بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) - الفصل 40 | عفاف شريف

قراءة رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: بين الرفض والقدر 

(عريس قيد الرفض)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( عفاف شريف) | الفصل: (40)



حسنًا، أخبرني، هل أصبحتَ بخير؟


هل انطفأت نيران قلبك؟


أخذتَ حقًّا لم يكن حقك، ودهستَ قلبًا كان قلبك.


نسيتَ أم تناسيتَ أننا واحد، وتغافلتَ عن أن الطعنة أصابت قلبي وقلبك، وهنيئًا لك يا نصف روحي وكل قلبي...


فالخسارة كانت لنا سويًّا، ونستحق...


وأعتذر لك بكل قهر؛ ربما ربحتَ اليوم، لكن ليست كل الانتصارات تستحق الاحتفال، فانتصار بعض المعارك أقسى من ألف خسارة.


وخسارتنا اليوم كانت بألف، وألف لا بأس...


بقلمي عفاف شريف 


❈-❈-❈

صوت بكاء مرعب عالٍ، ويدان صغيرتان مرتجفتان تهزّانها بقوة، كانا سببًا في انتشالها من أعماق عتمة ابتلعتها طويلًا، بعد أن سقطت في بئر الهروب من الواقع.


حرّكت أهدابها محاولةً فتح عينيها بصعوبة، شعرت بأن جفنيها يكادان يلتصقان كالغراء. مرةً بعد مرة، حتى فتحتهما أخيرًا، لتغلقهما سريعًا مرةً أخرى حينما اصطدمتا بالإضاءة القوية، شاعرةً بالعالم يدور من حولها.


وبكاء الصغيرة يزداد علوًّا، تسمع شهقاتها المختنقة المتقطعة التي تقطع قلبها وتنحر روحها.


حاولت الحراك مرارًا وتكرارًا، شاعرةً بتيبّس وتشنّج جسدها الواهن، لكن صراخ صغيرتها المرعب جعلها تستمر في المحاولة، رغم ذاك الطنين الذي يضرب أذنها ورأسها، شاعرةً أنها على وشك التقيؤ وإفراغ ما في معدتها.


أخيرًا، انقلبت على ظهرها في إحدى محاولاتها للاعتدال، لتلقي الصغيرة المرتجفة نفسها فوق أمها، تبكي على صدرها متشبثةً بها بقوة ورعب.


رفعت يدها سريعًا تضمها إلى صدرها بقوة وصمت، حاولت الحديث، لكنها حتى لم تكن قادرة على ذلك، وقد أعلن جسدها خيانته لها هو الآخر، مستسلمًا لمصيره من الصدمة والقهر.


ضمّتها بقوة رغم انهيار أعصابها.


ومع ازدياد صراخ الصغيرة وخوفها، غلبت قوة الأم كل ألم، فكانت أقوى من قهر الزوجة والحبيبة.


فتحاملت على نفسها حتى اعتدلت، ملقيةً بنفسها للخلف لتجلس مستندةً على حافة الفراش، ويدها تزيد من ضم الصغيرة بصمت.


فقط حضن دافئ عطوف استكانت له الصغيرة، وقد خفتت شهقاتها وهدأ بكاؤها، وهي تتشبث بأمها، تخشى أن تنام من جديد وتتركها.


مرّرت حور يدها على خصلات الصغيرة بحنان، محاولةً أن تمدّها بكل الأمان، أن تخبرها أنها هنا.


لكن... وهنا لم تعد تقدر.


وانزلقت من عينيها دمعة اختنقت فيها آلاف الصرخات.


ليتها تصرخ، ليتها تصرخ بأعلى صوت!

تصرخ وتبكي حتى تكتفي،

لعلها تستريح.


لكن هل سترتاح حقًّا؟


لا.

لا والله، ولو صرخت لسنوات، لن ينطفئ ذاك الاحتراق في قلبها.


وهل يحيى الرماد بعد احتراقه؟


أسدلت أهدابها، قبل أن ترفع عينيها تناظر المال الملقى أمامها بلا أي قيمة.


مال وذهب،

بل الكثير من المال والذهب،

أضعاف مضاعفة مما كانت تطلب أمها.


لكن ما حاجتها إليهما الآن؟


هي فقدت ما هو أغلى من كنوز العالم أجمع.


فقدت بيتها، زوجها، واستقرار حياتها.

خسرته وخسرت كل شيء.


ولأجل ماذا؟


لأجل بضع ورقات لا قيمة لها بالنسبة لها.


خسرت لصمتها.

خسرت لأنها سكتت ولم تبح بما تخشى البوح به.


انزلقت من عينيها الدموع تباعًا بقهر وحسرة وندم، تشعر بذاتها تحتضر.


هل ما حدث حدث فعلًا؟

هل طلّقها حسام للتو؟


أم ما حدث مجرد كابوس بشع، مهما طال سينتهي في النهاية وستستيقظ منه؟


أم أنه فقط مجرد مزحة يحاول بها حسام أن يختبر قيمة حياتهم معًا؟


أم هي الغبية المغفلة التي لا تدرك أن ما حدث حدث بالفعل، وأنه لم يكن إحدى أقسى كوابيسها أو مزحة ثقيلة الظل، بل كان واقعًا مريرًا، أمرّ من العلقم.


لقد طلّقها حسام.


انفجرت في بكاء مرير، لا تتخيل ما حدث.


طلّقها!


كيف هانت عليه؟


كيف هان عليه كل ما هان؟


وفتحت فمها تردد بهمس خافت متحشرجًا مختنق، يشع ألمًا مريرًا زاده مرارة الخذلان، محدّثةً نفسها:


سكت ليه يا حسام؟

سكت ليه كل الوقت ده؟

طيب أنا سكوتي كان خوف أقل في عينك؟

كان رعب أخسر مكانتي الغالية عندك، حتى لو غصب عنك.


بس سكوتك كان إيه يا حسام؟

كان ترقّب؟

كان انتظار للحظة دي؟

كنت منتظر تشوف هعمل إيه، صح؟!


وصمتت تلتقط أنفاسها المختنقة، قبل أن تتابع بقهر:


معقول أنت تعمل كده فينا يا حسام؟


وتابعت بضحكة ساخرة تقطر ألمًا وعدم تصديق:


ليه؟

ليه سكت وسبتنا نوصل لهنا؟

كان ممكن من بدري ننهي كل ده،

كل الوجع والخوف والقهر.


ليه عملت فينا كده؟


أنا غلطت لما ما قلتلكش،

لكن أنت غلطت لما عرفت وسكت، وأنت عارفني.


أنت معقول ما تعرفنيش؟

ولا أنا اللي ما بقيتش عارفة نفسي؟

ما بقيتش لاقياني ولا لاقية مشاعري من كتر الخوف والرعب والقلق.


ليه سبتني لنفسي؟


معقول كنت شايف خوفي وساكت؟

مش أنا قلتلك إني بخاف؟

ووعدتني إنك هتفضل أمني وأماني.


بس أنت فين يا حسام؟

أنت فين دلوقتي؟


قالتها وازدادت من ضم الصغيرة التي خف بكاؤها، وعيناها هي كانت تناظر الباب حيث غادر.


غادر ولن يعود.

غادر وهي أيضًا لن تعود.


وليته يعود.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وليت... لم تكن كافية.

لم تعد كفاية، بكل أسف.


❈-❈-❈


كم مرّ؟ دقيقة؟ عشر دقائق؟ ساعة؟ ساعات؟ لم تعد تدري…


فقد ظلّت تبكي حتى جفّت عيناها، وكأنها استنفدت كل ما فيهما من دموع، ولم يبقَ في قلبها سوى وجعٍ يعجز البكاء عن تخفيفه.


وأخيرًا تحركت، تستند على حافة الفراش بيد، وتضم صغيرتها المتشبثة بها بقوة باليد الأخرى.


تخشى وترفض أن تترك حضن أمها.


وقفت تترنح حتى استطاعت أخيرًا الوقوف بثبات.


ووقفت تنظر حولها بتيه، تنظر مرارًا وتكرارًا نحو الباب، كأنها تتأكد مما حدث.


هل حدث فعلًا؟!


انزلقت دموعها مرة أخرى، وقت ظنت أنها جفت كأرض قاحلة.


حرّكت قدميها بوهن نحو خزانة الملابس.

فتحتها ببطء، تناظر ملابسه، قبل أن تمرر يدها عليها تتلمسها، كأنه هو.


وظلت هكذا حتى التقطت إحدى مناماته المفضلة، تقرّبها من أنفها، تستنشقها بقوة كأنها تستجدي منها بعض الأمان.


والأمان كان يتمثل به هو، حسام.


كان.


ضمّت المنامة بقوة بقهر، وعيناها لا تكفّان عن ذرف الدموع.


وتحركت ببطء، غير قادرة على الاحتمال، شاعرةً أنها قد تسقط في أي لحظة، حتى جلست على الفراش تنظر حولها بتيه، غير قادرة على فعل أي شيء.


أنزلت أنظارها نحو ابنتها التي غفت بعد وصلة بكاء طويلة، وازدادت تلك الغصة بقلبها.


صغيرتها التي تحمّلت أكثر مما يجب في سن صغيرة كسنها.


قبل أن تتمدد بجسدها الواهن، تضم الصغيرة بقوة، تتقوقع حولها كالجنين، شاعرةً بقلبها يحتضر.


تضم وتضم المنامة، تستمد منها دفئًا وأمانًا.


دفء كان يومًا صاحبه نصف روحها وكل قلبها.


قبل أن تنفجر في بكاء حاد مرير، غير قادرة على التحمل.


لا تستطيع.

لا تستطيع أبدًا.


ستموت.

والله ستموت.


ظلت تهذي، حتى غلبها الإنهاك، وأخذت جفونها تثقل شيئًا فشيئًا، إلى أن استسلمت للنوم، وقد نفدت من جسدها كل قدرة على المقاومة.


تهرب.

تهرب لكي لا تصدق.


فإن صدّقت الحقيقة، صارت رمادًا.


وكان آخر ما همست به كلماتٌ خافتة، قاسية، مذبوحة.


مش هسامحك يا حسام.

مش هسامحك أبدًا.


❈-❈-❈

صامت.

شارد.

مُحطَّم.

وربما يحتضر.


غادر هاربًا منها ومن نفسه، هاربًا يخشى المواجهة.


ترك سيارته، فلا أعصاب لديه للقيادة وخسارة المزيد من الأرواح.


قادته قدماه إلى حيث لا يدري، يسير ويسير دون وجهة محددة، جاب الشوارع مرارًا وتكرارًا دون تمييز، كلها أصبحت واحدة في تلك اللحظة، شاعرًا بالعالم من حوله يضيق ويضيق حتى كاد يختنق، يلفظ أنفاسه اللاهثة ببطء.


يحترق.


يحترق مرارًا وتكرارًا حتى صار رمادًا.


كل شيء انتهى.


انتهوا.


توقفت قدماه فجأة، وكأنه فجأة أفاق لنفسه، وأدرك عقله ما فعله.


أدرك حكمه بالإعدام، وتنفيذه، مُطلقًا سهمه نحو قلبيهما معًا بلا أي رحمة أو شفقة، بلا أي تفكير ولو للحظة.


لقد...


لقد طلّقها.


طلّق حور.


حور...


تجسدت أمامه ذكرى أول لقاء بكل قسوة، وعيناه ترى تلك الشابة الجميلة الخجولة، تلك التي أحبها بل عشقها من كل قلبه ومن أول نظرة، فلم يطمئن قلبه حتى صارت على اسمه، حتى حفر حروف اسمها بداخل قلبه.


تلك التي دخلت حياته لتنيرها وترسم البسمة على قلبه الحزين، شاركته أحزانه قبل أفراحه، لم تتركه يومًا ولم تفكر حتى.


تلك التي كان يلقي بنفسه بين أحضانها لتزيح همه بسحر عينيها، وأعظم هداياها كانت شمسه المشرقة، قطعة من قلبه وقلبها، هدية الله لهم، تلك التي زينت حياتهم وأنارتها بكل بهجة.


وبيته...


بيته الرائع صار حطامًا وتحول لرماد.


ابتلع ريقه بصعوبة وعدم تصديق، شاعرًا باختناق وجبال عاتية تجثم فوق قلبه.


رفع عينيه ينظر حوله بتشتت وتيه حقيقي.


أغمض عينيه قبل أن يضع يده على صدره، مدركًا هول ما حدث.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نطقها وانتهى الأمر.


كيف طاوعه قلبه الخائن؟


كيف؟ كيف؟


جال أمام عينيه مظهرها المنهار المنهك.


عتابها.


بكاؤها وألمها.


وعيناها...


وآهٍ من عينيها!


آلاف الكلمات.


آلاف الصرخات.


وليتها نطقت بإحداها، ليتها.


كان قاسيًا؟!


بل كان قاتلًا.


نحرها بدم بارد، غافلًا بكل غباء أنه نحر نفسه أولًا.


لكن ألم تقتله؟


ألم تخن ثقته وتنحر قلبه؟


أصار فجأة الشرير بتلك الحكاية؟


وهي...


هي...


التفّ حول نفسه كمن يحاول الهرب من أفكاره المتناقضة، بين عقل يحرضه، يعاتبه ويلومه وبين قلبٍ يُقاومه، ويخذله كلما ظنَّ أنه انتصر، ليظلَّ عاجزًا عن النجاة.


انتصر قلبه، متسائلًا بكل حزن:


كيف تحمّل أن يتركها، ولم يُلقِ بها بين أحضانه وليحترق العالم من بعدها؟


كيف قاوم، وهان عليه قلبها المحترق؟


رفع يده يضغط على جبينه بقوة، شاعرًا بنفسه على حافة الهاوية، محاولًا طرد مظهرها الباكي المصدوم من عقله وقلبه على حد سواء.


لكن هيهات!


طرد ماذا؟


طرد واقع لا فرار منه إلا إليه.


ازداد احمرارًا وتهدجت أنفاسه، وهو يدرك ما فعله.


هو لم يطلق حور فقط.


لم يُنهِ زواجه منها فقط.


بل أنهى حياته كاملة.


هدم بيته الذي سعى بكل جهده أن يكون أسعد البيوت.


حطّم عائلته.


نفسه.


وحور.


و...


وابنتهما شمس.


شمسه...


ارتجف جسده عند وصوله إلى تلك النقطة، التفكير في ابنته، صغيرته، التي لم ترَ من الدنيا أي شيء، هدم عائلتها قبل أن تدركها حتى.


وقف مكانه طويلًا، لا يعرف ماذا يفعل.


هل يريد العودة أم الهرب بعيدًا عن كل شيء؟


لينزوي وحده يبكي بقهر الرجال، قهر خسارته لقلبه بكل قسوة، قسوة رجل هُزم على يد امرأته.


وكل ما أدركه في تلك اللحظة أنه قبل دقائق، كان رجلًا غاضبًا يظن أنه يرد اعتباره وخيانتها لثقته، والآن صار رجلًا وأبًا يواجه احتمالات لم يستعد لها قط.


وسؤال مُلِحّ يحرق قلبه:


هل خسرها بيديه هاتين حقًّا؟


هل كان مخطئًا حينما وضع كلمة النهاية بيده بسرعة وتهور، دون أن تختار هي الرحيل، بل هو من دفعها إلى الباب بكل قسوة، ليغلقه بعدها خلفها بكل جحود وقسوة؟


هل هو نادم؟


أم أنه لم يفعل سوى الصواب؟


وعند تلك اللحظة، لم يعرف.


لم يعد قادرًا حتى على الوقوف على قدميه الهزيلتين، شاعرًا بضغط دمه يتصاعد بجنون، حتى كأن عروقه توشك أن تنفجر.


تنهيدة مُرهَقة قبل أن يرفع عينيه الدامعتين ينظر للسماء بضعف، يناشد ربه أن يزيح هذا الألم القاتل عن قلبه، أن يخفف عنه، أن يدله على الطريق الصحيح.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قبل أن يلفت نظره المبنى الكبير أمامه، وقد كان أحد الفنادق الكبيرة والمشهورة.


حرّك قدميه متوجهًا نحوه بخطوات بطيئة وروح منهكة، وخلال دقائق كان يدخل غرفة حجزها دون تركيز حقيقي أو إدراك، ملقيًا بنفسه على الفراش، ناظرًا للسقف بوهن، شاعرًا بقلبه على وشك التوقف.


وهنا خانه صموده.


سمح لدموعه المحتجزة أن تتحرر دون خجل، وهبطت كأنها تتحداه أن يمنعها.


وطال شروده، ومشهد طلاقهما يتردد مرارًا وتكرارًا، حتى وأخيرًا، ومن رحمة الله به في تلك اللحظة أن غلبه النوم أخيرًا، بعدما أرهقه التفكير، واستنزف الوجع ما تبقّى فيه من قوة، فاستسلم لليل دون أن يعرف ما الذي ينتظره حين يأتي الصباح.


نام، ولم يكن يعلم أن الأيام قد تمضي، وأن مَن تركهم خلفه قد يتعلّمون كيف يعيشون من دونه، حتى يصبح غيابه أمرًا اعتادوه، بعدما كان يومًا أكثر ما يخشون فقدانه.


أخطأت وأخطأ.


والصفعة مرّت على وجه الجميع.


ولم ينسَ أن يأخذ على نفسه عهدًا أنه لن يسامحها.


لن يسامحها أبدًا.


❈-❈-❈

في شركة مدحت العسيلي، تحديدًا في مكتب تميم.


ساعة كاملة جمعتهما سويًّا، ولأول مرة منذ التقت به.


كانت آسيا تجلس أمامه، تختلس نحوه النظرات الشغوفة التي تخلو من الخجل.


كانت تدقق في ملامحه، عيناه ويداه التي تتحرك بهدوء وتركيز، شارحًا لها نقطة معينة ادّعت أنها لم تفهمها.


لكنها كانت كاذبة، كذبة، بيضاء، صغيرة.

فهي لم ترد سوى إطالة تلك الدقائق لهما سويًّا.


كان بارعًا بحق، ولن تنكر أبدًا أنها استفادت حقًّا، رغم أن هذا لم يكن هدفها الرئيسي من ذلك الطلب.


لكنه صدمها وهي تراه بارعًا حقًّا في الشرح وتبسيط أدق التفاصيل.


قدرته على إيصال المعلومة بسلاسة ووضوح جعلتها تنظر له بعين جديدة.


ليس فقط لأنه مدير يُعرف عنه الكفاءة، لكن وأيضًا لأنها حقًّا أدركت أنه يستحق تلك المكانة بكل جدارة. لم تكن مكانته امتدادًا لاسم عائلته، بل استحقاقًا صنعته كفاءته.


تنهدت بخفوت، ترسم ابتسامة عاشقة على شفتيها، قبل أن تتمتم: رائع.


توقفت يداه عن الحركة، واتسعت عيناه،

قبل أن يرفع عيناه سريعًا لتقابله عيناها اللتان تضجان بمشاعر واضحة للأعمى، وهو ليس بأعمى بكل أسف.


اضطربت ملامحه للمرة الألف، مستغفرًا ربه، شاعرًا بالضيق الشديد.


لتتابع هي بمكر: حقيقي شرحك رائع.


أنت مش متخيل شرحك وتوضيحك للأمور فرّق معايا قد إيه.


وتابعت بتأكيد وصدق:


رغم إني بقالي شهور هنا، بس محدش قدر ولا حتى قبل يساعدني زيك.


أنت الوحيد اللي حسيت بيا، وإني فعلًا محتاجة أتعلم، مش مجرد إني أحصل على مكانة مستحقاهاش من وجهة نظرهم.


وصمتت، قبل أن تقول أخيرًا بصوت ناعم:


شكرًا يا تميم.


حقيقي شكرًا.


أحرجته بحديثها، ليضطر للرد مرددًا بهدوء: مفيش داعي للشكر يا بشمهندسة.


أنا سعيد إني قدرت أساعدك وأوضحلك اللي كان ناقصك.


وصمت قبل أن يتابع بهدوء وابتسامة بلاستيكية مُشدَّد على حروفه: متنسيش إنك في مقام أختي، زي الآء وملك بالظبط.


أختك!


قالتها بصوت عالي نسبيا بعين متسعة ترمقه بنيران غاضبة وحاجب ارتفع سريعًا.


أما هو فابتسم بهدوء، وحرك عينيه سريعًا نحو الصغير الجالس أرضًا يلهو بهاتفه، وتنحنح مرددًا بهدوء: هات الموبايل يا تيمو، عشان محتاج أعمل مكالمة.


هز الصغير رأسه برفض تام، وهو يضم الهاتف نحو صدره بقوة.


ناظره تميم بحزم، قابله الأخير بقرف وابتعد بالهاتف قليلًا، في نية واضحة لعدم التخلي عنه.


رمقه تميم متوعدًا، لم يهتم به الصغير، وتابع التقليب في هاتف خاله بكل وقاحة، حتى أغلق الهاتف بين يديه.


نظر الصغير إلى الهاتف بعين متسعة غاضبة، وتحرك سريعًا نحو خاله بخطواته المتعثرة البطيئة، يريه لخاله بحزن وشفتان مقلوبتان.


ليهز تميم رأسه بيأس من ذاك المشاغب الذي لا يستطيع أن يرفض له أي طلب.


وحمله بحنان، يجلسه على ساقه، مقبّلًا إياه بقوة، وهو يفتح له الهاتف قائلًا بهدوء: بس شوية وهخده عشان خالو محتاجه.


ناظره الصغير بدلال، ومال يقبّل خاله بحب، قبل أن يشير نحو كوبه الخاص، والذي طلب تميم من أحد العاملين وضع العصير به.


ناظره بحنان، وهو يناوله الكوب ويساعده على الشرب.


وكل هذا تحت أنظار آسيا، التي كانت تهز ساقها بعصبية وغضب مرددة بداخلها: أختك!


ماشي يا تميم.


مااااشي.


أنا وأنت والأيام بيننا.


كتمت غضبها المشتعل بداخلها، وطغى علي كل هذا، مشاعر أخرى حلّت محل غضبها، وهي تراقب علاقته بذلك الصغير بغيرة حاقدة، حتى وإن كانت غيرة من مجرد طفل صغير.


وتساءلت بداخلها:


إن كانت علاقته هكذا بابن أخته، فكيف ستكون علاقته بأبنائه من صلبه؟


وطار خيالها بعيدًا نحو مستقبل قريب جدًا، وطفل يشبهه.


طفلهما سويًّا.


طفلها هي وتميم.


قريبًا جدًا.


لمعت عيناها بقوة إثر هذا التخيل.


هي وتميم وطفلهما.


ياااا له من واقع جميل!


أن يحصل المرء على ما يريده.


تراجعت تستند بظهرها، قبل أن تضع ساقًا فوق أخرى، تناظره بعينين ثاقبتين معجبتين بكل تفاصيله.


مظهره.


مكانته.


تعاملاته.


تنهدت مرة أخرى، وبداخلها هي مؤمنة وبثقة أنها ستحصل عليه كما تريد.


فهي ليست مغفلة كالأخريات.


وتميم لها.


شاء أم أبى.


❈-❈-❈


بعد قليل، استأنفوا شرح عدة ملفات أخرى، قبل أن يقاطع حديثهم رنين هاتف تميم بين يدي الصغير تيمو، ليركض الصغير نحو خاله يريه إياه.


أمسكه تميم بابتسامة، وهو يرد بهدوء: كنت لسه هتصل بيكي، تطمني على تيمو.


قالها وهو يحدث الآء في مكالمة مرئية.


وقبل أن يتابع ويخبرها أنه سيهاتفها بعد قليل، لأن معاه ضيوف، خطف الصغير الهاتف من بين يدي خاله، وابتعد به مرددًا: لأ!


حبيبي!


عامل إيه؟ وحشتني أوي يا تيمو.


كلت يا حبيبي؟


وتابعت بصوت عالٍ: غيّرتله يا تميم!


احتقن وجه الآخر تحت نظرات آسيا المتسلية، وهي تراه يغمغم بخفوت بكلمات لم تسمعها، في الأغلب كان يشتم شقيقته.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رحمت إحراجه، وتحركت تحمل الملفات مرددة بهدوء: خلّيني أرجع لشغلي دلوقتي، ونكمل كلامنا وقت تاني.


ومعادنا بكرة زي ما وعدتني، كل يوم هتيجي تساعدني.


وتابعت بهدوء وإصرار:


ولو حابب، أنا ممكن أجيلك.


هز رأسه سريعًا برفض، مرددًا: لا، أنا هاجي إن شاء الله، بس مرتين بالكثير، ثلاثة في الأسبوع؛ لأني مشغول.


رغم ضيقها الشديد، إلا أنها ردت بهدوء على قدر ما استطاعت: أوك.


باي.


وتحركت بهدوء، ولكن قبل أن تخرج، مالت نحو الهاتف الذي يحمله الصغير، ورددت بابتسامة لتلك التي ناظرتها بعين متسعة متفاجئة، حتى إنها انتفضت من أثر المفاجأة:


هاي يا مدام الآء.


أخبارك إيه؟


رمشت الآء بعينها عدة مرات، تحاول استيعاب ماذا تفعل تلك هناك، حتى أجلت صوتها وردت بخفوت: الحمد لله، شكرًا.


ابتسمت لها آسيا، وأشارت لها بيدها، وخرجت سريعًا، بعد أن ألقت القنبلة فوق رأس ذلك الواقف خلفها، يضع يده فوق وجهه، يدعو عليها بشعر رأس تميم الصغير فهو اصلع لا شعر لديه، وهو يقف منتظرًا القادم.


وحدث.


ولم يمر سوى ثوانٍ، حتى صرخت الأخرى بصدمة انتفض لها الاثنان تميم وهي تردد:


تميمممممم!


❈-❈-❈


جلس تميم يضم رأسه بين كفيه، داعيًا من كل قلبه على تلك الحرباء، آسيا.


هي لا تعلم ماذا ستفعل به الآء.


ولم يعلم أنها تعلم، بل تعمدت أن تظهر نفسها لكي تراها الآء.


تحرك الصغير بخوف من صوت أمه، يلقي بالهاتف نحو خاله، لا يعجبه حديث الكبار المزعج، وعاد لألعابه وبطّاته.

 بكل أدب.


لينظر له تميم بغيظ وحقد، وهو يمسك الهاتف، يواجه وجه أخته المصدوم، وهي تردد: إيه ده؟


هي مش دي هي قريبة فري...


وقبل أن تتابع، قاطعها بحزم: أيوة، هي.


أغضبها رده لتصيح بغضب:


طيب، ولما هي زفت هي بتعمل عندك إيه؟


أنا مش فاهمة، يعني مش ده اللي جت المستشفى واضايقت جدًا من وجودها؟


دلوقتي بتعمل إيه في مكتبك يا تميم؟


الآاااء!


قالها بحزم، وتابع:


ممكن تاخدي نفسك وتسمعيني؟


آسيا هنا مجرد موظفة لا أكثر ولا أقل.


طلبت مساعدتي في شغل، وأنا بساعدها، برضه مش أكثر ولا أقل.


بس دي قريبتها، إزاي تعمل كده في نفسك؟


قالتها وعيناها تصرخان ألمًا لأجله.


صمت وخفض عينيه بضيق.


يعلم، يعلم سبب حديثها.


هي تخشى عليه.


لا تريده أن يقترب من تلك العائلة مجددًا.


هي تعلم.


تعلم ما يمر به، وإن لم تنطق شفتاه.


رفع رأسه ينظر لها بهدوء، مرددًا: الآء، مفيش حاجة مستاهلة تقلقي كده.


هرجع أأكدلك، آسيا زيها زي أي موظفة هنا في الشركة بالنسبة ليا.


طلبت مساعدة، فـ عادي بساعدها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

متقلقيش عليا.


ولو سمحتي، أنا مش حابب أتكلم في الموضوع ده.


قالها قبل أن يتابع: خدي بقى تيمو، اطمني عليه، عشان بحضّر نفسي وهنتحرك دلوقتي نروح على شركتي، عشان اتأخرت على الاجتماعات بتاعة النهارده.


أومأت له بصمت متألم، وظلت تحدث صغيرها بذهن شارد.


أما هو فوقف محله، يقبض على يديه بقوة حتى ابيضّت مفاصله، مفكرًا بضيق:


هل أخطئ حقًّا بقبول مساعدته لآسيا؟


هل أخطئ حينما سمح لها بدخول مساحته التي يحافظ عليها مع الجميع عامةً، ومعها خاصةً؟


يا ليته يعرف ما الصواب.


❈-❈-❈


أغلقت الهاتف مع صغيرها، ووقفت تستند على المقعد، تشدد يدها عليه بقوة وقلق.


خائفة.


تلك الكلمة تعد قليلًا مما تشعر به في تلك اللحظة.


بل مرتعبة.


وجود تلك الفتاة بجانب أخيها لن يجعله يتقدم للأمام، بل سيعيده ألف خطوة للوراء.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تميم لم ينسَ فريدة إلى تلك اللحظة، حتى إن قال غير ذلك، حتى إن ادّعى أنه تخطاها وأنه بخير.


لكن ألم يبتعد مؤخرًا عن شركة أبيهم لذلك السبب؟


لكن تلك الفتاة، وجودها وطريقتها ونظراتها، لم ترتح لها ولم تحبها.


لم يطمئن قلبها لها أبدًا.


تنهدت بضيق وقلق حقيقي، قبل أن تهمس بتضرع:


يا رب احفظ قلبه.


هو مبقاش مستحمل وجع تاني.


يا رب هون عليه.


يا رب.


❈-❈-❈

بعد ساعة في شركة تميم.

دلف إلى مكتبه سريعًا، ووضع الصغير في ركن الألعاب، وقد طلب أن يتم إعداده خصيصًا له مسبقًا.


وجلس على مكتبه يباشر عمله بذهن شارد.


تنهد بضيق وهو يوقّع أحد المستندات، قبل أن يُطرق الباب، يتبعه دخول مساعده الشخصي بعد أن أذن له.


طارق بهدوء: مستر تميم، الاجتماع هيبدأ خلال عشرين دقيقة.


أنا جهزت لحضرتك كل الملفات اللي هتتناقش النهارده.


أومأ له تميم بشرود، وتابع بضيق:


ألغِ أي اجتماع مش ضروري النهارده، وابعتلي فنجان قهوة وحباية مسكن ضروري.


وآه، الشنطة هنا فيها أكل وحاجات تميم. خليهم يجهزوا منها أكلة عشان ياكل، وعصير طبيعي، مش مصنعات.


وهاتلي باقي الملفات اللي قلتلك عليها.


أومأ له طارق بهدوء، وتابع:


حالا هبعتلك القهوة والمسكن.


تحب كمان ألغي الاجتماع مع مستر ياسر؟ الاجتماع كان ضروري، ولو اتلغي هتبقى دي تاني مرة يتأجل.


مستر ياسر اللي أجّله المرة اللي فاتت.


ياسر...


ردد اسمه بتفكير قبل أن يقول:


أنا هبلغه. روح أنت اعمل اللي قلتلك عليه.


ومعلش، ابعتلي سرير تميم عشان شوية وهيبدأ يزن عشان ينام.


قالها وهو يمسك هاتفه، ويهاتف ياسر سريعًا.


❈-❈-❈


تحرك ياسر يغادر مكتبه، متابعًا على هاتفه أحد الملفات، قبل أن يخرج لحضور اجتماع خارجي بشركة تميم العسيلي.


قبل أن تنضم له فريدة، مرددة بهدوء:


أستاذ ياسر، أنا كنت لسه جاية لحضرتك المكتب عشان الورق اللي حضرتك طلبته. تحب أجي لحضرتك وقت تاني؟


هز رأسه نافيًا، وهو يلتقط منها الملفات سريعًا، مرددًا:


كويس إنك لحقتيني قبل ما أخرج، لأني مش هرجع تاني النهاردة.


قالها وعيناه تتابع الملف بتركيز، لتنظر له هي بهدوء قبل أن تقول:


كنت عايزة أعرض على حضرتك اقتراح بخصوص المشروع.


التفت إليها ياسر باهتمام وهو يتابع سيره:


اتفضلي يا باشمهندسة، سامعك.


أنا شايفة إننا لو عدّلنا توزيع المساحات في الجزء الشرقي من المبنى، هنقدر نستغل المساحة بشكل أفضل، من غير ما نضطر نزود في التكلفة الإجمالية للمشروع.


سألها باهتمام:


والتعديل ده مش هيأثر على الجدول الزمني للتنفيذ؟


لو اعتمدناه من دلوقتي، مش هيأثر بشكل كبير. بالعكس، ممكن يوفّر علينا بعض التعديلات اللي كنا هنحتاج نعملها في المراحل الجاية.


أومأ برأسه وهو يطلب المصعد:


تمام، جهّزيلي تصور مبدئي بالتعديل والتكلفة المتوقعة، وخلينا نراجعه أول ما اجي بكرة أن شاء الله .


ابتسمت بثقة مرددة بهدوء : هجهّزه لحضرتك. حاضر.


واستأذنت للمغادرة.


لكن...


وقبل أن تتحرك، كان هاتفه يرن، وهو يرد بهدوء:


أهلًا تميم.


تسمّرت محلها، تناظر ياسر وهو يدلف للمصعد، ينظر إليها بهدوء قبل أن يُغلق.


وظلت هي محلها، قبل أن تشعر بركلة قوية من صغيرها، فوضعت يدها على بطنها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة شاردة، بعدما أعاد إليها الاسم ذكرى بعيدة، ذكرى صاحب الاسم الوحيد الذي تعرفه بذلك الاسم: تميم.


صديق قديم.

كان محطةً عابرةً في حياتها، لكن أثره كان أعمق من أن تمحوه السنوات.



تنهدت بابتسامة حزينة، قبل أن تتحرك سريعًا لتنهي ما تبقى لها من أعمال، لتغادر سريعًا.


حيث أصبح بيتها وراحتها...


جحيمها وعذابها.


وتمتمت بضيق وإرهاق:


حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا اللي في بالي.


❈-❈-❈

في مكتب تميم

ردّد تميم بهدوء: بعتذر جدًا منك يا ياسر، بس مش هقدر أحضر اجتماع النهارده للأسف، وصلت الشركة متأخر، وورايا ألف حاجة ضروري تخلص، وأنت عارف قد إيه الاجتماع ده مهم، فمحتاج أكون متفرغ ليه أكتر من كده.


قالها موضحًا بهدوء.


ابتسم ياسر وهو يجلس في سيارته، قائلًا بهدوء: مفيش مشكلة يا تميم، نحدد معاد جديد. أنا كنت جاي لك دلوقتي، بس تمام، حدد معاد مناسب وبلغني عشان ضروري أعرض عليك الاقتراحات الجديدة للمشروع.


وتابع بمزاح هادي: كل ما الاجتماع بيتأخر، كل ما بتظهر اقتراحات أقوى، واثق إنها هتنقل المشروع نقلة تانية، تمام


تميم بهدوء: تمام، إن شاء الله تكون اقتراحات مناسبة وتساهم في نجاح المشروع. هبلغهم يحددوا أقرب معاد ويبلغوك.


وتابع بتردد: بس أنا محتاج أطلب منك خدمة يا ياسر، لو فاضي بكرة ممكن أجيلك الشركة سريعًا؟


أشار ياسر للسائق بالتحرك، قائلًا بهدوء: آه طبعًا، تنور. بخصوص إيه؟


هز تميم ساقه، مرددًا: أفضل نتكلم لما نتقابل. أنا لولا حاليًا مش هقدر أتحرك من الشركة، كنت جيت لك نتكلم، بس مش مشكلة، بكرة إن شاء الله.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

فكّر ياسر قبل أن يسأله: لو فاضي حاليًا، ممكن أعدي عليك قبل ما أروح. أنا كده كده كنت جاي لك الاجتماع، والشركة في طريقي.


ردّد تميم بسرعة: مناسب معايا، منتظرك.


وأغلق معه، قبل أن يطلب من طارق أن يبلغ أحمد أن يحضر الاجتماع بدلًا منه لانشغاله.


اتجهت عيناه نحو الصغير ليطمئن عليه كما اعتاد كل بضع دقائق، قبل أن تتسع عيناه وهو يرى ملابسه وقد أصبحت في حالة يُرثى لها، بعد أن سكب عصير الفراولة عليه وعلى البساط.


هذا البساط الذي نُسج خصيصًا له على أيدي أمهر الحرفيين، في عملٍ استثنائي استغرق الكثير من الوقت والجهد، ليخرج بهذه الدقة الفائقة والتفاصيل التي لا تُتقنها إلا الأيدي الماهرة، كهدية من أحد العملاء تقديرًا له.


أصبح بساط بالفراولة!


هز رأسه مُتحسِّرًا يأسًا من هذا الصغير الشقي.


وتنهّد بإرهاق وهو يتحرك سريعًا نحو الصغير الماكر، الذي أهداه إحدى ابتساماته التي تقطر عسلًا.


حمله يقبّله بقوة، لتنطلق ضحكات الصغير.


ليردد هو بحنان، ممسدًا على خصلاته الناعمة: لله الأمر من قبل ومن بعد.


فداك يا حبيب خالك، يلا.


وتحرّك حاملًا حقيبة ملابسه ليبدّلها له قبل حضور ياسر.


لا يريد فضائح بهذا المظهر غير المشرف.


يكفيه البساط.

قالها لنفسه، وهو ينظر إلى البساط ببؤس.

❈-❈-❈

خرج تميم من الحمام الملحق بالمكتب، يحمل الصغير فوق كتفه، يضحكان معًا، قبل أن يردد تميم بمشاكسَة: عجبك الجو إنت فوق؟


قالها تميم، والصغير مستمر في تحريك سيارته الحمراء فوق صلعة خاله.


سعيدًا بهذا المكان الاستراتيجي.


يعجبه المكان في الأعلى.


أنزله تميم، مقبّلًا إياه بقوة، قائلًا: تعالَ بقى أسرّحلك شعرك.


وبالفعل، جلس على مقعده، ووضع الصغير أمامه على المكتب، وقد بدأ في تمشيط خصلاته الناعمة الشبيهة بأمه، واضعًا له العطر الخاص به.


وأخيرًا، جوارب بيضاء نظيفة، غير التي ستُلقيها آلاء في القمامة من شدة اتساخها.


نظر تميم بحنان، فقد كان يبدو كدمية صغيرة في هذا السالوبيت بلون البيج الفاتح، تتوسّط صدره رسمة دبّ بنيّ صغير، بينما غطّى القماش الناعم جسده الصغير، ليبدو كدُمية لطيفة لا يُملّ من النظر إليها.


أمال وجهه للأمام، قائلًا بمشاكسة: بوسة كبيرة لخالو، يلا.


أحاط الصغير رقبته، مقبّلًا إياه بقوة وصوت عالٍ، ليضحكا سويًا.


قبل أن يقاطعهم طرقات على الباب.


ردد تميم بهدوء: اتفضل.


دلف ياسر للمكتب، ليقف تميم سريعًا في استقباله، سلّم عليه بابتسامة، قبل أن يشير له بالجلوس، وطلب لهم سريعًا قهوة والحليب الخاص بالصغير.


نظر ياسر للصغير بحنان أبوي وعاطفة، وقد تعرّف عليه فورًا.


ليشير تميم للصغير، قائلًا بابتسامة، وقد همّ بحمله: تعالَ سلّم على عمو يا تيمو.


لكن ما لم يتوقعه أن يتحرك الصغير سريعًا يحبو على سطح المكتب باتجاه ياسر، حتى وصل نحوه، ملقيًا بنفسه بين أحضانه.


اتسعت عينا تميم، الذي قد وقف سريعًا لحماية الصغير من السقوط.


ولم يكن وحده المتفاجئ، بل ياسر أيضًا.


لكن سرعان ما ابتسم للصغير المنبهر والمنشغل بتفحّص الساعة الخاصة به، وأحاطه بحنان، مرددًا: أهلًا بالصغير الشقي.


وتابع مازحًا بهدوء، مقبّلًا رأسه: إنت تخصص ساعات بقى؟


قالها مشيرًا لذلك اليوم حين زار تميم في المشفى منذ عدة أشهر، حينما تعرض لتلك الحادثة.


انفلتت من تميم ضحكة عالية وقت تذكّر الموقف المحرج، حينما أعطى ياسر ساعته باهظة الثمن للصغير، والتي أعجبته ولفتت انتباهه أيضًا وقتها.


وهزّ رأسه يأسًا، مرددًا بحزم، وهو يتوجه نحو الصغير مادًّا يده له: تعالَ يا تيمو.


ونزع ساعته، هامسًا بإغراء، مشيرًا بها: تعالَ خد ساعتي أنا، يلا.


إلا أن الصغير رفض وبقوة، متشبثًا بياسر، وعيناه تتابعان بانبهار تلك الساعة الرائعة.


ابتسم له ياسر بحنان، مربّتًا على رأسه، مفكرًا أنه أحب هذا الصغير المشاغب.


لذا قبّله مرة أخرى، مربّتًا على ظهره بحنان، ورفع رأسه لتميم، قائلًا بهدوء: اقعد يا تميم، سيبه، أنا مش مضايقني أبدًا. بالعكس، ما شاء الله عليه، يتحب ويدخل القلب.


ابتسم له تميم بحرج، وعاد مضطرًا ليجلس محله.


ثوانٍ، وأتى العامل بالقهوة الخاصة بهم، وزجاجة الحليب الخاصة بتميم الصغير.


شبّ الصغير محاولًا التقاط زجاجته، ليمد ياسر يده تلقائيًا، يمسك زجاجة الحليب، يناولها للصغير ليبدأ بشربها، متحدثًا بهدوء وكأنه أمر طبيعي: قولي بقى، كنت عايزني في إيه؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لانت ملامح تميم بابتسامة حانية، وهو يتابع المشهد أمامه، تحديدًا أن الصغير لا يرتاح لأحد بتلك السهولة.


ولم تكن تلك هي المرة الأولى لذاك المشهد وارتياحه لياسر.


تنهد وتردد لوهلة مما سيقوله، مفكرًا أن ياسر كان الخيار الأمثل له في هذا الأمر.


لن يأمن لغيره في هذا الوضع.


لذا عزم أمره وقال بدون تردد: كنت عايز أطلب منك وظيفة لحد يشتغل عندك في الشركة.


قطّب ياسر بين حاجبيه، ضامًّا شفتيه بضيق، ويداه تتابعان إطعام الصغير الساكن بين أحضانه.


ملامحه كانت واضحة لتميم الجالس أمامه، يعرف ياسر جيدًا.


أما ياسر فلم يتردد قبل أن يجيبه بصراحة وصدق: بص يا تميم، عشان أكون صريح معاك، أنا ضد الواسطة في الشغل تمامًا. إنت عارف إن الأمر مرفوض بالنسبة ليا.


وصمت للحظات، قبل أن يتابع حديثه قائلًا بهدوء وابتسامة هادئة: لكن أنا الحقيقة مقدرش أرفض لك طلب، وواثق إن أكيد الشخص ده يستحق، طالما أنت اللي طلبتله الشغل بنفسك.


قولي هو مين؟


ابتسم له تميم بامتنان، قبل أن يقول: الحقيقة...


هي مش هو.


أنا عايز الشغل لأختي آلاء عندك.


ارتفع حاجب ياسر باستغراب، وقد فهم تميم تعجبه لما يطلب منه أن تعمل شقيقته عنده هو، ولديهم أكثر من مقر عمل كبير وبه جميع الأقسام.


لذا تابع تميم قائلًا بتوضيح: أنا عارف إنك مستغرب ليه أطلب منك إنها تشتغل عندك إنت، وإحنا عندنا كل الشركات دي.


بس الحقيقة هي مكنتش حابة تشتغل في حاجة تخص العيلة.


كانت حابة تشتغل بره وتبعد عننا قدر المستطاع.


يعني حابة تكون مستقلة بعيد عن الكلام والمعاملة الدائمة إنها بنت أو أخت المدير.


لكن رغم رغبتها دي، أنا رافض تمامًا إنها تتبهدل. في الأول والآخر، أنا عايزها في شغل مستقر محترم.


فطالما دي رغبتها، قلت أختار مكان أقدر أحس إنها هترتاح فيه وأكون مطمن عليها .


وملقتش أنسب منك أستأمنه تشتغل معاه.


أومأ له ياسر بهدوء.


ليكمل تميم بتوضيح الصورة كاملة: لكن برضه لازم أبلغك بنقطة مهمة.


آلاء موقفه شغل من سنين.


يعني خبرتها كلها كانت قبل الجواز.


لكن هي حاليًا حابة ترجع تاني لسوق العمل.


وصمت، قبل أن يتابع بابتسامة وتأكيد: لكن طبعًا مفيش أي مشكلة لو الموضوع مش مناسب ليك.


إنت عارف، مفيش بينا كسوف أو كده.


ف لو مش مناسب، أوك.


قالها بهدوء، ملاحظًا صمت ياسر.


ياسر الذي تابع إطعام الصغير، ممّرًا يده بين خصلاته الناعمة، مقلبًا الأمر في رأسه بجدية.


بداخله يرفض الواسطة في العمل دائمًا وأبدًا، ويشعر أن من يلائم متطلبات عمل ويستحقه سيعمل دون أي واسطة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لكن لن ينكر أن تميم له معزة خاصة على المستوى الشخصي قبل العملي.


ولا يظن أن تميم قد يطلب منه عمل شقيقته لديه وهي غير كفء، ربما تحتاج فقط لفترة تدريب لانقطاعها عن العمل لفترة طويلة.


لكن يظن أنها جيدة وتستحق فرصة.


لذا رفع رأسه قائلًا بهدوء: تمام يا تميم، أنا معنديش مشكلة.


تحب تبدأ إمتى؟


اتسعت ابتسامة الأخير، شاعرًا بالارتياح أخيرًا، قبل أن يردد: ممكن على بداية الأسبوع الجاي.


تكون جهزت أمورها وجاهزة تبدأ بأمر الله.


أومأ له ياسر بهدوء، ملاحظًا انتهاء الصغير من زجاجة الحليب، ليأخذها منه ويضعها محلها.


ملتقطًا محرمة نظيفة ليمسح فمه.


وقبل أن يواصل حديثه، لاحظ أن الصغير بدأ يغلبه النعاس، وقد أخذت أجفانه تثقل، فعدّل وضعه بين أحضانه، مانحًا إياه وضعًا أكثر راحة ليساعده على النوم.


وقد بدأ كلاهما حديثًا عن العمل.


وكلاهما متردد، ولكلٍّ منهما أسبابه الخاصة.


❈-❈-❈

انتهى تميم وياسر من مناقشة عدّة ملفات تخصّ مشاريعهما السابقة، وقد راعيا وبشدّة خفض صوتيهما لكي لا يستيقظ الصغير النائم بعمق وأمان بين أحضان ياسر.


تحرّك ياسر بحرص شديد، حاملًا الصغير الذي أصرّ تميم أكثر من مرّة أن يحمله عنه حينما غفا الصغير، إلا أن ياسر كان يرفض بشدّة، مستمتعًا بدفء هذا الملاك الصغير.


تحرّك تميم أخيرًا متجهًا له ليحمل الصغير عنه ويضعه في فراشه، إلا أن ياسر سبقه، وقد تحرّك واقفًا، ضامًّا الصغير بين أحضانه، واضعًا إياه سريعًا في فراشه الملازم لمكتب تميم، ناظرًا له بحنان غامر.


ربّت على وجنته بهدوء قبل أن يدثّره بدثار خفيف كان بالفراش.


وقبل أن يستقيم، كان يخلع ساعته الأنيقة، واضعًا إياها بجانب الصغير بكل بساطة.


اتّسعت عينا تميم، ومال يلتقطها برفض تام، إلا أن ياسر أشار له بحزم، مردّدًا بتأكيد:


«طالما كانت عجباه، خلاص فداه».


ردد تميم بسرعة:بس...


قاطعه ياسر قائلًا بهدوء: أنا حابب أدهاله يا تميم، يعني منّي للشقي ده.


قالها مشيرًا نحو الصغير.


وتابع وهو يغلق سترته: دلوقتي أنا مضطر أمشي؛ لأني اتأخرت. زي ما اتفقت معاك، هنحدّد معاد في أسرع وقت؛ عشان لازم تشوف الاقتراحات المعروضة. وبخصوص مدام آلاء، منتظرها بأمر الله عشان نقرّر الوظيفة والقسم المناسبين ليها.


«السلام عليكم».


قالها وقد تحرّك مغادرًا المكتب سريعًا بعد تحية تميم، ووداع سريع لصغير خطف قلبه بكل بساطة.


مشاغب شقي...


لكن رائع.


وكأنّه حكايةٌ صغيرة، لا يدري كيف استطاعت أن تجد لها مكانًا في قلبه بهذه السرعة.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (عفاف شريف)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل