أصولها الصعيدية، بدت كأنها خُلقت لهذا الدور؛ بشرتها السمراء اللامعة، وشعرها الأسود الطويل الملفوف بعناية، وملابسها العملية الأنيقة التي لا تُخفي أنوثة ولا تسمح بالمساس بالهيبة.
أنهت استعراض خطة الربع الجديد، ثم رفعت نظرها الحادّ إلى الجميع.
سارة (بنبرة هادئة ولكن واثقة):
_يعني نبدأ تنفيذ في خلال أسبوع. وأنا مش عايزة أسمع كلمة تأجيل، كلّ خطوة هنمشيها هتتراجع وتترفع يوم بيوم.
أحد الموظفين (مبتسم بخبث خفيف):
_ربنا يقوّينا بقى، أصل حضرتك لما بتقولي كلمة، بتبقى زي السيف... زي اسم الأستاذ سيف بيه جوز حضرتك كده.
ضحكت سارة بخفة مقتضبة، ثم لمّحت إلى نهاية الاجتماع بإشارة من يدها.
_الل عنده استفسار يبعتلي إيميل، مش هقدر أسمع دلوقتي. عن إذنكم.
بدأ الحاضرون في لملمة أوراقهم والانصراف، بينما تأخّر شاب يُدعى حسام، يعمل كمشرف على فريق الصيانة، واقترب منها متصنعًا الارتباك.
حسام (بصوت منخفض):
_بصراحة يا مدام سارة، أنا كل مرّة بشوفك، بقول لنفسي… إزاي واحدة بالصعيد تبقى بالجمال ده؟ سمارك ده حاجة تانية، وشعرك كأنه مرسوم بريشة فنان… غجري كده وحر…
توقفت سارة، نظرت إليه في البداية بدهشة، ثم بعد لحظة سكون، وقفت مستقيمة، رفعت رأسها بثبات، ونظرت إليه كما ينظر القاضي إلى مذنب.
سارة (بصوت منخفض لكنه قاطع):
_إنت عارف إنك بتتكلم مع مين؟ ولا فاكرني طالعة من مسلسل تركي؟
حسام (يحاول التبرير):
_لا والله، ما قصدتش حاجة وحشة… أنا بس كنت… يعني…
سارة مقاطعة، ولهجتها تتحول شيئًا فشيئًا إلى نبرة صعيدية:
_كنت إيه؟ شايف إن شعري وسماري يدوك حق تكلم بنت ناس بالطريقة دي؟
حسام (مرتبك):
_أنا آسف… يمكن فهمتيني غلط…
سارة (بحدة):
_لا يا حسام، أنا فهمتك صح جدًا. والمرة الجاية، تفكر مليون مرة قبل ما تطول لسانك على واحدة زيي. شغلك في الشركة دي مش حصانة، وأنا مش هسكتلك.
نظرت حولها سريعًا، وجدت موظفًا آخر في الردهة.
سارة (بصوت مرتفع):
_أستاذ شريف، بلغ الأمن يمنع الموظف ده من دخول أي فرع من فروع نصّار لحد ما الإدارة تحقق معاه.
ثم عادت تنظر إلى حسام نظرة لا تخلو من الاشمئزاز.
سارة:
_أنا مش بس مديرة… أنا اسم في عيلة نصّار، وزوجة سيف نصّار… بس قبل كل ده، أنا سارة. وده كفاية أوي.
تركته يقف كمن صُفع على وجهه، ومشت بخطى ثابتة نحو المصعد، رافعة رأسها، بينما خطوات كعبها ترنّ في الرواق وكأنها إعلان انتصار.
❈-❈-❈
الليل كان ثقيلاً، والهواء مُحمّلٌ برائحة الخيانة، حين جلس سيف أمام المكتب في غرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من مصباح جانبي. أمامه صور، خرائط، ومقاطع فيديو مراقبة، وكلها تشير إلى شيء واحد... هاني.
دخل أحمد بصمت، نظر إلى أخيه، وقرأ في عينيه ما لم يُقَل.
أحمد (وهو يقفل الباب وبيقعد قدامه):
"قالك فين فارس؟"
سيف (بصوت هادي بس نبرة غضب واضحة):
"لا... ماقالش. كل اللي قاله إنه 'كان مضطر'... مضطر يخطف ابني... يسلّمه لمين؟ للي فوقه؟ ولا بيشتغل لحسابه؟"
_أنا مش مستوعب بصراحة...
_يمكن عشان متعرفش هاني
سيف (وهو بيقلب صورة لهاني في إيده):
_الطمع دخل قلبه... وباع كل حاجة. دلوقتي لازم نشتغل صح... من غير ما نغلط."
أحمد (بتركيز):
"أنا جاهز، قوللي إنت شايف إيه."
سيف:
"بص... احنا مش هنستخدم عنف، ومش هنعرّض فارس لخطر أكتر. هنخلّي هاني يفتكر إننا لسه مصدقينه، وإننا مكسرين ومحطمين... ونديله طرف خيط يجرّي وراه."
أحمد (بيرفع حاجبه):
"زي إيه؟"
سيف:
"هخليه يفتكر إننا ناويين نهرب فارس برة البلد، وإننا عرفنا مكانه، وبنخطط ناخده ونخلّص... هنزرع المعلومة دي حوالينه... بالكلام، بالموبايل، بأشخاص قريبين منه."
أحمد (ابتسامة خفيفة تظهر):
"فتقوم العصابة أو اللي معاه يحاولوا يحرّكوا فارس أو يخرجوه من مخبأه... وساعتها نكون مستنيين."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
سيف (بيأكد):
"بالظبط. لازم نعرف المكان الأول... وبعد كده نتصرف بهدوء، نبلّغ ناس موثوق فيهم، نراقب، نحدد اللحظة المناسبة ونتدخل. مش عاوز فارس يشوف دم، ولا يسمع طلقة."
أحمد:
"طب وهاني؟ هتسيبه كده؟"
سيف (نظراته تشتعل):
"هاني نهايته قربت... بس لازم نهايته تكون قدّام الكل. لازم يتكشف ويتفضح، مش يموت وخلاص."
أحمد (بيسند ضهره):
"أنا معاك، للنهاية. بس قوللي... لو الخطة دي فشلت؟"
سيف (بصوت واثق، وعين مابتترمش):
"أنا مش بخطط عشان أفشل... أنا بخطط عشان آخده في حضني تاني. فارس هيرجع...
انطفأ النور في الغرفة، لكن داخل عقل سيف اشتعلت آلاف الأفكار... لم يعد رجلًا فقط، بل أصبح أبًا، وأخًا، وقائدًا في معركة لا يُراد فيها انتقام... بل استعادة.
❈-❈-❈
في اليوم التالي، لم يكن هناك وقت للراحة. بدأ سيف وأحمد في تحريك قطع الشطرنج بدقة. الخطة كانت واضحة: زرع معلومة كاذبة بأنهم توصلوا لمكان فارس، ويستعدون لتهريبه خارج البلاد.
في الحديقة الخلفية للفيلا، جلس سيف يتحدث مع "كريم"، أحد رجال الأمن القدامى، بصوت مرتفع مقصود، يعلم أن هناك من يسترق السمع.
سيف (بصوت واضح):
"أنا مش هقدر أستنى أكتر من كده... عندنا ٤٨ ساعة ونخرج بيه من البلد. أحمد خلّص الأوراق، وكريم ظبّط طريق الهروب. بس أهم حاجة، المعلومة متطلعش بره التلاتة
"مفيش ولا نسمة هوا هتعرف، هنمشي من طريق الصحراوي، الساعة اتنين بعد نص الليل. لو حد عرف، الولد هيضيع للأبد."
وبينما الحديث يدور، كانت كاميرات المراقبة تسجل ظلًّا خلفيًّا ينسحب من وراء الأشجار... أحد المخبرين المزروعين من قِبَل هاني.
وفي الداخل، راقب أحمد الشاشات بابتسامة خفيفة.
أحمد (لنفسه):
"بلع الطُعم... اللعبة بدأت."
❈-❈-❈
في مكانٍ ما، فيلا مهجورة على أطراف المدينة
كان هاني يقف في منتصف الغرفة، وعيناه تلمعان بشرٍ بارد. أمامه يقف رجل غامض الملامح، يتحدث في الهاتف بصوت خافت.
هاني:
"سيف بيحاول يهرّب الولد؟... تمام. خليه يحاول."
الرجل:
"هننقل الولد النهارده، لمكان تاني. لو عرفوا فعلاً مكانه، لازم نسبقهم بخطوة."
هاني (وهو يضحك بسخرية):
"خلي سيف يجري... بس المرة دي، مش هيشوف ابنه تاني."
في تلك الليلة، كانت السماء ملبدة بالغيوم، والشارع الصحراوي مهجور، إلا من سيارة واحدة تقف في الظلام. سيف وأحمد بداخلها، يتابعان أجهزة التتبع، وموجات الاتصالات، وكل الأنظمة مفتوحة.
أحمد (وهو يراقب الحاسوب):
"العربية اللي واخدة فارس اتحركت فعلاً. خدوا الطُعم بالكامل."
سيف (بتركيز):
"كويس... فريق التتبع ورانا؟"
أحمد:
"كل العربيات على بعد دقيقتين. لحظة ما يوقفوا، نتحرك."
سيف (بهدوء حاسم):
"المرة دي، مش هنسيب حاجة للصدفة. فارس راجع النهارده... بالقانون، وبالعقل."
في مشهد موازٍ، كانت السيارة التي تقل فارس تُغيّر مسارها، تنعطف إلى طريق جانبي نحو مخبأ جديد. ما لم يعرفوه، أن كل خطوة مُراقبة، وكل إشارة مُسجلة.
وحين توقفت السيارة، كان رجال سيف يطوقون المكان، بهدوء واحتراف، دون رصاصة واحدة.
رجل من الفريق (بهمس في اللاسلكي):
"الولد جوه... مفيش مقاومة. جاهزين؟"
سيف (في السماعة):
"اتحركوا... خدوا فارس
وفي أقل من خمس دقائق، كان فارس في حضن والده، يبكي وهو يهمس: "بابا..."
والقلب الذي كاد أن ينكسر... عاد ينبض من جديد.
أما هاني؟ فقد كان يراقب كل شيء من بعيد، يظن أنه ربح... قبل أن تأتيه رسالة على هاتفه:
"كل حاجة اتسجلت... وسلم نفسك، أو كل شيء هيُكشف للعيلة... والناس."
❈-❈-❈
كان الصباح ينسلّ بخفة من خلف الستائر البيضاء، فتنسكب أشعة الشمس الذهبية على أطراف السرير كأنها تهمس بالأمل. في ذلك الوقت، كان قلب سيف يشتعل بنيران الشوق واللهفة، ولكنها لم تكن لهفة انتظار، بل لهفة لحظة كان يحلم بها منذ فترة .
اقترب سيف من السرير بخطى هادئة، يحمل في يده وردة بيضاء، وفي الأخرى مفاجأة تفوق الخيال. نظر إلى سارة، التي كانت تغط في نومٍ هادئ، كأنها طفلة بريئة لم تعرف من الدنيا سوى السلام. انحنى برفق إلى جوارها، ثم همس بصوتٍ خافت:
سيف (بهمس):
"صباح الخير يا ثريا ، قومي، الدنيا حلوة أوي النهاردة."
سارة (وهي بتفتح عينيها بنعاس):
"ممم... سيف؟ إيه الصوت الحنين ده؟ الدنيا لسه بدري؟"
سيف (ضاحك):
"بدري؟ دي أحلى لحظة فالدنيا كلها، ومينفعش تعدي وإنتِ نايمة."
سارة (بتضحك بخفة):
"مالك؟ شكلك فرحان كده ليه؟ في إيه؟"
سيف (بيقرب منها ويقعد جنبها):
"في حاجات كتير قوي محتاجة أقولها، بس قبل كل حاجة... أنا رجعتلك قلبك."
سارة (بتتلفت باستغراب):
"قلبى؟! يعني إيه؟ إنت بتتكلم عن إيه يا سيف؟"
سيف (عينيه بتدمع):
"فارس... رجع يا سارة."
سارة (بتتجمد لحظة، وبعدين بصوت متقطع):
"فارس؟... ابني؟... ابني رجع؟!!"
سيف (بيهز راسه وبيمسك إيديها):
"آه... رجع، وسليم، وبيسأل عليكي من إمبارح... مقدرتش أقولك غير لما أشوف الفرحة في عينيك."
سارة (بتقعد فجأة ودموعها نازلة):
"ياااااه... يااارب! يا سيف! إنت بتقول بجد؟ ابني رجع؟ أنا مش بحلم؟!"
سيف (بيحضنها):
"ولا حلم ولا كابوس... دي الحقيقة، فارس في أوضته دلوقتي، نايم بعد ما أكل وشبع وحضني... بس حضنك ليه أهم."
سارة (بتقوم بسرعة وبتجري ناحية الباب):
"أنا عايزة أشوفه! عايزة ألمسه! عايزة أسمع صوته!"
سيف (وهو بيضحك وبيلحقها):
"هتشوفيه، وهتعيشي كل لحظة تاني، بس تعالى الأول... خدي الوردة دي، دي كانت معايا وأنا راجع بيه... دي وردة الرجوع، وردة الفرح."
سارة (بتاخد الوردة وبتحضنه):
"أنا مش عارفة أقولك إيه... إنت رجعتلي قلبي وحياتي كلها... بحبك أوي يا سيف."
سيف (بصوت واثق وناعم):
"وأنا بحبك أكتر، ووعد مني... من النهاردة، مفيش دموع تاني غير دموع الفرح."
وانطلقت سارة نحو الغرفة الأخرى، وقلبها يسبق خطاها، كأن الأرض لا تكفي فرحتها. وفي الركن الهادئ من الغرفة، كان فارس نائمًا، ووجهه الصغير يرسم ابتسامة بريئة، كأن قلبه الصغير يعرف أنه عاد إلى حضن الأمان. وعند الباب، وقف سيف يراقب المشهد، وعيناه تمتلئان دموعًا، لكنها المرة الأولى منذ زمن... دموع فرح.
❈-❈-❈
في قلب الطائرة، وتحت سماء لا تحدها حدود، جلست العائلة الصغيرة وقد لفّتها غيمة من السكينة لم تذق طعمها منذ زمن. سيف، بملامحه الصارمة المعتادة، بدا مرتاحًا أكثر من أي وقت مضى، بينما سارة، التي اعتادت الكتمان، تركت لعينيها أن تلمع ببريق الفرح. بينهما، فارس الصغير، وقد غلبه الحماس، يتنقّل ببصره بين الغيوم والناس، لا يدري إن كان يفرح بالرحلة أم بفرحة والديه التي غمرت الأجواء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
سيف (بصوت هادي وهو بيبص من الشباك):
"لسّه مش مصدق إننا أخيرًا رايحين… بعد كل اللي عدّى."
سارة (بتبتسم وهي بتعدّل له ياقة الجاكيت):
"ولا أنا… استغربت فكرتك للسفر حسّيت إنك أكيد هتقول شغل ومسؤوليات."
سيف (بيلتفت لها وبيبتسم نادرًا):
"لما تكوني إنتِ وفارس السبب، الدنيا كلها تستاهل تتأجل."
سارة (بتضحك بخفة):
"ياه! ده انت بتقول كلام حب؟ هو ده سيف؟!"
سيف (بنظرة حنونة):
"مش أي كلام حب… ده ليكي إنتِ، ثريا."
ثريا (عيونها بتترقرق بالدموع الخفيفة، وبصوت ناعم):
"أول مرة تناديني ثريا من غير ما تبقى زعلان… أنا حتى ما بحبش اسمي، بس منك… بحسّه حلو."
سيف (بهدوء وثقة):
"اسمك زيك… مميّز، مش تقليدي. وأنا بحبك كلك، باللي بتحبيه والل لأ."
سارة (بتخفض نظرها وبتضحك بحنية):
"أنا متعودة عليك جامد… وكتوم… ساعات بحس إنك حجر، بس النهاردة…"
سيف (مقاطعًا بلطف وهو بياخد إيدها):
"الل بيننا أكبر من الل اتقال… ويمكن كنت جامد علشان الدنيا كانت جامدة علينا. دلوقتي وقتنا إحنا."
فارس (بحماس وهو بيشاور من الشباك):
"بابي! شوف السحاب! إحنا فوقه بجد!"
سيف (بضحكة نادرة وهو بيحضنه):
"شايفك مبسوط؟"
فارس:
"أوي! بس أكتر لما انت ومامي بتضحكوا كده."
سارة (بتمسح دمعة من عينها وهي بتبص لسيف):
"هو ده الل كنت محتاجاه… سفر، ضحك، ولمّة… وسيف."
سيف (بصوت دافي):
"وثريا…"
وفوق السحاب، حيث لا يعلو سوى نبض القلب، حلّقت طائرة تحمل على متنها قصة حب قديمة تجدّد نفسها في حضن الغيم، وابتسامة طفل كانت دومًا الحلم المنتظر
❈-❈-❈
باريس – مطار شارل ديغول الدولي
هبطت الطائرة بهدوء كأنها تحني رأسها احترامًا لحلم طال انتظاره. من نافذة المقعد، بدت باريس كلوحة زيتية حيّة، تختلط فيها ألوان السماء الرمادية بمباني المدينة العتيقة، وتنساب بينها نهر السين كقصيدة لا تنتهي. سيف أمسك حقيبة الظهر، سارة ترقبت الاجواء وفارس وقف على المقعد بحماس كأنه نزل في مدينة الألعاب.:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فارس (بقفز وهو يضحك
"وصلناااا! دي باريس يا مامي؟ بجد؟"
سارة (بتضحك وهي بتحاول تثبّته):
"أيوه يا حبيبي، باريس بجد… مش في الكارتون."
سيف (بهدوء وهو بيبص في عيونها):
"تحبي ننزل نتمشّى شوية قبل الفندق؟ ولا تعبانة؟"
سارة (بابتسامة شقيّة):
"أنا؟ من امتى التعب بيهزني؟ ما دام معاك، أنا ماشية لآخر الشارع."
سيف (بإعجاب وهو بيقرب منها):
"هو أنا لوحدي؟ انت نسيتِ فارس؟ ده لو تعب هنشيله احنا الاتنين."
فارس (بصوت عالي):
"أنا مش هتعب! أنا قوي! وهشوف برج إيفل دلوقتي!"
سيف (بيدّيها نظرة طويلة فيها كل حاجة مش قادرة يقولها بكلام):
"عايز أبتدي الحكاية دي من أول وجديد… هنا، في المكان الل الحلم بيصحى فيه،فاكرة ياثريا ؟."
سارة (بصوتها الهادي اللي دايمًا بيوصل له قبل ما تنطقه):
"طالما إنت معايا… الحكاية مبتخلصش. بتبدأ كل يوم من أول وجديد."
بين زحمة المطار وصوت العجلات على الأرض الرخام، مرّوا جنب الحشود كأن الزمن اختارهم وحدهم ليكتب سطرًا جديدًا. باريس ما كانتش مجرد وجهة… كانت بداية صفحة نضيفة، بيضاء، لا تشوبها أيام التعب الماضية، يكتبونها معًا… بحب، ودفء، وأمل طفل اسمه فارس، بيضحك للحياة بعينين واسعتين.
❈-❈-❈
مكالمة فيديو بين جهاد وسارة. سارة تجلس في كافيه شيك في باريس مهندنة الملبس بجانبها صحن من الكورواسون بينما جهاد تجلس شعرها اشعث تمسك بكوب اذنه مكسورة تحتسي منه الشاي
جهاد (باندهاش وتريقة):
يااااااااااه... فارس رجع!! ابنك رجع يا فقر!! يا فرحتي يا أختي، ده أنا كنت هعمل ندر وأوزع مهلبية في الشارع.
سارة (مبتسمة بفخر):
الحمد لله يا جوجو، كانت أيام صعبة، بس باباه... سيف، ما قصرش، رجعه لينا سالم غانم.
جهاد (تضحك):
سالم غانم؟! ده فيلم عربي قديم ولا إيه؟! طب احكيلي بقى يا سارة، رجعه إزاي؟ دخل عليهم زي رامبو؟ ولا طلعله سيف اللي ف اسمه ومشى يطعن فيهم واحد واحد؟
سارة (بجدية درامية):
بصي، سيف عمل خطة ذكية، استخدم فيها كل خبراته القديمة...
جهاد (مقاطعة وهي تنهار من الضحك):
خبراته القديمة؟ هو كان في المخابرات ولا كان بيلعب "كاونتر سترايك" كتير؟!
سارة (مبتسمة):
لأ بجد، هو فعلاً خطط وحرر فارس من غير ما حد يتأذي، زي البطل تمامًا.
جهاد (بصوت درامي):
يا بطلي يا سيف... يا فارس العرب! يعني ابنك فارس، وأبوه فارس... دي العيلة كلها طالعة من "صهيل الخيول".
وبعدين يا سارة، انت فين؟ في كافيه في باريس؟! ده انتي نسيتي نفسك خلاص.
سارة (بابتسامة مغرورة):
أهو شوية راحة بعد الأزمة. باريس جميلة جدًا، بتحسسني إني حرة.
جهاد (بمرارة ساخرة):
آه حرة، ما شاء الله! مش انت نفس البنت الل كانت آخر طموحها تطلع تجيب فوندام من عند عم حلابسة قبل ما المحل يقفل؟!
فاكرة لما كنا نعدي على فرن سيد وناخد عيش بـ٢ جنيه ونفتكره "براون بريد"؟!
سارة (تضحك):
ياااه الأيام دي... كنتي دايمًا تجيبي معاك كيس شيبسي وتخبي عني النص التاني!
جهاد (بجدية تمثيلية):
ده كان تقشف يا سارة... تقشف! مش زي دلوقتي، قاعدة في باريس، وبابا فارس طالع جيمس بوند، وأنا قاعدة هنا بطحن بطاطس في الخلاط عشان أعمل صينية!
سارة (بفرحة):
بس والله وحشتيني يا جوجو... باريس ناقصاكي.
جهاد (بغمزة):
ايوة رجلك خدت على باريس ،يامعفنة يا تم شعر عيتغسلش غير مرة عالعيد ،باريس ناقصاني لما يخطفوني وسيف يحررني ساعتها هاجي معاكم !
ضحكا الاثنتين سويًا واغلقا المكالمة وعادت كل واحدة لحالها .
❈-❈-❈
الأنوار ناعسة، والطرقات نظيفة لدرجة تخيف.
الساعة تقترب من العاشرة مساءً، والفيلا رقم 6 — فيلا "أحمد نصار" — يغمرها سكون ثقيل.
عند البوابة الأمامية، تقف فتاة غريبة.
نحيلة، ملامحها حادة، شعرها الأسود الطويل مربوط بإهمال، ترتدي جاكيت جلدي باهت فوق فستان غامق ضيق.
عيناها غائرتان، تحدقان في الباب بثبات مخيف. في يدها ورقة مطوية، وفي اليد الأخرى ولاعة تُشعلها وتُطفئها بتكرار مزعج.
ظلت واقفة دقائق طويلة، لا تتحرك، لا تتحدث. كأنها تمثال جاء ليُعلن شيئًا، أو ينتظر لحظة اختراق الهدوء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
من الشرفة العلوية، كانت "تمارا" — زوجة أحمد — تراقبها.
الفتاة لم ترن الجرس، لم تطرق الباب... فقط تنتظر.
هذا وحده كان كافيًا ليشعل فضولًا مشوبًا بالخوف في نفس تمارا.
تمارا (تتمتم لنفسها):
— دي واقفة ليه كده؟ وبتبص علينا كأنها عارفة إحنا مين...
تهبط تمارا بسرعة، تلف شال على جسمها وتفتح الباب الخارجي نصف فتحة.
تمارا (بحذر):
— إنتي مين؟ واقفة كده ليه؟
الغريبة (بنبرة باردة جداً):
— انت بقا مراته؟...
تمارا (تتراجع خطوة، لهجتها حادة):
— انت مين؟تعرفي جوزي؟
الغريبة (تبتسم ابتسامة صغيرة، مش مفهومة):
— أعرفه كويس... يمكن أكتر من اللي المفروض.
تمارا (بعصبية):
— بصي، لو مشيتي دلوقتي من غير دوشة، تمام... غير كده، هكلم السيكيوريتي.
الغريبة (ترفع الورقة بهدوء):
— قولي له إن الورقة دي وصلت، وهو هيفهم...
بس ما تفتحيهاش. مش ليكي.
تمارا (بعصبية):
— إنتي بتتكلمي معايا كده ليه؟ إنتي مين أصلًا؟
الغريبة (بنبرة ثابتة وغريبة):
— أنا... الحاجة الل نسيها. بس راجعة.
تمشي بهدوء، وتترك الورقة على الأرض وتكمل طريقها بدون ما تنظر خلفها
تمارا واقفة كما هي ، عينيها على الورقة كأنها قنبلة موقوتة.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
