قراءة رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: بين الرفض والقدر
(عريس قيد الرفض)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( عفاف شريف) | الفصل: (40 جـ2)
ولأن الله يعلم أين وكيف انكسرنا،
وأين دثّرنا أوجاعنا عن أحبابنا،
ومهما طال الانتظار،
جبرُ الله آتٍ لا محالة،
ربما ليس كما أردناه،
لكن برحمة الله بنا، يأتي ما استحقّ صبرنا.
سيأتي ما يجعلك تنسى متى بكيت ولماذا،
وأن ما فقدتَ كان تمهيدًا لطريقٍ لشيءٍ أعظم وأجمل.
سيجبر الله قلبك،
حتى تتعجّب كيف حملتَ كل ذلك الألم يومًا،
وحتى تنظر خلفك،
ولا تفهم كيف ظننتَ أن النهاية كانت هناك.
فاصبر...
فما دام الله قد رأى دموعك،
وسمع دعاءك،
وعلم ما لم تستطع قوله،
فالجبر آتٍ...
ولو بعد حين.
بقلمي عفاف شريف
❈-❈-❈
كان أنس يسير إلى جوارها، محاوطًا خصرها بذراعه في حنوّ، مُبطئًا خطواته لتتناسب مع خطواتها البطيئة في شهرها الأخير من الحمل، بينما كانت ملك تتأبط ذراعه بابتسامة هادئة، تتطلّع إلى واجهات المحال من حولها بعينين لامعتين.
وقفت عند واجهة أحد المحلات التي تعرض فساتين السهرة، تناظر أحد الفساتين تارة بغيظ وبطنها المتكور، تارة ببؤس، قبل أن تغمغم بضيق: بس وسط المانيكان قد إيه؟
قلتلك مش عايزة أروح عشان كده.
مش هنلاقي مقاسي بالبطيخة دي يا أنس.
انفلتت من أنس ضحكة صبيانية مشاغبة جعلتها تلتفت وتقرصه بقوة من خصره، مرددة بجنون وغيظ: أنت بتضحك يا أنس؟
ماشي، أنا همشي.
وتحركت لتغادر، قبل أن يمسكها من مرفقها قائلًا بابتسامة حنونة: بس يا مجنونة، رايحة فين؟
وتابع بتملق، ناظرًا للفستان بلا اهتمام:
مش حلو أصلًا.
قبل أن يقترب من أذنها هامسًا بخفوت: أنا مش شايف حاجة أحلى من البطيخة وأم البطيخة.
كتمت ضحكتها في صدره، مرددة بتهكم: ربنا يجبر بخاطرك والله.
ورفعت عيناها مرددة ببؤس وغيظ طفولي: هنعمل إيه دلوقتي بقى؟
أنا مكنتش مستعدة خالص للفرح ده.
وكل ما ندخل محل ويعجبني فستان، ملقيش مقاسي.
وعبست وهي تضع كفّها فوق بطنها المنتفخ، مرددة بنبرة يائسة: عشان تعرف مامي بتضحي عشانك قد إيه.
قهقه أنس وردد وهو يحاوط خصرها، يحثها على متابعة السير: تعالي بس نشوف ده آخر محل، وعد لو ملقناش مش هنروح.
بس أنتِ عارفة يا ملاكي قد إيه الفرح ده مهم عندي.
شريف صديقي من زمان، وأصر إننا نحضر، ويعتبر من أكبر الأفراح اللي حصلت السنة دي، ده هيحضر فيه أهم رجال البلد من كل جهة.
وضروري أكون موجود، ومش هقدر أروح من غيرك أنتِ وكتكوتي الصغير.
أنتِ عارفة إحنا كنا خلاص قررنا إننا مش هنروح لما تعبتي اليومين اللي فاتوا، بس سبحان الله بقيتي بخير النهارده أنتِ والكتكوت بتاعنا.
قالها ملامسًا صغيرهم في بطنها.
أومأت له باستسلام وابتسامة صغيرة مرتبكة.
ولم تخبره بذاك المغص الخفيف الذي يتردد أسفل بطنها بين الحين والآخر، ووجع يمتد إلى أسفل ظهرها.
وقد تكرر معها ذلك الشعور خلال الأيام الماضية، لكنها لا تريد أن تضخم الأمر، فتلك الأعراض تعب طبيعي في أيام حملها الأخيرة.
فقررت ألا تُخبر أنس بشيء مما تشعر به، مفضّلةً ألّا تُقلقه عليها دون داعٍ.
وأكدت له أنها بخير، لعلمها بأهمية هذا الزفاف له، وأنه بكل تأكيد لن يذهب طالما هي متعبة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أما هي فلم ترَ ملامحه المتوترة، حيث عاد بذكرياته إلى كلمات الطبيبة النسائية في زيارتهم الأخيرة لها، حين طمأنتهم أن ملك تستطيع أن تلد طبيعيًا بما يناسب حالتها.
إلا أنها شددت عليهم مراعاة حالتها النفسية بشدة، وابتعادها عن القلق والتوتر، مع الحرص على الحركة الخفيفة والمشي بانتظام، بما يتناسب مع وضعها الصحي، لتسهيل الولادة.
لكن، ورغم محاولاته للتماسك والاقتناع بطمأنة الطبيبة لهم، لم يستطع منع القلق من التسلل إلى قلبه كلما تذكر أن موعد ولادتها بات قريبًا، وأنها ستخوض التجربة ذاتها التي فقدوا من خلالها طفلهما الاول من قبل.
كان يخشى عليها أكثر مما يُظهر، ويُخفي خلف ابتساماته الهادئة ومشاكساته أفكارًا لا تهدأ، ودعوات يرددها في سره ألّا يمسّهما أي سوء، وأن يرزقها الله ولادة سهلة ورؤية فرحة لصغيرهما، ليضمّاه بين أحضانهما سليمًا معافًى.
أحكم ذراعه حول خصرها، مقرّبًا إياها منه بحنان، ثم انحنى قليلًا يُطالع وجهها الفاتن، وقد زادها الحمل فتنة، محاولًا أن يمنحها من طمأنينته ما يكفي ليُخفي به اضطراب قلبه هو الآخر.
فكيف له أن يطمئن تمامًا، وهو يعلم أن الأيام القليلة القادمة ستحمل لهما لحظة انتظراها طويلًا، لكنها تحمل في طياتها ذكرى موجعة قاسية يخشى، بل يرتعب، من أن تتكرر، مهما حاول إقناع نفسه بأن هذه المرة ستكون مختلفة؟
يخاف ويرجف قلبه في ذكرى خسارتهما لصغيرهما الراحل.
تنهد بألم، ونفض عنه تلك الكآبة حينما وصلوا المحل المنشود، ليدخلا فورًا، فتقابلهم العاملة، تسألهم باحترام عن مطلبهم، ليخبرها أنس بهدوء: عايزين فستان سهرة يكون محتشم ويناسب المدام، بس أهم حاجة يكون مريح ومحتشم.
قالها مشيرًا لملك التي تحرك بها ليجلسها على أحد المقاعد لترتاح.
وتحرك مع العاملة التي سارت معه تريه عدة اختيارات لعدة موديلات، لم يعجبه أحدهم للأسف.
دارت عيناه في المحل، حتى وقعت عيناه أخيرًا على فستان معين.
أشار للعاملة عليه قائلًا بتأكيد: عايز ده.
أومأت له وتحركت سريعًا لتحضره له، قبل أن يتوجه هو نحو ملك، يساعدها لدخول غرفة القياس، مغلقًا الستار خلفها، منتظرًا إياها بالخارج بحماس وترقب.
❈-❈-❈
التفت سريعًا حينما سمع صوت الستار يُفتح، لتتسع عيناه وهو يراها أمامه بفستان أنيق بلون وردي ناعم، تنساب خامته الحريرية بخفة على جسدها، وتنسدل قصّته الواسعة برفق من أسفل الصدر، لتمنح بطنها المنتفخ مساحة مريحة، بينما التفت طبقات القماش الرقيقة حول ساقيها حتى كاحليها. زُيّنت أكمامه الطويلة بأطراف من الدانتيل الرقيق، وتزيّنت الياقة بتطريزات صغيرة وناعمة زادت من رقّته، فيما أضفى الحزام الرفيع أسفل الصدر لمسة أنثوية أنيقة، أبرزت جمال القصّة دون أن تقيّد حركتها. بدا الفستان محتشمًا وناعمًا، تتداخل تفاصيله البسيطة في تناغم رقيق، وكأن اللون الوردي اختير خصيصًا ليمنحها إطلالة هادئة تليق بملامحها في شهرها الأخير من الحمل.
لا يعرف لِمَ غشِيَ الدمعُ عينيه، تأثّرًا بتلك اللحظة التي تراكمت بداخله تجاهها الكثير من المشاعر ، وهو يرى أمامه حبيبته تحمل أسفل قلبها صغيرهم الغالي.
كانت كأجمل شيء قد تراه عينه.
كانت فرحة قلبه في تلك الحياة.
لم يحتج للحديث، ورأت هي بعيناه آلاف الكلمات من الغزل، فهمس بخفوت متحشرج: جميلة، جميلة أوي.
هناخده.
دمعت عيناها متأثرة، وأومأت له بتأكيد، منبهرة هي الأخرى بالفستان.
وسارعت بإغلاق الستار، فقد حصلت على فستانها، وحان موعد الذهاب إلى حفل الزفاف.
بل وأيضًا حان الموعد المنتظر.
❈-❈-❈
في منزل أمير ويارا
عاد أمير اليوم مبكرًا عن المعتاد، بعد أن أصابه صداع شديد لم يجعله قادرًا حتى على فتح عينيه، ولم تفلح معه المسكنات، فاضطر آسفًا لإلغاء جميع اجتماعاته المتبقية لليوم، وغادر يرجو بضع ساعات من الراحة قبل أن يعود ليباشر أعماله المتكومة مرة أخرى.
لكن، وما إن وصل للمنزل، وقبل أن يدلف، حتى أتاه صياح زوجته من الداخل، ليقطب حاجبيه متعجبًا من صوتها الغاضب بتلك الطريقة.
فتحت له المساعدة الباب، وعلى وجهها علامات الذعر، ليتخطاها دالفًا نحو غرفة المكتب التي يخرج منها الصياح.
وقد وجد يارا تقف أمامها ابنتها مريم، التي تقف مطرقة الرأس، ودموعها تسبقها، ترتجف فعليًا.
بجانبها أخوها مراد، يمسك يدها بقوة، رغم الخوف في عينيه.
دلف يردد بصداع وضيق من صوتها العالي: في إيه يا يارا؟ صوتك جايلي من بره البيت!
إيه الزعيق ده؟
من إمتى وإحنا صوتنا بيخرج عالي بالطريقة دي؟
التفتت له، تصيح بعصبية وجنون، وكأنها وجدت خصمًا ندًّا لها لتُخرج به كل عصبيتها المكبوتة: طبعًا البيه شرّف!
تعالى يا أستاذ، شوف درجات الهانم اللي زي الزفت!
قالتها، والتفتت ملتقطة هاتفها بعنف من فوق الطاولة لتريه إياه.
أمسك الهاتف بعدم فهم، قبل أن تتضح له الصورة كاملة.
كانت المدرسة قد أرسلت عبر البريد الإلكتروني تبلغها بتدنّي درجات مريم، وضرورة متابعة مستواها الدراسي.
تابعت بتهكم، وهي ترى صمته وبروده: وطبعًا اتبعتلك واحد زيه، بس حضرتك مش فاضلنا.
وهتفضى إمتى؟
هو إحنا أصلًا بنشوفك؟
ده إنت بتيجي بعد ما بنام، وبتمشي قبل ما أصحى.
بقيت تقريبًا فاكر البيت فندق، بتيجي على النوم.
رفع يده يضغط على عينيه، شاعرًا بالصداع يكاد يقسم رأسه نصفين، قبل أن يلتفت لصغيريه قائلًا بهدوء: اتفضلوا اطلعوا أوضتكم.
وتابع بحزم، مشيرًا لمريم الباكية: ليا كلام معاكي بعدين.
أسرع الصغير مراد يشد مريم، التي بدأت في البكاء مرة أخرى بحزن وألم، ليخرجها أخوها سريعًا، مغادرين المكتب.
وتحرك أمير يجلس على المقعد، يلقي بالهاتف، واضعًا رأسه بين يديه بتعب وإرهاق، وحقًا لا ينقصه...
لا ينقصه مثل تلك الأمور.
إيه درجات تلك التي عليه أن يفكر بها؟
لديه فكرة مشروع جديدة تشغل باله، ولا وقت لديه لتلك الترهات.
جلست أمامه تهز ساقها بعصبية، مرددة بصوت عالٍ: يعني مردتش؟
رفع رأسه يحدجها بنظرات تحذيرية، قبل أن يردد بحزم: صوتك عالي أوي.
عندي صدااااع.
مش عايز أسمع صوت.
قالها بتشديد وصياح.
أغلقت فمها، تشعر برأسها يغلي منذ رأت ذاك الإيميل.
منذ متى ومريم تحصل على تلك الدرجات؟
ابنتها كانت دائمًا من المتفوقين دراسيًا.
ماذا حدث فجأة؟
كيف ستواجه الآن باقي الأمهات في دردشة الأمهات الخاصة بالمدرسة؟
جميعهم يستعرضون تفوق أبنائهم، وكانت هي من أوائل المستعرضين.
الآن ماذا ستفعل؟
كيف ستواجه همز ولمز باقي الأمهات، سواء بالمدرسة أو التمرينات؟
جزّت على أسنانها بغضب، متخيلة ما سيحدث.
وقبل أن تنطق، غمغم هو بتأكيد: بتزعقي للبنت ليه؟
لو في حد المفروض نزعق له ونلومه، فهو إنتِ يا هانم، مش بنتك.
اتسعت عيناها بشدة إثر هذا الاتهام، إلا أنه لم يهتم، وتابع: بنتك طول عمرها مستواها أكثر من رائع، لحد ما زاد انشغالك في شغلك وتأخيرك كل يوم والتاني بحجة الفرع الجديد، وهي مستواها بسبب إهمالك في النازل.
وتابع بحزم وتأكيد: لو في حد لازم يتزعلقه ويتلام، إنتِ يا يارا، مش بنتك.
إنتِ أم مهملة.
انتفضت بسرعة، تصيح بغضب، وكلماتها تخرج بعصبية أشبه بالصراخ: إنت بتقول إيه؟
أنا أم مهملة؟
إنت بتلومني أنا؟
وتابعت بجنون، مشيرة نحوه: لوم نفسك الأول يا بيه!
على كده إنت تاخد جائزة أفشل أب.
تقدر تقولي إنت فين في حياة عيالك؟
فين في يومهم؟
تعرف أين أنت عنهم؟
مدارسهم، تمارينهم، حياتهم كلهم.
تعرف إيه أصلًا؟
إنت كل اللي يربطك بيهم مجرد لقب، بس المسمى أب.
فينك بقى يا أستاذ أب؟
إنت مستحقش تكون أب أصلًا يا أمير.
مستحقش أبدًا.
قالتها بغضب ووجه أحمر، غير قادرة على التماسك.
انتفض من محلّه، يواجهها بغضب أقوى وأقوى، حتى باتا كمصارعين أمام بعضهما البعض، مرددًا: ياااااارا!
في إيه؟
إنتِ اتجننتي ولا إيه؟
اوزني كلامك كده!
أنا اللي أوزن كلامي؟
قالتها مستنكرة، قبل أن تتابع: صحيح، أنا متوقعة منك إيه؟
بجد يعني، متوقعة إيه من واحد ما يعرفش عن ولاده غير أسمائهم؟
وصمتت قبل أن تكمل ساخرة: بلاش نتكلم في الموضوع ده عشان أكيد إنت اللي هتطلع خسران.
اشتدّ فكّه غضبًا، واحتدّت نظراته، قبل أن يتمتم بجمود: وإنتِ بقى اللي فاكرة نفسك أمهم؟
يارا، بلاش نضحك على بعض.
أم إيه يا أم أم؟
أم مين دي اللي بتيجي بعد ما عيالها يكونوا ناموا؟
سيباهم طول اليوم مع الناني، وبتتابعي كل كام ساعة بالتليفون.
تعرفي عيالك بيأكلوا إيه، بيشربوا إيه، بيعملوا إيه؟
لو أنا مشغول، فأنا راجل بشتغل عشان أوفر ليكم حياة كريمة.
وصمت يناظرها بقرف: فصدقيني، مفيش حد هيخسر غيرك لو اتكلمت.
يعني إيه؟
قالتها بغضب.
تحرك ليغادر الغرفة، مرددًا بحزم: يعني فوقي لعيالك وبيتك.
وتأخير تاني من النهارده أنا مش هقبل بيه.
ترجعي في مواعيدك الطبيعية زي الأول، تشوفي بيتك وعيالك، تتابعي ولادك، تروحي معاهم تمارينهم، وتتابعي حياتهم.
عيالي مش هيربيهم مربيات، وأمهم موجودة.
صاحت به بجنون قبل أن يخرج: إنت عارف إني مش هعرف!
ده شغلي.
مستقبلي.
حياتي.
أنا مش هضحي بمستقبلي.
في حين إنك بتبني مستقبلك، ومش فارق معاك عيال ولا غيره.
إنت إزاي بتحلل لنفسك اللي بتحرمه عليا؟
عايزني أكون أم شايلة كل حاجة، وعايز تكون إنت مجرد أب بالاسم؟
أنا مش جارية عندك.
أنا زيك زيك.
عيالنا سوا، مش عيالي لوحدي!
تسمّر محله بجسد متشنج غاضب، غاضب للغاية، ووقف يلتقط أنفاسه الثائرة.
لا يريد الالتفات ولا سماع المزيد من الصراخ، لذا حرّك رأسه يناظرها من فوق كتفه، مرددًا بحزم وغضب كان واضحًا وبشدة: كلامي قلته.
اختاري.
حياتنا، أو حياتك.
وغادر صاعدًا لغرفته، تاركًا إياها تسقط على مقعدها، تغلي غضبًا، قبل أن تنفجر في بكاء حاد ومقهور.
❈-❈-❈
في شركة تميم
لم تمر سوى ساعة واحدة، واستيقظ الصغير المشاغب، ينظر حوله بضيق وقرف، سرعان ما تحوّل لانبهار تام وهو يرى الساعة بجانبه.
ناظره خاله بقرف هو الآخر، مرددًا بسخرية: عيل مادي حقير.
ولم يمر الكثير حتى اندفع إعصار يدخل المكتب، لينتفض كلا التميمين، ينظران نحو أحمد الذي دخل المكتب والغضب يطل من عيناه، ضاربًا على المكتب قائلًا بعصبية: يا أخي هطبق في زمارة رقبتك دي وأطلع بروحك! حسبي الله فيك يا تميم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اتسعت عينا تميم بتحذير، مشيرًا له بعينيه ناحية الصغير المصدوم.
ليقطب أحمد حاجبيه دون فهم، ناظرًا حيث يشير تميم، لتتسع عيناه بشدة وهو يرى الصغير منكمشًا على نفسه بذعر.
زمَّ أحمد شفتيه، ناظرًا لتميم الكبير بضيق، يسأله لما لم يخبره بوجود الصغير، ليرمقه الآخر بنظرة مستهجنة، كأنه يخبره: هل أنت مجنون؟ لم تعطِني فرصة!
وفي ثوانٍ، اتسعت ابتسامة أحمد، مرددًا بفرحة وهو يتجه نحو الصغير، رافعًا له يده ليحمله: الله، ده الباشا منوّر الشركة، وأنا أقول المكان نور ليه! تيمو حبيب عمو أحمد وحشني!
ناظره الصغير بمقلتين مقلوبتين، يحدجه بقرف فعلي.
حاول حمله، إلا أن الصغير رفض، والقلق لم يذهب عنه بعد، يضم بطته بشدة.
اتجه له تميم، يحمله ويطمئنه ويهدئ من روعه، رامقًا صاحبه بتوعد، ليبادله الآخر النظرات المحرجة.
ولم يهدأ الصغير إلا بعد عشرين دقيقة كاملة من المحايلات، وورقة مالية كبيرة أغراه بها أحمد لكي يذهب إليه.
وهز تميم رأسه يأسًا من ذاك الصغير، متمتمًا للمرة التانية: مادي حقير.
وتابع ضربًا كفًّا بآخر، ناظرًا نحو أحمد الجالس أمامه يشرب عصير الليمون: مقولتليش يا عم هركليز، إيه سبب دخلة التنين اللي دخلتها دي؟ الشركة بتولع!
جزَّ أحمد على أسنانه، مرددًا بغيظ وهو يضع الكوب بعصبية: يا ابني، هو أنا كنت بكلم نفسي قبل كده ولا إيه؟ يعني أنا كان سبب رفضي الشغل معاك أساسًا كان خوفي من الكلام الفاضي بتاع الموظفين، وحمدت ربنا إن مجرد ما بدأت شغل معاك سافرت أخلص شغل بره ضروري، محدش غيري كان هيقدر يعمله.
ف يوم ما أجي ويكون أول يوم ليا في الفرع هنا، تبعتني مكانك أحضر اجتماع مينفعش يحضره غير المدير!
هز تميم كتفه بلا مبالاة، مرددًا بهدوء: وإيه المشكلة؟ أنت كنت في نفس المكانة دي في شركتك القديمة، وكثير كنت بتنوب عن المدير وقت غيابه. إيه الفرق؟
صاح به أحمد بغيظ، مراعيًا صوته لكي لا يفزع الصغير مرة أخرى: الفرق إن الكل هنا عارف إننا أصدقاء، وطبعًا الكل فاكر إن وجودي هنا وحضوري مش لمجهودي ولا مكانتي العملية، لكن رجوعها لأني صاحب المدير، وإنها كوسة بقى!
تأفف تميم واقفًا، متجهًا له قبل أن يلتقط الصغير ويضعه على الأرض ليلعب بألعابه والبط الخاص به، قبل أن يجلس أمام أحمد، مرددًا بهدوء وحزم: بص بقى يا أحمد، أنا قلتلك الكلام ده مرة، لكن خليني أعيده تاني، ويا رب تفهمه وتستوعبه.
لو على كلام الموظفين والرغي بتاعهم، فمش هيخلص، كنت صاحبي أو لا، يمكن لما تكون على معرفة شخصية بيا هيزيد شوية، مش هنكر، لكن مش هتهرب من لسانهم في كل الأحوال، صاحبي أو لا.
وضرب بأصبعه على الطاولة الصغيرة أمامه، قائلًا: أنت هنا شغال مش لأنك صاحبي، وأنت عارف كده كويس. أنا لا بشغّل واسطة ولا غيره. كل موظف شغال هنا شغال لأنه يستحق المكانة دي، وأنت هنا نفس الشيء، لأنك ببساطة أنسب شخص يستحق يكون هنا، بشغلك، بتعبك، بخبرتك ومجهودك.
سيب اللي يقول يقول، وامشي في طريقك متبصش وراك، لأن ده مش هيكون أول ولا آخر اجتماع تحضره بدالي، فشيل الكلام ده من دماغك، وخلينا نركز في شغلنا.
صمت أحمد متفهمًا حديثه جيدًا.
تميم يعرض عليه هذا العرض منذ سنوات، ورغم رفضه المتكرر، لم يوافق إلا وبداخله ثقة تامة أنه أصبح يستحق تلك المكانة وبكل جدارة.
لكنه لا يحب هذا الشعور الحارق، لا يحب تلك النظرة من الموظفين، يكرهها وبشدة، تشعره بالضيق والعصبية.
وقف ليقف تميم أمامه، قائلًا بهدوء وهو يربت على كتفه: أنا محتاجك هنا يا أحمد، سيبك من كلام الناس اللي لا بيقدم ولا بيأخر.
ابتسم له أحمد، وقد انزاح جزء كبير من غضبه، وأومأ له باستسلام، قبل أن يقول بهدوء: تمام، سامحني يا تميم. أنا هروح بقى عشان أخلص الشغل اللي في إيدي قبل ما أمشي. يلا سلام.
وغادر.
ابتسم تميم في أثره بتفهم، قبل أن يلتفت منحنِيًا، حاملًا تميم الصغير، قائلًا بابتسامة: يلا نروح إحنا كمان، عشان أمك كلت دماغي والله العظيم.
انطلقت ضحكات الصغير كأنه يفهم، لتنفرج ملامح خاله، مرددًا بمشاغبة: شكلك فاهم كل حاجة، وهتطلع في الأغلب راجل متنكر في هيئة طفل.
قالها ضاحكًا، وضحكات الصغير تدفئ قلبه، شاكرًا الله على نعمة وجود ذاك الصغير في حياته.
ألف مرة، ألف مرة.
❈-❈-❈
تحركت تلملم أغراضها سريعًا، ناظرةً إلى ساعتها بضيق، لقد تأخرت ساعة عن موعد رحيلها.
انشغلت في أحد الملفات بتركيز، ولم تدرك مرور الوقت.
رأسها يضج بالأفكار والمسؤوليات.
تفكر في ألف شيء في نفس اللحظة.
شاعرة بالضغط.
بين البيت وأهل عمر وعمر شخصيًا والعمل والقطط وموعدها الدوري مع الطبيبة، وووو...
تشعر برأسها على وشك الانفجار.
وليته يقتصر على إرهاقها العقلي، بل إرهاق عقلي ونفسي وجسدي.
التقطت حقيبتها وهاتفها، وتحركت مغادرةً مكتبها سريعًا.
وقفت أمام المصعد منتظرةً وصوله، منشغلةً بإغلاق حقيبتها، ليسقط هاتفها أرضًا إثر ربكتها.
تأففت بضيق، وانحنت ببطء وحرص تحضر الهاتف الذي أضاءت شاشته معلنًا عن اتصال عمر.
ابتسمت بهدوء، وكم كانت بحاجة إلى تلك المكالمة بعد يوم طويل! كانت فقط بحاجة لبعض كلمات تدفعها لمتابعة يومها وتخفيف أثر ما تمر به.
رفعت الهاتف على أذنها واستقامت قائلةً بهدوء: حبيبي.
إلا أن الآخر ردد بسرعة وانشغال: فريدة حبيبتي.
معلش يا ديده، عمتي لسه قافلة معايا من شوية، وبتقولي نفسها أوي في محشي كرنب وورق عنب. أنا والله حاولت أقولها تأجله ليوم الإجازة عشان مش هتلحقي، بس قفلت معايا وهي زعلانة أوي، وبتقولي نفسها فيها، فَعَشان خاطري يا حبيبي، معلش هنتعبك معانا.
فلو سمحتي يا حبيبتي، عدي على المحل هاتي الطلبات، وهاتي فراخ صابحة عشان قلتِ لي مش عايزة من الفريزر عندنا، وجهزيهم لبكرة عشان متزعلش.
وصمت لوهلة حينما أتى أحدهم ليحدثه، ليغمغم بسرعة وانشغال: فريدة، أنا مضطر أقفل دلوقتي.
متنسيش اللي قلتلك عليه.
سلام.
وأغلق.
وظلت هي محلها تنظر لصورتها في مرآة المصعد التي فُتحت أبوابه.
كانت متعبة.
غاضبة.
بل غاضبة بشدة.
ترغب وبشدة أن تصرخ بأعلى صوت، لعلها تُنفّس ولو بقليل مما تشعر به في تلك اللحظة.
تود الصراخ والصراخ حتى يذهب صوتها.
إلا أنها لم تستطع.
لم يكن لديها تلك الرفاهية.
لذا ألقت هاتفها في الحقيبة بلا مبالاة، ودلفت للمصعد سريعًا.
مطرقة الرأس.
شاعرة بالضغط ينهش ما تبقّى من هدوئها.
شاعرة بالتعب.
❈-❈-❈
بعد ساعة كانت تدلف لشقتها تجر قدماها جرًّا، شاعرة بالصداع يضرب رأسها بقوة.
كل ما ترجوه في تلك اللحظة هو أن تلقي بنفسها على الفراش لتحصل على قسط كافٍ من النوم، لعلها ترتاح من ألم ظهرها وساقيها.
تحمد الله ألف مرة أنها نظفت المنزل وحضرت الطعام صباحًا قبل مغادرتها.
لكن، وما إن خطت قدمها للشقة وأغلقت الباب حتى تسمرت محلها، وجحظت عيناها وهي تتطلع أمامها، تناظر وضع الشقة.
نقلت عيناها حيث عمته النائمة على الأريكة، ويتضح أنها غفت وهي تشاهد التلفاز، وأمامها الكثير من الأطباق والأكواب المتسخة، والكثير من المناديل المستخدمة، بعضها على الطاولة أمامها والبعض ملقى أرضًا.
طاولة الطعام وقد تراكمت عليها أكياس وملابس سلمى الجديدة التي رتبتها في الصباح.
الوسائد مبعثرة في كل مكان.
حاولت التقاط أنفاسها الثائرة قبل أن تتسع عيناها أكثر وهي تدقق أرضًا لترى فتات الخبز يملأ الأرض، بل وأيضًا بجانبه الكثير من حبات الفشار المتناثرة هنا وهناك.
رفعت يدها تغطي فمها لكي لا تصرخ، وهي تتحرك تطالع تلك البقعة الكبيرة على إحدى أرائكها.
سقوط حقيبتها أرضًا محدثًا صوتًا عاليًا أيقظ عمة عمر النائمة، وقد اعتدلت تتطلع حولها قبل أن تلمحها، لترمقها بلا اهتمام حقيقي، وهي تمد يدها تبحث عن منديل الرأس الخاص بها لتربط رأسها، مرددة: كويس إنك جيتي.
جبتي حاجة المحشي؟
رفعت فريدة يدها تضغط على ظهر المقعد بقوة، مقاومة كل الأفكار السيئة بداخلها لتحطيم هذا المنزل فوق رؤوسهم جميعًا، وأولهم زوجها المصون عمر.
وظلت مطرقة الرأس تحاول تمالك أعصابها، شاعرة أنها حقًّا لا تتحمل، لن تقدر على تحمل هذا الوضع أكثر من هذا.
تجاهلت إجابة سؤال عمتها.
وتحركت بساق مرتجفة تتدلف للمطبخ قبل أن تشهق بصدمة وهي تراه بذلك المنظر المتسخ بعد أن تركته يلمع صباحًا.
تحركت تغلق الثلاجة سريعًا وقد تركها أحدهم مفتوحة.
ووقفت تطالع الموقد وعليه الأواني الفارغة.
تمتمت بانهيار:الغدا
دول خلصوا الغدا كله.
أكلوا الطعام كله الذي قد أعدته مسبقًا لليوم.
كل شيء فعليًّا، لم يتركوا لها أو لعمر أي شيء.
الأواني، الأطباق، الأكواب، فيماذا استخدموا كل تلك الأشياء؟
الأرض بها بقع.
والموقد قد اتسخ، متناثر عليه الطعام.
استندت على المطبخ شاعرة بأنها على وشك الإصابة بسكتة قلبية بأي لحظة.
لقد أنهت كل شيء قبل خروجها صباحًا، لتعود وتجد هذا الوضع المزري.
حتى طعام الغدا أجهزوا عليه كله، ولم يتركوا لهم شيئًا بدافع الشفقة حتى.
شعرت بالدوار يهاجمها لتجلس على المقعد خلفها بتعب.
مفكرة:
كم ساعة ستأخذ لتنظيف تلك الشقة وتحضير طعام جديد؟
جزت على أسنانها متمتمة بغيظ: وأحضر تاني ليه؟
يولعوا كلهم في بعض.
إن شاء الله عنهم ما كلوا.
وتحركت تستند على المقعد للتحرك نحو غرفتها، متجاهلة ذاك الدوار وصياح عمتها العالي وبجانبها سلمى.
ولأول مرة لم تهتم بما يحدث حولها حقًّا.
ودلفت الغرفة التي وجدت بابها مفتوحًا.
لكن لم تكن تلك هي سبب دهشتها.
بل خزانة ملابسها المفتوحة والمبعثرة بشدة، حتى إن بعض الملابس على الأرض وأخرى على الفراش.
حتى ملابسها الخاصة جدًا.
نقلت عيناها نحو أدوات الزينة الواضح استخدامها، لتتضح الصورة أمامها واحدة تلو الأخرى.
وهي تلمح بعينيها سلمى الواقفة على باب الغرفة، تستشف رد فعلها على ارتداء إحدى مناماتها وأيضًا استخدام أدوات زينتها.
وتحركت سريعًا نحو أمها بعد أن ناظرتها بابتسامة خبيثة.
تحركت فريدة تعدل طبق طعام لوزة الذي سُكب نصفه قبل أن تعود لملء طبق الماء.
وتناظر الصغار وقد بدأوا يتقافزون حولها في فرحة لرجوعها.
ولوزة تناظرها بصمت كأنها تفهمها.
أما هي فجلست على الفراش حينما لم تعد تحملها ساقها أكثر من هذا.
تنظر حولها بجمود.
مست صغيرها لعلها تهدئ من ركلاته.
كأنه يشاركها حزنها وغصة قلبها.
وتنهدت مفكرة بأسف:
إن كان هدفهم هو حرق دمها وقهرها، فقد نجحوا.
براڤوا.
هم: واحد.
وهي: صفر.
ألف صفر.
❈-❈-❈
في منزل أنس وملك
أنهى مكالمة عمل سريعة، قبل أن يتحرك بسرعة دالفًا للغرفة، قائلًا بضيق وانشغال في محاولة عقد ربطة العنق الخاصة به.
وما أن دلف حتى رفع عينه نحوها ليطلب منها عقدها له، إلا أن توقفت قدماه وتسمّر محله، وعيناه تناظران تلك الواقفة توليه ظهرها بنظرة عاشقة منبهرة.
تلاقت عيناهما في المرآة بصمت.
رأت بعيناه آلاف كلمات الغزل والعشق.
فأخفضت عيناها في حياء وخجل لم يقل أبدًا مع مرور الوقت، قبل أن تلتفت لتقابله وجهًا لوجه.
جميلة، بل مبهرة.
قالها أنس لنفسه بتأكيد.
كانت تضيف للثوب هالة من الرقة والجمال والرقي.
كانت كجوهرة نادرة ببطنها المنتفخ، حيث تحمل ثمرة عشقهم، عوض الله لهم.
تحركت ساقاه خطوة تلو الأخرى، حتى صار أمامها.
اتسعت ابتسامته، تناظره هي بأخرى مليحة فاتنة.
ورفع يده يدس خصلة ناعمة هربت من حجابها، قبل أن يمس وجنتها مرددًا بمشاكسة صادقة:
ناوية تخدي الجو من العروسة النهارده ولا إيه؟
أظن كده هتغطي عليها رسمي.
ضربت صدره مرددة بدلال وخجل:
بس يا أنس.
أمسك يدها الصغيرة، مقبلًا إياها بحنان وحب، قبل أن يردد بهدوء:
يلا يا ستي، اربطيلي الجرافتة الأول عشان منتأخرش.
قالها مشيرًا لنفسه.
وبالفعل، شبت فوق قدمها لترتفع نحوه على أطراف أصابعها في حذائها الرياضي الطبي ليناسب قدمها المنتفخة بفعل الحمل، وقد بدأت في عقد ربطته الأنيقة.
كان أنيقًا للغاية، كأنه هو من سيتزوج.
وعند تلك الخاطرة، اشتعلت نيران الغيرة بقلبها، قبل أن تردد بغيظ من بين أسنانها، وهي تشدد على الرابطة في عنقه حتى كادت أن تخنقه:
بس مش شايف إنك متشيك أوي أكتر من اللازم؟
رفع أحد حاجبيه بابتسامة ماكرة، ملتقطًا الغيرة في صوتها، قبل أن ينفجر ضاحكًا، لا يقدر على التماسك أكثر، وهو يميل نحوها مرددًا بحزم، ويداه تقرص وجنتيها:
لو في حد ليه الحق يغير، فهو أنا.
لأنك يا هانم للأسف جميلة ومشعة أكتر من اللازم.
ولو عليا، هحطك في علبة وأخبيكي في جيبي عشان محدش يلمح طرفك حتى.
انفلتت منها ضحكة رغم عبوس وجهها.
ليتابع هو بمسكنة:
أما أنا يا مسكين، عيني متقدرش تشوف ست غيرك أبدًا.
معقول حد يكون معاه نجمة من السما ويبص لغيرها؟
ناظرته بغيرة وبؤس، ليقبل وجنتيها بحنان، مغمغمًا بهمس خافت:
يلا يا بطتي.
وقبل أن يتحركا سويًا، تسمّرت هي محلها، تغمض عينيها بألم، متشبثة بطفلها. اتسعت عيناه بهلع، وشحبت ملامحه، ويده تلقائيًا تحاوط خصرها برعب خشية من أن تسقط، قائلًا بخوف:
ملك!
ملك حبيبتي، في إيه؟ مالك؟
التقطت أنفاسها، وهو يجلسها على الفراش مرددًا برعب:
هنروح المستشفى حالًا.
إنتِ وشك اتخطف خالص.
مالك يا حبيبتي؟
ردي عليا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مالت برأسها على صدره بألم، قبل أن ترد بصوت حاولت أن يكون أفضل:
وجع جه وراح فاجاة، أنا كويسة متقلقش.
مفيش داعي للمستشفى.
لا طبعًا.
قالها بحزم.
وتابع:
هو إيه اللي وجع جه وراح؟
هنروح نطمن.
رفعت رأسها عن صدره مرددة بهدوء مازح، وهي تمس صغيرها، محاولة التخفيف من رعبه:
أنا بخير، صدقني.
هو شكله بس بيلعب ماتش كورة جوه.
قالتها متأوّهة، وهي تسحب يده نحو جهة معينة، ليفيض الحنان من عيناه وهو يشعر بركلة الصغير. كانت ركلاته قوية، ما شاء الله.
وكأنه يصيح بهم أنه يريد الخروج.
ولم يدركا أو يعلما أنه فعلًا كان يصيح بهم، يريد الخروج.
ابتسما كلاهما في شوق لضمه بين ذراعيهما، لإخباره كم أحباه قبل حتى أن تلمحه عيناهما.
انسلت من عينها دمعة، مسحتها سريعًا، ؛ورآها هو.
ربتت على صغيرهما بحنان وقوة.
وكان يدرك هو جيدًا ما تحياه وتخشاه.
زفرت بتوتر، قبل أن تغمغم بهدوء، وهي تستقيم ويداه تحاوطها:
يلا خلينا نروح.
ناظرها بتردد واضح.
خائف.
قلق.
بل مرتعب.
إلا أنها طمأنته مرددة بحنان:
أنا كويسة يا حبيبي.
خلينا نروح يلا.
أومئ لها بقلق رغمًا عنه، مقررًا أنها سيأخذها رغم أنفها للمستشفى بعد انتهاء الحفل للاطمئنان عليها، فلا سبيل للمجازفة أبدًا.
تحركا سويًا.
وبداخل كلٍّ منهما قلق.
ولم يكن أحدهما يعلم أن موعد اللقاء قد بات قريبًا.
وأن الصغير قد وقّع استمارة الحضور لتلك الحياة، معلنًا وجوده في توقيت لا يُنسى.
بطقوس استقبال تليق بأمير طال انتظاره.
وبحفل استقبال يليق به، ففي النهاية... هو فرد من أفراد آل العسلي.
وكان هذا أكثر من كافٍ.
❈-❈-❈
دلف إلى المنزل بعد يوم عمل طويل، لا ينشد سوى وجبة غداء دسمة أخبرته بها فريدة صباحًا، وهدوء ليغطّ في نوم عميق.
هدوء؟ أي هدوء؟
وهل أصبح يعرف الهدوء؟
هذا ما قاله لنفسه حينما فتح الباب ودلف، لتندفع نحوه سلمى كالشعلة، مرددة بسرعة وغضب وغيظ: يرضيك اللي مراتك بتعمله ده يا عمر؟
ماما تكلمها متردش عليها.
وتتجاهلها وتدخل أوضتها بكل قلة ذوق.
مش بس كده.
ده لحد اللحظة دي مفيش غدا اتعمل، وقاعدين جعانين، وماما محتاجة تاكل عشان تأخد الدوا بتاعها، ومعاده عدى طبعًا.
سيل من الكلمات تدافعت من فمها سريعًا بغضب وغيظ.
ففريدة تجلس محلها منذ ساعة ونصف دون حراك.
مهما حاولوا استفزازها وإحراق دمها، كانت تقابلهم بصمت وجمود، لا تعيرهم أي اهتمام، كأنهم حثالة لا قيمة لهم.
ولم يدركوا أنهم هكذا في نظرها.
رفع عمر يده يمسح وجهه، شاعرًا بالصداع ورغبة قوية في ضرب سلمى حتى تصمت.
وصمتت.
يا للهول!
وقبل أن يفرح، استلمت عمته دفة الحوار، وبدأت تصيح بعصبية وغضب: بص بقى يا عمر، أنا زهقت من مراتك اللي مبتحترمش حد دي.
جاية من شغلها متأخر، وكمان مبتردش عليا، كأني كلب بتهوهو.
إذا كنت ترضى المعاملة دي ليا، أنا مرضاهاش.
اللي محترمش حماتها مستسهلش تعيش العيشة دي يا ابني.
قالتها بحزم.
ناظرها عمر بضيق، والتفت برأسه يناظر فريدة الجالسة محلها منذ دلف بصمت.
إلا أنه تلك المرة لم تكن تخفض عينيها، بل كانت تنظر له بقوة وغضب.
غضب سيحرقه تلك المرة بلا شك.
❈-❈-❈
أخفض عينيه عن عينيها سريعًا، وتحرك دالفًا حيث تجلس عمته، تاركًا إياها هي تحدق في أثره بسخرية مريرة، مستمعةً إلى صوته الواضح وهو يحاول استرضاء عمته.
خرجت منها ضحكة ساخرة تقطر ألمًا.
نصف ساعة ظلت هي محلها تستمع إلى حديثهم في الخارج بكل قهر.
وأخيرًا سمعت وقع خطواته.
تذكرها أخيرًا.
أكثر الله خيره والله!
أحمق يا عمر، كم أنت أحمق!
قالتها لنفسها وهي تراه يغلق باب الغرفة خلفه قبل أن يقف أمامها يناظرها بصمت.
أما هي فكانت تناظره بتحدٍّ واضح.
تحدٍّ لم يفهم ما بعده.
❈-❈-❈
اعتدلت في جلستها لتقف تواجهه بكل قوتها وضعفها في آن واحد، ليردد هو بضيق، مقاطعًا إياها قبل أن تنطق حتى: مش هنخلص بقى يا فريدة من مشاكل كل شوية دي؟
أنا تعبت والله.
ده إحنا حتي لسه بنقول يا هادي يا حبيتي، مشي أمورك معاهم أومال لما يعدي كام شهر هتعملوا إيه في بعض؟
كام شهر؟
قالتها بتساؤل ساخر، وتابعت بقسوة وصوت هادئ رغم قهرها: أنت فاكر إني هستحمل اللي بيحصل ده كام شهر؟
ولا يوم واحد زيادة حتى يا عمر.
قالتها بحسم وحزم، وأكملت دون أن تهتم باتساع عيناه: أنا مش هسمح ليك وليهم تاني إنكم تيجوا عليا.
أنت فاكرني إيه؟
خدامة؟
لا، خدامة إيه؟
الخدم بيحترموهم أكثر من كده.
أنا إنسانة.
مراتك.
أم ابنك.
أنا فريدة.
فريدة شوكت زهران.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مسمحش لأي حد في الدنيا يقلل مني.
حتى أنت يا عمر.
قالتها بقوة، وأنفاس متسارعة غاضبة وبشدة.
ده بيتي.
بيتي أنا.
بيتي اللي بتعامل فيه معاملة دون المستوى.
بيتي اللي بسمع فيه كلام وتلقيح طول الوقت.
بيتي اللي سبته نضيف بيلمع.
وتابعت باشمئزاز: عشان أرجع ألاقيه، أقل وصف عليه سلة مهملات.
ومطبخي فوق بعضه.
والغدا اللي المفروض جهزته قبل ما أروح الشغل عشان حامل وتعبانة، أرجع ألاقيه خلصان، بدون مراعاة لأي حد غير نفسهم، كأننا مش عايشين معاهم، رغم أنهم عارفين أن ده الغدا لينا كلنا.
وقبل ما تنطق وتقولي بتتكلمي في أكل؟
لا، أنا مش بتكلم في أكل، أنا بتكلم في ذوق واحترام.
بتكلم في بيت ليه صاحبه مينفعش نتخطى مكانتها.
نحترمها ونقدرها، لأن الاحترام لازم يكون متبادل، غير كده يبقى مهزلة.
قالتها بحزم، وتابعت: مش بس كده.
لا، ده وصل الانتهاك لغرفتي الخاصة اللي قررت بنت عمتك بكل وقاحة تدخلها وتفتش هدومي وحاجاتي الخاصة، وتلبس وتحط منهم.
كان أمر عادي، مش قلة ذوق وقلة أدب.
قولي يا زوجي.
يا سندي.
مين يتحمل ده؟
أنت تتحمله؟
والله أبدًا ولا ساعة.
بس قبل ما تجاوب، أنت تعرف أصلًا معنى زوج؟
طيب، عارف واجباتك قبل ما تطلب مني حقوقك عليا؟
واجباتك إنك تصون كرامة مراتك، تحافظ عليها من أي أذى.
وصمتت تلتقط أنفاسها الثائرة، وكل هذا وهو يناظرها بعين متسعة، لا يصدق انفجارها أبدًا.
وظل الصمت رفيقهم، حتى قالت أخيرًا، غير قادرة على التحمل:
أهلك على عيني وراسي يا عمر، بس لو أهلك بييجوا عليا، إيه الحل؟
لو بيتعمدوا يجرحوني ويؤذوني، إيه الحل؟
صمت.
لا يجد إجابة.
عمته ولا يستطيع إغضابها، ماذا يفعل؟
وناظرته هي بخيبة أمل واضحة، وقالت بهدوء: معندكش إجابة.
بس الإجابة عندي أنا يا عمري.
إجابتي هي: كفاية لحد كده.
لأني مش هستحمل الوضع ده أكثر من كده، مش يوم ولا ساعة حتى.
دقيقة زيادة مش هستحمل.
أنا آسفة، بس أنت اللي وصلتني لكده.
يعني إيه يا فريدة؟
أنت عايزاني أطرد أهلي ولا إيه؟
أرميهم في الشارع؟
أنتِ أكيد اتجننتي!
قالها بوجه غاضب، وقد انفلتت أعصابه، واقترب يمسك ذراعها، يضغط عليها بشدة، مرددًا بعصبية: ده بدل ما تقفي جنبي!
أنتِ إزاي تقولي كده؟
اتسعت عيناها وهي تزيح يده، وبقوة تدفعه في صدره بغضب، صارخة: أنت بتعمل إيه؟ ابعد عني!
إياك تكررها تاني، أنا مش جارية عندك، افهم بقى!
فريدة!
صاح بها أعلى وأعلى، وقد تلبسه الجنون.
اهتزت ملامحها، إلا أنها تماسكت، مرددة بقوة:
ده اللي فهمته من كلامي يا عمر، إني عايزك تطردهم؟!
أهلك ضيوف وصحاب بيت، طبعًا ينوروا على عيني وراسي.
لكن...
وصمتت، قبل أن تتابع: البيت ده بيتي.
كل واحد يعرف حدوده، إيه يصح وإيه ميصحش.
وإلا...
وإلا؟
قالها وهو يقترب منها، يجز على أسنانه، وعيناه كانت تطق شرارًا، شاعرًا بالغضب، لا يصدق حديثها معه.
وإلا أنا اللي هسيب البيت يا عمر.
لأنك ببساطة مش قادر توازن بيني وبين أهلك، والشعرة اللي بيني وبينهم انقطعت.
قالتها بحزم، وعيناها تجمعت فيها الدموع.
يعرف.
وتعرف.
وخشيت أن يقولها.
وقالها.
وبلا تردد، أحمق مثله، قالها بسرعة وغضب، دون مراعاة: هتروحي فين إن شاء الله أنتِ ليكي غيري؟
بهتت ملامحها وشحبت، وجسدها يستند على الخزانة خلفها.
يعايرها.
ينثر الملح على أقسى وأغور جروحها.
وهنا لم تتحمل.
لم تقدر.
التفتت تبحث عن هاتفها، وما إن التقطته حتى سارعت بالخروج.
لحق بها يمسكها، يمنعها، مرددًا بعصبية وجنون: استني هنا، أنتِ رايحة فين؟
الا، إنها دفعته بقوة، صارخة بصوت أعلى: سيبني يا عمر كفاية لحد كده!
وتابعت بتحذيرٍ :إياك تيجي ورايا!
حملت حقيبتها وغادرت منزله، دموعها تلحقها بقهر.
كلماته.
نظراته.
وقسوة تعبيراته.
لاحقتها كلها، مذكرة إياها بكل قسوة أنه منزله هو، وليس منزلها.
وهي لم تنسَ.
ليذكرها أنه كُتب لها أن تحيا في كل بيوتها غريبة.
❈-❈-❈
بفيلا شوكت زهران
أفاقت صفية من شرودها حينما وضعت الخادمة طبق الطعام أمامها. صَرَفتها بيدها، وأمسكت شوكتها تناظر الطعام بغير شهية. أصبحت تأكل بمفردها بشكل يومي. شوكت مشغول كعادته منذ أشهر، وتأخر آسيا أصبح معتادًا. حجج، المزيد من الحجج من كل اتجاه. وهي أصبحت بمفردها، تكاد تحادث نفسها طول اليوم بين جدران منزلها، ذاك الذي كانت تعشقه وتتباهى به دائمًا، أصبح كسجن يحاصرها شوكت به، حتى كادت تختنق.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تنهدت قبل أن تلقي بالشوكة بعصبية وضيق، ونقلت عينيها للمقاعد الفارغة، مقعد شوكت على رأس الطاولة، وبالجهة الأخرى حيث كان مقعد ابنتها فريدة، قبل أن تحل محلها آسيا. فريدة... ابنتها... منذ متى لم ترها أو تسمع صوتها حتى؟
منذ متى؟
وعند تلك الخاطرة غامت عيناها، وهي تردد بهمس خافت مشتاق بصدق: «وحشتني يا ف...»
ولم تكمل عبارتها، ودخول آسيا للغرفة يقاطع تفكيرها. كانت ترقص وتلتف حول نفسها بسعادة، حتى وصلت إليها، قبّلتها، وأمسكتها من يدها لتقم وترقص معها.
حل محل حزنها ابتسامة سعيدة، وهي ترى سعادة آسيا وفرحتها الظاهرة بوضوح. قبّلتها الماكرة مرددة بسعادة: وحشتني أوي يا صافي، وحشاني أوي أوي.
ناظرتها صفية بعتاب، قابلته الأخرى بالكثير من القبلات التي بددت حزنها وعتابها خلال لحظات.
أجلستها وجلست بجانبها لتشاركها طعامها بسعادة، وصفية تلاحظ التماع عينيها، لذا رددت بفضول أمومي: شكلك فرحانة أوي النهارده. حصل حاجة ولا إيه؟
تنهدت آسيا وقالت بانتصار: ادعيلي إنتِ بس يا صافي، ادعيلي اللي عايزاه يتحقق. وقتها وعد هاجي أحكيلك كل حاجة، بس دلوقتي ادعيلي بس. في الوقت المناسب هقولك كل حاجة.
دعت لها صفية بخفوت ودون فهم، وبدأت في تناول الطعام، قبل أن تقطعه نحنحة آسيا وهي تردد بهدوء: كنت عايزة أطلب منك حاجة يا صافي. أومأت لها صفية منتظرة أن تكمل حديثها، لتتابع آسيا: النهارده وأنا راجعة العربية عطلت بيا، واضطريت أكلم الشركة، بعتولي واحدة تانية بسواق. خدوا العربية للتصليح وأنا رجعت بالتانية.
قطبت صفية بين حاجبيها قبل أن تقول بهدوء: مش مهم حبيبتي، المهم إنك بخير. مش مشكلة، خدي واحدة تانية من الجراج، اختاري اللي تعجبك.
اتسعت ابتسامة آسيا أكثر، وأخفت بريق عينيها خلف نظرة هادئة، قبل أن تُطرق برأسها قليلًا وكأنها ترددت في طرح ما يدور بخلدها، ثم قالت بنبرة رقيقة:
اممم، بما إن فريدة مبقتش هنا، إيه رأيكِ إني آخد عربيتها يا صافي؟ يعني أكتر واحدة شبابية وملائمة ليا.
تلاشت ابتسامة صفية قليلًا، وترددت للحظات قبل أن تجيب، وكأن طلب آسيا وضعها في حيرة لم تكن تتوقعها.
هناك أكثر من سيارة، لِمَ سيارة فريدة بالذات؟ تلك السيارة التي أمرهم شوكت أن يضعوها في الجراج، ولم يقترب أحد منها.
الآن سيحصل عليها غيرها.
لامست آسيا ترددها، لذا أسرعت تطرق الحديد وهو ساخن، مرددة برقة: سامحيني يا صافي، أنا مش قصدي حاجة أبدًا. أنا بس لاقيت إنها أنسب حاجة ليا، ولو مش موافقة خلاص مفيش مشكلة، هاخد أي عربية.
قالتها بضيق وحزن، كانت تعرف أثره جيدًا.
تعلقت عينا صفية بحزن آسيا الواضح، وترددت لحظات قبل أن تزفر بهدوء، وقد تغلبت عاطفتها تجاه آسيا على ترددها، قبل أن تقول بحنان، مربتة على وجنتها: لا طبعًا يا حبيبتي، خديها، هي كده كده محدش بيستخدمها.
أطلقت آسيا صيحة انتصار سعيدة، ولمعت عيناها بفرحة حقيقية، وقد انفرجت شفتاها عن ابتسامة عريضة، قبل أن تميل نحو صفية وتحتضنها بقوة، قائلة بصوت عالٍ تغمره السعادة، بينما تعالت ضحكاتها في أرجاء المنزل:
بحبك يا صافي! بحبك! شكرًا، شكرًا، شكرًا!
قالتها وهي تميل تقبّل وجنتيها بقوة. صوت ضحكات آسيا أصاب صفية بعدوى الضحك هي الأخرى، وضحكتا معًا، قبل أن تتسمرا في مكانهما، وعيناهما تقابلان عينين أخريين تناظرهما.
تطالعهما بقهرٍ ينحر روحها وغصّةٍ مريرة تكاد تخنقها.
❈-❈-❈
قبل ساعة تقريبًا...
كانت تسير في الطرقات بلا وجهة محددة.
فقط تسير، وعيناها تذرفان الدموع قهرًا وألمًا، وكل ما حدث يحاوطها في مشاهد مرارًا وتكرارًا.
وقفت في منتصف الشارع، تنظر حولها بتيه وضعف، لا تعرف أين هي حتى.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كل ما تتذكره هو سرعتها في مغادرة ذاك المنزل، وبعدها لا تتذكر إلى أين أخذتها قدماها.
ورغم إرهاقها الشديد، وألم ساقها وظهرها، إلا أنها لم تتوقف.
ولا تدري إلى أين تذهب.
هو لم يكذب حينما قال إنه لا مكان لها.
لا ديار تضمها.
كان صادقًا، وإن جرحها.
وضعت يدها تمس صغيرها، ذاك الذي تشعر في تلك اللحظة، وبكل أسف، أنها ظلمته.
ظلمته كما ظُلِمت هي.
ذرفت عيناها المزيد من الدموع، شاعرةً بالضعف يجتاحها، وكل قوتها الواهية تغادرها بلا رحمة.
وظلت محلها، لا تعرف إلى أين تذهب.
فكرت مرارًا وتكرارًا.
لا تريد العودة لذلك البيت.
ليس وبعد كل ما تفوّه به عمر.
ليس بعدما رأت نظرة الشماتة بعيني عمته وابنتها.
تنهيدة متعبة، وهي تشعر بنفسها وحيدة في الطرقات، بل وتحمل صغيرها الذي لا ذنب له.
لذا اتخذت قرارها.
قرار أقسى عليها من كل ما حدث.
ورغم رفضها، ستفعلها لأجل صغيرها.
التقطت أنفاسها، قبل أن توقف أول سيارة أجرة أمامها، متوجهةً لآخر مكان في هذا العالم كان يجب أن تذهب إليه.
إلى فيلا شوكت زهران.
إلى أهلها.
وليتها لم تذهب.
❈-❈-❈
فيلا شوكت زهران
كم وقفت أمام المنزل، لحظات كثيرة منذ أوصلها السائق، لحظات مؤلمة تذكرت بها الكثير من الذكريات الأشد ألمًا وقسوة، حتى تحرّك صغيرها يركلها بتوتر، كأنه يشاركها قلقها وخوفها، وخوفها عليه في تلك اللحظة غلب ترددها وقلقها.
مسته تربت على بطنها برقة وحنان، كأنها تطمئنه، تخبره أنه ومهما حدث لن تعرضه لسوء، حتى وإن كان الثمن روحها.
لذا التقطت أنفاسها المتوترة، قبل أن تتحرك لتدق الجرس، لتفتح لها إحدى العاملات، والتي طالعتها بسعادة وفرحة.
مدام فريدة، أهلًا بيكي، نورتي. اتفضلي.
ابتسمت لها فريدة بامتنان، وربتت على كتفها، قبل أن تردد: ماما هنا يا شيماء؟
أومأت العاملة برأسها سريعًا، قائلة: جوه في غرفة السفرة مع الآنسة آسيا. اتفضلي.
أومأت لها وتحركت حيث أخبرتها، ومع كل خطوة كان أصوات الضحك المنبعثة من الغرفة تزداد علوًّا.
وأخيرًا، وقفت تناظرهم دون حتى أن ينتبهوا لها.
ارتجف جسدها وهي تسمع طلب آسيا لسيارتها، وببساطة وافقت أمها.
شاهدت آسيا تلقي بنفسها بين أحضان أمها، تقبلها، تربت على يدها، تصيح بفرحة وسعادة تشاركها إياه أمها.
أمها هي تغدق حنانًا كان من حقها لغيرها.
وكم كانت قاسية!
ولم تكن وحدها، حيث تشاركها قسوتها أخرى، تنهل حقها هي كما اعتادت دائمًا،بكل جشع .
وظلت تناظرهم بقهر حتى انتبهوا لها أخيرًا.
❈-❈-❈
انتفضت صفية تناظرها بلهفة وصدمة، لا تصدق وجود ابنتها في تلك اللحظة.
متى أتت؟
اندفعت نحوها في لهفة وشوق، وقبل أن تصل إليها وتحتضنها باشتياق، توقفت قدماها فجأة، وكأنها استفاقت من مشاعر اشتياقها ولهفة ضمها بين أحضانها، متذكرة كل ما حدث دفعة واحدة.
تحديها لهم.
زواجها من ذاك الصعلوق.
خلافاتهم وتركها للمنزل.
ما تعانيه هي من شوكت بسبب غبائها لتلك اللحظة.
خذلانها لهم في هذا العمر.
كل شيء أتى في عقلها دفعة واحدة، ما جعلها تعيد يدها بجانبها مرة أخرى، مرددة بضيق: فريدة، إنتي بتعملي إيه هنا؟
ناظرتها فريدة بسخرية.
هي من غابت شهورًا طويلة، كان هذا استقبالها؟
وآسيا التي تعيش معها في نفس المنزل، كان هذا نصيبها من الحنان منذ قليل.
انسلت آسيا من خلف صفية، تناظرها بصمت وضيق ومشاعر أخرى لم تقدر على كبحها، قبل أن تغمغم بهدوء: أهلًا فريدة. إزيك؟
وحشاني كثير. اتفضلي معانا على العشاء. أومال فين جوزك؟
خليه يتفضل.
قالتها بخبث وحقارة.
كانت تدرك جيدًا ماذا تفعل، حيث كانت صفية في أكثر لحظاتها تشتتًا، بين رفض ولهفة، اشتياق وغضب.
أشعلت هي الفتيل.
و...
بووومممم!
انفجار!
جوز مين اللي يتفضل؟ إنتي جاية وجايبك جوزك معاكي؟ طبعًا أنا كان توقعي صح.
خدك سُلَّم عشان يدخل وسطنا.
بس اسمعي، أنا بقولك أهو على جثتي أن يدخل البيت ده ويكون واحد مننا. إنتي أكيد اتجننتي، مين ده اللي هيرضى بوجوده وسطنا؟ ولو فاكرة إني هرضخ ليكي وأرجع في كلامي، تبقي غلطانة.
شحبت ملامح فريدة وطالعتها بصمت، لا تصدق ما يحدث.
وظلت أمها تصيح بعصبية: أنا مش فاهمة، جاب منين الجرأة ييجي هنا بعد اللي عمله، وهو واخدك غصب عننا؟
كفاية!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قالتها فريدة مقاطعة أمها بحزم، قبل أن تتابع: عمر مجاش معايا أصلًا. أنا جاية لوحدي.
لوحدك؟
قالتها صفية باستغراب، وقد هدأت ثورتها قليلًا، قبل أن تتابع بتعجب، وهي تنتبه لتأخر الوقت: إيه اللي جابك دلوقتي؟
قالتها بتوتر، لا تفهم شيئًا.
وتابعت بقلق، وقد بدأت تدقق في ملامح ابنتها المنهكة ووجهها الشاحب، شفتاها وجسدها المرتجف، وقد مالت لتستند على الحائط.
اقتربت منها سريعًا، مرددة بخوف وقلق بدأ يتسرب نحو قلبها:
مالك يا فريدة؟
تعالي اقعدي، إنتي كويسة؟ وشك أصفر كده ليه؟ عمل فيكي إيه؟
وصمتت لثوانٍ قبل أن تتابع بغضب وتأكيد: طبعًا متوقع إيه من واحد زيه؟ تلاقيه مبهدلك. ده أنا هوديه في ستين داهية.
قالتها متوعدة، قبل أن تتابع بتساؤل قلق: عمل إيه فيكي؟ احكيلي بسرعة.
قالتها وهي تمد يدها تحثها على التحرك والجلوس، ولم تكن فريدة قادرة على المقاومة أو الرفض حتى.
كانت ببساطة منهكة، متعبة، ترغب فقط في النوم، لعل عقلها يتوقف عن التفكير.
صفية بهدوء: هاتي مية بسرعة يا آسيا، واطلبي الدكتور.
ناظرتها آسيا بامتعاض، قبل أن تتحرك لتحضر كوب ماء، تناوله لصفية.
وقبل أن تعطي لابنتها الكوب، كانت فريدة ترفع رأسها، تناظر أمها بنظرات غير مفهومة، قبل أن تردد بهمس خافت، متعب ومنهك، وكأنها تعافر لإخراج الحروف، لتخبرها بما لا بد من إخبارها به:
ماما، أنا حامل.
اتسعت عينا صفية بصدمة، وارتخت أعصابها، لينزلق الكوب الزجاجي من بين يديها، واقعًا أرضًا متهشمًا إلى ألف قطعة.
كقلبها.
وكأنه كُتب على قلبها أن يُنحر ألف مرة ولا يموت.
❈-❈-❈
في قاعة حفل الزفاف المنشود،
كان قد أُقيم في أكبر فنادق العاصمة، بل وفي أفضل قاعات الزفاف.
كان أنس صادقًا حينما أخبرها أنه أكبر زفاف في هذا العام.
فقد ضمّ الحفل نخبة من كبار رجال الدولة والأعمال وأهم الشخصيات العامة، حتى بدا وكأن كبار البلاد اجتمعوا في مكان واحد.
كان الصحافيون والمصورون في كل مكان لتغطية الحفل.
ما شاء الله!
قالتها لنفسها وهي تدلف معه إلى قاعة الزفاف، يده تحيط خصرها بحنان ودفء، مراقبين الأجواء المبهجة الدافئة رغم رقيها وفخامتها.
مبسوطة؟
قالها بهمس خافت بجانب أذنها.
أومأت له بسعادة حقيقية، مستمتعة بالأجواء.
سار بها متوجهًا نحو منصة العروسين، ليسلّم على صديقه ويبارك له بفرحة.
وتسلّمت هي على العروس بدورها، وقد باركت لصديقه بابتسامة هادئة من بعيد، قبل أن يتحركا ليجلسا حيث وجهتهما منظمة الحفل.
طاولة خاصة بأصدقاء العريس المقربين.
أجلسها وجلس بجانبها، يضم يدها بحب، يتابعان فقرات الحفل والابتسامة تزين وجهيهما.
قطع العروسان كعكة الزفاف الكبيرة، وتم فتح مأدبة الزفاف الفاخرة
إلا أن ملك رفضت تناول أي شيء، واكتفت بطبقٍ واحد من أطباق الحلوى التي وُزِّعت على جميع الحضور .
أما هي فلم تكن تقدر على تناول أو ابتلاع أي شيء، فاكتفت بكوب ماء.
حتى طبقها لم تمسّه.
ولاحظ ذلك هو، ليرفع لها ملعقته، يذيقها نوع حلوى معين، مرددًا بتلذذ:
عجبك؟
أنا أول مرة أدوق النوع ده.
أخذت قضمة صغيرة لأجله، مرددة باستحسان:
عجبني.
اتسعت ابتسامته، مرددًا بتأكيد:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
بكرة أجيلك منه إن شاء الله.
أنا عارف إنك مش هتقدري تاكلي دلوقتي.
ناظرته باهتمام، وعادت تطالع فقرات الحفل حتى حان موعد الرقصة الثانية للعروسين، مشاركًا إياهما فيها جميع ثنائيات الزفاف من العائلة والأصدقاء.
نظر لها شاردًا فيما مضى، فيما جمعهما سويًا على مدار تلك السنوات، بحلوها ومرها.
بكل ما فيها، هو يحبها.
يحبها مهما حدث.
سيظل يشكر الله على وجودها.
مد يده يمسك بيدها، يقف ويوقفها معه، متوجهًا بها نحو الساحة.
تململت في خجل، وهي تغمغم بحرج شديد، مرددة بخجل:
إزاي يا أنس ببطني دي؟ أنت بتهزر؟ لا يا أنس، الناس كلها بتبص علينا.
إلا أنه لم يعر رفضها أي اهتمام، وهو يحيط خصرها ويضمها إلى قلبه، فقط في عناق صامت بحركة تكاد تكون معدومة.
دمعت عيناها بتأثر، لتسمعه يردد بهمس:
فاكرة يوم فرحنا؟
فرحتنا الكبيرة.
أظن يومها مكنش في حد في سعادتي، سعادتي وأنا شايفك بقيتي على اسمي، وأنا شايفك أجمل وأحلى عروسة شافتها عيني.
والنهارده وأنا بحضنك وابننا معانا، أظن مفيش حد في الكون ده أسعد مني وأنا بين إيديا فضل ونعمة وجبر ربنا لقلبي بعد صبر طويل.
بعد صبر طويل، كنتِ أنتِ الهدية اللي هسجد لله شكرًا دائمًا إنه رزقني بيها.
شعر بارتجافها بين يديه، وسكونها مستمعة بقربها، حتى شعر بركلة قوية من بطنها الملاصق له، ليتبعها انتفاضة بجسدها.
كأنها
كأنها تبكي.
ليرخي ذراعيه عنها سريعًا، مبعدًا رأسه عن رأسها ليرى ملامحها.
وهاله رؤية وجهها وقد كان أحمر اللون محتقنا بشدة، والدموع تغرق وجهها كله.
رفع يده يمسح دموعها، متابعًا بتأثر:
مالك يا حبيبتي؟ لدرجة دي متأثرة بذكرى فرحنا؟
ناظرته بدموع قبل أن تهز رأسها نافية.
عقد حاجبيه بعدم فهم وتوجس.
وقبل أن تفتح فمها، شعر بشيء غريب يتدفق أسفل قدمه، فتوقف عن الرقص، وخفض رأسه ليتفحّص الأرض أسفله، قبل أن تتسع عيناه وهو يرى ذاك الماء أسفلهما، حتى رفع نظره إليها في ذهول وصدمة، مرددًا بصدمة:
إيه ده؟
فتحت فمها تهمس بصوت خافت مضطرب:
الماية.
اهتز جسده مرددًا بعين متسعة:
ماية إيه؟
وهنا انفجرت في بكاء حاد، وهي تصرخ بأعلى صوت:
ماية الجنين!
أنس!
أنا بولد يا أنس!
ساد الهرج والمرج والذهول بين الحضور، تحديدًا العريس والعروس، وقد اندفع العريس نحو صديقه أنس بصدمة، ليصرخ به الآخر وهو متشبث بها، يضمها بانهيار إلى صدره:
شريف! الإسعاف بسرعة يا شريف!
ملك بتولد!
لكنه لم يقدر على انتظار الإسعاف دقيقة واحدة حتى، لينحني نحوها حاملًا إياها بسرعة، راكضًا للخارج، يتبعه أحد أصدقائه لإيصاله.
وصوت صراخها يعم المكان.
وحديث الساعة كان:
«ليلة زفاف استثنائية.. ومولود يخطف الأضواء من عروسَي العام! حدث غير متوقع يتصدر عناوين الصحف ويشغل البلاد!»
❈-❈-❈
عند وصولهم إلى المستشفى، كان في حالة من الهلع والرعب.
هاتف الطبيبة في الطريق، والتي سبقتهم إلى المستشفى.
وبمجرد أن دلف، تم نقلها فورًا إلى غرفة الفحص، وقد أكدت له الطبيبة تدفق ماء الجنين وبدء مرحلة المخاض، لكن لا يزال أمامهم بعض الوقت.
وأكدت له قائلة:
لو سمحتم يا أستاذ أنس، لازم تتماسك، هي بحاجة ليك قوي دلوقتي.
أومأ لها بضعف، ودلف الغرفة محاولًا التماسك، مرددًا بابتسامة مهتزة اختفت وهو يشاهدها بتلك الهيئة.
حيث كانت ملك مستلقية على سرير المستشفى، تتألم مع كل انقباضة، بينما تحاول تنظيم أنفاسها في رعب حقيقي.
وكل مشاهد ولادتها السابقة قد اجتمعت في رأسها.
ذرفت الدموع وهي تراه يقترب منها، يضم يدها لتتشبث بها أكثر وأكثر، مرددة بصوت مرتجف لاهث:
عايزة بابا يا أنس، بلّغ بابا وتميم.
أنا عايزة أهلي.
قالتها وشهقات بكائها تزداد علوًّا.
وفي ثوانٍ كان يمسك هاتفه بيد مرتجفة، يبعت رسالة صوتية سريعة على دردشة العائلة، غير قادرة على الحديث ولا تمالك أعصابه.
عاد بوجهه إليها، يمسد خصلاتها المبتلة ووجهها الأحمر المترعب، قبل أن تهمس برعب:
أنا السبب؟
بسبب توتري وقلقي
انا السبب إني أولد بدري عن معادي؟
أنا كنت فاكرة تعب عادي.
أنا آسفة، آسفة.
سامحني.
ابني يا أنس، ابني.
أنا هموت لو حصله حاجة.
قالتها بقهر، وعيناها تذرف الدموع ندمًا وخوفًا، بل رعبًا وقهرًا.
ضم رأسها إلى صدره، وقد سمح لعينيه بتحرير دموعهما هو الآخر.
ششششش...
أنتِ مش السبب.
كله مقدر ومكتوب.
أوعي تقولي كده.
ولا تقنطوا من رحمة الله.
ولا تقنطوا من رحمة الله.
ابننا هيكون بخير، وإنتِ هتكوني بخير.
كله هيكون بخير.
قولي يا رب.
يا رب.
يا رب.
رددها بهمس خافت متألم، وفعلت مثله هي، ويدها تمسك بطنها بألم شديد.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مرت ساعتان كانتا من أصعب ما يكون.
تابعتها الطبيبة بالحرص، آخذة في الاعتبار ولادتها المتعثرة السابقة.
لقد أخذت جميع الاحتياطات اللازمة.
وخلال لحظات، كان قد...
ازدادت آلام ملك، وتعالت صرخاتها أعلى، قبل أن تخبرها الطبيبة أن وقت استقبال صغيرها قد حان.
وبالفعل، دقائق وكان قد تم نقل ملك إلى غرفة الولادة.
أنس بجانب رأسها، يرتجف مثلها وأكثر.
التصقت خصلات شعرها المبتلة بوجهها الشاحب، بينما اعتصر الألم ملامحها.
وهي تصرخ بأعلى صوتها حتى ظهرت عروق رقبتها، والطبيبة تردد بقوة وحزم:
خلاص يا ملك، قربنا، فاضل شوية صغيرين.
خدي نفس عميق يا ملك.
كويس، كده تمام، كمّلي يا ملك، رأسه بدأت تظهر.
مش قادرة، مش قادرة.
قالتها وهي تبكي بقوة، شاعرة بنفسها على وشك الإغماء.
لا تتحمل، لا تتحمل أبدًا.
ابني يا أنس، ابني.
مش هستحمل خسارة تانية يا أنس.
يا رب.
يا رب.
اقترب من وجهها مرددًا بقوة ودموع عيناه تنهمر برعب:
هششش...
ابننا هيكون بخير، وإنتِ كمان.
بس...
ارضي يا ملك، ارضي.
ارضي مهما حصل.
ارضي بقضاء الله وحكمه.
ناظرته بعيون خائفة متعبة تذرف الدموع، قبل أن تصرخ بأعلى صوت:
رضيت يا رب.
رضيت.
صرختها الأخيرة كانت بكل ما أوتيت من قوة، حتى اندفع صغيرها أخيرًا إلى الحياة، لتتلقّاه الطبيبة بين يديها بحرص، وقد استقر جسده الضئيل كاملًا بين كفّيها.
ولحظات وكان الصغير يطلق صرخته الأولى، صرخة رقيقة واهنة، سرعان ما تحوّلت إلى بكاء متتابع، وقد أعاد الحياة إلى قلوبٍ كادت أن تتوقف خوفًا عليه.
«مبروك يا ملك... ولد جالك ولد ».
ولد سليم معافى الحمد لله.
وفي الخلفية صدح صوت مذياع بآيات القرآن الكريم:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
وقد خرَّ أنس ساجدًا، شاكرًا الله.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (عفاف شريف)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
