قراءة رواية (ظل أبيض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (ظل أبيض)
"حينما تكون للروح كلمة مسموعة"
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (نور إسماعيل) | الفصل: (9)
وربما تكون الصدمة الأعظم أن يكتشف الإنسان أنه كان قادرًا على إنقاذ أشياء كثيرة لو أنه عرف الحقيقة في وقتها. لو أنه أصغى حين كان ينبغي له أن يصغي، وسأل حين كان الصمت يفتح أبواب الشك، وتأنَّى حين دفعه الغضب إلى اتخاذ قراراتٍ متعجِّلة، ومدَّ يده حين كان الطرف الآخر ينتظر منه إشارةً واحدة تثبت أنه لم يكن وحيدًا. كم من علاقةٍ انتهت بسبب سوء فهم، وكم من قلبٍ انكسر لأن صاحبه عجز عن التعبير، وكم من فرصةٍ ضاعت لأن الحقيقة تأخَّرت قليلًا عن موعدها!
وهنا، تصبح المعرفة نفسها نوعًا من العذاب؛ فما قيمة أن تعرف الحقيقة بعدما يفوت أوان إصلاحها؟ وما جدوى أن تفهم دوافع الآخرين بعدما تنقطع الطرق بينك وبينهم؟ وما نفع أن تدرك أنك أخطأت في حق إنسانٍ لم يعد قادرًا على سماع اعتذارك، أو أن تعرف أنك ظلمت قلبًا لم يعد ينتظر منك إنصافًا، أو أن تكتشف أنك أحببت شخصًا على نحوٍ لم تفهمه إلا بعدما أصبحت المسافة بينكما أبعد من أن يقطعها الكلام؟
إنَّ الندم شعورٌ ثقيل، لكنه يصبح أشدَّ وطأةً حين يُحاصر الإنسان داخل عجزه. حين تتزاحم الكلمات في صدره، فلا تجد طريقًا إلى شفتيه، وحين يشتعل قلبه بالرغبة في تصحيح خطأٍ واحد، فلا تمتدُّ يده إلى شيء. يريد أن يصرخ، أن يحذِّر، أن يعتذر، أن يوقف ما يحدث، أن يعود إلى لحظةٍ بعينها ويختار طريقًا آخر، لكنه لا يملك من أمره شيئًا. يصبح شاهدًا على حكايته، بعدما كان يظن نفسه بطلها الذي يوجِّه أحداثها كيف يشاء.
ولعلَّ هذا هو الامتحان الأصعب للروح؛ أن تعرف ولا تستطيع أن تفعل، وأن ترى ولا تستطيع أن تشير، وأن تفهم ما يجري بينما يستمرُّ العالم في الدوران دون أن ينتبه إلى وجودك. أن تكون حاضرًا في مكانٍ لا يستطيع أحدٌ أن يراك فيه على حقيقتك، وأن تحمل من الأسرار ما قد يغيِّر مصائر الآخرين، لكنك لا تملك وسيلةً لإيصالها إليهم.
ومع ذلك، تظلُّ هناك نافذةٌ صغيرة يتعلَّق بها الأمل؛ نافذة العودة.
العودة إلى الجسد، إلى الحياة، إلى الأصوات التي افتقدتها الروح، وإلى الوجوه التي تركتها خلفها دون وداع. العودة إلى العالم الذي لم تنتهِ حكايته بعد، وإلى الأيام التي ربما لا تزال تخبِّئ فرصةً أخيرة للتصحيح. فماذا لو عادت الروح بعدما عرفت كل شيء؟ ماذا لو فتحت العينان من جديد، واستعادت اليدان قدرتهما على الحركة، وعاد الصوت إلى الحنجرة، وعاد الإنسان إلى الحياة محمَّلًا بأسرارٍ لم يكن يعرفها من قبل؟
هل ستكون العودة بدايةً جديدة، أم أنها ستأتي متأخرةً إلى حدٍّ لا ينفع معه الندم؟ هل يستطيع أن يكشف الحقائق التي ظلَّت مدفونةً تحت ركام الأكاذيب؟ هل سيتمكَّن من مواجهة الذين خدعوه، وإنصاف الذين ظلمهم، واحتضان الذين فرَّط فيهم، وإصلاح ما أفسدته قراراته حين كان يسير معصوب العينين؟ أم أنه سيعود ليجد أن الحياة لم تنتظره، وأن الأبواب التي كان يستطيع فتحها قد أُغلقت إلى الأبد، وأن الأشخاص الذين كان يبحث عنهم قد غادروا أماكنهم، وربما غادروا حياته دون رجعة؟
ماذا لو عاد ليكتشف أن الحقيقة التي عانى كي يعرفها لم تعد قادرةً على تغيير شيء؟ وأن الاعتذار الذي ظلَّ يتمنَّى تقديمه لن يجد أذنًا تسمعه، وأن الكلمات التي ادَّخرها في قلبه لن تجد من يستحقُّ أن يسمعها، وأن اليد التي اشتاقت إلى الإمساك بيدٍ أخرى لن تجد سوى الفراغ؟ أيُّ وجعٍ يمكن أن يفوق أن تُمنح فرصة العودة، ثم تكتشف أن ما عدت من أجله لم يعد موجودًا؟
لكن، في المقابل، ماذا لو كانت العودة هي الفرصة التي لم يكن يحلم بها؟ ماذا لو عاد وفي يده من المعرفة ما يكفي لتغيير مسار الحكاية، وفي قلبه من الندم ما يجعله أكثر رحمةً، وفي روحه من النضج ما يمكِّنه من رؤية الناس بعيدًا عن ظواهرهم؟ ماذا لو أدرك أن الحياة لا تمنحنا دائمًا فرصةً لمحو أخطائنا، لكنها قد تمنحنا فرصةً لنصبح أشخاصًا أفضل، وأن بعض الحقائق لا تأتي لتعيد الماضي، بل لتمنعنا من تكرار مآسيه؟
فربما لا تكون العودة نهاية الرحلة، بل بدايتها الحقيقية. وربما يكون انكشاف الأسرار هو أول الطريق نحو النجاة، مهما كان الثمن الذي دُفع في سبيل المعرفة. وربما يتعلَّم الإنسان أخيرًا ألَّا يؤجِّل كلمة حبٍّ يستطيع قولها اليوم، وألَّا يترك سوء الظنِّ يهدم ما بناه العمر، وألَّا يستهين بوجع الآخرين، وألَّا يتعامل مع وجود من يحبهم كأنه أمرٌ مضمون لا يمكن أن يتغيَّر.
فالحياة، مهما بدت طويلةً، أقصر من أن نهدرها في الخصام، وأثمن من أن نضيِّعها في العناد، وأعقد من أن نختزلها في أحكامٍ متسرِّعة. وما نظنُّ أننا نعرفه اليوم قد ينكشف لنا غدًا على صورةٍ أخرى، وما نراه نهايةً قد يكون بدايةً لشيءٍ لم نفهمه بعد، وما نعتقد أنه خارج سيطرتنا قد يكون درسًا قاسيًا يعلِّمنا كيف نرى أنفسنا والعالم من حولنا بعيونٍ مختلفة.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلَّقًا في فضاء الحكاية، كصرخةٍ لا تجد من يجيب عنها، وكبابٍ مواربٍ على المجهول، وكخيطٍ رفيع يفصل بين الأمل والفقد، وبين النجاة والندم، وبين فرصةٍ أخيرة ونهايةٍ لا رجعة بعدها.
ترى، حين تعود الروح إلى جسدها، هل ستعود معها القدرة على كشف الحقائق، وإزاحة الستار عن الأسرار، وتصحيح الأخطاء التي غيَّرت مجرى الحياة؟ أم أنها ستفتح عينيها على عالمٍ لم يعد يشبه العالم الذي تركته، وتكتشف أن الحقيقة وصلت أخيرًا، لكنها وصلت بعد فوات الأوان؟
وهل يستطيع الإنسان، حين يعرف الحقيقة كاملةً، أن يغيِّر بها مصيره، أم أن بعض الحقائق لا تأتي إلا لتكشف له حجم ما خسره، وتجعله يدرك أن هناك أبوابًا، إن أُغلقت، فلن تُفتح مهما طرقها الندم؟
لعلَّ القدر وحده يعرف الإجابة، ولعلَّ الأيام تخبِّئ في طيَّاتها ما لا تستطيع العقول توقُّعه. أما نحن، فلا نملك سوى أن ننتظر اللحظة التي يعود فيها الجسد إلى الحياة، أو تعود فيها الحقيقة إلى النور، لنكتشف معًا ما إذا كانت الحكاية لا تزال تحتمل فصلًا جديدًا، أم أن آخر فصولها قد كُتب بالفعل، ولم يبقَ لنا سوى أن نقرأه بقلوبٍ مثقلةٍ بالأسئلة، وأرواحٍ تخشى أن تكون قد فهمت كل شيءٍ بعدما انتهى كل شيء.
فبعض الحكايات لا تنتهي حين يصمت أصحابها، وبعض الأرواح لا تتوقَّف عن البحث لمجرَّد أن الأجساد سكنت، وبعض الحقائق تظلُّ حبيسة الظلام حتى تأتي اللحظة التي يقرِّر فيها القدر أن يكشفها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لكنَّ السؤال الأهم يظلُّ قائمًا: حين تنكشف الحقيقة أخيرًا، هل تكون خلاصًا للروح، أم حكمًا عليها بأن تعيش إلى الأبد مع ما عرفت، وما عجزت عن تغييره
❈-❈-❈
(نسمة)
يقال ان المذنب فى مجتمعنا هو من يكشف خطيئته، اما عن الخطيئه فالجميع يرتكبها سراً!
بغرفة واسعه فى القصر الملعون، اجلس وانا اهاتف هيثم واقوم بعضّ شفتى السفلى من الخوف ف اردفت له
_ايوة يابنى، شكل الحكاية مش نافعه
نفث هيثم دخان سيجارته وأردف لى مهتماً
_فيه إيه بس حصل إيه
_المحامى قاعد مع ذكرى هانم تحت، شكل الحكاية هتنكشف
ضحك هيثم ساخراً منى وأردف
_طيب ما احنا عارفين انها هتعمل كدا، متقلقيش
_مقلقش إزاى!!
_اومال انا دفعت نص مليون فحته الورقة دى ليه؟ عشان معمولة كويس أوى ولو اذكى محامى فالعالم مش هيكتشفها
_يعنى انا كدا مراته رسمى.. مش كنا خليناها ورقى عرفى وخلاص
اعتدل هيثم فى جلسته وأردف لى بجدية
_ورقة عرفى هتقطعها وتقولك اطلعى برة، انتِ غبية يابنتى! لا طبعاً احنا ماشيين صح
_طب هنعمل إيه الخطوة الجاية ياهيثم؟!
_بصّى سيبيها ذكرى هانم تستوى براحتها ولما تستسلم للأمر الواقع هقولك نعمل إيه
اغلقت الهاتف والفئران تتقافز بصدرى، تُرى سننجح وسأستولى على ميراثى الشرعى من زوجى مهاب؟!
ضحكت بسرى على كلمة زوجى، كلمه واهية ليس لها أساس لكن بفعل النصف مليون جنيهاً اصبحت حقيقية!
❈-❈-❈
(ذكرى هانم)
احضرت المحامى الخاص بنا، يتحرى عن هذه الورقة، قسيمة زواجهم المزعومة، أخذ يقلب الورقة بين يديه ومن ثم اجرى اتصالاته الهاتفيه الخاصة به كى يتحقق بنفسه من صحة الامر وبعدما انتهى نظر الي ورفع نظارته الطبية عن وجهه وأردف لى
_مدام ذكرى، انا عملت اتصالاتى وهنعرف دلوقت اذا كانت القسيمة دى على يد مأذون وموثقه بالسجلات ولا لاء
_يعنى هى بتكدب ومش متجوزين ولا حاجه
نظر ثانية إلى القسيمة وأردف لى بنبرة حيرة
_هو الل انا شايفه قسيمة موثقه سليمة100فى ال100، لكن برضو المحكمه والسجلات ليها كلمتها
لأن فيه ناس دلوقت بقوا محترفى تزوير ومتقدريش تفرقى بين المزور والحقيقي
نهضت اطرق بيدى فى يد المقعد بقوة كادت تؤلمنى وأردفت
_يبقى يوم مش فايت لو طلعوا متجوزين بجد
_تفتكرى مهاب بيه ابن حضرتك يعملها؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
سؤاله تلاعب بي، احياناً كثيرة تسير كلمة مهاب فى المنزل سيف على رقابنا دون ان يتفوه احداً منّا بإعتراض
وهذا ما صنع الفجوة بين فارس ومهاب والتى كنت عمياء عنها صماء الأذن حتى بدأت محنة مهاب الحقيقية وغيبوبته.
هو قام بخطبتها بالفعل قبل الحادث، يتسنى له فعل ذلك رغما عنى، بينما الزواج حتماً سيخبرنى حتى لو من باب العلم بالشئ، تُرى أين الحقيقة إذاً؟
قد ارهقت من كثرة التفكير المفرط، الحكم إذاً هو مهاب.. واين مهاب؟!
❈-❈-❈
(ثويبة)
خطوة، اثنان، ثلاثة..
داخل المشفى التى يرقد بها مُهاب! مهاب هذا هو إسمه الذى علمته من أسرتى، هناك شيئاً غريب يجذبنى ناحيته، اصبحت افكر به وبمصابه، يقتحمنى فى صحوى وفى احلامى، تُرى ما الرابط بيننا يا مهاب؟
إستأذنت طبيبه المعالج المسؤل عن حالته فى الدخول إليه وقد اذن لى.
دلفت ببطئ، أتامل وجهه النائم وسكون انفاسه المنتظمه، لا اخفيكم سراً قد تأنقت اليوم ووضعت بعض من مساحيق التجميل وكأنه سيرانى وإرتديت قبعه مناسبه كى اخفى الصلع الناتج عن الكيماوى.
جلست بقربه ولامست وجهه ومن ثم كف يده وأردفت
_إزيك! قالولى اسمك مهاب، وشوفت صورتك عندنا فالفيلا.. انك انت كنت المالك بتاعها قبلنا
تبسمت واستطردت حديثى له وكأنه يسمعنى فقلت
_انا كمان كنت فغيبوبة زيك، بروح وباجى يعنى من أثر الادوية والكيماوى بعيد عنك
ضحكت بسخرية للمرة الثانيه واكملت
_انت عارف، الدنيا اوحش من انك ترجعلها، دا لو معندكش حاجه تخليك ترجع
لكن لو عندك حد بيحبك ومؤمن بيك وبوجودك واهميتك، يبقى لازم يكون عندك القوة عشان ترجع
ثم اشرت إلى نفسي وانا اضحك قائله
_زيي كدا، آه انا برجع كل مرة من الموت عشان أهلى بيحبونى ومش هيعرفوا يعيشوا من غيرى
كل مرة بروح فيها فالغيبوبه برجع عشان هما واثقين انى هقوم منها عشانهم، ماهو مينفعش اسيبهم يا مهاب ولا إيه
لا ادرى، هناك شيئاً يشعر به قلبي تجاهه ذاك الغريب! اشعر بروحه بجانبي ولم اعلم ان روحه كانت بجانبي بالفعل وقد سمعت منى كل كلمه.
نهضت من فوق المقعد وتحدثت إليه فى خفوت
_هجيلك تانى، بس حاول تبقى اقوى عشان تقوم واسمع حكايتك
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وما ان إلتفتت إلى الباب لأنصرف، شعرت بيده تمسك اصابعى بوهن، فعُدت بنظرى إليه مشدوهه!
هل عاد من غيبوبته كما اشرت له؟!
_متمش... متمشيش!
قالها وتشبث بى ونظر إلي محدقاً داخل عيناى ومن بعدها غاب مرة ثانية..
فرحلت وانا اشعر انه كان حلماً اننى رأيته قد استيقظ من غيبوبته، انصرفت وبالى معه وعقله بيده وروحى متشبثه بروحه دون ان اعلم عنه شيئاً او احدثه ولو مرة!
❈-❈-❈
(فارس)
صعدت إلى غرفة تلك الملعونه والدماء تغلى فى جباههى، ب أمر من والدتى دلفت إلى غرفة نسمه التى كانت تغط فى سبات عميق، فجذبتها من شعرها وأوقعتها أرضاً ف أخذت تتأوه
_سيبنى، سيبنى انت عايز منى إيه
_بقا ي حيوانه بتكدبى علينا، انتِ فاكرانا عبط ولاهبل عشان نصدق القرف الل جبتهولنا وجيتِ دا
لا وكمان وبكل بجاحه نايمه وواخده راحتك قوووومى
جذبتها من شعرها والى الدرج انزلتها من عليه زاحفه وهى تصرخ بعزم مافيها من ألم ووالدتى تقف فى آخر البهو وترتسم على شفاهها بسمتها المعهوده ابتسامة الإنتصار
واردفت لها
_قبل م تلعبي لعبه ياحلوة، اعرفى الل قصادك قوته بتوصل لحد فين ياحتة دبانه، برة!
حاولت التملص منى ولكن هيهات، اننى اجذبها واسحلها ارضاً بكل مافى من كيد وغيظ وألقيت بها خارج المنزل وامرت الخدم والحراس ان يلقوها خارجاً تلك الحمقاء بملابس نومها هكذا وإن عادت يتم ضربها بالنار!
❈-❈-❈
(مهاب)
اشعر ب ان هناك قوة تتملكنى، اشعر ب ان هناك من يسحبني من عالمى إلى عالم الأحياء!
هناك شيئاً يدعوننى للنهوض، فتحت عينى شيئاً ف شيئاً وابتلعت ريقى وتنفست عبر جهاز الاكسجين
ومشطت بعينى فى غرفتى بالمشفى، لأستوعب أين أنا الآن.
صدفة ولجت إحدى ممرضات طاقم التمريض وقامت بقياس نبضى وضغطى لتبتسم وهى تنظر لى بابتسامة واسعه وتهتف بصوت عالِ
_يا دكتور... المريض فاق يا دكتور، استاذ مهاب الفايد فاق والله العظيم !!
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
