أحفاد إلياس - الفصل 33 | زينب سعيد القاضي

قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: (أحفاد إلياس)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي)|الفصل: (33)



الفرحة التي تأتيك غفلةً، كقطرة مطر هطلت فجأة على أرض يباب، فأبت إلا أن تُحيي ما مات من الأمل في الروح. هي اللحظة التي تنسيك تعب الأيام، وتُرمم ما أفسده الانتظار، لتُذكّرك بأن ألطاف الله الخفية أسرع بكثير من ظنونك، وأعظم بكثير من كل ما أرهق تفكيرك.


كأن الحياة تمد يدها الحانية من بين زحام العتمة، لتربت على كتف تعب، وتضع في كفك نورًا لم تكن تحسب له حسابًا، فتعود للقلب طمأنينته، وكأن شيئًا لم يكن.


فلا تحزن لمتسع الحزن، ولا تقنط إذا طال الأفق؛ فوحدها تلك اللحظات المفاجئة كفيلة بأن تغسل تعب الأيام، وتُزهر في صدرك ربيعًا لم تكن تظن أنه سيأتي يومًا.


فامدد قلبك للسماء، واستقبل العطايا بقلبٍ راضٍ شاكر، فربّ أمانٍ ظننتها استُحيلت، ستأتيك ضاحكةً مبتهجةً لتخبرك أن الله إذا أراد شيئاً قال له كن، فيكون.


وعندها فقط، تدرك أن الدموع التي سقطت سُدىً كانت تروي بذور الفرح الذي تعيشه اليوم، وأن كل عثرة كانت في الحقيقة دربًا يقودك إلى هنا، حيث الروح ترتاح، والقلب يبتسم بملء أمانه.


وحين يغمرك هذا النور تمامًا، تتيقن أن الله لا يُخلف وعده، وأن العوض الجميل قادم لا محالة، ليأخذ بيديك من قاع الصبر إلى قمة اليقين، وتعيش العمر بقلبٍ لا يعرف لليأس سبيلًا.

❈-❈-❈

عاد إلى الجناح مرة أخرى مثقلًا بالهموم، فتح الباب ودلف إلى الداخل وجد الجناح فارغ، أغلق الباب خلفه، وهو يحدق حوله بترقب يبحث عنها حتى وجدها تدلف من الشرفة وهي تطالعه بتعجب.


جلس فوق الفراش بتثاقل، فاقتربت منه وتساءلت بحذر:

– إنتَ رجعت تاني؟!


رفع حاجبه مستنكرًا:

– هو المفروض مرجعش؟!


مطت شفتيها بحيرة وقالت:

– أنا افتكرت هتبات عند سيرين بس.


أخذ نفس عميق واستطرد قائلًا:

– وأنا من إمتى ببات في أوضة سيرين من الأساس؟! من قبل ما اتجوزك وكل واحد في أوضة يا حبيبتي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظر حوله يبحث عن شيء وتساءل:

– بقولك يا مرام إنتِ كنتِ داخلة معاكِ كوباية لبن هي فين؟!


ابتلعت ريقها بتوجس وردت:

– إحم الصراحة افتكرتك مش راجع رجعتها المطبخ تاني.


هز رأسه بيأس:

– أه منك يا مرام أه هتجننيني.


اقتربت منه وجلست جواره، وتداركت مستفهمة:

– هو ممكن أسألك سؤال؟!


أومأ بايجاب:

– أكيد.


نظرت إليه بترقب:

– هو إنتَ ليه روحت عندها؟! أنا والله مش قصدي حاجة أنا عارفة إنها مراتك زي زيها ويمكن هي أكتر خلاص بس مش فاهمة ليه روحت وليه رجعت؟!


أغمض عينيه بحزن واسترسل بإبانة:

– كنت محتاج أتكلم معاها شوية وكمان أشوفها هي عايزة إيه.


قطبت جبينها بحيرة:

– مش فاهمة حاجة يعني إيه عايزة إيه؟!


ضيق عينيه وغمغم بمكر:

– عايزة تعرفي كل حاجة كده طيب اعتبر دي غيرة؟!


نهضت من مكانها بارتباك، وهي تفرك بيدها بتوتر شديد:

– خلاص لو مش عايز تجاوب براحتك أنا مقصدش أدخل في حاجة تخصك.


وقف هو الآخر في مواجهتها، وتحدث بنبرة هادئة:

– هي لو حاجة تخصني كنت هقولها ليكِ يا حبيبتي لكن دي حاجة تخص سيرين وبس حتى لو العلاقة بينا مش كويسة فهي أم أبني ولازم صورتها في نظر الكل تفضل كويسة.


نظرت إليه بفخر واعتزاز، وهتفت بابتسامة:

– كل يوم بيعدي وبتكبر في نظري أكتر يا أوس ياريتك كنت ظهرت في حياتي الأول.


ابتسم بحزن وقال:

– النصيب أنسي إللي فات وخلينا نبدأ من جديد يا مرام الماضي خلاص راح وأدفن وإحنا ولاد النهاردة خلاص مش مهم إنتِ كنتِ متجوزة مين قبل كده ولا أنا متجوز مين المهم إن ربنا جمعنا في الحلال.


تهاوت على الفراش بحزن عميق، وهتفت بنبرة حزينة:

– عندك حق.


لاحظ حزنها فاقترب منها وغمغم بمرح:

– ميرو هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟!


التفتت إليه بابتسامة:

– عيوني أكيد.


نظر إليها بتردد:

– نفسي أكل من إيدك أنا جعان أوي وبصراحة تعبت من الأكل المسلوق أعملي ليّ أي حاجة تانية.


اشفقت عليه ونهضت من مكانها مرتبة على ظهره بحنو:

– بلاش يا أوس أنا ممكن أعمل ليك طبق فاكهة وكوباية عصير وأوعدك لما تقوم بالسلامة هعملك كل إللي نفسك فيه إيه.


امتعض وجهه ورد:

– ماشي يا مرام ماشي روحي هاتي الفاكهة عشان أكل وأنام.


أومأت بابتسامة:

– عيوني حاضر…

❈-❈-❈

مر الليل سريعًا وأشرقت شمس الصباح، لتنسدل أستار الظلام وتعلن عن ميلاد يوم جديد يملؤه النقاء والحياة تسللت ابتسامة النور الأولى بهدوء عبر النوافذ، داعبة جفون الوجود برفق، ومبددةً سكون الساعات الفائتة بطيفٍ من الذهب الخالص. ومع أولى خيوط الفجر، عزفت الطيور ألحانها على أوراق الشجر المبللة بندى الفجر، وتصاعدت نسائم الصباح الباردة لتنعش الأرواح وتمنح القلوب طاقة متجددة معلنةً بداية رحلة جديدة، وآمالاً تُبنى من جديد.


أستيقظ الجميع مبكرًا وبدأت تحضيرات الزفاف فاليوم هو اليوم السابق ليوم الزفاف، فبدأت التحضيرات على قدم وساق بجناح العروسين وتجهيز القصر لاستبقالهم، أما إلياس فمنذ أن أشرقت شمس الصباح غادر برفقة نوح إلى الحديقة يتابع التجهيزات من أجل حفل الزفاف الذي سيقام بها بالغد.


وأسفل ضوء الشمس الذهبي اللطيف، كان إلياس ونوح يديران حركة التجهيزات في حديقة القصر الكبرى باحترافية بالغة، امتلأت الحديقة بعمال الديكور والزهور، حيث بدأت آلاف الورود البيضاء والزهرية تتخذ مواقعها على الأقواس الخشبية المنسوجة بالأضواء الخيالية، كان إلياس يراجع كل تفصيلة بنفسه، يتأكد من أماكن الطاولات، واتجاه الإضاءة الليلية، وترتيب المقاعد، بينما كان نوح يتولى التنسيق مع فريق هندسة الصوت والعروض المرئية لضمان خروج الحفل في أبهى حلة ممكنة، متبادلين المزاح أحيانًا لكسر حدة التوتر والضغط.


على الجانب الآخر داخل أجنحة القصر الداخلية، كانت هالة ووالدة عمر تخوضان سباقًا مع الزمن، وقفت هالة أمام غرفتين فاخرتين تم تخصيصهما لتستعد فيهما العروستان في صباح الغد، أشرفت هالة بنفسها على تنسيق الإضاءة الناعمة، وترتيب المرايا الكبيرة المحاطة بالمصابيح المضيئة، وتوفير كافة مستلزمات الراحة والاسترخاء. بجانبها، كانت والدة عمر تضيف لمساتها الدافئة والحانية، وتتأكد من تفاصيل الديكور الداخلي ورائحة البخور العطرة التي تملأ المكان، لتصبح الغرفتان مهيأتين تمامًا لاستقبال ساعات الاستعداد الأولى بكل هدوء وفرح.


أما في جناح العروسين، فقد بدأت أصوات الضحكات والمناقشات السريعة تتردد بين الخدم وفريق التنسيق وهم يضعون اللمسات النهائية على الأثاث الفاخر والورود العطرية التي تزين أرجاء الجناح. كان الجو العام ممزوجًا بترقب جميل، وحماس طال انتظاره، وشعور خفي بأن الساعات القادمة ستغير مجرى حياة الجميع إلى الأبد.


أما أوس على الرغم أنه لم يتحسن بعد، ولكن طلب من مرام أن تساعده كي يهبط إلى الأسفل حتى لو لم يساعدهم في شيء يكفي أن يتابعهم عن قرب، وبالفعل ساندته كي يهبط إلى الأسفل برفقة عمر الذي شاهده وهو يخرج من جناحه هو الآخر وهبط برفقته وتوجه به إلى الحديقة بعد أن طلب من زوجته أن تذهب إلى صغيره وتحضره إليه، خرج إلى الحديقة برفقة عمر واستقبله كل من إلياس ونوح الذين سعدوا بتواجده جلس على أحد المقاعد وهم يعملون حوله كخلية من النحل خاصة مع وصول آصف هو الآخر وظل يعمل معهم بجد، ودقائق وحضرت مرام وبرفقتها زين وغنى ونوران التي حضرت بعد إصرارها وجلسوا برفقته.


وقف آصف بعيدًا عن الضوضاء كي يرد على هاتفه:

– ألو أيوه أنا آصف حضرتك مين؟!


– أنا مدام فريدة المسؤولة عن تجهيز آنسة موچ روحت ليها النهاردة زي ما اتفقت مع حضرتك عشان التجهيزات بس هي رفضت.


أغمض عينيه لثوانِ، وسرعان ما لمع في ذهنه شيء ما:

– طيب خليكِ هناك وأنا هكلمها.


– تمام يا فندم.


أغلق معها المكالمة وبعدها قام بمهاتفة موچ التي أجابت عليه بهدوء:

– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخبارك يا موچ؟!


– بخير الحمد لله.


– ليه مشيتي البنت بتاع البيوتي سنتر؟!


– مفيش داعي ليها يا آصف كفاية بكره.


– إنتِ لوحدك؟!


– بابي خرج يخلص شغل.


– طيب فين أصحابك؟ وقرايبك البنات؟!


– من وقت ما تعبت يا آصف وأنا لوحدي مفيش حد معايا.


– البنت لسه بره خلي حد يدخلها وشوية وهبعتلك حد من البنات يبقى معاكِ.


– مفيش داعي يا آصف.


– أسمعي الكلام يلا سلام.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أغلق الهاتف وتوجه إلى الطاولة التي يجلس عليها شقيقه الأكبر أوس برفقة زوجته وطفله وغنى ونوران.


تبسم أوس وقال:

– تعالى يا عريس أقعد.


ابتسم بحرج وقال:

– معلش هستلف منك مرام شوية ينفع؟!


قطب جبينه بحيرة وتساءل:

– ينفع أكيد بس هو في إيه؟!


أخذ نفس عميق واستطرد قائلًا:

– موچ لوحدها محتاج مرام وغنى ونوران يروحوا ليها يبقوا معاها.


أومأ بتفهم:

– تمام مفيش مشكلة.


نظر إلى زوجته بلطف:

– روحي يا حبيبتي.


التفت إلى غنى ومرام، وتساءل باهتمام:

– ها يا بنات موافقين؟!


أومأت غنى بايجاب:

– حاضر هستأذن ماما ونروح.


ردت نوران بهدوء:

– تمام مفيش مشكلة.


نظرت مرام إلى زوجها بترقب:

– طيب إنتَ مش محتاج حاجة؟!


حرك رأسه بنفي:

– لا يا حبيبتي روحي إنتِ اتبسطي وأنا هنا كلهم معايا متقلقيش.


اقترب منهم عمر الذي كان يراقبهم عن بعد وبالتحديد نوران:

– خير يا شباب في حاجة؟!


أجابه آصف باختصار:

– هودي البنات لموچ تابع إنتَ مع إلياس ونوح على ما أرجع.


رد بهدوء:

– تمام.


استأذنت غنى من والدتها، وبعدها غادر آصف برفقة مرام ونوران وغنى متوجهين إلى منزل موچ…

❈-❈-❈

بعد ما يقارب الساعة وصل آصف إلى منزل موچ وهبط من السيارة وهم برفقته قام برن الجرس ودقائق وفتحت لهم الخادمة واستقبلتهم بترحاب، دلفوا إلى الداخل وجلسوا في إنتظار عودة الخادمة بعد أن تخبر موچ بوصولهم، والتي هبطت برفقة الخادمة واستقبلتهم بحفاوة، وبعدها استأذن منهم آصف ورحل عائدًا إلى القصر مرة أخرى لمتابعة تجهيزات الزفاف، وبعد مغادرته صعدت برفقة البنات إلى غرفتها وكانت في انتظارهم متخصصة التجميل، قامت غنى بتشغيل الأغاني والمهرجانات الشعبية وهي تحاول التخفيف عن موچ وإظهار معالم البهجة.


ومع بدء إيقاعات المهرجانات الصاخبة في الارتفاع داخل الغرفة، بدأت الفتيات في الرقص بخفة وسط ضحكاتهن العالية، محاولات بكل الطرق إبعاد أي توتر أو قلق عن قلب موچ. اقتربت منها غنى بحماس وهي تمسك بيدها كأنها ميكروفون وتغني بصوت ضاحك:

– يا بنتي اضحكي! ليلة العمر دي مش بتتعوض، سيبك من أي توتر وعيشي اللحظة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ابتسمت موچ برقة وهي تنظر إليهن بامتنان، فشعور الصداقة والدعم المحيط بها كان يخفف الكثير من رهبة البدايات الجديدة. التفتت متخصصة التجميل بهدوء وثقة من خبرتها، وقالت بابتسامة دافئة:

–يلا يا عروستنا، تعالي اقعدي على الكرسي عشان نبدأ السحر الحقيقي، وعايزة الإطلالة دي تطلع تحفة تليق بيكي.


جلست موچ أمام مرآة الزينة الكبيرة، بينما أحاطت بها الفتيات وهم يصقفوا بمرح شديد، ولكن توقف الجميع بصدمة ما أن خلعت موچ الحجاب وظهرت رأسها بدون شعر، أثر تلاقيها العلاج الكيماوي.


بهت وجه الجميع لكن غنى حاولت أن تخفف عنها واستمرت في الغناء وهي تُشير إلى الفتيات أن يندمجوا معها حتى لا تشعر بشيء.

❈-❈-❈

أما عند وتين كان مختلف تمامًا فهي استيقظت صباحًا على صوت طرق على الباب الشقة تثاقلت أن تنهض أكملت في نومها، ولكن ثوان واقتحمت زوجة عمها الغرفة وهي تهلل بحماس شديد:

– أصحي يا وتين البنات بتوع البيوتي سنتر وصلوا قومي قومي النهار طويل عشان تلحقي تجهزي.


نهضت بتثاقل شديد خرجت من غرفتها بخطوات بطيئة وهي تعدل ربطة خصلاتها المتمردة، لتجد شقة عمها قد تحولت إلى خلية نحل تنبض بالحيوية. فريق التبييض والعناية كان ينشر حقائبه وأدواته في غرفة المعيشة، وعلى الرغم من أن وتين كانت بطبيعتها تميل للهدوء وتتعامل مع الجميع بتحفظ وخجل شديدين؛ ومع ذلك فقد أحاطوها بعناية فائقة ومعاملة مفعمة بالدفء جعلتها تشعر حقًا وكأنها ملكة متوجة على عرش قلوبهم في هذا اليوم الاستثنائي.

❈-❈-❈

جلس عمر برفقة أوس بشرود تام، اقترب الأخر منه وربت على فخذه بخفة، التفت إليه بابتسامة:

– أخبارك يا وحش.


ابتسم أوس وكتف ذراعيه فوق صدره:

– أنا بخير الحمد لله إنتَ بقى مالك؟!


أغمض عينيه وتنهد بضيق شديد:

– مش عارف يا أوس حاسس إني مخنوق.


اتكأ أوس بظهره على ظهر مقعده، وتحدث بنبرة هادئة:

– إنتَ مش مخنوق إنتَ مش عارف إنتَ عايز إيه؟!


قطب جبينه بحيرة وتساءل:

– قصدك إيه مش فاهم؟!


ابتسم ساخرًا وأردف بنبرة حادة:

– ما هي المشكلة إنك مش فاهم أنا بصراحة أتنين بستعجب فيهم إنتَ ونوح إنتَ لا تصلح تكون دكتور جامعي بكتلة الغباء إللي عندك، ونوح بالتخلف إللي عنده مينفعش يكون دكتور جراح.


رمقه بازدراء ونهض من مكانه بغيظ:

– أنا قايم بدل ما أتشل أنا غلطان إني قعدت معاك.


أشار أوس بيده بسخرية:

– بالسلامة يا حبيبي داهية تاخد الداهية.


توجه إلى نوح وإلياس ووقف برفقتهم وإلياس يُشير إلى رجال الأمان:

– عايزكم تأمنوا المكان يا رجالة مش عايزة نملة تعدي من تحت ايديكم سامعين؟!


رد قائد الحرس باحترام:

– أوامرك يا باشا أطمن كله هيبقى تمام.


توجه بنظراته إلى أوس، وعاد بنظراته إليه بنظرة ذات معنى:

– مش عايز إللي حصل في يوم كتب كتاب أوس يحصل تاني سامعين؟!


أجابه الرجال باحترام:

– أوامرك يا باشا بعد إذن حضرتك.


غادر الرجال وتساءل عمر باهتمام:

– إنتَ خايف من حاجة ولا إيه؟!


هز رأسه بنفي:

– لا زيادة اطمئنان.


نظر حوله بحيرة، وتدارك مستفهمًا:

– هو آصف فين مش ظاهر؟!


رد عمر بجدية:

– أخد البنات ووداهم عند خطيبته عشان لوحدها.


استدار إلى توأمه وجده يجلس بمفرده:

– طيب روح أقعد مع أوس سايبه لوحده ليه؟!


التوى شفتيه بضيق شديد:

– لسه مهزقني روح ليه إنتَ وأنا هكمل مع نوح بدالك.


ابتسم ساخرًا وأردف بنبرة متهكمة:

– أسيبك إنتَ ونوح تكملوا؟! لا والله عبيط أنا ولا إيه؟! روح يا شاطر روح أقعد أنا عايز الفرح يعدي على خير مش ناقصه هبل.


تحرك من أمامهم وتركهم يطالعون أثره بعدم تصديق، ضرب عمر كف بكف بضيق شديد:

– هو في إيه بالظبط؟! أنا بقيت ملطشة في البيت ده؟!


رمقه نوح بازدراء:

– يا سلام؟! ما هو بيقول ليّ أنا كمان معاك.


هتفت عمر بغيظ:

– ما هو ده العادي يا حبيبي إنتَ لا يعتمد عليك لكن أنا يقولي مبتفهمش؟!


تبسم نوح باتساع:

– أحسن تستاهل عشان شمتان فيّ أنا رايح أكلم رهف أشوفها هتوصل إمتى..


تركه ورحل هو الآخر بينما ظل واقفًا مكانه والنيرات تتأكل داخل قلبه وهو يحرك رأسه بهزيان:

– حسبي الله ونعم الوكيل فيكم. عيلة غم صحيح.

❈-❈-❈

انتهى اليوم بسرعة البرق وسط تجهيزات الجميع من أجل ليلة الزفاف وها قد انتهى الجميع من عملهم وخلدوا إلى النوم مبكرًا، مر الليل سريعًا وأشرقت شمس الصباح معلنة عن بداية يوم انتظره الجميع كثيرًا، استيقظ الجميع مبكرًا وتناولوا الافطار وبعدها نهض إلياس وغادر كي يحضر وتين وزوجة عمها، وذهب آصف لإحضار موچ، بينما توجه نوح لإحضار شقيقته الصغرى رهف من المطار فقد عادت أخيرًا من أجل حضور حفل الزفاف والاستقرار في مصر برفقة عائلتها.


مر الوقت سريعًا وعاد إلياس برفقة عروسه وزوجة عمها وصعدوا إلى الغرفة المخصصة لهم بعد أن حضرت متخصصة التجميل وكذلك حضرت موچ برفقة آصف وصعدت هي الأخرى إلى الغرفة المخصصة لها؛ وكذلك حضر نوح برفقة شقيقته رهف والتي استقبلها الجميع بحفاوة فها هي الحفيدة الغالية عادت إلى أرض الوطن بعد أن أنهت دراستها بالخارج وحان وقت عودتها إلى عائلتها. 

❈-❈-❈

توقف بسيارته أمام القصر وهبط من السيارة وتوجه إلى الداخل كي يكون برفقة رفاقه فهم لا يربطهم صلة القرابة فقط بل يربطهم رابط الأخوة والصداقة…


ركن سيارته جانبًا وتوجه إلى داخل القصر ولكن تصنم جسده وهو يراها تقف أمامه ظن أنه يتوهم لكنها تقف بالفعل أمامه، لا ينكر أنها اختلفت عن الماضي فقد ازدادت جمالًا وأناقة عن ذي قبل، لم يدري بنفسه سوى وقدميه تسوقه نحوها بلهفة وهو يقف أمامها مرددًا بعدم تصديق:

– رهف؟!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظرت إليه نظرة لم يستطع تفسيرها:

– أيوه يا دكتور أخبارك إيه؟!


رد بلهفة:

– بخير يا رهف طول ما إنتِ بخير حمد الله على السلامة رجعتي إمتى؟!


أجابت بهدوء:

– لسه راجعة من شوية.


رمقها بعتاب:

– وناوية تسافري تاني ولا خلاص؟!


ابتسمت ببرود وقالت:

– لا مش هسافر تاني خلاص رجعت لبلدي ولأهلي يا دكتور ومفيش حد يقدر يمنعني عنهم بعد إذنك.


تحركت بضع خطوات لكن أوقفها بصوته الحازم:

– أنا عارف إنك زعلانة مني بس مكنش ينفع يا رهف إنتِ كنتِ لسه صغيرة وأنا كنت لسه بكون نفسي مكنش ينفع ارتبط بيكِ وقتها أنا متخلتش عنك والله بس وقتها كان صعب.


ابتسمت رغمًا عنها ورددت:

– مش فاهمة بتتكلم على إيه؟! لو فاكر الكلام بتاع زمان فتنساه زي ما قلت يا دكتور أنا كنت وقتها عيلة ومش فاهمة حاجة بس خلاص أنا كبرت وبقيت أميز كويس أوي بين الحب إللي بجد وبين المراهقة.


تركته ودلفت إلى الداخل وسط صدمته، لا يصدق أنها هي نفسها رهف صديقة الطفولة وحبيبة المراهقة والصبا ، وقف لعدة لحظات مذهولاً في مكانه، عيناه تتابعان الباب الذي ولجت منه، وصدى صوتها المرتجف يتردد في أذنيه. كيف تحولت تلك الفتاة البريئة التي كانت تترك له رسائلها المكتوبة على قصاصات الورق داخل كتب المدرسة إلى امرأة واثقة، قوية، وتعرف تمامًا كيف تغلق الأبواب في وجه الماضي؟


فاق من شروده على صوت نوح الذي يقف جواره يناديه، استدار إليه بوجهه:

– ها بتقول إيه؟!


جعد جبينه بحيرة وتساءل:

– بقولك واقف كده ليه؟!


هز رأسه بخفة:

– أنا داخل أهو يلا بينا.


دلفوا سويًا وصعدوا إلى غرفة الشباب، وجدوا إلياس وآصف وعمر وأوس مجتمعين بالغرفة، جلسوا برفقتهم وقام نوح بتشغيل المهرجانات الشعبية وبدأ في الرقص وهو يحثهم على مجاراته لكن على ما يبدوا أن كل منهم شارد في ملكوته الخاص….

❈-❈-❈

في الجناح الخاص بموچ كانت تقف أمامها متخصصة التجميل وتقوم بوضع اللمسات النهائية على وجهها وغنى ونوران يجلسوا فوق الفراش يتابعوها بابتسامة.


نظرت غنى إلى نوران، وهتفت بصوت هامس:

– ممكن أعرف مالك؟!


أجابت بهمس مماثل:

– مالي ما أنا كويسة أهو.


ضيقت عينيها وهتفت بغيظ:

– بجد؟! إنتِ بتضحكي على نفسك ولا عليّ؟! إنتِ في حاجة مخبياها عني وأنا هعرفها يعني هعرفها.


نهضت نوران من مكانها، وهتفت بنبرة حادة:

– قلتلك مفيش وكفاية لغاية كده.


توجهت بخفة إلى موچ تطالعها بابتسامة:

– بسم الله ما شاء الله زي القمر يا موچ.


ارتسمت ابتسامة باهته على وجهها وردت:

– قمر؟! إنت إللي عيونك حلوة يا حبيبتي.


اقتربت منها غنى هي الأخرى، وهتفت بانبهار:

– بسم الله ما شاء الله بجد زي القمر فعلًا يا حبيبتي.


ابتعدت عنها متخصصة التجميل، وتحدثت بابتسامة:

– كده خلصنا يا عروسة تقدري تقومي تلبسي الفستان.


نهضت من مكانها بألية، ورددت بصوت منهك:

– حاضر.


توجهت إلى غرفة الملابس كي ترتدي فستان الزفاف، فاقتربت غنى من نوران، وهمست في أذنها بصوت خافت:

– تفتكري آصف عارف إن شعرها وقع؟! 


التفتت لها نوران بحدة، وهمست بصوت خافت:

– هو أكيد عارف إنها مريضة وهيتقبلها زي ما هي ولو مش عايزها يسيبها عشان إللي يستاهلها لكن كون إنه يكون واخدها تخليص حق أو شفقة فهو هيكون بيعذبها بجد كسر الخواطر مش هين.


تعجبت غنى من حدتها:

– ممكن تهدي طيب؟! أنا مقصدتش حاجة.


زفرت بضيق وقالت:

– أنا هنزل ألبس يا غنى بعد إذنك.


تحركت من أمامها دون أن تعطيها فرصة للرد من الأساس، ضربت غنى كف بكف بعدم تصديق:

– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم مالها دي؟!

❈-❈-❈

بينما في الجناح المخصص لوتين كانت تجلس أمام متخصصة التجميل وهي تضع لها اللمسات النهائية، وبالقرب منها تجلس زوجة عمها وهي تضع العديد من الماسكات على وجهها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وفي الشرفة وقفت رهف برفقة مرام وهما يتابعونها من الخارج.


ربتت مرام على ظهرها بحنان:

– أخبارك إيه يا رهف؟!


أجابت بابتسامة:

– الحمد لله يا حبيبتي المهم طمنيني أخبارك إنتِ وأوس إيه؟! تعرفي إنكم لايقين على بعض أوي؟!


ابتسمت بخجل:

– بجد؟!


هزت رأسها وهتفت مؤكدة:

– أيوه والله.


خفضت صوتها، وغمغمت مستفهمة:

– أخبار سيرين إيه؟ بتضايقك؟!


ردت باختصار:

– يعني ماشي الحال.


أغمضت رهف عينيها بحزن، وهتفت بحذر:

– بصراحة بقى أوس كان خسارة فيها وهي أصلًا مش بيملى عينها غير التراب أصلًا ويعتبر إنتِ عدوتها اللدودة كمان.


ابتسمت بخفة، وعقبت قائلة بنبرة ساخرة:

– طبيعي مش بالنسبة ليها أنا خطفت منها جوزها؟!


حركت رأسها نافية وهتفت بحسم:

– لا عشان خطفتي منها فريد واتجوزتيه…


بهت وجهها ورددت بعدم استيعاب:

– فريد؟!


عضت رهف على شفتيها بتوتر وقالت:

– أنا أنا مقلتش حاجة متخديش على كلامي.


تجاهلت مرام ما قالت، وهتفت بإصرار:

– رهف قولي إللي عندك قصدك إيه؟!


تنهدت بقلة حيلة وأجابت:

– بصي من الآخر كده سيرين كانت عايزة تتجوز فريد والمفروض إنه كان هيخطبها فعلًا بس فجأة غير رأيه واختارك إنتِ وقتها جدي عشان ميعملش مشاكل مع والد سيرين خطبها لأوس لأنه كان كلم والدها بالفعل عشان موضوع الخطوبة ومكنش ينفع يسحب كلمته يعني جوزها من أوس كان تدبيسة ليه لأنه ميقدرش يرفض أوامر جدو…


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيد القاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل