قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أحفاد إلياس)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي)|الفصل: (32)
الماضي ليس شخصًا يطاردنا، بل هو ظلُ خفيف نمشي معه إن شئت التفت إليه فاستجرنا بذكرياته، وإن شئت أدرت له ظهرك فامضيتَ قدمًا نحو غدٍ أرحب.
هو ليس سجنًا أُوصدت أبوابه، بل مدرسةٌ ألقَتْ دروسها ومضت؛ فمنه نأخذ العبرة لا الحسرة، وبه نبني الحاضر لا أن نهدمه. عِش يومك، فما ذهب قد ولى، وما أتى منك، ولك.
الماضي ليس إلا مرآة قديمة نلجأ إليها كلما أردنا أن نتأكد من ملامحنا الحقيقية من أين أتينا؟ وكيف غيرتنا الأيام؟
إنه ليس شبحًا يتربص بنا في عتمة الليالي؛ بل هو رصيد من التجارب، وحقيبة صغيرة نضع فيها عصارة ما تعلمنا، ثم نمضي خفافًا نحو النور.
فلا تنظر إلى الوراء طويلًا حتى لا تُعثر خطاك، ولا تنسَ تمامًا فتضل الطريق. اجعل من الماضي بوابتك للوعي، لا قفصًا لأحلامك، فالحياة تشرق كل صباح من جديد لتقول لك ما فات مات، وما هو آتٍ أجمل بل هو نغمة هادئة في مقطوعة العمر تارة تذكرنا بالأيام التي عشناها بكل ما فيها من دفء وشجن، وتارة تدفعنا لندرك كم كنا شجعانًا حين عبرنا تلك العواصف.
لا تخف من الالتفات إليه برفق، فهو ليس عدوك؛ بل هو صديق قديم علق على جدران روحك صورًا من أيامك الأولى، لتدرك قيمة اللحظة التي تعيشها الآن.
فكل صفحة طُويت لم تذهب هدرًا، وكل دمعة أو ابتسامة عبرت كانت حجرًا أقيمت عليه أركان صمتك الجميل، ووعيك النضج. اصنع من أيامك القادمة حكاية تليق بما مررت به.
❈-❈-❈
اجتمع من بالقصر على صراخ هالة وتم نقل أوس إلى المستشفى وفور وصوله دلف إلى غرفة الطوارئ وتم إجراء الإسعافات الأولية له.
وظلت والدته وأشقائه برفقته حتى أشرقت شمس الصباح وفاق من حالته تلك، وفور أن فتح عينيه وجد والدته وأشقائه جواره.
تساءلت هالة بلهفة:
– إنتَ كويس يا قلب أمك؟
رد بوهن:
– الحمد لله يا ماما هو إيه إللي حصل؟
أجابته باختصار:
– كان عندك ميكروب في معدتك يا حبيبي إنتَ أكلت حاجة بره؟!
صمت لثوانٍ وأجاب:
– أيوه.
رمقته والدته بعتاب:
– كده بردوا يا أوس؟! يا حبيبي إنتَ مش متعود على أكل الشارع.
ربت إلياس على كتف شقيقه بمرح:
– كده بردوا يا أس أس تخضنا عليك يا وحش، حمد الله على السلامة يا حبيبي.
تنهد بضعف وقال:
– الله يسلمك.
نظر حوله بترقب، وتدراك مستفهمًا:
– هي سيرين فين؟!
نظروا إلى بعضهم بتردد، وتحدث آصف مغيرًا مجرى الحوار:
– عيب عليك يعني إحنا مش مالين عينك يا واد بتسأل على حبيبة القلب؟!
تبسم ساخرًا ولم يعقب، وأغمض عينيه بحسرة فماذا كان يتوقع منها؟!
بعد مرور ساعتين أطمئن الطبيب عليه وسمح له بالخروج عاد إلى المنزل مستندًا على كتف شقيقه استقبله جده فور وصوله.
– حمد الله على السلامة يا حبيبي إنتَ كويس؟
رد بابتسامة:
– الحمد لله يا جدو.
تنهد براحة:
– طيب الحمد لله ساعده يطلع أوضته يا إلياس.
أومأ بايجاب:
– حاضر.
صعد إلى الدرج مستندًا على شقيقه أوصله إلى جناحه وتركه أمام الباب:
– محتاج حاجة؟!
هز رأسه بنفي:
– لا يا حبيبي سلامتك.
غادر إلياس تاركًا شقيقه أمام جناحه بمفرده، ظل أوس واقفًا أمامه لثوانٍ ثم فتح الباب ودلف إلى الداخل وجد زوجته المصون تقف أمام المرآة ومن هيئتها استنتج أنها تستعد إلى الخروج، أغلق الباب خلفه وخطى بخطوات متثاقلة وتهاوى بثقل جسده فوق الفراش.
تركت ملمع الشفاه من يدها والتفتت إليه متسائلة:
– رجعت؟! طلع عندك إيه؟!
نظر إليها نصف عين، وتبسم ساخرًا:
– يفرق معاك؟! إنتِ حتى مكلفتيش نفسك وجيتي المستشفى تطمني عليّ؟!
قلبت عينيها بملل وردت:
– أنا مليش في جو المستشفيات ده وأمك وأخواتك معاك هروح أنا أعمل إيه؟! يلا أنا خارجة عندي مشوار مهم.
أخذت متعلقاتها الشخصية وغادرت سريعًا دون أن تهتم بالاطمئنان على زوجها ولا حتى ظلت جواره حتى تعتني به.
أغمض عينيه بحزن ودون شعور منه هبطت دمعة شاردة من عينيه وردد:
– لله الأمر من قبل ومن بعد…..
عودة…
عاد من ذكرياته وعلى وجهه ابتسامة راحة:
– الحمد لله عوض ربنا حلو أوي.
❈-❈-❈
كان الجميع منشغل بتناول طعامه ووتين تجلس باستحياء شديد، ولكن إلياس لم يعطيها فرصة للاعتراض فكان يضع لها الطعام قصرًا داخل طبقها فكانت تأكل حتى لا تثير غضبه ويحدث ما لا يحمد عقباه الآن، انتهى الغداء وبدأ الجميع بالمغادرة، نهضت وتين من على طاولة الطعام وتمتمت بصوت خافت:
– سفرة دايمة.
ردت هالة بلباقة:
– تسلمي يا حبيبتي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفتت وتين إلى إلياس برجاء:
– الوقت أتأخر ينفع نرجع البيت؟!
أومأ بايجاب:
– حاضر بس لما طنط تخلص أكل.
نظرت إلى زوجة عمها بحنق شديد فكانت تأكل بشراسة كبيرة كما لو كانت تأكل في نهاية زادها.
زجرتها وتين بضيق:
– مش يلا يا مرات عمي.
طالعتها ببلاهة وتساءلت:
– يلا إيه؟!
تنهدت بنفاذ صبر:
– يلا عشان نروح بيتنا. الوقت اتأخر.
نهضت على مضض ورددت:
– حاضر.
توجهت بحدقتيها إلى هالة ورددت ببشاشة:
– تسلم ايدك يا ست أم إلياس نفسك في الأكل زي العسل.
ابتسمت بمجاملة:
– تسلمي.
❈-❈-❈
لاحظ عمر عدم وجود نوران برفقتهم على الغداء مما أثار تعجبه، توجه إلى شقيقته وتساءل باهتمام:
– هي نوران فين؟
مطت شفتيها بحيرة وقالت:
– في أوضتها مخرجتش منها طول النهار حتى رفضت تتغدى معانا.
قطب جبينه بحيرة:
– نعم؟ طيب ليه؟ هو في إيه بجد مش فاهم ؟! حد زعلها؟!
رفعت كتفيها باللامبالاة:
– مش عارفة بجد هي مش راضية تتكلم أنا طالعة أوضتي عايز حاجة؟
هزت رأسها نافية:
– لا يا حبيبتي سلامتك.
رحلت غنى من أمامه وظل واقفًا هو مكانه يحك جبينه بحيرة يفكر ماذا حدث لنوران أوصلها لذلك؟!
❈-❈-❈
في طريق العودة كان الأمر مختلف فقبل أن تتجه إلى المقعد الخلفي تفاجأت به يفتح لها باب السيارة الأمامي ويُشير لها أن تصعد، فرضخت إلى طلبه، وصعدت في المقعد الأمامي على مضض، بينما استقلت زوجة عمها في المقعد الخلفي، واستقل هو مقعد القيادة وبدأ في قيادة السيارة.
استدار إليها بوجهه، وتساءل باهتمام:
– في حاجة ناقصة؟!
هزت رأسها نافية:
– لا كله تمام.
تنهد بارتياح:
– تمام بصي في بنات هتيجي ليكي بكره البيت من البيوتي سنتر.
قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:
– هيجوا ليّ البيت ليه؟!
تحمحم باحراج وعقب قائلًا:
– في تجهيزات وماسكات لازم تعمليها قبل الفرح.
التفت إلى زوجة عمها بتحذير:
– ياريت بكره يبقى زوج حضرتك مش موجود بحيث تاخدوا راحتكم مع البنات.
اتسعت ابتسامتها بفرحة:
– حاضر يا باشا إنتَ تؤمر. بس يعني إنتَ عامل حسابي في الماسكات صح؟! أصل أنا عندي هلاك سوداء تحت عيني.
ابتسم رغمًا عنه:
– هلاك؟! هي هالات سوداء بس على العموم أطمني بكره البنات معاكم وهيعملوا كل إللي تطلبوه.
هتفت بفرحة:
– لولولولولولولولوي الله يباركلك يا باشا إنتَ باشا ابن باشا.
عاد بحدقتيه إلى وتين وتدراك مستفهمًا:
– مالك ساكتة ليه؟
رفعت كتفيها باللامبالاة:
– مفيش حاجة أقولها.
ابتسامة ساخرة ارتسمت فوق فمه وتمتم بنبرة متهكمة:
– ممممممم الوقتِ معندكيش حاجة تقولي في الوقت إللي أنا عايز أسمع فيه، لكن في الوقت إللي هتحبي تتكلمي فيه معتقدش إن أنا هبقى عايز أسمع فيه.
ارتعدت أوصالها من حديثه المبطن مما جعلها تبتلع ريقها بتوجس:
– قصدك إيه مش فاهمة؟!
أجابها بجمود:
– مش مهم تفهمي المهم تخليكِ فاكرة كلامي كويس.
ظلت تطالع بحيرة بينما أولى هو اهتمامه بالقيادة دون أن يعطيها بالًا فهو على يقين أنها مذبذبة الآن وتحاول فهم حديثه المبطن…
❈-❈-❈
تململ في جلسته في غرفته، ولم يدري بنفسه سوى وهو يخرج من غرفته، ويتجه إلى الأسفل هابطًا الدرج بخفة، وخطى بخطواته الواثقة تجاه الغرفة التي تقطن بها، ظل واقفًا أمام الغرفة بعض لحظات ثم حسم أمره وطرق باب الغرفة بخفة.
انتفضت هي أثر سماعها صوت الطرق على الباب، ارتدت اسدالها سريعًا وأحكمت حجابها، وتوجهت إلى باب الغرفة وفتحته بسرعة ظنًا منها أنها غنى أو أحد من الخدم، ليتصنم جسدها ما أن أبصرت هذا الواقف أمامها فتمسكت بالباب بقوة وتراجعت إلى الخلف بضعة خطوات وهي تتحاشى النظر إليه.
لاحظ هو إحمرار وجهها، وانتفاخ عينيها مما جعله يتساءل بقلق:
– إنتِ كويسة يا نوران مالك؟!
أخذت نفس عميق واستطردت قائلة:
– كويسة الحمد لله.
استنكر حديثها وتساءل باهتمام:
– كويسة إزاي إنتِ معيطة؟! في حد زعلك؟! فهميني في إيه وأنا هتصرف وهيجيبلك حقك إيه إللي حصل؟!
طالعته بنظرة لا يستطع تفسيرها، وابتسمت بمرارة واسترسلت:
– أنا بخير يا دكتور شكرًا على سؤالك .
تجاهل ما تقول وهتف بحدة:
– ما تبطلي الهبل ده يا بنتي وفهميني في إيه؟
تنهدت بيأس:
– مفيش حاجة يا دكتور وحتى لو فيه إنتَ آخر شخص ممكن ألجأ ليه بعد إذنك.
أنهت جملتها ودلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب في وجهه وسط صدمته من حديثها، ومن جراءتها تلك، مسح على وجهه عدة مرات وغادر سريعًا متوجهًا إلى غرفته مرة أخرى وداخل رأسه يدور العديد من الأسئلة التي لا يجد إجابة لها.
بينما على الطرف الآخر، استندت بظهرها على باب الغرفة وهي تجاهد ألا تنفجر باكية الآن، لكن لم تسعفها قديمها أكثر من ذلك وتهاوت على الأرض باكية وهي تدفن وجهها بين كفيها تحاول إخفاء صوت بكائها.
❈-❈-❈
توقفت السيارة أخيرًا أمام العقار وهبطت زوجة عمها سريعًا وهي تئن بتعب:
– أه يا أنا أه عضمي مكسر كتر خيرك يا باشا.
انتظر حتى تهبط وتين ولكن وجدها لا تزال على وضعها، قطب جبينه بحيرة:
– في إيه؟!
تساءلت بحذر:
– هو في حاجة إنتَ مخبيها عليّ؟!
تنهد بنفاذ صبر:
– أنا هخبي عليكِ إيه؟! إنتِ إللي مش مخبية حاجة؟!
تهربت من النظر إليه:
– مفيش حاجة هخبي إيه؟!
ابتسم بهدوء:
– طالما إنتِ مش مخبية حاجة أنا كمان مش مخبي حاجة أنزلي يلا يا وتين عشان ترتاحي يومك بكره طويل وبعده الفرح يلا يا عروسة.
نظرت إليه بتردد، وهبطت من السيارة:
– مع السلامة خد بالك من نفسك ولما توصل البيت طمني عليك.
– حاضر تصبحي على خير.
– وإنتَ من أهل الخير.
انتظرت حتى أطمئن من صعودها الدرج وبعدها أدار عجلة القيادة عائدًا إلى منزله…
❈-❈-❈
في قصر آزاد، كان يجلس في مكتبه يحتسي قهوته بتلذذ شديد، بينما بين يده ملف ورقي يطالعه باستمتاع شديد.
اقترب من حارسه أمير وتحدث بحرج:
– إيه رأيك يا باشا؟!
اتكأ بظهره إلى الخلف وهو يتابع مطالعة الملف باهتمام شديد:
– تمام بس مش هنبعته حاليًا.
قطب جبينه بحيرة وتساءل:
– مش فاهم يا آزاد باشا مش حضرتك كنت ناوي تبعته لإلياس يوم الفرح؟
أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه وتحدث بنبرة هادئة:
– كنت بفكر أهاديه بهدية تليق بيه بس غيرت رأي.
ابتلع الرجل ريقه بتوجس:
– إحم بس يا باشا هو حضرتك مش خايف على وتين؟! يعني هي تبقى في عرين الأسد.
قاطعه بحدة:
– مش هيعمل فيها حاجة.
تعجب الرجل وتساءل بعدم تصديق:
– إزاي مش هيعمل ليها حاجة؟!
أجاب ببساطة:
– لأنه بيحبها.
اتسعت مقلتيه مرددًا بعدم تصديق:
– بقى إلياس باشا حفيد إلياس المصري يقع في الحب؟! أنا فاكر إنه بيساعدها.
ابتسم ساخرًا، وأردف بنبرة ماكرة:
– عشان إنتَ غبي ومش فاهم حاجة.
حمحم بحرج، واستطرد قائلًا بحذر:
– طيب وأختها؟!
التفت إليه بعدم فهم:
– مالها؟!
تحدث بحرج:
– مش هتحضر فرح وتين؟!
انتفض من مكانه وردد بحسم:
– لا طبعًا.
أغلق الملف وقام بفتح الخزنة الخاصة به ووضع بها الملف:
– كده يبقى كل حاجة تمام.
انتبه إلى شيء وتحدث بنبرة ماكرة:
– حازم أخباره إيه؟!
رد بهدوء:
– تحت عنينا يا باشا أطمن.
أعتدل في جلسته وردد بفضول:
– آصف راح ليه تاني؟!
هز رأسه بنفي:
– لا.
مط شفتيه بحيرة وتمتم بهمس:
– غريبة مش طبع آصف إنه يسكت كده؟! والأغرب أنه هيتجوز موچ بعد إللي عملته فيه؟
رفع كتفيه باللامبالاة وردد:
– هيعمل إيه يعني يا باشا؟! موچ بين الحياة والموت ويمكن ده إللي أنقذها.
مط شفتيه بعدم رضا:
– لا أنا واثق إن هدوئه هدوء ما قبل العاصفة وهيبقى ليه رد فعل قوي أوي كمان.
❈-❈-❈
ينأى عن الجميع ويجلس في غرفته وسط الظلام لا يصدق أن بعد يومين ستكون موچ زوجته وملك يمينه، لا يصدق أن بعد كل ما حدث اجتمعوا من جديد لو كان في وقت سابق كان سيكون أسعد رجل في العالم ولكن الآن لا يشعر بتلك السعادة فكيف سيشعر بالسعادة بعد أن كسرة قلبه في الماضي، لكن على الرغم من ذلك لا تزال تستوطن قلبه.
أغمض عينيه يتذكر ما حدث منذ عامين….
فلاش باك…
لا يزال يتذكر كيف تعرف عليها في البداية بالمصادفة، حينما كان يذهب لمقابلة أصدقائه وقتها صدمت سيارتها بسيارته فلم تكن تجيد القيادة بعد، هبط من السيارة وهو ينوي تعنيف من فعل ذلك وجعله عبرة، ولكن ما إن هبطت من السيارة بهيئتها الملائكية مرتدية درس أبيض به فراشات صغيرة من اللون البينك وحجاب بسيط من اللون البينك، كانت ترتعش بخوف شديد وتقترب منه وتردد بلهفة:
– أنا آسفة والله أنا مقصدتش أنا هدفع ليك حق تصلحيها بس أرجوك بلاش تكبر الموضوع بابا لو عرف هيمعني من السواقة و….
قاطعها بابتسامة:
– بس بس أهدي محصلش حاجة لكل ده حصل خير.
طالعته بأمل:
– بجد؟!
ابتسم بهدوء وقال:
– بجد يا ستي.
هتفت بحماس:
– وأنا هدفع ليك حق تصلحها كله كله.
رمقها بعتاب وقال:
– لا كده هزعل منك بجد عيب عليكِ مش آصف إلياس المصري إللي يقبل عوض من حد ما بالك لو واحدة بنت؟!
ابتسمت بامتنان:
– متشكرة جدًا لحضرتك.
رد بلباقة:
– العفو أنا آصف رائد في القوات المسلحة.
هتفت بحماس:
– بجد؟! إنتَ ظبوطة؟! بتلبس بقى لبس الجيش وتشيل مسدس؟!
أتسعت عينيه وغمغم بنبرة ساخرة:
– ظبوطة ضاعت الهيبة الصراحة أيوه يا ستي ظبوطة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
عبث وجهها بضيق:
– طيب مش لابس لبس ميري ليه عشان نتصور سيلفي؟!
رفع حاجبه مستنكرًا وردد:
– المرة الجاية إن شاء الله.
قفزت بمرح وقالت:
– بجد؟!
ابتسم رغمًا عنه:
– بجد إنتِ بتيجي هنا دايمًا؟!
هزت رأسها بايجاب:
– أه أنا عضوة هنا.
تساءل باهتمام:
– أنا معرفتش اسمك إيه؟!
نظرت إليه بتردد وقالت:
– موچ نورالدين الشريف.
ردد الاسم وتساءل باهتمام:
– إنتِ بنت اللواء نور الدين الشريف؟!
تراجعت إلى الخلف بحذر:
– أيوه إنتَ تعرفه؟؟
أومأ بايجاب:
– أكيد طبعًا.
جحظت عيناها بصدمة:
– نهار أسوح أوعى تروح تقوله إني خبط عربيتك بالله عليك يا شيخ.
انفجر ضاحكًا وغمغم بمكر:
– أطمني يا ستي مش هقول بس على شرط.
نظرت إليه بحيرة وتساءلت:
– شرط إيه؟!
ابتسم بمرح وردد:
– تقبلي عزومتي على حاجة نشربها هنا في النادي وقبل ما تعترضي إحنا في مكان عام على فكرة ووسط ناس.
هزت رأسها نافية:
– لا آسفة مش هينفع بجد مش عشان خايفة من كلام الناس بس عشان حرام ومينفعش بعد إذنك لازم أمشي.
تركته واستقلت سيارتها وغادرت بينما ظل هو يتابع أثرها وأستقل سيارته وذهب من أجل مقابلة أصدقائه حازم و ماجد ورؤف أصدقاء السوء كما تلقبهم والدته الحبيبة فهي لا ترضى عن علاقته بهم، جلس برفقتهم وهو شارد الذهن.
مما جعل أصدقائه يتعجبوا وتساءل حازم باهتمام:
– مالك يا صاحبي سرحان في إيه؟!
أجاب بشرود:
– في القمر.
نظر أصدقائه إلى بعض بحيرة:
– قمر؟ أنا مش فاهم حاجة؟!
– ولا أنا.
أعتدل في جلسته وهتف بحماس:
– هقولكم.
سرد لهم كل شيء وهما ينصتوا إليه باهتمام شديد، وفور أن انتهى سقف حازم بمرح:
– هايل شكلك وقعت يا باشا.
رمقه بحيرة:
– تفتكر؟!
أومأ بايجاب:
– افتكر جداااااااا.
مرت الأيام بسرعة وموچ لا تفارق ذهنه حتى انتهت إجازته وعاد إلى عمله مرة أخرى استمر في عمله شهر كامل وعاد بعدها إلى المنزل لقضاء إجازته وكان أول شيء يفعله هو الذهاب إلى النادي من أجل لقائها لكن دون فائدة فلم يراها مرة أخرى استمر الوضع شهرين أخرين حتى جاء اليوم الموعود في أحد الأيام أثناء اجازته طلب منه شقيقه إلياس أن يحضر برفقته حفل زفاف رفيقه رفض في البداية ولكن مع إصراره ذهب.
كان يقف جانبًا برفقة شقيقه وأصدقاء ليتفاجئ بها تقف جوار العروس اتسعت ابتسامته بلهفة وظل يراقبها حتى وجدها تبتعد عن العروس ركض تجاهها بلهفة وهو يناديها:
– آنسة موچ.
وقفت مكانها واستدرات خلفها وجدته تراجعت إلى الخلف بصدمة:
– إنتَ بتعمل إيه؟!
وضع يده في جيبه وأجاب بمرح:
– أهدي مالك بس؟! أنا معزوم يا ستي العريس صاحب أخويا إنتِ بقى بتعملي إيه هنا؟!
تنهدت بارتياح:
– أنا بنت خالة العروسة.
أومأ بتفهم:
– طيب خوفتي ليه لما شوفتيني؟! وبعدين ليه مش بشوفك في النادي؟!
عضت شفتيها بخجل وقالت:
– بصراحة بقالي كتير مروحتش النادي من وقت إللي حصل كنت خايفة تقول لبابا وهو يمنعني من سواقة العربية هو واقف بالعافية أصلًا.
رمقها بعتاب:
– هو مش أنا قلت ليكي مش هقول حاجة؟! عيب عليكِ أنا راجل وكلمتي واحدة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نظرت في الأرض بخجل:
– أنا آسفة متزعلش بجد بس بابا بيخاف عليا أوي ولو عرف الموضوع مكنش هيعدي.
أومأ بتفهم:
– ماشي يا ستي أنا عايزك تطمني وتروحي النادي براحتك خالص الموضوع خلص.
تنهدت براحة:
– شكرًا لحضرتك بعد إذنك.
غادرت من أمامه وهو يطالها بابتسامة بلهاء لم يفيق سوا على صوت شقيقه الذي يطالعه عن بُعد:
– الباشا وقع ولا حد سمى عليه؟!
انتفض في مكانه وردد:
– حرام عليك خضتني يا شيخ.
تبسم شقيقه بمرح:
– اتخضيتي يا بيضة حقك عليّ.
وضع يده على كتفه وتساءل باهتمام:
– مين دي بقى؟! وإيه الحكاية؟!
نظر إلى شقيقه الأكبر بتردد وسرد له كل شيء، انتظر إلياس حتى انتهى من حديثه وقال:
– لو عجباك يبقى تتقدم ليها وتدخل البيت من بابه يا حبيبي بنات الناس مش لعبة إحنا عندنا بنات غير إن دي مش أي واحدة دي والدها راجل محترم ومش بيقبل بالغلط.
أخذ نفس عميق وقال:
– أتأكد بس إنها بتبادلني نفس المشاعر وقتها هتقدم ليها….
مرت الأيام سريعًا وآصف يرى موچ دائمًا عندما يذهب إلى النادي كان يراقبها من بعيد ويتبادل معها الابتسامات حتى تشجع في يوم واقترب منها حينما وجدها تقف بمفردها تتحدث بالهاتف انهت المكالمة والتفتت إليه بابتسامة:
– أزيك يا ظبوطة عامل إيه؟!
ابتسم ساخرًا:
– بردوا ظبوطة؟! ماشي يا ستي أنا كويس الحمد لله أخبارك إنتِ إيه؟!
أجابت بهدوء:
– الحمد لله.
نظر إليها بتردد وقال:
– موچ أنا معجب بيكي وعايز أتقدم ليكي.
أتسعت عينيها بصدمة:
– ها.
– ها إيه بقولك عايز اتجوزك.
أحمرت وجنتيها بخجل ونظرت أرضًا فاسترسل هو حديثه بجدية:
– أنا بحبك يا موچ مش عارف حبيتك إمتى ولا إزاي كل إللي أعرفه إني حابب أكمل حياتي معاكِ.
ظلت على صمتها فردد هو حديثه بجدية:
– اتكلمي يا موچ؟! موافقة تتجوزيني؟
نظرت إليه بخجل وهتفت بتوتر:
– لما تطلبني من بابا الأول وقتها أقولك رأي.
ركضت من أمامه سريعًا في لمح البصر وفرحته لا توصف عاد إلى القصر وأخبر عائلته برغبته في الزواج منها وقابل الجميع الأمر بترحاب شديد.
❈-❈-❈
ذهبوا بالفعل إلى منزل اللواء نور الدين وتمت الخطبة وسط فرحة العائلتين واتفقوا أن موعد الزفاف سيكون بعد انتهائها من السنة الدراسية الأخيرة في الجامعة…
كانوا على إتصال متواصل باستمرار أثناء وجوده في عمله وعندما يعود يتقابلوا في النادي بعلم من والدها او يذهب إلى منزلهم في زيارة عائلية…وكانت العلاقة بينهم طيبة للغاية حتى بدأ كل شيء يتغير دون أن يفهم السبب، موچ أصبحت تتجاهل مكالماته ووتهرب من رؤيته حتى بات يشعر أن هناك خطب ما.
قرر أن يواجهها فور عودته من عمله ليعرف سبب ذلك الجفاء المفاجئ وتغيرها المريب تجاهه. ها قد جاء اليوم الموعود؛ وعاد إلى القصر وجد والدته تجلس في انتظاره ويظهر على معالم وجهها الحزن الشديد.
اقترب منها بلهفة وتساءل:
– خير يا أمي في إيه؟!
نظرت إليه بتردد وقالت:
– اللواء نورالدين جه هنا بعد ما إنتَ سافرت.
قطب جبينه بحيرة:
– خير في إيه؟! في حاجة حصلت أنا بحاول أوصل لموچ لكن مش بترد عليّ؟!
نظرت إليه بتردد:
– موچ فسخت الخطوبة ووالدها جه جاب الشبكة واعتذر من جدك قال إن دي رغبة موچ مش حابة تكمل معاك، وجدك رفض نبلغك إلا لما ترجع.
ضغط على يديه بقوة:
– يعني إيه؟! إيه إللي حصل أنا مش فاهم حاجة؟! أنا رايح ليهم.
تحرك سريعًا وتوجه إلى بيتها وطلب مقابلتها لكن لم يجدها ولم يجد والدها علم أنها بالنادي في الوقت الحالي ذهب إليها مباشرة وجدها تجلس برفقة صديقتها انتفضت من مكانها وما أن رأته وانسحبت صديقتها بتوتر شديد.
وقف أمامها وتساءل بلهفة:
– إيه إللي حصل يا موچ إنتِ زعلانة مني في حاجة؟!
كتفت ذراعيها فوق صدرها وردت بجمود:
– لا.
ضيق عينيه وغمغم معاتبًا:
– طيب إيه إللي حصل يوصلك لفسخ الخطوبة موچ إحنا بنحب بعض وكلها كام شهر وتتجوز.
ابتسمت ساخرة وقالت:
– أنا عمري قلت ليك إني بحبك؟!
نظر إليها بحيرة:
– لا بس…
قاطعته بحدة:
– مفيش بس إنتَ بتحبني بس أنا لا.
هز رأسه وردد بانفعال:
– طالما مش بتحبيني اتخطبتي ليّ ليه؟!
ردت ببرود:
– عادي واحد أتقدم ليّ ووافقت إيه المشكلة ولما حسيت إننا مش هننفع مع بعض فسخة الخطوبة معلمتش حاجة غلط ولا حرام بعد إذنك.
تركته ورحلت وسط صدمته لا يصدق ما أستمع إليه حتى الآن هو أحبها بصدق لم يحب غيرها في حياته، مرت الأيام وهو يحاول أن يحادثها مرة أخرى ويتحدث مع والدها دون فائدة على الرغم من حزن والدها على فسخ الخطبة لكن ما باليد حيلة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انتهت اجازته وعاد إلى عمله مرة أخرى وقرر عند عودته الاجازة القادمة أن يحاول محاولة أخيرة، مر شهر كامل وجاء موعد الإجازة الخاص به ولكن عند عودته أتت إليه دعوة خطبة حازم رفيقه له ولعائلته والذي أكد على حضوره قرر الذهاب برفقة شقيقه إلياس ذهبوا لحضور حفل الخطبة في إحدى الفنادق الكبيرة دون أن يعلم هوية العروس دلف إلى القاعة برفقة عائلته وجد رفيقه يجلس في المكان المخصص للعروسين كان سيتحرك ويذهب إليه ولكن تصنم جسده وهو يرى أن عروس رفيقه ليست سوى حبيبته وخطيبته السابقة موچ انتفض قلبه بين ضلوعه، وتحرك تجاههم كالمغيب ووقف أمامهم وهو يحرك رأسه بهزيان وقف أمامهم وهو يردد بصدمة:
– حازم وموچ؟؟ طيب إزاي؟!
نظر إلى موچ بصدمة:
– طيب ليه؟! أنا حبيتك بجد؟!
ردت بجمود:
– وأنا مش بحبك وعمري ما قلت ليك بحبك يعني أنا ماخدعتكش.
حرك رأسه بهزيان:
– لا لا أنا أكيد بحلم ؟! إنتوا عرفتوا بعض أصلًا إمتى ولا إزاي؟!
تحاشت موچ النظر إليه بينما تحدث حازم بثقة:
– هو إيه إللي إزاي؟! مستغرب مش كده؟! إزاي واحدة تسيب آصف باشا ابن الحسب والنسب وتبص لحازم؟
نهض من مكانه واقترب من آصف وهمس في أذنه بفحيح:
– عرفت أكسرك صح يا آصف؟! فاكر سلمى يا آصف فاكرها أخت أحمد صاحبنا بتاع ثانوي إللي كنت بحبها وروحت أطلب إيدها رفضتني عشانك عشان بتحبك إنتَ وكسرت قلبي بس أنا أخدت بتاري منك وكسرت قلبك زي ما كسرت قلبي، طلعت صايع ولعبتها صح؟! أبقي روح عيط لجدو وأخواتك يلحقوك زي ما بتعمل كل مرة.
أبتعد عنه وجلس على المقعد، واضعًا ساق فوق ساق وردد بثقة:
– أقعد استريح يا آصف باشا وأشرب حاجة تبل ريقك.
كل ما حدث كان على مرأى ومسمع شقيقه اليأس الذي حضر برفقته، اقترب منه بحذر يحثه على التحرك ولكن ما أن تحرك بضع خطوات حتى سقط على الأرض جثةً هامدةً .
لم يدري بنفسه سوى وهو في غرفة المستشفى والعديد من الأسلاك موصلة بوريده، ووالدته تجلس برفقته ودموعها تنهمر بغزارة وإلى جوارها يقف أشقائه.
تساءل بضعف وهو يجاهد أن يفتح عينيه:
– أنا فين وإيه إللي حصل أنا بحلم صح؟! هو ده كابوس؟!
تحدث إلياس بجدية:
– إنتَ في المستشفى ضغطك كان عالي يا آصف كنت داخل على جلطة مع الأسف.
ربتت والدته على كتفه بحنان:
– أنساها يا حبيبي أنساها هي متستاهلش ضفرك…
أغمض عينيه وهو عازم على شيء واحد أن تخرج من قلبه للأبد… خرج من المستشفى بعد أن أستقرت حالته وبعدها عاد إلى عمله من جديد وقرر دفنها إلى الأبد فهي أصبحت ماضي بالنسبة له كما أبتعد عن أصدقائه وأولى اهتمامه بعائلته وعمله فقط، لم يكن يعلم أن الماضي سيعود من جديد ويفتح أبوابه على مصراعيه….
عودة….
عاد من ذكرياته وهو يمسح دموعه بيديه بحدة كما لو كان يعاقب حاله على بكائه عليها، كل ما يعلمه أنه مختل فكيف يحبها بعد كل هذا؟؟ وكيف يسامحها والأدهى يربط اسمه باسمها كل ما يعلمه أنه يريدها وبشدة…
❈-❈-❈
لم يختلف الوضع كثيرًا لديها فكانت تجلس بغرفتها تضم ساقيها إلى صدرها ودموعها تنساب فوق وجنتيها، استمعت إلى طرقات خافتة على باب الغرفة يتبعها فتح باب الغرفة ودلوف والدها الذي ما أن رآها تبكي ركض تجاهها بلهفة وهو يتلقفها بين أحضانه:
– مالك يا حبيبتي في إيه فهميني بتعيطي ليه مش عايزة تتجوزي آصف؟! آصف بيحبك يا بنتي لو مكنش بيحبك مكنش فكر يرجع ليكي بعد ما سبتيه واتخطبتي لغيره وأنا لغاية الوقتِ مش فاهم إنتِ ليه فسختي الخطوبة منه؟!
ابتعد عنها واسترسل بحدة:
– لو فاكرة إني مصدق إنك مش بتحبي آصف تبقي غبية أنا واثق إنك بتحبيه لكن لما طلبتي تفسخي الخطوبة مقدرتش أقف قدامك قلت يمكن يومين وتهدى وترجعوا لبعض حتى لما الواد الملزق إللي إسمه حازم أتقدم ليكي أنا كنت رافضه مش ده اللي استأمنه على بنتي لكن أصريتي عليه ووافقت أكتشف بعدها بقى أنه كمان كان صاحب آصف؟! ومن أول يوم اتخطبتي ليه وأنا واخد بالي إنك مش مبسوطة ومع ذلك كملتي في الخطوبة.
أغمض عينيه بحسرة واسترسل بمرارة:
– لغاية ما هو فسخ الخطوبة وقت ما عرف إنك مريضة كانسر وسابك يمكن لو كان وقف جنبك كان علي في نظري وإنتِ أصريتي تروحي مستشفى وتسبيني، وسيبتك على راحتك لما آصف جه يتقدم ليكي تاني أنا مكنتش مصدق كنت طاير من الفرحة وحمدت ربنا أنه نسي إللي فات هو بيحبك وهيصونك يا بنتي العمر مبقاش فيه قد إللي راح وأنا مش هلاقي ليكي شخص يقدرك ويحميكي زيه صارحيني يا حبيبتي مالك؟! خايفة من إيه؟!
أغمضت عينيها بحزن، وتمتمت بصوت خافت:
– مش هقدر أتكلم يا بابا صدقني مش هقدر أتكلم أنا أه بحب آصف عشان بحبه بتمنى ليه السعادة بس مش معايا أنا آصف أتأذى وأتوجع بسببي أنا كسرته ودبحته بسكينة باردة يا بابا يوم ما سيبته واتخطبت لصاحبه، وبعدين هو ذنبه إيه يقضي باقي عمره مع واحدة مكتوب عليها بالموت؟!
ربت والدها على ظهرها بحنان:
– محدش ضامن عمره يا بنتي ومحدش عارف مين هيموت قبل مين مش شرط عشان واحد مريض إنه كده هيموت؟! بل بالعكس ممكن شخص سليم هو إللي يموت والمريض إللي يفضل عايش الأعمار بيد الله، وآصف هو إللي اختار محدش غصبه على كده بلاش تحملي نفسك أكتر من طاقتك قومي يا حبيبتي قومي أغسلي وشك كده وفوقي وأفرحي يا موج إنتِ عروسة وست العرايس كمان…
ارتمت في أحضان والدها الذي ضمها بحب وقبل رأسها:
– ربنا يبارك فيكي ويعوضك خير يارب العالمين.
نظرت إليه بتردد:
– تفتكر آصف سامحني يا بابا؟!
أغمضت عينيها بتحسر وتمتمت بصوت مبحوح:
– المرض ده جالي عقاب من ربنا يا بابا على إللي عملته فيه.
استنكر حديثها وهتف بحدة:
– عقاب؟! المرض عمره ما كان عقاب ده إبتلاء من ربنا لعباده يا بنتي بيختبر به صبرهم قومي يا حبيبتي استهدي بالله واتوضي وصلي وشيلي أي حاجة من دماغك آصف راجل مش هو إللي يذل واحدة ست ولا يشمت فيها…
❈-❈-❈
فتحت مرام باب الجناح ودلفت إلى الغرفة بخفة وهي تحمل كأس الحليب الدافئ لأوس تفاجأت به يتحامل على نفسه ويحاول أن ينهض، وضعت كأس الحليب فوق الكومود وركضت تجاهه بلهفة وهي تسانده:
– رايح فين بس ارتاح.
ضغط على نفسه وتحدث بوهن:
– أنا كويس متقلقيش.
نهض من فوق الفراش مستندًا بثقل جسده فوقها حتى استطاع أن يقف بصعوبة بالغة، نظرت إليه بقلق:
– إنتَ كويس؟!
أومأ بايجاب:
– الحمد لله.
– طيب إنتَ رايح فين؟!
نظر إليها بتردد ثم حسم أمره وقال:
– أنا رايح عند سيرين.
جعدت جبينها بحيرة:
– ليه؟ تحب أناديها ليك؟!
حرك رأسه بنفي:
– لا أنا هروح ليها.
حاولت مساندته لكن أبعدها بلطف:
– خليكِ إنتِ.
تراجعت للخلف بصمت تام، وتحامل هو على نفسه وتحرك بخطوات متثاقلة متوجهًا إلى الخارج وهي تتابعه بنظرات حزينة، خرج من الجناح وأغلق الباب خلفه وجلست هي فوق الفراش.
❈-❈-❈
وقف أمام الجناح الخاص بسيرين وطرق على الباب عدة طرقات وانتظر حتى تسمح بالدخول، فتحت الباب بضيق شديد وهي تنوي توبيخ من عكر صفوها وقطع عزلتها مع نفسها، ولكنها تفاجأت بآخر شخص تود رؤيته الآن تراجعت إلى الخلف بضع خطوات وتساءلت بحذر:
– أوس؟!
تخطاها ودلف إلى داخل الجناح وجلس على أول مقعد قابله كل ذلك وهي تتابعه بنظراتها المتعجبة.
تبسم ساخرًا وأردف:
– إيه مالك؟! مصدومة كده ليه؟! مكنتيش عايزة تشوفيني ولا إيه؟!
ابتلعت ريقها بتوجس وردت:
– لا عايزة أشوفك أكيد عامل إيه النهاردة؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أجابها بعدم إكتراث:
– الحمد لله.
ظل يطالعها من أعلى إلى أسفل عدة مرات يحاول ثبر أغوارها وداخله يتمنى أن يكون حدسه كاذبًا.
تململت هي في وقفتها:
– خير يا أوس إنتَ عايز تقول حاجة؟!
نظر في عينيها مباشرةً وتساءل بنبرة حادة لا تقبل النقاش:
– هو سؤال واحد وبس وعايز أسمع منك إجابته بصراحة وخليكي عارفة إن دي آخر فرصة ليكي معايا وافتكري إني جيت لحد عندك أسألك.
أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه، واسترسل حديثه بجدية:
– إنتِ ليكي دخل باللي حصل ليّ يوم كتب الكتاب؟!
لم يخفي عليه شحوب وجهها ولا انتفاضة جسدها لكن ظل ينتظر ردها:
– إنتَ بتقول إيه يا أوس؟! أنا أعمل كده في جوزي أبو ابني؟! إزاي تفكر فيّ كده؟!
نهض من مكانه وتحدث بهدوء:
– يمكن كنتِ حابة تبوظي كتب الكتاب مش قصدك تأذيني على العموم يا سيرين تمام هصدقك عشان إنتِ أم ابني وده إللي يشفع ليكي عندي بعد إذنك.
تحرك بضع خطوات كي يغادر لكن وقف مرة أخرى وتحدث بجمود:
– أنا عارف كويس أوي إنك عمرك ما حبتيني يا سيرين، وعارف إنك خلفتي زين غصب عنك أنا مش ناسي حبوب منع الحمل إللي كنتِ بتاخديها وجودك معايا عشان تضمني لنفسك إسم وفلوس ومكانة وأنا هقدم ليكي عرض فكري فيه كويس أوي حابة تطلقي أنا هوفر ليكي كل حاجة إنتِ عايزاها وهتعيشي حياة مستقلة، عايزك تختاري براحتك عايزة تعملي إيه وتقدري تتجوزي إللي تختاريه مش المفروض عليكي من حقك تعيشي حياتك يمكن أنا وإنتِ حياتنا مكنتش أحسن حاجة لأن من أول يوم اتجوزنا فيه وإنتِ شايفة إني واقع اتفرض عليكِ يمكن لو اتجوزتي إللي إنت تختاريه بارادتك حياتك كانت هتبقى أفضل هتحبي نفسك وجوزك وابنك مش هيبقوا بالنسبة ليكي تحصيل حاصل فكري براحتك وتأكدي أي قرار هتاخديه هدعمك فيه وأنا إللي هقف قصاد والدك بعد إذنك.
أنهى حديثه وغادر الجناح بأكمله، بينما تابعت هي أثره وكلماته لا تزال تتردد على مسامعها.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيد القاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية

تحفه تسلم ايدك
تحفه تسلم ايدك