قراءة رواية (سم الحروف) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سم الحروف)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (15)
وصل ريان برفقة كارما للمنزل، وأخبر الجميع أن لديه رحلة طيران مساء الغد، فطلبوا منه الصعود لغرفته ليرتاح ويستعد للسفر. صعد ريان لغرفته، وكل ما يشغل باله هو تلك الابتسامة الخفيفة التي أهدتها له نور في المستشفى؛ كانت الابتسامة الوحيدة التي استطاعت اختراق جدار صمتها، مما جعل قلبه ينبض بإيقاع جديد لم يعهده من قبل.
أما في الأسفل، دار حديث هادئ بين الجميع حول مستجدات الأمور، وبعدها بوقت قصير، صعد كل فرد لغرفته ليخلد إلى النوم، تاركين خلفهم ليلة بدت وكأنها استراحة محارب قبل عاصفة جديدة.
استيقظ ريان في الصباح الباكر، وبعد أن انتهى من ترتيب أغراضه لرحلة السفر المقررة مساءً، نزل إلى الطابق السفلي حيث كانت العائلة مجتمعة حول مائدة الإفطار. اقترب منهم وقال بصوتٍ هادئ وعملي:
ـ يا كارما، أنا اللي هوصلك المستشفى النهاردة قبل ما أخلص شوية مشاوير ورايا وأجهز للسفر.
تبادل الجميع النظرات بشكل طبيعي، وهنا وجه ياسين كلامه إلى حمزة بحزمٍ قائلًا:
ـ تمام يا ريان، وأنت يا حمزة، جهز نفسك علشان تروح تجيب كارما من المستشفى بالليل، مش عايز حد يرجع لوحده.
أومأ حمزة بالموافقة، بينما أنهى ريان إفطاره سريعًا وهو ينظر لكارما بلامبالاة مصطنعة. ركبا السيارة معًا، وفي الطريق إلى المستشفى، قال ريان وهو يركز في الطريق بنبرة عادية:
ـ بالمرة وأنا معاكي هعدي أشوف نور، أطمن عليها قبل ما أسافر.
وصل ريان وكارما إلى المستشفى، وصعدا إلى غرفة نور ليجداها بمفردها بعد أن غادر شاكر وسوسن. دخل ريان بهدوء، واقترب منها محافظًا على المسافة الرسمية وهو يقول:
ـ صباح الخير يا نور، عاملة إيه النهاردة؟
نظرت نور إليه ببطء، وتعلقت عيناها بوجهه، وبدا في عينيها هدوءٌ غامض، ولم تنطق بحرف، لكنها أومأت برأسها إيجابًا.
كارما التي كانت تُعدِّل ثيابها، نظرت إلى نور وقالت:
ـ نور زي الفل يا ريان، سيبها ترتاح وبلاش نكتر عليها أسئلة.
اكتفى ريان بإيماءة بسيطة من رأسه وقال:
ـ تمام، أنا بس حبيت أشوفها قبل السفر.
نظرت نور إلى ريان بتركيز، عيناها لم تكن مجرد نظرات عابرة، بل حملت رجاءً صامتًا وكأنها تستغيث به ألا يتركها وحدها، وتطلب منه في صمتٍ مريب أن يحميها من كل ما تخشاه في غيابه.
في تلك اللحظة، فُتح الباب لتدخل يارا وهي تلهث وتعتذر بتوتر:
ـ معلش يا جماعة، سامحوني إني اتأخرت عليكم، الشغل في الشركة كان محتاجني والوقت سرقني.
تراجع ريان خطوة للخلف ليفك حالة التوتر التي فرضتها نظرات نور، وجلس على المقعد المجاور ليحاول استجماع هدوئه، وقال بنبرة عملية تحاول إخفاء ارتباكه:
ًـ ولا يهمك يا يارا، مفيش مشكلة.. أنا كدة كدة قاعد معاكم شوية قبل ما أمشي، لازم ألحق أجهز للسفر.
جلس ريان يراقب الموقف في صمت، بينما انشغلت يارا وكارما بالحديث مع نور، وكان ريان يلمح نظرات نور التي لا تزال تلاحقه بين الحين والآخر، حتى حانت لحظة الرحيل، فنهض مودعًا إياهما بإيماءة بسيطة، وغادر الغرفة والأسئلة تعصف برأسه حول تلك النظرة التي لم تكن مفهومة لأحد غيره.
في مقر مكافحة المخدرات، كان الجو مشحونًا بالتوتر داخل غرفة التحقيق. حمزة يواجه طارق ووالده، وفجأة، انقلبت الطاولة. طارق، بوجهٍ شاحب وعينين متمرّدتين، تراجع عن كل كلمة قالها سابقاً، وهتف بصوتٍ عالٍ:
ًـ أنا لا اعترفت بحاجة ولا ليا علاقة باللي بتقوله ده، كل الأوراق اللي قدامك دي ملفقة ومفيش أي دليل حقيقي يدينني!
حمزة، ببرود أعصاب وابتسامة ساخرة، لم يستفزه هذا الإنكار، بل اكتفى بلملمة أوراقه بهدوء، ونظر لطارق نظرة ذات مغزى قبل أن يغادر الغرفة تاركًا إياه في حيرته وغضبه.
توجه حمزة مباشرة إلى مكتب والده ياسين، الذي كان ينتظره بلهفة. بمجرد دخوله، سأله ياسين بنبرة حادة:
ـ ها يا حمزة، فيه جديد؟
أجاب حمزة بضيق:
ـ طارق تراجع عن أقواله خالص، بينكر كل حاجة وبيدعي إن اعترافاته كانت تحت ضغط.
ابتسم ياسين ابتسامة ثقة، وكأنه كان يتوقع هذه الخطوة، ثم قال بهدوء:
ـ خليه ينكر براحته، طارق لسه مش عارف إننا لقينا نور، وده هو كارت الرابح بتاعنا. المستندات اللي معانا تدينه، وشهادة كارما مسمار في نعشه، ولسه شهادة نور لما حالتها تتحسن وتتكلم.. دي هتكون القاضية اللي هتنهي كل شيء وتأمنه جوه القضبان للأبد.
هتف حمزة بنبرة ملؤها الثقة:
ـ اطمن يا بابا، أنا واثق في ماما وفي الأستاذة علياء المهدي، دول فريق قانوني ميتعوضش. ده لو خد مؤبد يبقى إنجاز، واللي سمعته عن الأستاذة علياء أنها مخسرتش قضية قبل كده، وده يطمن أكتر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
هز ياسين رأسه مؤيدًا، وقال بصوت حازم:
ـ المجرم لازم ياخد جزاءه يا حمزة، مفيش تهاون. المهم دلوقتي تضغط عليهم على قد ما تقدر لغاية ما الملف يكتمل ونسلمهم للمحكمة. والأهم من كل ده، تأمين وحراسة مشددة على نور، هي الشاهد اللي هيقضي عليهم، وأي تهديد ليها يعني ضياع القضية.
أومأ حمزة بالموافقة وهو ينهض، قائلًا:
ـ علم وينفذ يا بابا، الحراسة على نور هتكون مضاعفة ومفيش مخلوق هيقدر يوصلها.
غادر حمزة مكتب والده متوجهًا إلى مكتبه الخاص، حيث انغمس في الأوراق والملفات، يراجع كل تفصيلة صغيرة وكبيرة، مصمماً على ألا يترك ثغرة واحدة قد يستغلها طارق أو والده للإفلات من العدالة.
في المساء، توجه حمزة إلى المستشفى ليصطحب كارما إلى المنزل. طرق باب الغرفة، فاستقبله شاكر بترحيبٍ حار، ليدخل حمزة ويطمئن على حالة نور التي كانت تبدو أكثر استقرارًا. وبينما كانوا يستعدون للمغادرة، التفتت كارما نحو يارا وقالت لها:
ـ يا يارا، تعالي نوصلك معانا في طريقنا، الوقت اتأخر ومينفعش تروحي لوحدك.
شعرت يارا بحرجٍ شديد وبدت عليها علامات الارتباك، بينما التقطت كارما في تلك اللحظة نظراتٍ متبادلة بين حمزة ويارا، نظراتٍ لم يغب عنها الود والترقب. غادر الجميع المستشفى، وبعد أن أوصلوا يارا إلى وجهتها وتحركت السيارة مجددًا، ساد صمتٌ قصير قبل أن يلتفت حمزة إلى كارما ويسألها بفضول:
ـ مين دي يا كارما؟
ضحكت كارما بخفة وقالت:
ـ دي يارا، بنت عم نور.. مهندسة وشغالة مع عمها شاكر في الشركة. مالك؟ بتسأل ليه يا سيادة الضابط؟
رمقها حمزة بنظرةٍ جانبية مبهمة وأجاب:
ـ لا، مفيش.. بس استغربت إني مشفتهاش قبل كده.
ساد صمت مريب داخل السيارة، لم يقطعه إلا صوت محركها وهي تشق طريقها نحو المنزل. اكتفت كارما بابتسامة غامضة، متجاهلة فضول أخيها، حتى وصلا أخيرًا.
بمجرد دخولهما، وجدا ياسين وكاميليا في انتظارهما بغرفة المعيشة. جلسا معهما، وفي وسط حديث عابر، التفتت كاميليا نحو ياسين بنظرة مراوغة ومكر، وقالت بصوت هادئ:
ـ مش ناوي تطمنا يا ياسين؟ إيه آخر أخبار التحقيقات في قضية طارق؟
ضحك ياسين بخفة وهو يراقب زوجته، فقد حفظ جيدًا ألاعيبها الذكية، ورد عليها بلهجة ساخرة:
ـ مش أنا اللي بحقق معاهم يا كاميليا، وبعدين دي أسرار شغل، ما ينفعش تخرج بره أسوار المكتب.
هتفت كاميليا ببرود وهدوء لا يقل عن مكرها:
ً ـ أسرار شغل عليا أنا يا سيادة اللواء؟ طيب خلاص، بلاش أنت.. حمزة أكيد هيجاوبني.
التفتت كاميليا برأسها نحو حمزة، تاركة إياه في موقف لا يحسد عليه. تجمد حمزة في مكانه، ووجد نفسه محاصرًا أمام نظرات والدته الثاقبة التي لا تقبل بالرفض، فبادلها نظرة صدمة وارتباك وهو يهتف:
ـ بتقولي حاجة يا ماما؟
انفـ.ـجرت كارما ضاحكة وهي تربت على كتف شقيقها قائلة بمشاكسة:
ـ شكله الدور عليك يا حمزة، الموضوع بيتحول لتحقيق رسمي يا سيادة الرائد!
تعالت ضحكات الجميع في الغرفة، محاولين كسر حدة التوتر الذي فرضته كاميليا بذكائها المعهود. تنفس حمزة الصعداء قليلًا، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه، وبنبرة تجمع بين الاحترافية واللباقة، رد بذكاء:
ـ للاسف مش هقدر أجاوب يا ماما، حضرتك محامية المجني عليه، وموجودة معانا في كل خطوة.. لما نبدأ التحقيق مع نور، أكيد هتكوني أول الحاضرين وهتعرفي كل التفاصيل اللي القانون يسمح بيها.
رمقته كاميليا بنظرة فاحصة، لم يخلُ منها التحدي، لكنها اكتفت بابتسامة غامضة، مدركة أن ابنها قد تعلم جيدًا كيف يضع الحدود بين البيت والعمل، وكيف يراوغ ببراعة مثل والده.
بعد أن أنهى حمزة حديثه بذكاء، ذابت حدة التوتر في المكان، وتبادلت العائلة نظرات الرضا. نظر ياسين إلى أفراد عائلته وقال بنبرة أبوية هادئة:
ـ خلاص، كفاية كلام في الشغل لحد هنا.. اليوم كان طويل ومحتاجين كلنا نفصل.
أومأت كاميليا برأسها موافقة، ونهضت قائلة:
ـ معاك حق، مفيش فايدة من الكلام دلوقتي، خلينا نستجمع قوتنا لبكرة.
وقفت كارما وهي تتنهد بإرهاق وقالت:
ـ فعلًا، اليوم كان مجهد جدًا.. محتاجة أنام وأريح أعصابي.
صعد الجميع إلى الطابق العلوي، كلٌ متوجهًا إلى غرفته. خيّم الهدوء على أرجاء المنزل، تاركين خلفهم ضغوط النهار، بينما غاص كل واحد منهم في أفكاره؛ في انتظار يومٍ جديد قد يحمل معه تطوراتٍ جديدة.
يومانِ على هذا المنوال؛ كانت كارما تذهبُ صباحًا برفقةِ حمزة، وتنتظرهُ في المساء ليقلّها ويعودا معًا. وخلال تلك الأيام، تنبهت كارما لشيءٍ لم يغفل عنه بصرها؛ نظراتٍ متبادلة مشحونة بالود والترقب بين حمزة ويارا، في الوقت الذي كان فيه الجميع غافلًا عن حال نور التي كانت عيناها لا تفارقُ الباب، كأنها تترقبُ طيفًا معينًا يمرّ من خلاله.
في اليوم الثالثِ مساءً، وبينما كانت كارما تجلسُ في انتظار حمزة، وصلتها رسالةٌ من ريان يخبرُها فيها بأنه في طريقهِ إليها ليصطحبها للمنزل. لم تجد كارما بدًا من إخبار يارا التي بادرها الخبرُ بحزنٍ خفي، فقد كان في عينيها خيبة أملٍ واضحة لأنها لن تَرى حمزة الليلة.
أما نور، فكان وضعها مختلفًا تمامًا؛ فقد كان انتظارها لريان يحملُ طابعًا من اليقين، وكأن بصيرةً خفية بداخلها قد أخبرتها بأن الرجل الذي أنقذ حياتها من موتٍ محقق، هو نفسه الذي سيطلّ من ذلك الباب في أي لحظة.
كان الترقب سيد الموقف، وفجأة فُتح الباب ليطل ريان، ويداه خلف ظهره يخفي شيئًا ما. لاحظت كارما تركيز نور الشديد على الباب، وبمجرد أن وقع بصرها على ريان، لمعت عيناها ببريق خاص، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة تحديداً.
تقدم ريان بخطوات واثقة نحو الداخل، ثم أخرج من خلف ظهره باقة من الزهور المنسقة بعناية وقدمها لنور. انحنى قليلًا وقال بصوتٍ هادئ ونبرة حانية:
ـ الحمد لله على سلامتك يا نور، الزهور دي تليق بيكي أكتر.
أخذت نور الباقة، ورفعت عينيها لتلتقي بعيني ريان بامتنانٍ صامت؛ نظرة كانت كفيلة بأن تُخبر الجميع أنها تراه المنقذ الذي أعاد لها الأمل في الحياة.
في تلك اللحظة، نظرت يارا إلى الباب مرة أخرى بأملٍ خائب، ثم خفضت بصرها بهدوء، بينما ظلت كارما تراقب الموقف بذهول، مدركةً أن هناك خيوطًا بدأت تتشابك أمام عينيها ولم تكن تتوقعها.
كادت كارما أن تتحدث، لكن دخول شاكر وسوسن المفاجئ قطع عليها الفرصة. انشغل الجميع بالترحيب بريان وشكره على الزهور التي أحضرها لنور. استغل ريان انشغالهم، وبصوت خافت قال لكارما:
ـ يلا يا كارما، خلينا نتحرك.
أومأت كارما بالموافقة، ثم نادى ريان على يارا:
ـ يا يارا، تعالي معانا عشان أوصلك في طريقي.
لم تعترض يارا، وخرجوا جميعًا. بعد أن أوصلوا يارا إلى منزلها، اتجه ريان وكارما في طريقهما إلى البيت. طوال الطريق، كان الصمت يسيطر على الأجواء، بينما كان ذهن كارما مشغولًا بكل ما شاهدته في المستشفى منذ لحظة وصول ريان وتلك النظرات المتبادلة بينه وبين نور. قررت في سرها أن تترك الأمر الآن وتتحدث معه لاحقًا.
وصل ريان وكارما للمنزل، وصعد كل منهما لغرفته. كان الإرهاق واضحًا على ملامح ريان، فقرر أن يأخذ قسطًا من الراحة. بدلت كارما ملابسها واتجهت لغرفته، وجدته يجلس بهدوء ويمارس هوايته المفضلة في الرسم.
جلست بجواره، وهتفت بهدوء:
ـ إيه الحكاية بقى يا كابتن؟ أول مرة تخبي عني حاجة.
وضع ريان كراسة الرسم أمامه، فهو دائمًا صريح أمام كارما، ووالديه، وشقيقه. نظر إليها بصدق وقال:
ـ مش عارف يا كارما، بس من أول ما شوفتها حسيت برابط بيجمعنا. في الأول فكرت نفسي متعاطف مع حالتها، وقولت لما أسافر هنسى، لكن العكس.. لقيت تفكيري كله فيها.
لمحت كارما تفاصيل الرسمة في كراسته؛ كانت ملامح نور واضحة وبدقة لا تدع مجالاً للشك. تنهدت بهدوء، واقتربت منه وقالت:
ـ بص يا ريان، فكر كويس. نور بنت كويسة وقلبها أبيض، وممكن اللي حاسس بيه ده يكون مجرد شعور بالمسؤولية مش أكتر. بس خد بالك.. إحنا حرفيًا منعرفش هي مرت بإيه في فترة غيابها، فـ رأيي بلاش تقابلها الإجازة دي، ولما ترجع المرة الجاية لينا كلام تاني.. قولت إيه؟
أومأ ريان بالموافقة، فغادرت كارما الغرفة وتركته يغرق في دوامة من الأفكار. هل يستطيع حقاً الامتثال لنصيحتها؟ وهل بمقدوره تحمّل فكرة عدم رؤية نور رغم وجوده في نفس المدينة؟ أحسّ بثقلٍ في رأسه وإرهاقٍ ينهش جسده، فاستلّ هاتفه واتصل بأحد أصدقائه طالبًا منه أن يحل محله في رحلة الغد؛ فكان بحاجة ماسة لفرصة يختلي فيها بنفسه ليفكر بهدوء. ما إن أنهى المكالمة حتى ألقى بجسده على الفراش، وغطّ في نوم عميق.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، كان حمزة في عطلته الأسبوعية، فأخبر والدته بأنه متجه إلى النادي للقاء أصدقائه. خرج حمزة مسرعًا بسيارته، لكنه لم يتجه إلى وجهته المعلنة، بل انطلق في طريقٍ آخر تمامًا وبسرعةٍ بدت مريبة.
وفي الوقت ذاته، استيقظ ريان وأبلغ والدته أن لديه رحلة طيران مقررة في الحال. تعجبت كاميليا من هذا القرار المفاجئ بعدما ألمح لها مؤخرًا برغبته في البقاء، فأخبرها بنبرةٍ هادئة:
ـ يا ماما، صاحبي كلمني وطلب يبدل الرحلة معايا، وأنا وافقت.
في تلك اللحظة، هبطت كارما الدرج لتقف وسط هذا التوتر غير المفهوم، وتنظر بدهشة إلى ريان الذي بدا وكأنه يهرب من شيءٍ ما، وإلى والدتها التي كانت علامات الاستغراب تملأ وجهها من تصرفات ابنيها في صباحٍ واحد.
أخبرت كارما والدتها بأنها ستذهب بسيارتها للاطمئنان على نور في المستشفى، لكن كاميليا عارضت الفكرة بشدة لعدم رغبتها في ذهابها بمفردها. تدخل ريان في تلك اللحظة قائلاً بنبرة هادئة:
ـ خلاص يا ماما، أنا هوصلها في طريقي وأنا رايح المطار، وحمزة يرجع يجيبها بالليل.
أومأت كاميليا بالموافقة بعد أن اطمأنت لوجود ريان مع أخته، وما إن غادرا المنزل وركبا السيارة، حتى التفتت كارما نحو ريان وقالت بنبرة عتاب:
ـ ريان، أنا كنت طلبت منك متشوفش نور الفترة دي عشان تقرر مشاعرك بهدوء، ليه غيرت رأيك وسافرت؟
أمسك ريان مقود السيارة بقوة، وأجابها بنبرة مشحونة بالضيق:
ـ أنا محتاج أطير في السما يا كارما، وجودي هنا في نفس المكان اللي هي فيه هيتعبني أكتر ويخليني مش عارف أفكر.
تنهدت كارما بأسى ونظرت إلى الطريق صامتة، ولم يقطع صمتها سوى صوت محرك السيارة. وعندما وصلت السيارة أمام المستشفى، ترجلت كارما ونظرت إلى شقيقها الذي لم يتردد، فغادر المكان مسرعًا وكأنه يفر من مواجهة نفسه، بينما دخلت هي إلى الداخل متجهة لغرفة نور للاطمئنان عليها.
دخلت كارما إلى الغرفة، فاستقبلتها سوسن بابتسامةٍ دافئة يملؤها الامتنان، في حين بقيت عينا نور معلقتين بالباب، تترقبان طيفًا معينًا لا يظهر. التفتت كارما نحو نور، ولاحظت ذلك التركيز الشديد في عينيها الذي لم يغادر المدخل، فآثرت الصمت واكتفت بتبادل النظرات مع سوسن.
بعد لحظات، استأذنت سوسن وقالت بصوتٍ خافت:
ـ خلي بالك منها يا كارما، إحنا هنروح نغير هدومنا ونرجع على طول.
أومأت كارما برأسها موافقة، وغادرت سوسن برفقة شاكر متجهين إلى منزلهما. ساد الغرفة هدوءٌ ثقيل، فاقتربت كارما بهدوء وجلست جوار نور، ونظرت إليها بحنان قبل أن تهمس لها:
ـ مش هيجي دلوقتي يا نور، ريان سافر يا حبيبتي.
نظرت نور إلى كارما ببطء، وفي عينيها لمعة حزنٍ انكسر معها بريق الأمل الذي كانت تنتظره، ثم أدارت وجهها ببطء نحو النافذة، وكأنها انسحبت مرة أخرى إلى داخل حصنها المنيع من الصمت.
توجه حمزة إلى وجهته ووقف بسيارته في الخارج، وفي تلك اللحظة خرجت يارا من المنزل لتجد السيارة بانتظارها. بمجرد أن رأت حمزة، خرج من سيارته واتجه نحوها، ليهتف بها بنبرة هادئة:
ـ ممكن نتكلم سوا شوية؟
ارتبكت يارا وبدت علامات التوتر على وجهها وهي تجيب:
ـ آه أكيد، اتفضل.
هتف حمزة بعد أن نظر حوله:
ـ خلينا نتكلم بعيد، ممكن نروح النادي؟
وافقت يارا على الفور وقالت:
ـ ماشي، هاجي وراك بالعربية.
لكن حمزة أصر وهو يفتح لها باب السيارة:
ـ اركبي معايا، وهبقى أوصلك للمستشفى بعد ما نخلص.
امتثلت يارا لطلبه وركبت معه وهي تشعر بخجل شديد، وانطلقا معًا نحو النادي.
وصل الاثنان إلى النادي، واختار حمزة مكانًا بعيدًا عن الأنظار ليحظيا ببعض الخصوصية. بعد دقائق، أقبل النادل ووضع أمامهما العصير ثم انصرف سريعاً، تاركاً إياهما في صمتٍ ثقيل.
لم يمهل حمزة الوقت ليرتب أفكاره، بل بادر بالحديث مباشرةً وهو ينظر في عيني يارا التي بدت وكأنها تحاول الاختباء في مقعدها من شدة الارتباك:
ـ بصراحة، أنا اتعلقت بيكي من أول يوم شوفتك فيه. في الأول قلت يمكن صدفة ومش هتتكرر، بس لما عرفت إنك بنت عم نور، حسيت إن القدر بيجمعنا أكتر وأكتر.
تسمرت يارا في مكانها، وعجزت عن الرد بينما تسارعت دقات قلبها. لم يكتفِ حمزة بذلك، بل اقترب منها أكثر وهو يراقب خجلها وتوترها الذي فضح مشاعرها، ثم أضاف بصوتٍ متهدج:
ـ تقبلي تتجوزيني؟
ارتبكت يارا بشدة من نظراته المباشرة، ولم تتوقع أبداً أن يفتح معها باب الارتباط بهذه السرعة. كانت كل لقاءاتهما السابقة مجرد نظراتٍ عابرة أو أحاديث مقتضبة، أما صراحته المفاجئة الآن فقد جعلت وجهها يحترق خجلاً، وشعرت وكأن الأرض من حولها تدور.
لاحظ حمزة ارتباكها الشديد، فهتف بهدوءٍ محاولاً تخفيف الضغط عنها:
ـ أنا مش عاوز رد سريع، خدي وقتك.. هستنى رأيك في أقرب وقت.
حاولت يارا أن تنطق بحرف، أن تجمع شتات نفسها لترد، لكنها شعرت وكأنها في عالمٍ آخر، وعجز لسانها عن الحديث. وقف حمزة بوقاره المعهود، وقال بلهجةٍ عملية:
ـ خليني أوصلك للمستشفى، يلا بينا.
نهضت يارا من مقعدها ببطء، وقلبها يخفق بعنف، وبصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع، هتفت بخجلٍ شديد وهي تنظر للأرض:
ـ أنا.. أنا موافقة، بس..
توقفت كلماتها عند ذلك الحد، وظلت عيناها معلقتين بالمكان، بانتظار رد فعل حمزة على اعترافها الخجول.
هتف حمزة بنبرةٍ يملؤها الهدوء والحرص:
ـ بس إيه يا يارا؟ كملي.
نظرت إليه يارا بتردد، ثم قالت بصوتٍ خافت:
ـ الوقت مش مناسب يا حمزة، مش هنقدر ناخد أي خطوة دلوقتي.. خلينا نستنى حالة نور تتحسن وتخرج من المستشفى الأول.
أومأ حمزة برأسه متفهمًا، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة ومريحة، ليرد عليها قائلاً:
ـ اطمني يا يارا، أنا مش هاخد أي خطوة دلوقتي.. أنا بس كنت عاوز أعرف رأيك عشان أطمن، مش أكتر.
ابتسمت له يارا في المقابل بارتياح، فشعر حمزة أن العبء الذي كان يثقل كاهلها قد خف قليلًا، ثم أضاف:
ـ طيب، خليني أوصلك المستشفى، وهاجي آخدك أنتِ وكارما بالليل.
غادرا النادي معًا واتجها بسيارته نحو المستشفى، وسط أجواءٍ من الهدوء الذي غلفه شعورٌ جديد بالثقة والأمان.
انطلقت السيارة بهما في هدوءٍ لم يقطعه سوى صوت المحرك الخافت، بينما كان كلٌ منهما غارقًا في أفكاره؛ يارا كانت تشعر بدقات قلبها المضطربة التي ما زالت تتسارع كلما تذكرت كلماته، وحمزة كان يراقب الطريق بتركيز، وكأن تلك الكلمات قد منحت حياته وجهًا جديدًا غير وجه الصرامة والعمل.
وصلا أخيرًا أمام بوابة المستشفى الكبيرة. توقفت السيارة، فألقت يارا نظرة أخيرة على حمزة، ثم التفتت لتفتح باب السيارة، وقبل أن تترجل، التفت إليها حمزة بنظرةٍ دافئة وقال:
ـ خلي بالك من نفسك، وأنا موجود لو احتاجتي أي حاجة.
ابتسمت له يارا بخجلٍ رقيق، ثم خرجت من السيارة بخطواتٍ سريعة، وكأنها تهرب من مشاعرها الجياشة. وقف حمزة قليلًا يراقبها وهي تتجه نحو المدخل، حتى اختفى طيفها خلف الأبواب الزجاجية، وعندها فقط تنهد بعمق، ثم أدار مقود السيارة وغادر المكان مسرعًا، عائدًا لمهامه التي كانت تنتظره.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
في الداخل، كانت يارا تسير في الممرات بروحٍ تائهة؛ وجهها محموم بصبغة الخجل، وعقلها لا يكف عن استرجاع تفاصيل اللقاء. حاولت ترتيب هندامها واستعادة رباطة جأشها قبل الوصول لغرفة نور، لكن ارتباكها كان يبدو واضحًا في حركاتها، وكأنها تحمل سرًا ثمينًا لا تستطيع البوح به لأحد، بينما في الخارج، كان حمزة يقود سيارته والابتسامة لا تكاد تفارق وجهه، رغم كل الضغوط والقضايا التي تحاصره، فقد صار لديه الآن سببٌ حقيقي ليتخطى هذه العواصف.
دخلت يارا الغرفة وهي تحاول جاهدةً إخفاء ملامح الارتباك التي تعتلي وجهها، غير أن احمرار وجنتيها وبريق عينيها المشتت لم يغيبا عن ناظري كارما. حدقت كارما في وجهها بفضول، ولما سألتها عن سبب حالتها، تذرعت يارا بالإرهاق. لم تجد كارما في تبريرها ما يقنعها تماماً، لكنها عزته إلى قسوة الظروف التي تمر بها العائلة، ولم يدر بخلدها أدنى شكٍ فيما حدث.
انقضت الساعات ثقيلةً حتى خيم المساء، وفجأةً دلف حسن المصري، فبدت على كارما دهشةٌ عارمة لرؤية مديرها هنا. اتجه حسن نحو سرير نور يتفقد حالتها كمسؤولٍ عنها وزميلٍ لها، وشرع في الاعتذار عن طول غيابه، موضحاً أنه كان في سفرٍ خارج البلاد لظروفٍ قهريةٍ تتعلق بإدارة الجريدة، حالت بينه وبين التواصل معهما طوال الفترة الماضية. في حين بقيت يارا تراقب المشهد من بعيد، تحاول جاهدةً لملمة شتات نفسها وستر ما يضطرب في أعماقها، منتظرةً وصول حمزة في أي لحظة.
في المساء غادرت كارما المستشفى بصحبة حمزة، وكانت يارا ترافقهما في صمتٍ مريب. وخلال الطريق، تفرست كارما في نظرات يارا المتبادلة مع حمزة عبر مرآة السيارة، وتصاعد بداخلها شعورٌ بأن ثمة سرًا يُحاك في الخفاء، لكنها آثرت الصمت وتجرعت فضولها. وبعد أن أوصل حمزة يارا إلى وجهتها، عاد مع كارما إلى المنزل، حيث كان والداهما بانتظارهما في حديقة البيت تحت ضوء القمر الخافت.
ما إن اقترب الأخوان من والديهما وجلسا، حتى بادر ياسين بفتح موضوعٍ طال انتظاره. نظر إلى ابنته كارما بجديةٍ ممزوجة بالحنون وقال:
ـ يا كارما، أنا ووالدتك فكرنا وقررنا إنك ترجعي لشغلك في الجريدة.. بس ده بعد ما يتم الحكم على مدحت غانم وابنه، علشان نضمن إن مفيش أي خطر يهددك تاني.
سرت في أوصال كارما قشعريرة من الفرح، واتسعت عيناها ببريقٍ لم يغب عنها منذ وقوع تلك الأحداث. لم تكن مجرد عودة للعمل، بل كانت استعادةً لحياتها التي تكاد تكون قد توقفت. شعرت بأن قيود القلق التي كبلتها قد فُكت، فانفرجت أساريرها عن ابتسامةٍ عريضة لم تستطع كبحها، وتهلل وجهها ببهجةٍ غامرة جعلتها تعجز عن الرد للحظات. تملكها شعورٌ بالتحرر والانتصار، وكأنها أخيراً أخذت نفسًا عميقًا بعد فترةٍ طويلة من حبس الأنفاس، فالتفتت إلى والدها ووالدتها وعيناها تلمعان بدموع الامتنان، وهي تشعر أن العالم يفتح ذراعيه لها من جديد.
بعد أن استوعبت كارما وقع الكلمات، وهدأت دقات قلبها المتسارعة من الفرحة، تبادلت مع والديها نظراتٍ مليئة بالامتنان الصامت، ثم نهضت مستأذنةً لتتوارى عن الأنظار، مخلفةً وراءها شعوراً بالراحة عمّ أرجاء الحديقة.
هنأها حمزة بابتسامةٍ هادئة وكلماتٍ مقتضبة حملت الكثير من الدعم، ثم سبقا بعضهما في الصعود إلى الطابق العلوي؛ اتجه هو إلى غرفته لتبديل ملابسه، بينما سارت كارما بخطواتٍ خفيفة تكاد تلامس الأرض من فرط السعادة نحو غرفتها.
لم يكد يمر وقتٌ قصير حتى قطع هدوء غرفتها طرقاتٌ خفيفة ومنتظمة على الباب. ظنت كارما في البداية أنها والدتها، فنهضت وفتحت الباب بابتسامةٍ لم تفارق وجهها بعد، لكن اتسعت عيناها قليلاً حينما وجدت حمزة واقفاً أمامها، ملامحه توحي بجديةٍ غامضة، وكأنه يخفي في طيات حديثه أمرًا لم يجرؤ على البوح به أمام الجميع في الحديقة.
جلس حمزة بجوار كارما، وبدت عليه ملامح التردد قبل أن يقرر خلع قناع الثبات الذي كان يرتديه، وقال بنبرةٍ منخفضة:
ـ مفيش حاجة يا كارما.. بس كان لازم أكون صريح معاكي في حاجة حصلت النهاردة.
توقف قليلًا، ثم أردف بنبرةٍ جادة:
ـ أنا اتكلمت مع يارا النهاردة.
جحظت عينا كارما بذهولٍ تام، وشعرت أن الأرض تميد من تحتها؛ لم تكن تتخيل أبداً أن يتجاوز حمزة تلك المسافة بينهما بهذه السرعة، أو أن يختار هذا التوقيت تحديداً ليخطو تلك الخطوة. تلاشت ملامح السعادة التي كانت تغمرها منذ قليل، وحلت محلها نظرة استغرابٍ ممزوجة بالصدمة، لتسأل بصوتٍ متهدج:
ـ مع يارا؟! دلوقتي؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لم ينتظر حمزة طويلًا، وبدأ يروي لها تفاصيل ما حدث. ومع كل كلمة، كانت كارما تشعر أن كل توقعاتها حول أخيها قد انهارت؛ كانت تظنه أبعد ما يكون عن هذا الأمر، خاصة في ظل الظروف الضاغطة التي يعيشونها، لكنه فاجأها بما لم يكن في الحسبان.
سكتت كارما للحظات وهي تستوعب حديثه، ثم زفرت ببطء ونظرت إليه قائلة بنبرةٍ هادئة:
ـ بصراحة يا حمزة.. أنا لاحظت نظراتكم في المستشفى النهاردة، بس عقلي مكنش مصدق، مكنتش متخيلة أبداً إن الموضوع وصل للدرجة دي، أو إن قلبك ممكن يتحرك ناحيتها بالسرعة دي وفي وقت زي ده.
أومأ حمزة برأسه مؤكدًا، فتابعت كارما بابتسامة متفهمة:
ـ أنا مقدرة مشاعرك، ومبسوطة إنك لقيت حد يشاركك حياتك، بس قولي.. بابا وماما عندهم أي فكرة؟ عرفتهم حاجة؟
تنهد حمزة وأشاح بنظره قليلاً قبل أن يجيب بحزم:
ـ لأ، لسه. مقدرش أفتح الموضوع ده دلوقتي خالص. قررت أستنى لحد ما القضية تخلص والجو يهدى تمامًا، وقتها بس هعرفهم وأخد خطوة رسمية.
سكتت كارما للحظات، تستوعب ما قاله حمزة، ثم هزت رأسها بتفهم وقالت:
ـ فاهمة يا حمزة، خليك حذر لحد ما الأمور تتضح وتخلص القضية، وأنا طبعًا سرك في بير.
ابتسم لها حمزة بامتنان، نهض من مكانه واتجه نحو الباب، ثم خرج بهدوء تاركًا إياها في غرفتها.
أغلقت كارما الباب خلفه، وجلست على سريرها وهي تفكر في كلامه، ثم تنهدت وأطفأت الأنوار لتستعد للنوم.
❈-❈-❈
مر يومان على حديث كارما وحمزة، كانت فيهما نور تعيش جحيمًا من نوع خاص داخل غرفتها في المستشفى.
في صباح اليوم الثالث، اشتدت حدة الأعراض بشكلٍ مفاجئ. كانت نور مستلقية في فراشها، يتصبب العرق من جبينها بغزارة، ويدها ترتجف بعنفٍ لا إرادي وهي تحاول التشبث بغطاء السرير. فجأة، دخل جسدها في نوبة تشنجات قوية جعلت جهاز مراقبة ضربات القلب يطلق صافرات إنذار متقطعة ومزعجة.
كانت والدتها جالسة بجوارها، انهارت باكية وهي تنادي الممرضات، بينما هرعت كارما لتطلب الطبيب الذي وصل على الفور برفقة طاقم التمريض. قام الطبيب بتهدئة الوضع وإعطائها حقنة مهدئة، ثم خرج مع كارما ووالدتها إلى ممر المستشفى، كان يمسح وجهه بإرهاق وقال بصوتٍ هادئ:
ـ أنا مقدر خوفكم، ومنظر التشنجات قاسٍ، لكن لازم تكونوا عارفين إن ده جزء من رحلة التعافي. المادة اللي كانت بتتحقن بها قوية، وجسمها دلوقتي بيعمل انسحاب عنيف للمخدر، والتشنجات دي ناتجة عن خلل مؤقت في الجهاز العصبي لأن الأعصاب بدأت تستعيد حساسيتها من غير تأثير المخدر.
نظر إلى سوسن التي كانت ترتجف قلقًا، وأكمل بثقة:
ـ دي أعراض متوقعة في حالتها، والجسم بيحارب عشان يتخلص من السموم. اللي يهمني دلوقتي هو المتابعة المستمرة هنا في المستشفى، لأننا بنقدر نسيطر على التشنجات ونعوضها بالسوائل والأملاح اللي بتفقدها. اصبروا عليها، المرحلة دي ذروتها هتاخد أيام وبعدها الأمور هتبدأ تهدأ بالتدريج.
غادر الطبيب، فوقفت كارما تنظر من خلال زجاج باب الغرفة إلى نور، التي بدأت أخيرًا تغرق في نومٍ عميق بفعل المهدئ، بينما ظلت والدتها تدعو لها بقلبٍ مرتجف، وكلتاهما تدركان أن الطريق لا يزال طويلًا.
مر شهرٌ كامل على وجود نور في المستشفى، شهرٌ اتسم بالصمت التام؛ كانت فيه نور جسداً بلا روح، لا تنطق بكلمة. في تلك الليلة، كانت والدتها تغفو بضعف على الكرسي المجاور، والهدوء يلف الغرفة إلا من صوت الأجهزة.
فجأة، انتفضت نور بعنف، وبدأت ملامح وجهها تتقلص بألمٍ شديد. في حلمها، كان طارق يطاردها، يقترب منها وفي يده تلك الحقنة التي سلبتها حياتها. شعرت بالاختناق، وحاولت جاهدةً أن تصرخ، حتى انطلقت صرخة مكتومة ومفزعة من أعماق صدرها:
ـ ابعد عنييييي! كفاية... أرجوك كفاية!
استيقظت الأم مذعورة، وسقطت الدموع من عينيها وهي تحاول ضم ابنتها، لكن نور كانت في حالة هياج لا واعية، تصرخ وتتخبط بعيدًا عن أي شيء يلمسها، وكأنها لا تزال عالقة في كابوسها.
هرعت الممرضة إلى الداخل، وبمجرد أن رأت الحالة، اتصلت فورًا بالطبيب المناوب. لم تمر سوى دقائق حتى دخل الطبيب مسرعًا، وجد الأم في حالة انهيار ونور في نوبة ذعر حادة، لا تستجيب لأي نداء.
نظر الطبيب سريعاً إلى العلامات الحيوية التي كانت في ذروتها، ثم التفت للممرضة وقال بحزم:
ـ هاتي حقنة مهدئة فورًا، حالتها في ذروة صدمة عصبية ومش قادرة تستوعب الواقع.
اقتربت الممرضة وبدأت في حقنها، بينما حاول الطبيب تثبيت نور بلطف وهو يهمس لها بكلمات مطمئنة، حتى بدأت حركتها تقل تدريجيًا، وأنفاسها المتسارعة تهدأ، وغابت مرة أخرى عن الوعي، لكن هذه المرة كان صمتها مختلفًا.. كانت قد صرخت أخيرًا، وهذا كان أول خيط لاستعادتها.
تنهد الطبيب وهو يمسح على وجهه، ونظر للأم التي كانت ترتجف في زاوية الغرفة وقال:
ـ اطمني، الصرخة دي هي بداية خروجها من اللي هي فيه، كبت شهر كامل انفجر. هسيبها ترتاح ودلوقتي المهدئ هيخليها تنام، وإن شاء الله لما تصحى تكون في حالة أفضل.
غادر الطبيب الغرفة بعد أن طمأن سوسن على وضع نور وأخبرها أنه سيأتي في الصباح لمتابعة حالتها. خيم الهدوء على المكان، فجلست سوسن جوار ابنتها، وبدأت تمسح على شعرها بحنان، تراقب وجهها في صمت وهي تغالب دموعها.
في صباح اليوم التالي، وصلت كارما إلى المستشفى، وبمجرد أن دخلت الغرفة، بادرتها سوسن بصوتٍ خافت ومتهدج وأخبرتها بكل ما حدث ليلة أمس من صراخ ونوبة ذعر أصابت نور. لم تكد سوسن تنتهي من حديثها، حتى دخل الطبيب إلى الغرفة كما وعد، ليبدأ في فحص نور وتقييم حالتها بعد تلك الليلة العصيبة.
يتبع
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
