قسوة نصار - الفصل 19 | توتا محمود

قراءة رواية (قسوة نصار) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: (قسوة نصار)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( توتا محمود) | الفصل: (19)


كان الجو داخل الغرفة مشحوناً بطاقة كهرومغناطيسية تكاد تلمس باليد، حيث الأنفاس المتلاحقة وصوت دقات الحائط التي تبدو كأنها تعد ثواني الانفجار الوشيك.


 انعكس ضوء الشمس الشاهب من خلف الزجاج المنعش للغرفة على ملامح «صفية» التي تجمدت في مكانها، وقد فتحت عينيها على وسعهما من شدة الصدمة والذهول، بينما تفاصيل وجهها المتغضنة تعكس استنكاراً عميقاً لا يصدقه عقلهما. 


عقدت حاجبيها بقوة ومالت برأسها إلى الأمام قليلاً كأنها لم تستوعب الحرف الأول مما سمعت للتو، ليهتز صدرها بقوة قبل أن تفلت الكلمات من بين شفتيها بنبرة مليئة بالاستهجان والامتعاض الشديد: 


ـ يالهوى اتجوزت غيره بالبساطة دي!!


قالتها «صفية» لـ «سميحة» التى تندب حظ شقيقها وهي تشتعل من عصبيتها، إذ كانت «سميحة» تتحرك في المكان كطائر ضائع، تضرب كفاً بكف، وتفرك راحتيها بعنف وكأنها تريد أن تفرغ تلك النيران المشتعلة في جوفها على أي شيء تراه أمامها؛ فوجهها محتقن بالدماء، وشرايين رقبتها بارزة من شدة الصياح، وعيناها تقدحان شراراً وهي تطلق العنان لغضبها الأعمى دون توقف:


ـ هاين عليا اديها حتت علقة مخدهاش حرامى في زفة، بقي بنت الكلب دي تسيب اخويا انا؟؟؟، اخويا انا اللي كان يتمناها الرضا ترضى؟؟


وفي تلك اللحظة المشحونة، حيث تعلو الأصوات وتتقاطع الأنفاس الغاضبة، لم يتحمل «فارس» جُملها المليئة بالسب والتجريح.


 كان جالساً بهيئة منكمشة على الأريكة الوثيرة، ناظراً إلى الأرض بملل واستنكار، لكنه فجأة انتصب في جلسته، ورفع رأسه بعينين حادتين تفترسان المكان بصرامة وهدوء حازم يقطع به صخب الصراخ قطعها «فارس» بحده وهو يجلس على الاريكة يستمع ما حدث من هذه القصة السخيفة :


ـ قلتلك مية مره متجبيش سيرة حد بالوحش ولا حتي تشتميه لان يوم القيامة هـ…..


ولم تكد الحروف تكتمل في فمه حتى هبت «سميحة» من جلستها كالمصعوقة، مرتدة عن الفراش الذي كانت تفترشه بانتفاضة مفاجئة جعلت أطرافه ترتجف تحتها، وقد طارت خصلات شعرها حول وجهها المحتدم غضباً وهي توجه حديثها إليه بحدة متطايرة قطعته «سميحة» بعصبية وهى تقوم من الفراش التي كانت تجلس عليها : 


ـ يا خي يركبها قطر مطرح ما راحت وحسبي يالله ونعم الوكيل فيها هي ولوزة الكلب، دي بنت كلب محدش عرف يربيها هتعيش وتموت غبيه، ضيعت نفسها وضيعت إبنها انه يتربى بعيد عن ابوه، وضيعت نصار.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم يتراجع «فارس» أمام نبرتها الحادة، بل زادته صلابة؛ فرفع سبابته في وجهها ببطء وهيبة، وهتف بنبرة صارمة تقطر ثباتاً وهو ينهض ببطء متزامن مع حركتها ليواجهها وجهاً لوجه، وكأنه سد من نَمِط لا يمكن اختراقه رفع سبابته عليها وهتف بحده وقف هو الأخر مواجهتها :


ـ براحتك انا نصحتك ، وانتِ اعملى اللي تعمليه بقي، ادعيلها ربنا يهديها ، مش تشتميه وتعملي ذنب عند ربنا .


أحست «سميحة» أن الكلمات تحاصِرها من كل جانب وتزيد من سورتها، فاستدارت عنه بعنف، وأعطته ظهرها في حركة مسرحية مفعمة بالغيظ والاستفزاز، وعيناها تلتفان نحو زوجة والدها «صفية» لتلقي عليها بقية شحنتها العصبية المتأججة، عطته ظهرها وهتفت بغيظ وعصبية مفرطة وهي تنظر زوجة والدها 


ـ بقولك ايه يا مرات ابويا ابعدى فارس من قدامى بدل ما اطلع عصبيتي وغلي كله فيه، انتي حره انتِ وابنك


تحركت زوجة والدها «صفية» باتجاه ابنها لتهدئة الأجواء المشحونة، وخطت خطوات بطيئة فوق الأرضية الخشبية، ولكن قبل أن تصل إليه أو تلامس كتفه، كان «فارس» قد قطعت أمامه كل سبل التهدئة، فاستدار فجأة و هتف بنبرة مغتاظة ينضح منها الاستخفاف والرفض القاطع للبقاء في هذا الجو المشحون تحركت زوجة والدها «صفية» اتجه ابنها ولكن قبل أن توصل اليه، هتف هو الاخر بنبرة غيظ منها :


ـ مين قالك اني حابب القعده هنا، انا ماشي بس افتكري كلامى لا يجوز نجيب سيرة حد بالوحش، لان عند الله ليس هين  


وبحركة سريعة وحاسمة، ختم جملته الأخيرة والتف بكامل جسده ليوجه خطواته العريضة نحو الباب، فغادر المكان بخطوات واسعة ودووية، وأغلق الباب خلفه بقوة وراءه محدثاً صدى ارتطم بجدران الغرفة. 


بمجرد أن اختفى ظله، استأنفت «سميحة» حركتها العصبية، فأخذت تذهب جيئة وذهاباً بخطوات واسعة أمام «صفية» التي استقرت مكان «فارس» على الأريكة، وجلست بهيئة غارقة في التأمل والتفكير العميق، ناظرة إلى الفراغ بشرود تام وهي تستحضر في ذهنها ملامح «نصار» وظروفه القاسية ختم جملته وغادر من أمامه واغلق الباب خلفه


 مما أخذت تذهب إياها وإياباً امام زوجة والدها «صفية» التي جلست علي الاريكة مكان «فارس» وهتفت بشرود وهي تفكر في حال «نصار» :


ـ زمانه عامل ايه نصار دلوقتي و بيفكر في ايه .


خرجت ضحكة قصيرة من شفتي «سميحة» متقطعة ومحملة بتهكم مرير، فتوقفت فجأة عن السير جيئة وذهاباً والتفتت برأسها نحو «صفية» بعينين تلمعان بغضب لا ينطفئ ضحكت «سميحة» بسخرية وهي تلتفت لها وتتوقف عن الذهاب إياها وإياباً :


ـ مش هيسمي عليهم لا علي إيهاب الكلب ولا عيلته، انا بس قلقانه من فيروز انها تمشي هي وإبن اخويا ومحدش يعرفلهم طريق زي 3 شهور اللي فاتوا .


هبت «صفية» من جلستها على الأريكة فجأة وبحركات سريعة يغلبها الهلع والخوف الحقيقي، واقتربت منها بخطوات متعثرة من شدة القلق على طفل عائلة «نصار» الصغير، لتهتف بنبرة مشفق متوترة وقفت «صفية» بلهفة وهتفت بقلق علي حفيد العائلة :


ـ طيب وهنعمل ايه، و هنسكت لو مشيت بعيد هي وإبنها .


وهنا، لمعت في عيني «سميحة» ومضات من الشراسة البالغة، فالتسقت ملامح وجهها ببعضها وكأنها تفترس ضحيتها وهي تصرخ في وجه «صفية» بنبرة حادة كالنصل هتفت بشراسة وعينيها تشتعل :


ـ ده مش إبنها، ده إبن نصار فاهمه متقوليش إبنها دي تاني عشان بتعصبني .


ساد صمت ثقيل ومطبق في أرجاء الغرفة لعدة ثوانٍ، بينما كانت «صفية» غارقة في هواجسها و دوامة أفكارها تبحث عن مخرج لهذا الكابوس. 


وفي هذه الأثناء، أخذت «سميحة» تتأمل الفراغ بشرود تام، وعقلها يدور في حلقات مفرغة حول كيفية اختراق جدران منزل «إيهاب» ومعرفة كل شاردة وواردة تدور هناك، وكل صغيرة وكبيرة تخص حياته الجديدة. 


مرت الثواني بطيئة كأنها الدهر، وفجأة، تحسنت ملامح وجهها، وانفرجت أساريرها عن ابتسامة عريضة وغريبة، حتى تحولت تلك الابتسامة تدريجياً إلى ضحكة صاخبة وعلنية ملأت المكان، لكنها كانت ضحكة باردة ومخيفة تعج بالخبث والدهاء المحض 


بينما شردت هي الأخر تفكر كيف تعرف اجواء بيت «إيهاب» وتعرف كل صغيرة وكبيرة به، وبعد ثوانى حتى ضحكت بسعادة ولكن هذه الضحكه مليئه بالخبث ليس إلا :


ـ اظن انا عرفت انا هعمل ايه .



❈-❈-❈


كان الظلام يحيط بالمكان من كل جانب، ولم يكن يخرق سكون الليل سوى وميض أضواء مصابيح الشوارع البعيدة التي تنعكس باهتة على زجاج السيارة. 


كان يجلس في مقعد القيادة منكمشاً على نفسه، تاركاً يديه ترتاحان على عجلة القيادة بهيئة توحي بالانكسار والانهيار الثقيل، بينما تائه الفكر في هذا المكان المعزول والبعيد كل البعد عن صخب وضوضاء القرية، محاولاً ترتيب فوضى أفكاره وجروحه التي لا تندمل، فهو لحد الأن لا يستوعب انها تزوجت غيره بتلك البساطة؟؟


راح يقلب كفيه ناظراً إلى الفراغ أمامه، بينما عقله يرفض تماماً الاستجابة لمنطق الواقع أو تقبل فكرة أن الحياة استمرت من دونه، وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة القاسية، فلا هو قادر على تجاوز الماضي ولا هو قادر على العيش في الحاضر، فهو لا يريد أن يقنع عقله بتلك الحقيقة المرة، ولكن هذا الواقع وهذه الحقيقة، فهذه الحقيقة تؤلم قلبه وعقله معاً .


أحست جوارحه ببرد قارس يسري في أطرافه رغم دفء المكان، ووضع يده المرتجفة ببطء على موضع قلبه المعذب، يشعر بثقل هائل يجثم على صدره، فمنذ زمن طويل واجه في حياته طعنات وصدمات كثيرة، لكن الطعنة هذه المرة تأخذ شكلاً آخر مختلفاً تماماً، فانفطر قلبه منذ زمن، ولكن يشعر أن هذه الكسرة غير اى كسره هو واجهه من قبل .


تسللت الذكريات إلى مخيلته كشريط سينمائي مؤلم يمزق روحه تمزيقاً، مستحضراً تلك الأيام الخوالي التي جمعتهما معاً منذ الطفولة البريئة، مروراً بسنوات الشباب والأحلام المشتركة، وصولاً إلى تلك اللحظة التي أصبحت فيها شريكة حياته وأم طفله، ليطرح على نفسه تساؤلات عاجزة لا تجد إجابة تشفي غليله، فهى صديقة طفولته وحبيبة قلبه وحبيبة فؤاده وعقله وأم إبنه كيف بعد كل هذا تكون لرجل غيره؟؟؟.


أطبق جفنيه بقوة وكأنما يحاول طرد مشهد مرعب يأبى الفراق، ليهتز جسده بعنف مع كل نبضة تذكّره بتلك الصدمة الجارحة، وكأنه يرى بعينيه من جديد ذلك المشهد القاسي ليوثق فيه عقد قرانها على رجل غريب عنه، فكيف تجرأت على فعلتها وكيف تجلت تلك الفكرة المجنونة في عقلها الطري لتتحول إلى واقع ملموس يحرق أعصابه، وهو اغمض عينيه وهو يتذكر تلك الذكرى حين رأها تكتب كتابها لشخص غيره، كيف تفعل هكذا به، كيف جاءتها تلك الفكرة في عقلها بل ونفذتها؟؟؟


وفي خضم هذا العصف الذهني والغضب المكتوم، تسللت إلى وجدانه مشاعر الاعتراف والندم المرير، فقرر مواجهة نفسه بصدق جارح، مقراً بأنه أخطأ في حقها وأذاقها من القسوة ما لا يُطاق، وكان جديراً به أن يستمع إليها منذ اللحظة الأولى بدلاً من ترك الشك ينهش عقله، لكن الغشاوة والعمى كانا يسيطران على كيانه، فهو حقاً يعترف انه إلمها بشكل لا يوصف ويجب أن يسمع منها منذ البداية ولكن كان اعمى، كان اعمى بتلك الحقيقة المزيفة انها خانته


غير أن هذا الاعتراف الداخلي لم يكن ليطيل المكوث أمام سيل الغضب العارم الذي اجتاح روحه فجأة؛ فالمسؤولية الحقيقية والجريمة الكبرى لم تكن مرتكبة منها وحدها، بل من هؤلاء الأفاعي الذين دسوا سمومهم في عقولهم ولعبوا بخيوط اللعبة من خلف الكواليس ليفسدوا ما بينهما، ولذلك العيب ليس عليها، بلا عليهم هما، هما الذي لعبوا في عقله وعقلها .


تدفقت الشعلة الباردة للانتقام داخل عروقه، وتحولت ملامحه الوادعة إلى قناع صلب وفولاذي ينبض بالتوعد والوعيد، فليعلم القاصي والداني أن نصار القديم قد توارى ولى، وليبدأ من هذه اللحظة فصل جديد عنوانه الوحيد هو القسوة الخالصة التي لطالما كبحها وأخفاها عن أعين الجميع، ليذيقهم طعم العذاب ويدفعهم ثمناً باهظاً لما اقترفوه، ولذلك ابتدأ من اليوم سيجعلهم يرون قسوته، قسوته ليس إلا، قسوة نصار الذي طالما اخفاها عن الجميع يريد أن تظهر قسوته من الأن، سيجعلهم يندمون ويدفعون الثمن .


فتح عينيه ببطء على إشراقة الغضب البركاني المستقر في أعماقه، ووجه نظرة حادة وثابتة نحو الفراغ الداكن للسيارة، عاقداً العزم بكل كيانه على تنفيذ ما وعد به نفسه دون رجعة أو هوادة، وهذا هو وعده لنفسه .


❈-❈-❈


كان «فارس» مسترخياً بهدوء في الصالون الواسع، يريح ظهره بالكامل على وسائد الأريكة الوثيرة المريحة، ناظراً بملل إلى شاشة التلفاز المضيئة أمام، تتراقض الألوان على وجهه دون أن يركز حقاً فيما يعرض، وفجأة، كسر سكون المكان وهدوء الأمسية ذلك الاهتزاز المزعج والحاد الصادر عن هاتفه المحمول المستقر بجواره، فرمق الشاشة بنظرة جانبية فاحصة قبل أن يتبين المتصل، ليفاجأ بأن المتصل هو والد «حازم» و«زياد»


وحينها أغمض عينيه بقوة وضرب كفاً بكف، مهزوز النفس ومحمل بغيظ خفي وهو يتمتم بكلمات متقطعة بالكاد يسمعها صوته:


ـ تلاقيها الجاموسه تعبت يارب الصبر من عندك .

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

التقط الهاتف ببطء وفتح الخط، محولاً ملامحه الفورية إلى قناع من الجدية والهدوء المصطنع، ليهتف بنبرة مهذبة يغلفها الاحترام الواجب للكبير:


ـ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


ولم تكد التحية تكتمل على شفتيه، حتى اخترق أذنيه صوت الرجل الملهوف والمحموس إلى أقصى درجة، صوتاً متسرعاً لم يكلف صاحبه عناء رد السلام أو حتى سؤال شاب في مقام ابنه عن أحواله وصحته:


ـ فارس الحقني جيجي تعبت ومش راضية تأكل من امبارح .


اعتلت وجه فارس ملامح الامتعاض والاستنكار الشديد، فرفع حاجبيه باستخلاص ساخر من ذلك الاسم الذي أطلقه قبل لحظات بلسانه ولقبها به، مستحضراً عبث الموقف وسخافته، ليهتف بنبرة هادئة يحاول بها امتصاص ذلك الجنون:


ـ يا حج والله انا مدرك انها تعبانه بس انا مش دكتور بيطري انا دكتور اسنان، يعني ضرسك يوجعك اطلعهولك، احشي درس و….


ولم يكمل جملته، إذ باغته والد «حازم» بعصبية مفرطة وثورة صياح هادرة جعلت صوته يرتفع ليملأ الأرجاء دون سيطرة:


ـ هو انت بتحشي محشي اخلص يا بن سراج ولو حصل حاجه لجيجي هقتلك، سامع يا فارس هقتلك .


ولم يمنحه فرصة للرد أو التبرير، إذ قطع الخط بعنف وأغلقه في وجهه مباشرة، مما جعل «فارس» يرفع كفيه العاريتين ليغطي بهما وجهه بأكمله في حركة تعكس ضيقه ويأسه البالغ من هذا العبث المستمر، فاتسعت عيناه بغيظ مكتوم وهو يهتف بتهكم لا يخلو من مرارة:


ـ يارتني كنت بحشي المحشي والله، ولا جيت عند كليه الطب .


أنهى جملته الحاتمة بمد بصره نحو الشاشة المضيئة، فمد يده وضغط على زر الإغلاق لتنطفئ شاشة التلفاز فجأة وتغرق الغرفة في سكونها، ولم يضيع وقتاً إضافياً، بل نهض من مكان، ونفض طيات ثيابه مستعداً للذهاب وفعل ما يمليه عليه الواجب لتخليص نفسه من إزعاج ذلك الرجل وتركه وحيداً وشأنه


ختم جملتها واغلق التلفاز وغادر من القصر وهو يستعد للذهاب منزل «حازم» حتي والد «حازم» يتركه وشأنه


❈-❈-❈


سارت «سميحة» بخطوات واثقة ومتسارعة تحت أنظار «صفية» المتابعة لكل حركة من حركاتهن، شقّت طريقها نحو المطبخ بفضول مشتعل وعزم قاطع، وما إن عبرت عتبة المطبخ حتى بدأت عيناها تجولان في كل زاوية وكنف باحثتين عن تلك المرأة التي تلقب بـ «عصفورة»، تلك السيدة التي دأبت دائماً على نقل خبايا وأسرار البيت أولاً بأول إلى «لوزة» الشمطاء، وفعلاً لمحتها تجلس منكمشة على نفسها فوق سفرة صغيرة منخفضة، تقطع بيديها المرتجفتين بعض الخضروات الورقية، ولم تضيّع «سميحة» وقتاً، بل وجهت حديثها بصوت صارم وحاسم يخترق جدران المكان ليشمل كل من فيه:


ـ الكل يخرج من المطبخ ماعدا ام ولاء .


رفعت جميع النسوة رؤوسهن فجأة في حالة من الذهول والحيرة الشديدة تجاه هذا الطلب المفاجئ، تارة يتبادلن نظرات الاستهجان والتعجب، وتارة يرمقن «أم ولاء» التي انتفض جسدها وارتجفت أطرافها خزياً ورعباً بمجرد أن وطأت «سميحة» المكان.


 مرت ثوانٍ معدودة من الصمت المشحون ولم يتحرك أحد من مكانه، بل بقين مسمامير في أرضهن من هول المفاجأة، حتى أطلقت «سميحة» صوتاً حاداً يعلوه الغضب والتهديد:


ـ قلت اخرجوا بره اي مبتسمعوش؟؟؟ .


أسرعت دقات قلوب الواقفات وانتابهن الرعب من نبرتها القاسية، فلم يجدن مفرّاً سوى الهروب الجماعي بخطوات متخبطة نحو الخارج، تاركات «أم ولاء» وحيدة تواجه مصيرها المحتوم، حيث زادت رعشتها وتضاعف خوفها حين اقتربت منها «سميحة» بخطوات بطيئة تشبه مشط السير على الزجاج، ومدت يدها بكل برود لتنتزع السكين من أصابع «أم ولاء» المرتجفة، ثم انحنيت قليلاً وهتفت بنبرة هادئة ومصطنعة يقطر منها السم الزعاف:


ـ ازيك يا عصفورة عامله ايه؟؟


رفعت تلك المسكينة بصرها المكسور والتقت عيناها بعيني «سميحة»، عاجزة تماماً عن صياغة رد واحد ينجيها من هذا الموقف الخانق، الأمر الذي دفع «سميحة» لتسخر من نفسها وتطلق ضحكة قصيرة لا يعتريها أي مرح:


ـ اي السؤال الاهبل اللي بسأله دي، طبعا هتكوني بخير، وبأحسن حال كمان، لما مرتبك زاد، والمعلم سراج السعداوي هو بنفسه اللي بيجهز بنتك، وبنتك يبقالها اسبوع على فرحها فـ اكيد هتكوني كويسه اوي كمان صح؟؟


انخرطت هذه السيدة في بكاء مرير ونحيب خافت، وانهارت دفاعاتها تماماً حتى هتفت وهي ترتجف من هول الفزع والخوف الأعمى على انهيار فرحة ابنتها الوحيدة:


ـ ولاء مش ذنبها حاجه يا هانم وانا غلطت واعترفت بغلطي بس والله بعدها لما لوزة بترن عليا مش بديها اي معلومه صدقيني ، ولما بترن عليا بقولك علطول دي رنيت حصل؟؟


اتسعت ابتسامة «سميحة» ببرود مستستغ، مسبلة بصرها نحو السكين اللامعة بين يديه دون أن تكلف نفسها عناء النظر إلى وجه الباكية:


ـ حصل انتى صح، بس انا بقي عايزكى تكلميها وتجري معها في الكلام عايزة اعرف فيروز وابنها هيمشوا من البلد ولا لا ولو يمشوا، يمشوا يروحوا فين .


رفعت «أم ولاء» بصرها المغرورق بالدموع في حيرة بالغة وعجز تام، لتهتف بصوت متهدج:


ـ طيب ودي اعملها ازاي بس يا هانم .


انتفضت «سميحة» برأسها ورمقتها بنظرة لاذعة، مطلقة سخريتها الواضحة من ذلك السؤال البلهائي:


ـ يا شيخه؟؟ ، مهو ده شغلك اصلا ، انا اللي اقولك المفروض تعملي ايه؟؟؟ .


سارعت «أم ولاء» إلى مسح دموعها الغزيرة بظهر كفها بلهفة واضحة، متشبثة بأي قشة نجاة:


ـ بس هي عمرها ما قالتلي أسرار بيتها، وعمرها ما حكت معايا في مره عن اللي بيدور في بيتها .


رفعت «سميحة» كتفيها ببطء في حركة استهانة باردة، وهتفت بنبرة ساكنة:


ـ معرفش، انتي بقي فكري براحة بعقلك اللي يوزن بلد ده و ردي عليا بكرة، عندك اليوم كله ابقي كلميها بالليل، اهو تكوني فكرتي هتعملي ايه .


ثم استدارت نحوها بملامح متصلبة ومفزعة، لتكمل وعيدها بنبرة مظلمة تشتعل فيها نيران الانتقام:


ـ بس لو مكلمتيهاش وعرفتي فيروز هتقعد ولا لا، وايه اللي بيحصل جوا بيت لوزة ، لاقول لنصار وبابا علي كل حاجه وهما يتصرفوا بقي بمعرفتهم، وممكن بابا يوقف عن تجهيز بنتك لما يعرف انك سبب من ضمن الأسباب في المؤامرة الـ****، لخراب بيت ابنه، مش هيسمي عليكي يا ام ولاء.


انتفضت «أم ولاء» رعباً حتى كادت أن تخر ساجدة لتجذب يد «سميحة» وتقبلها استرحاماً، لكن «سميحة» سحبت يدها بعنف؛ فجهاز الابنة التالف أو المكلف بات مهدداً، وهي لعمرها لن تستطيع وحدها تجهيز ابنتها دون عون المعلم:


ـ هعمل كل اللي بتقولي عليه انا هتصرف والله هتصرف، و هجبلك الأخبار كلها، وكمان مش هخلي لوزة تشك فيا بس ابوس ايدك بلاش المعلم سراج ولا نصار يعرف باللي بيحصل .


علت وجه «سميحة» ابتسامة انتصار خبيثة وهي تلمس ثمار خطتها الشيطانية وهي تنضج أمام عينيها، فهي لم يعد يهمها سوى كشف كل خبايا وأسرار ذلك البيت وتفاصيل ما يدور داخل جدران بيت «لوزة»، فقد عزم الأمر في صدرها على أن تقابل الدهاء بالدهاء، وألا تسمح لكائن كان أن يفلت بفعله دون عقاب أو حساب.



❈-❈-❈



خطت «فيروز» خطواتها الأولى نحو داخل غرفة «إيهاب» الواسعة، حاملة بين أحضانها طفلها الصغير بحنان بالغ، وما إن تجاوزت العتبة حتى جولَت بصرها في أرجاء المكان، لترتاح عيناها لوهلة وسط تلك الألوان الهادئة والمريحة للأعصاب التي اختيرت بعناية لتضفي سكينة على الروح.


 أخذت تتأمل تفاصيل الغرفة وتصاميمها الراقية، فوقع نظرها صدفة على ذلك الشباك الكبير والزجاجي، فاقتربت منه بخطوات بطيئة لتستنشق بعض الهواء، فرأت المساحات الخضراء والزرع المزدهر يفرش أمامه ببهجة، ومن خلفه الشارع الحيوي وبيوته المتقاربة.



 امتلكها الفضول فوقع بصرها على تلك البقعة الخضراء الواسعة من بعيد، حيث يلوح في الأفق منزل «العمدة»، قصر «نصار» الشامخ، غير أنها لم تتمكن من تمييز أي تفاصيل دقيقة لمدى البعد الهائل بين المكانين.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تنهدت بعمق وتخلصت من شتات أفكارها، واتجهت بخطوات متزنة نحو فراش الأطفال الجديد والوثير الذي اشتراه «إيهاب» بحرص من أجل طفلها اليوم، فوضعته عليه برفق حتى لا يزعج استغراقه في النوم العميق.


 استدارت بعد ذلك مبتعدة عن السرير لتتوجه صوب الدولاب الفسيح بغرض ترتيب بعض ثيابها، لكن خطواتها تسمرت مكانها وفجأة انعقد لسانها حين فتحت إحدى دِرف الدولاب لتصدم بوجود قميص نوم أبيض شديد القِصر وشديد الشفافية يكشف أكثر مما يستر. 


تراجع بصرها عنه فوراً وعلت وجهها مسحة من الغيظ والامتعاض، فمدت يدها بحنق لتلتقط القميص بأطراف أصابعها وكأنه يلسعها، وفتحت ضلفة أخرى لترميه بداخلها بعنف، لكن شهقة مباغتة خفيفة أفلتت من شفتيها حين رأت صفوفاً من قمصان النوم الأخرى التي لا تقل إغراءً وجرأة عن سابقتها بل ربما تفوقها في الفضح والجرأة. 


لم تحمل صبراً إضافياً لهذا العرض، فأغلقت ضلفة الدولاب بقوة وهى تزمجر بضيق بالغ، تتساءل في سرها بحيرة واستنكار عما يفترض عليها ارتداؤه في هذه الليلة.



عادت تفتح ضلفة أخرى علّها تجد ما يسترها، فوقعت عيناها على تكدس واسع من البجامات المتنوعة، لكن الغالبية العظمى منها جاءت بتصميمات شتوية أو صيفية جريئة تعتمد على الشورت القصير جداً والأحمال الرفيعة التي تبرز تفاصيل صدرها وجمال ذراعيها الناعمين. 


تأففت بضيق وهي تواصل تقليب القطع بعين فاحصة، حتى عثرت أخيراً على بجامة ذات لون وردي هادئ وبسيط تبدو محتشمة وتخفي تفاصيل جسدها، فتنهدت بارتياح خفي وسحبتها من بين كومة الثياب. 


غير أنها ما إن أمعنت النظر فيها وتأملت تفصيلها حتى لاحظت أنها عندما ترتديها ستكون ضيقة بشكل لافت من الجزء العلوي، بينما يأتي بنطلونها واسعاً ومريحاً، وهو وإن كان يناسب رغبتها في الأسفل، إلا أن ضيق الجزء العلوي لم يكن مريحاً لقلبها أبداً.


هزت رأسها بقلة حيلة وقررت أن تدبر أمرها بهذه القطعة الليلة، على أن تبحث غداً عن ملابس أخرى أوسع وأكثر راحة، فالوقت لا يتاح لتأخير أكثر من ذلك.


 التقطت بيجامتها الوردية بين يديها وهمّت بالاستدارة لتخطو نحو المرحاض الملحق بالغرفة، ولكنها تفاجأت في تلك اللحظة بدخول «إيهاب» فجأة إلى الغرفة بخطوات واسعة، فوقعت عينها عليه لترتبك حركتها وتشعر بحرج مفاجئ جعلها تبتلع ما تبقي في حلقها، فحمحمت بخفة محاولة ترميم هدوئها وتوارى توترها خلف نبرة متقطعة:


ـ معلش يا إيهاب خلي بالك من نوح، هاخد دُوش بس .


وقف مكان مأخوذاً بحضورها، ناظراً إليها بعيون يغمرها الشغف والحب الجارف، ليرد عليها بصوت هادئ وابتسامة دافئة تزين محياه: 


ـ ولا يهمك براحتك خالص .


بادلته ابتسامة خفيفة ومقتضبة تتسع بحرج، والتفتت بخطوات سريعة وولجت إلى داخل المرحاض وهي تحكم قبضتها على البيجامة، وما إن أغلقت الباب الخشبي خلفها بإحكام، حتى أطلق «إيهاب» تنهيدة عميقة امتزجت بضحكة قصيرة خارجة من أعماق قلبه الغارق في السعادة. 


كان يشعر بالفرحة العارمة تجتاح كيانه وترقص في فؤاده، وهو يشكر ربه ساجداً في سريرته لأن «فيروز» قد أصبحت أخيراً حلاله، زوجته وحبيبته التي طالما حلم بها لتشارك طيه وفراشه، ممتناً لكل تفصيلة تجمع بينهما الآن.



وما إن كاد يغرق أكثر في بحر أحلامه السعيدة، حتى قطع حبل أفكاره صوت دقرات خفيفة ومتتالية على باب الغرفة الخارجي. 


سارع بخطوات متلهفة لفتح الباب، ليفاجأ بوالدته «لوزة» تقف على العتبة، حاملة بين يديها صينية طعام كبيرة ومتنوعة تفوح منها رائحة الأكلات الشهية واللذيذة، وما إن رأت وجهه حتى علت محياها ابتسامة رضى خبيثة وهي تهتف بنبرة ملؤها التلصص:


ـ خد منى الصينية دي يا حبيبي .


مد يديه وتناول الصينية منها بحذر حتى لا يسكب محتوياتها، ودخل بها خطوات قليلة ليضعها بعناية فوق الطاولة الصغيرة المخصصة للضيافة في زاوية الغرفة. 


وفي تلك اللحظة، تجاوزت والدته العتبة بخطوات واسعة وتوجهت مباشرة نحو فراش الطفل الصغير بعزم مبيت: 


ـ انا هاخد نوح عندي النهاردة وانت اتبسط انت ومراتك، ولو سألت عليه قولها ارتاحي انتِ النهاردة، ولو في حاجه او الواد صحي هقولها .


قطب «إيهاب» جبينه بعلامات الحيرة والتردد، ورمق أمه بنظرات متفحصة وهو ينظر إلى طفله النائم بسلام:


ـ لا بلاش يا ماما لاحسن فيروز تتضايق .


التفتت إليه أمه بحدة مباغتة، ورمقته بنظرة حارقة قبل أن تنحني بقريب منه وتهتف بنبرة هامسة وحادة تشبه نبرة التوبيخ السري:


ـ تتضايق ليه يا بن الهبلة انت، لو كترت معاك في الكلام قولها انك حاولت بس انا رفضت وخدت نوح .


همّ بردّ الكلمة على لسانه محاولاً إقناعها بالعدول عن فكرتها العبثية، لكن صوتاً خفيفاً جعل عينيه تنصرفان نحو باب المرحاض الذي انفتح لتخرج منه «فيروز» للتو بطلة تخطف الأنفاس وتسرق العقول.


 كانت ترتدي تلك البجامَة الوردية التي ضاقت عليها من الأعلى لتبرز بوضوح مفاتن صدرها الممتلئ، وتكشف بفضل الشق الصغير المصمم في أعلاها عن فتحة رقيقة وناعمة من صدرها، بينما يتسع بنطلونها الواسع ليخفي بقية تفاصيل جسدها السفلي بستر. 


زاد من فتنتها شعرها الأسود الطويل والمبلل الذي تركته حراً منسدلاً على ظهرها وكتفيها، مما جعل بعض قطرات الماء الباردة تتساقط بغزارة لتجري على عنقها الأبيض وتستقر متهادية فوق مفاتن صدرها من تلك الفتحة الصغيرة للبيجامة.


تسمّر «إيهاب» في مكانه غير قادر على إزاحة عينيه عن هذا المشهد الفاتن، مسماراً بصره بتركيز تام على تلك الفتحة الناعمة، وعلى عنقها المبلل وشفاهها الندية التي تفيض بالحياة. 


في المقابل، تحولت ملامح «لوزة» فور رؤيتها إلى عاصفة من الضيق والاستنكار الشديد؛ فما هذه الهندام الذي ترتديه عروس في ليلة زفافها الأولى مع زوجها؟ هل تعقل أن تكتفي ببجامة نوم عادية وكأنها في منزل أهلها، لا بقميص نوم مثير ومخصص لهذه الليلة الفارقة؟ هل تمازحها أم تسخر من المقام برمته؟


لم تعطِ «فيروز» مجالاً لتلك الأفكار أن تطول، فتحركت بخطوات هادئة ومتزنة حتى اقتربت منهم، فوجهت بصرها نحو «لوزة» الواقفة بصرامة بجوار فراش صغيرها النائم، ليهتف صوتها بهدوء حذر وخالٍ من الانفعال:


ـ رايحه فين و واخده نوح يا خالتى؟؟ .


أجابتها «لوزة» بغلاظة ظاهرة وابتسامة مقتضبة تخفي خلفها شحنة من الحدة والرفض:


ـ انا واخده نوح يبات عندي النهاردة، وانتِ النهاردة ليلتك يا عروسة يعني مش محتاجه اي ازعاج .


لم تكد تختم جملتها القاطعة حتى همّت بالالتفاف ومغادرة الغرفة حاملة الصغير، لكن «فيروز» أوقفتها بحركة حاسمة وصارمة، فتقدمت بخطوات سريعة ومدت يدها لتنتطفل طفلها من أحضانها برفق، ناظرة إلى العجوز بنظرة امتزجت فيها الصدمة والحدّة في آن واحد.


 أخذت تطبطب على ظهر طفلها بحنان أمومي جارف وفيض من الدفء، ووجهت حديثها إلى «لوزة» بنبرة ثابتة وهادئة لا تقبل المناقشة:


ـ نوح طول عمره مش مصدر ازعاج ليا ولا هيكون، و إبنى مش هيسكت مع حد غيري، ابنى كل يوم هيبات في حضن امه .


شعرت «لوزة» بصدمة بالغة من جراء هذه الجرأة غير المعهودة في وجهها، وفتحت فمها لترد بقسوة وتفرغ شحنة غضبها، لكن «إيهاب» تدخل في اللحظة المناسبة قاطعاً طريقها، ليهتف بنبرة هادئة ومحاولة لرأب الصدع:


ـ خلاص يا امى واجبك وصل، ولو نوح صحى هنسهر انا وفيروز معه .


رمقته أمه بنظرة طويلة مليئة بالصدمة المرة، كأن صفعة قوية قد وُجهت إلى وجهها لكونه لم ينصفها هذه المرة ولم يقف في صفها ضد زوجته. 


تحولت ملامحها إلى غيظ مكتوم، فاستدارت بعنف وبخطوات سريعة غادرت الغرفة وهى تزمجر في نفسها، وبلغ بها الغضب ذروته لتعمد إلى صفعة الباب خلفها بقوة وعنف أحدث صدى قوياً اهتزت له أركان المكان. 


تسبب هذا الصوت المفاجئ في جعل الطفل «نوح» يتململ في نومته متأثراً بالانزعاج من شدة الارتجاج، فما كان من «فيروز» إلا أن هّزته بخفة ولطف بين يديها، مستمرة في التربيت عليه برفق حتى يسكن، غير أن الصغير استيقظ بالفعل وأطلق عبيراً من البكاء الخفيف والمعترض.


 ارتبك «إيهاب» من الموقف وشعر بحرج بالغ يغشاه، فالتفت إليها وبصوت خافت متقطع اعتذاري:


ـ انا هدخل اخد دُوش وانتِ رضـ ـعيه براحتك .


أومات له برأسها بهدوء وموافقة صامتة، بينما توجّه هو بخطوات سريعة نحو الدولاب ليأخذ ثيابه النظيفة من الضلفة الثالثة ويواري حرجه بدخول المرحاض وإغلاقه خلفه.


 وفي تلك الأثناء، جلست «فيروز» براحة على حافة الفراش، لتكشف عن كنف حنانها وتأخذ في إرضاع ابنها الصغير بحنان، مازجة طعام الطفل بمداعبات خفيفة ولطيفة، تهمس في أذنه باسمه بصوت عذب يملأ الغرفة بالدفء والأمان.



❈-❈-❈



عبرت «لوزة» العتبات بخطوات متسارعة تعصف بها رياح الغضب والغيظ العارم، مستندة إلى أنفاس متلاحقة تعكس ثورتها الداخلية التي تكاد تطيح بكل ما حولها؛ فهى لا تكاد تصدق ما حدث قبل لحظات وكيف تمادت تلك الفتاة في التجرؤ عليها، تناوشها الأسئلة الملتهبة في رأسها وكأنها طلقات نارية لا تهدأ كيف تجرأت على الوقوف أمامها بندية؟ 


وكيف طاوعها قلبها لتنتزع حفيدها من بين يديها بتلك القسوة والعلنية؟ يالها من فعلة جريئة ومتهورة لم تكن تخطر لها على بال والأدهى من ذلك كله، ابنها الذي طالما كان طوع أمرها يقف دائماً في صفها وينفذ كلماتها دون تردد، اليوم وأمام عينيها وقف في صف زوجته ضدها، وكل ذلك فقط ليوفر لنفسه أجواء الاستمتاع بليلته مع زوجته دون إزعاج من الصغير، فكيف هان عليها أن يخذلها بهذه الطريقة المذلة لأجل امرأة أخرى؟


كان «باسم» جالساً في هدوء يرتقب قدومها، وما إن وقع بصره على هيئتها حتى تفرس في ملامح وجهها المحتدمة وغضبها البادي في كل انكماشة من وجهها، ليدرك فوراً أن عاصفة ما تهب في صـ ـدرها.


 تنهد بضيق خفيف من حالة التوتر المستمرة، ونهض ليلتقط كوباً من الماء البارد، وضعه أمامها برفق على الطاولة المجاورة، فحدقت فيه بغيظ قبل أن يميل عليها برأس مائل ويسألها بنبرة هادئة ومحتوية:


ـ مالك؟؟ .


ولم تكد تسمع سؤاله حتى انفجرت سدوم صـ ـدرها، فأخذت تفرغ شحنة قهرها وغضبها الدفين في سرد تفصيلي لكل ما جرى داخل تلك الغرفة المشؤومة؛ راحت تقص عليه أمر تلك البيجامة السخيفة التي ارتدتها عروس أخيه وكيف استفزتها، ثم انتقلت بصوت يعلوه الاستنكار لتحكي كيف سحبت منها الطفل من أمام عينيها وتجرأت على إيقافها وتحديها، ولم تنسَ أن تشتكي بمرارة موقف «إيهاب» الذي لم ينصفها بل وقف بوقاحة في صف زوجته اللعينة ضد أمه التي ربت وأسست.


استمع إليها «باسم» باهتمام بالغ، ثم جلس على المقعد المقابل لها تماماً، واقتراب منها قليلاً ليهتف بصوت هادئ ومنطقي يحاول به إطفاء نيران غضبها المشتعلة:


ـ كبري دماغك يا امى طالما هو راضى وهى راضية يولعوا مع بعض، انتِ دورك لحد هنا انتهى، وهو يلبس بقي باختياره بقي .


لم تزد كلمات ابنها إلا اشتعالاً في عينيها، فارتفعت حدة نظراتها و امتعاضها لتهتف بصوت متقطع يخترقه الغل:

ـ بقولك كسفتني قدامه وهو متكلمش بالعكس وقف في صفها، وتقولي اكبر دماغى .


أطبق «باسم» جفنيه لثوانٍ معدودات، محاولاً تمالك أعصابه والتحلي بالصبر أمام ثورتها العارمة، ثم أعقب ذلك بتنفس عميق قبل أن يفتح عينيه مجدداً ليهدئ من روعها:


ـ يا حبيبتي ما انتِ غلطانه انك ختي الواد وده مش مطلوب منك اصلا، والله لو هو عايز علي عيني من فوق، هي تيجي منه هو، لكن متجيش منك انتِ يا حجه .


رمقته بنظرة مشحونة بالاستخفاف والرفض القاطع لمنطقه، فلم تكتفِ بالاعتراض بل مدت يدها بقوة لتضرب براحتها فوق سطح الطاولة مهددة متأففة:


ـ انت مش فاهمني يا باسم اول مره متفهمنيش انا كان قصدي ا….


لم يترك لها فرصة لإكمال تبريراتها، بل قاطعها بسرعة محتفظاً بهدوئه، ومد يده ليربت على ظهر كفها بحنان ورفق:


ـ عارف قصدك يا ست الكل، بس خلاص بقي ملكيش دعوه بيهم، يولعوا في بعض، طالما هما مفكروش ان ده ازعاج ليهم، انتِ هتتكلمى فى ده ليه؟؟.


أخذت تنهيدة طويلة ومحملة بالإحباط، ولم ترد عليه بكلمة واحدة، بينما وقف هو مظهرا تفهمه الكامل، فاقترب منها وطبع قبلة دافئة ومحبة فوق فروة رأسها، متهماً إياها بالفضل والمقام العالي:


ـ انتِ احسن ام في الدنيا كلها، انا هقوم انام بقى تصبحي علي خير يا ست الكل .


شعرت بشيء من الدفء يلامس قلبها العجوز المكسور، فرفعت يدها لتربت على يده بمحبة متبادلة، وودعته بصوت خافت:


ـ وانت من اهله يا حبيبي .


أنهت جملتها الخافتة، وتابعته بعينيها وهو يستدير ويغادر المكان بخطوات متعبة نحو غرفته ليريح جسده من عناء اليوم. وما إن خلا بها المكان وغاب ابنها عن الأنظار، حتى اعتدلت في جلستها مرة أخرى، وتغيرت ملامح وجهها لتتحول إلى قناع من الدهاء والخبث الصريح، وأخذت تفرك كفيها ببعضهما وهي تفكر في الموقف برمته وتتوعد في سرها:


ـ طلعتي مش سهله يا فيروز، وانا وانتِ والزمن طويل .



❈-❈-❈



كانت «كيارا» مستيقظه وتجلس بهدوء مسترخٍ على إحدى المقاعد الوثيرة في غرفتها الفسيحة، تتابع باهتمام بالغ تفاصيل فيلم سينمائي يعرض على شاشة التلفاز أمامها، مندمجة تماماً في حبكته وتطورات أحداثه، بينما كانت الإضاءة الناعمة والدافئة تغمر الغرفة بأجواء هادئة مع اقتراب أواخر النهار. 


وفي تلك اللحظة التي تداخلت فيها أصوات التلفاز مع هدوء الأمسية، انقطع بث الفيلم فجأة ليظهر إعلان تجاري على القناة، وتزامن ذلك مع صدور نداء الحق الأول من المساجد القريبة إعلاناً بحلول موعد أذان المغرب.


مما ظلت تستمتع لاذان في الخارج ومن خلال التلفاز، حيث تركت صوت المؤذن العذب يتسلل إلى وجدانها ليهدئ من روعها، وخلال استغراقها في الاستماع الصامت، جاء أحدهم وقطعة من خلال دقات خفيفة ومتتالية على باب الغرفة، فرفعت بصرها نحو الباب وهتفت بصوت هادئ ومستفسر:


ـ ادخل .


حتى دخلت الخادمه بخطوات بطيئة وحذرة وهي تهتف بأحترام لتنقل لها رسالة غير متوقعة بالمرة:


ـ نصار بيه عايزك تحت في مكتبه يا هانم .

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تسمرت «كيارا» في مكانها، ورفع حاجبيها بحيرة بالغة وهى تهتف غير مصدقة ما سمحته أذناها وكأنها لم تفهم المقصود:


ـ نصار عايزنى أنا؟؟؟


هزت رأسها الخادمه بهدوء وتأكيد وهتفت بأحترام لها:

ـ أيوا .


مما هتفت «كيارا» بهدوء ولكنه مليء بالحيرة والريبة وهي تعدل جلستها وتستقيم في وقفتها:


ـ طيب روحى انتِ دلوقتى وانا نازلة .


هزت الخادمة رأسها بالموافقة، واستدارت لتغلق باب الغرفة خلفها بعناية، تاركة إياها وحدها في دوامة من التساؤلات والأفكار المتخبطة؛ فهي منذ أن وطأت قدمها هذا القصر لم يسبق لها أن جلست مع «نصار» بمفردها أو تبادلت معه أي حديث يذكر، فما الذي جعله يطلبها بالذات في هذا الوقت المتأخر نسبياً؟


مما وقفت من مكانها بخطوات متزنة واتجهت بسرعة إلى مرآتها الكبيرة حتى تعدل هيئة ثيابها وتتأكد من إطلالتها؛ كانت ترتدي توباً أبيض اللون قصير الضيق الذي يفصل تفاصيل جسدها بوضوح، منسقاً مع بنطلون جينز عملي. 


وأخذت تعبث بأطراف شعرها الكيرلي الطويل الكثيف لتنسيقه وترتيب خصلاته المتمردة. 


وبعد أن انتهت من تفقد مظهرها، خرجت من غرفتها بخطوات مشوبة بالحذر، وعبرت الممر الطويل متجهة نحو مكتبه في الطابق السفلي.


بعد ثوانٍ معدودات وصلت إلى الباب الخشبي الضخم، فوقفت تلملم شتات شجاعتها المتبقية ودقت دقات خفيفة ومترددة، وبعد لحظات صمت قصيرة، جاءها الإذن بالدخول بصوته العميق.


 فتحت الباب بخطوات بطيئة ودلفت إلى الداخل، لتجد «نصار» يجلس بهيبة طاغية على كرسي مكتبه الجلدي الفاخر، مريحاً ظهره للخلف بهيئة توحي بالسيطرة المطلقة، ناظراً إليها بعينين حادتين وثاقبتين كالصقر:


ـ تعالى يا كيارا .


دخلت وأغلقت باب المكتب خلفها بإحكام، واتجهت بخطوات متثاقلة نحوه، وجلست على الكرسي الوثير الذي كان منصوباً أمام مكتبه مباشرة، فبادرها بنبرة هادئة تخفي خلفها براكين هادئة:


ـ عامله ايه بقي في دراستك كله تمام؟؟؟.


هزت رأسها بهدوء محاولة إخفاء ارتباكها، وهتفت بنبرة هادئة ولكنه ملئ بالتوتر والخوف الدفين، تشعر في قرارة نفسها أن هذه الجلسة المشؤومة ليست خيراً أبداً:


ـ الحمد لله بخير .


بينما أكمل حديثه وهو يشبك أصابعه بين يـ ـده أمامها ببطء مقصود، وهو يهتف بنبرة هادئة ومُريبة:


ـ الا قوليلي بتدرسي ايه؟؟ .


تنفست بصوت عالي وواضح نتيجة لشدة توترها وخفقات قلبها المتسارعة، وهتفت بصوت متلعثم لا يكاد يسمع:


ـ تجاره . 


رفع حاجبيه ببطء وابتسم ابتسامة ساخرة مُرعبة جمدت الدم في عروقها:


ـ امممم تجاره مرة واحدة مع انك متستاهليش .


بلعت ريقها بما جوفيها من خوف مستعر وهتفت بنبرة متقطعة يغلفها الفزع:


ـ هو في ايه يا نصار؟؟.


لم يمهلها طويلاً، بل نظر لها نظرة حادة وقاتلة جعلت أوصالها ترتعد خوفاً، مما هتف بحده مفرطة هزت جدران الغرفة:


ـ تصوري يا جميلة انك كدبتي عليا انك ولا اجنبيه ولا اي حاجه وبعتتك صافي بس عشان تجسسي عليا و تحرقي قلبي .


جحظت عينيها من شدة الصدمة والهلع، وهتفت بتوتر مفرط وهي تقف بفزع من مقعدها كأنها لدغتها عقربة سامة:


ـ اي اللي بتقوله ده يا نصار ده ….. ده مش حقيقي انا….. انا كيارا


لم يتحمل تمثيلها السخيف، فضرب بـيـده بكل قوته على سطح الطاولة الخشبية مما صدر عنها صوت قاسي وعالي دوى في المكان، ونهض بسرعة مهولة واقترب منها بقسوة جعلتها تتراجع للخلف مرعوبة: 


ـ انا من اول يوم شوفتك فيه وشوفت لهجتك وانا مش مطمنالك، قلت خليني وراكى واعرف انتِ عايزه ايه بالظبط ومين اللي بعتك، لحد ما اكتشفت ان صافي هي اللي بعتتك ليا عشان تاخدى اوراق من الخزنة بتاعتي، و تحرقي قلبي وتديها كل المعلومات، وبنسبة لكيارا صاحبتنا انا وجيسيكا، فهى ماتت في حادثة عربيه من خمس سنين فـ صافي بقي لما عرفت راحت حطتك بدلها مع شوية تجميل وشوية عمليات انك تكوني شبها بالظبط


بينما أكمل حديثه وهو يهتف بقسوة أكثر ونبرة متوعدة، ويقترب منها بخطوات واسعة مرعبة حتى فقدت السيطرة على توازنها فوقعت «كيارا» على الأرض من شدة الرعب:


ـ بس الغبيه متعرفش انا مين وممكن اعمل ايه واللعبة البلدي اللي انتوا عملتوها ممكن اكشفها في اي لحظه واسجنكم انتى وهى .


انخرطت في بكاء هستيرى مرير، واقتربت منه زحفاً على الأرض وهي تحاول أن تقبل يـ ـديه بترجى واسترحام لا يخلو من الانهيار:


ـ حقك عليا انا والله ماليش ذنب انا ماليش دعوة بكل اللي حصل، هى اللي خططت وضغطت عليا وقالتلي انها هترجعني بلدى لو عملت كده، انا اسمي جميلة انور سعيد وجيت البلد الاجنبية مع خطيبي عشان اشتغل، خطيبي نصب عليا وسبني وراح لصافي، حاولت ارجع او اثبت اي حاجه بس مكنش معايا ولا اي حاجه ترجعني مصر من تاني، حقك عليا والله بس انا ماليش ذنب فكل اللي حصل وهي عرضت عليا العرض اني اكون مكان كيارا وهي هترجعنى بلدي وهتديني مليون وهتاخد حقي من خطيبي، وانا وافقت عشان بس انتقم من خطيبي والله، وبالفعل هي انتقمت منه وسجنته عشان كده كملت .


ابتسم بخبث وشماتة وهو يرى دموعها الغزيرة وانهيارها التام، وهو يهتف بنبرة قاسية لا تقبل الهوادة:


ـ ماليش دعوة باللى انتِ قولتيه ده انا هندمك كويس اوى على اللى عملتيه و انك حاولتي تتقربي من فارس وهسجنك انتى وهى .


بكت بحرقة أكبر وهزت راسها بلا بهستيرية تامة وهتفت بصوت يمزق القلب من شدة الاستعطاف:


ـ والله ما كانت خطتي، كانت خطتها هي، هي اللي قالتلي احاول اوقع فارس في حبي عشان يتجوزني واقعد في البيت أكتر واراقبك والله كانت خطتها هي .


رأته لا يبالي بدموعها ولا يتأثر بتوسلاتها، مما هتفت ببكاء أكثر حتى أصبح تنفسها عالياً ومسموعاً، واشتعلت عينيها وخدودها باللون الأحمر القاتم من شدة النحيب والبكاء:


ـ ابوس ايدك يا باشا مدخلنيش السجن انا عندي استعداد اعمل اي حاجه تطلبها منى، والله هكون خدامتك بس مدخلنيش السجن .


عقد يـ ـديه بإحكام أمام صـ ـدره، وهتف بخبث ودهاء وهو ينظر إليها من أعلى لأسفل:


ـ عندك استعداد تعملي اي حاجه، اي حاجه؟؟.


هزت رأسها بهستيرية مبالغ فيها وهي تبكي بحرقة وما زالت جالسة مكومة على الأرض بفزع وهلع:


ـ اي حاجه اي حاجه .


ابتسم بارتياح خبيث وعاد ليجلس على الكرسي الذي كان بجانبها، وهتف بنبرة جادة وحاسمة وهو يمعن النظر إليها:


ـ هتعملي اللي اقولك عليه بالحرف وده ليه عشان حاجتين عشان مدخلكيش السجن وانو محامي شاطر يعني ممكن اعمل ده بسهولة، وعشان تاني حاجه هتاخدي منى 3 مليون جنية .


بينما أكمل حديثه، ونظر لها بقسوة مفرطة هذه المرة اخترقت أعماقها:


ـ وتأكدى لو شميت بس رايحه عوج صدقيني مش هتردد ثانية واحدة بس اني ادخلك السجن و بتأبيدة كمان .


هزت رأسها بعنف وهي تشهق ببكاء أكثر، تلعن حظها العاثر الذي ألقى بها في طريق رجل لا يعرف الرحمة:


ـ مش هقول لحد والله، ورحمه امي ما هقول لحد بس مدخلنيش السجن .


ابتسم هذه المرة ابتسامة خبيثة ومظلمة تعلن بوضوح أن الوجه الآخر لشخصية «نصار» المرعبة قد بدأ الأن.



❈-❈-❈

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كانت «سهر» تقف وحيدة في شرفة غرفتها الفسيحة، مسبلة بصرها نحو السماء المرصعة بالنجوم اللامعة في عتمة الليل، بينما ينساب صوتها الشجي والهادئ يغني بكلمات تنبض بالحزن الدفين والشوق المرير:


ـ بقي ليك ناسك وحياتك بقي مية حاجه بتلهيك، ليك ناسك وحياتك بقي مية حاجه بتلهيك، وانا مش بنساك و حياتك، وحياتى دى واقفة عليك، سبحان اللي مفكرني، سبحان اللي منسيك .


أخذت تغنيها «سهر» وهى تتابع بصرها نحو الأفق البعيد والنجوم المترامية بقلب يملؤه الحزن الدفين والانكسار؛ فقد عبرت عتبة كلية الصيدلة بنجاح باهر بعد مخاض طويل من المذاكرة والامتحانات المضنية، وحققت حلمها بدخول إحدى أرقى الكليات، لكنها رغم هذا النجاح الباهر تشعر بأن كل شيء في حياتها بات ناقصاً وغير مكتمل، تشعر بفراغ هائل يلتهم روحها لكونه غير موجود ليشاركها فرحتها


أين هو؟؟؟.


فهو قد اختفى من حياتها تماماً وبلا إحساس منذ تلك المحادثة الأخيرة، وتوارى عن الأنظار تزامن مع بدايات امتحاناتها العصيبة، لم يكلف نفسه عناء السؤال عنها، ولا عن حالها وما آلت إليه ظروفها، ولا حتى ليعرف نتيجتها أو الكلية التي التحقت بها؛ لقد قابل رسائلها بتجاهل قاسي ومطبق وامتنع عن الرد عليها منذ أمد بعيد، مما دفعها مراراً وتكراراً لتقرر بحسم ألا ترسل له شيئاً بعد اليوم، وأن تحفظ ما تبقى من كرامتها المبعثرة


ولكنها حقاً اشتاقت له، اشتاقت لمحادثتهم الدائمة، اشتاقت لخوفه البالغ عليها، لاهتمامه الدقيق بكل تفصيلة تخصها، كل هذه المشاعر الفياضة ما زالت تحفر في صدرها بقسوة، ومع ذلك تجد نفسها مجبرة على خوض حرب طاحنة كل يوم لمقاومة هذا الحنين الجارف وحدها في العراء


هربت دمعة حارة من مقلتيها الرقيقتين، فمسحتها سريعاً وبلهفة ظاهرة بظهر كفها، متألمة من هول التساؤلات التي تكوي تفكيرها: تريد حقاً أن تعرف سبب اختفائه المفاجئ من حياتها بهذه الطريقة القاسية، فماذا اقترفت بحقه لتستحق هذا الجفاء؟


فهي أحبت بصدق وفتحت له أبواب قلبها على مصراعيها، ومع ذلك وجدته يتركها في منتصف الطريق وحيدة تواجه مصيرها بلا رفيق ولا معين


أغمضت عينيها بقوة علها تستمتع بنسمة البرد اللطيفة التي تلفح وجهها الباهت بحنان رقيق، كأن رياح الخريف والطقس المحيط بها يشعرون بعمق وجعها يسعيان لمواساتها


يكفي تماماً أن بداخل جوفها نيران ملتهبة لن تنطفئ أبداً مهما طال الزمن


عادت بخطوات بطيئة متثاقلة إلى داخل غرفتها المظلمة وأغلقت باب الشرفة خلفها بإحكام، وما إن خرجت إلى الممر الخارجي متجهة نحو الطابق السفلي، حتى تصادف خروج «سما» من غرفة «سالم» في ذات اللحظة تماماً. 


شعرت «سهر» باختناق مفاجئ وتجاهلت وجودها تماماً، وهمّت بالمغادرة وتخطيها كأنها لا ترى أحداً، لكن «سما» استوقفتها بصوت متردد وهي تنادى عليها برفق، مما جعلها تتوقف مكانها مكرهة دون أن تلتفت برأسها نحوها، وفي تلك اللحظة بالذات، كانت «سميحة» تنزل ببطء على الدرج الخشبي، فتسمرت في مكانها لمراقبة ما سيدور بينهما عن كثب


ارتبكت «سما» بشدة وبدا القلق واضحاً على ملامحها، وهتفت بنبرة ملحوظ فيها التوتر والانكسار:


ـ ممكن اعرف انتى زعلانه منى ليه، عملت اي ضايقك في الموضوع؟؟


أجابتها «سهر» بحدة جافة وما زالت تعطيها ظهرها باستعلاء، وهما الاثنتان تجهلان تماماً أن «سميحة» تقف خلفهما تتابع كل حرف وتسمع كل شيء بوضوح:


ـ مش زعلانه من حاجه و ازعل منك ليه وانت حتت شاغله عندنا .


همّت بالمضي قُدماً ومواصلة طريقها، لكنها توقفت مكانها حين هتفت «سما» بذهول واستنكار عارم من نبرتها القاسية المتعجرفة:


ـ really؟؟؟


بينما استدارت «سهر» نحوها مفاجأة وعينيها تدمعان قهراً وغضباً من تبعات الموقف، لتنفجر بقسوة بالغة في وجهها:


ـ انا افتكرت ان احنا صحاب و…


قطعتها «سهر» بعنف وقسوة وهي تلتفت لها بالكامل لتفترسها بنظراتها المشتعلة:


ـ صحاب منين؟؟، انتِ عبيطه يا بت انتِ اصحبك انتِ على ايه ان شاء الله، خلصوا البنات اللي في البلد واروح اصاحب بنت الله اعلم اهلها فين وسيبنها كده تبات في بيوت ناس متعرفهاش، فوقى انا يوم ما اصاحب، اصاحب بنت محترمه مش زيك بت و…..


قطعتها «سميحة» بحزم شديد وهي تنادي عليها بنبرة حادة ومرعبة أخرست لسانها في مكانها؛ فاقتربت منهم «سميحة» بخطوات واثقة، ورمقت «سهر» بنظرة نارية مليئة بالاستهجان، ثم حولت بصرها نحو «سما» التي كانت تبدأ بالبكاء وتطلق شهقات متقطعة من هول قسوة الكلمات الموجهة إليها، قبل أن تعيد توجيه أنظارها المتقدة نحو «سهر» وتهتف بصوت صارم:


ـ اي اللي بتقوليه ده انتِ اتجننتى؟؟؟، اتفضلي اعتذري منها حالا .


رمقت «سهر» شقيقتها «سميحة» بنظرات قاسية وملتهبة، وهتفت بحدة وعصبية مفرطة ترفض الانصياع تماماً:


ـ مش هعتذر لحد، المفروض هي اللي تعتذر منى هي وعيلتها كلها .


استدارت فجأة وتركتها وراءها، وغادرت المكان بسرعة جنونية بخطوات واسعة دون أن تكلف نفسها عناء توضيح حديثها الغريب، ظانة في سرها أن تلك الكلمات الحادة خرجت منها لمجرد العصبية والضغط النفسي ليس إلا. 


لكن المفاجأة جاءت على يد «سما» الطيبة التي سارعت بتقديم التبريرات براءة ودموعها تسيل على خديها، وهي تهتف بصوت متقطع:


ـ سيبها يا سميحة انا مش زعلانه منها، انا مسامحها علي كلامها .


التفتت «سميحة» برأسها نحو الفتاة المكسورة، وهتفت بنبرة حادة هي الأخرى ولكن تحمل طابع اللوم للوضع برمته:


ـ لا طبعا مينفعش لازم تعتذر، هي بس تلاقيها متضايقه من حاجه، انا شويه و اجيبها عشان تعتذر .


مسحت «سما» دموعها المتساقطة بلهفة وراحة، وهتفت بتبرير وتواضع شديد:


ـ لا لا طبعا مينفعش، وبعدان انا متعودة على المعامله دي في بيت اهلي انا بس اللي مضايقني انها كانت صحبتي و متعودتش انها تكلمني كده ابدا .


أحست «سميحة» بموجة من التعاطف العميق تجتاح قلبها، فتقدمت واقتربت منها لتربت على كتفها بوهن وحنان جارف لم يسبق لأحد أن رآه منها يوماً ما، وهتفت «سميحة» بنبرة دافئة وجادة ومفعمة بالاحترام:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ـ متعودة على المعامله دي في بقية اهلك لكن متتعوديش ابداً على المعاملة هنا، انتِ فوق راسنا كلنا، والمعامله اللي عاملتها سهر هتتحاسب عليها وهتعتذرلك اكيد، ولو عندك مشكلة وحابة تحكيها انا موجودة، بيت سراج السعداوي مفتوح ليكي في اي وقت .


أنهت جملتها الدافئة واستدارت لتغادر المكان بخطوات هادئة، تاركة «سما» تتابعها بعيون مذهولة لا تصدق أن هذا القلب الأبيض والحنون يكمن داخل صدر «سميحة». 


فطوال حياتها كانت تسمع أقاويل أهل القرية بأن «سميحة» امرأة صعبة المراس، شرسة ولا يؤمن غدرها أبداً حين يتعلق الأمر بعائلتها، لكنها تكتشف الآن بوضوح أن الشخص الوحيد الذي لا يؤمن جانبه ولا يُؤتمن هو «سهر» وليست «سميحة».


فـ «سميحة» بدت أمامها امرأة ذكية، ناضجة، تفقه في أصول الأمور وتدرك بواطنها، وربما يسبق لسانها أفعالها أحياناً من شدة الحماسة، لكنها الآن تتيقن من أنها أطيب خلق الله وأكرمهم قلباً وفؤاداً.




❈-❈-❈



عبرت «سميحة» بخطوات واثقة عتبة المطبخ الكبير، نفس البجعة التي هربت إليها «سهر» قبل لحظات، وهمّت بأن تباغتها بالحديث وتوبيخها على فعلتها، لكنها توقفت مكانها مفاجئة حين وقع بصرها على جموع الخدم والعاملين المنتشرين في أرجاء المكان وهم منكبون على تحضير الطعام وإعداد وجبات القصر بجهد ونشاط. 


تقدمت بخطوات هادئة حتى استقرت بجانب «سهر» مباشرة، غير أن الأخيرة أشاحت بوجنتها بعيداً باستعلاء وتكبر واضح حين شعرْت باقترابها، مما دفع «سميحة» لعجزها وتلكزها بقوة في ذراعيها في محاولة لتنبيهها، ومالت عليها لتهمس في أذنها بصوت غاضب ومكتوم بالكاد تصل نبراته إلى مسامعها وحدها:


ـ بت انتِ اطلعي من المطبخ عايزكِ .


التفتت «سهر» نحوها بملامح مشحونة بالغضب والاستفزاز، وكانت ترتدي في يدها كؤوس عصير البرتقال الطازج، فرفعت حاجبيها بسخرية لا تليق وهتفت بنبرة متعجرفة:


ـ خير يا تري هتهزقيني النهاردة عشان مين؟؟؟


وما إن انتهت من جملتها حتى أطلقت شهقة عالية ومبالغ فيها متعمدة جذب انتباه كل من في المطبخ، والتفتت عيون الخدم نحوها بترقب، بينما عمدت هي إلى وضع كوب العصير فوق سطح الطاولة الخشبية بعنف وغضب مفتعل أحدث صدى صوت عالٍ ومرتفع:


ـ انا عرفت عشان مين، عشان حتت شاغله عندنا متسواش.


شعرت «سميحة» بحرج الموقف، فالتفتت للجميع بنظرة حادة وحاسمة تحمل وعيداً صامتاً بأن يعود كل فرد إلى عمله المنوط به، وبالفعل استوعب الجميع مغزى نظرتها وأعادوا رؤوسهم لأسفل مستأنفين أعمالهم في صمت تام، وحينها التفتت «سميحة» إلى شقيقتها بنبرة يملؤها العجب والحيرة:


ـ هو انتِ من امتى بتفكرى بالاسلوب الرخيص ده؟؟؟، ما تتلمي يا بت صفية بدل ما المك انا .


لم تبالِ «سهر» بوعيدها، بل وضعت يـ ـدها على خـ ـصرها بحركة مياعة واستخفاف، وهتفت بغيظ وتحدٍ واضح في وجه «سميحة»:


ـ لا مش هتلم أصل عجباني البعترة، وبعدان اسلوب رخيص ايه، هى تستاهل الاسلوب اللي اتكلمت بيه هى واللى زيها ولو حاولت تتكلم معايا نص كلمة هخليها تندم انها اتكلمت معايا اصلا .


أدارت ظهرها بزهو وتركتها مسمرة في مكانها، و غادرت المطبخ متجهة إلى الصالون، مما دفع «سميحة» للاستشاطة غضباً والخروج خلفها بخطوات سريعة وملتهبة حتى أوقفتها في منتصف الصالون تماماً، وهتفت بصوت يعتصره الغضب والانفعال:


ـ ليه يما هو انتِ اشتريتي الناس؟؟، البت معملتش حاجه غير انها حاولت تتكلم معاكى، وبعدين مش دي الدكتورة اللي كنتِ صاحبتها واللي بتحبيها ايه اللى مغيرك كده عليها.


رمقتها «سهر» بنظرة استنكار ممزوجة بالحيرة من شدة دفاع شقيقتها المستميت عن عاملة بسيطة تعمل في المنزل:

ـ هو انتِ بجد بتتكلمى معايا انا كده عشان حتت شاغله عندنا، وبعدين صحبتى مين؟؟، انا عمرى ما اصاحب الأشكال العرة دى .


رفعت «سميحة» سبابتها بحذر وتوعد أمام وجه شقيقتها، وهتفت بنبرة صارمة تجاوزت حدود العصبية العادية:


ـ لاخر مرة هقولهالك إياكى تغلطي فيها تانى قدامى، وتعتذري كمان قدامها .


تأجج الغضب في صدر «سهر» أكثر فأكثر، وفقدت ما تبقى من أعصابها لتهتف بحدة وصوت مرتفع قليلاً كسر هدوء المكان:


ـ مش هعتذر واعلى ما في خيلك اركبيه انتِ وهى .


تحركت «سهر» بعنف وغادر المكان متخطية شقيقتها بسرعة، ولكن رن في أذنيها صوت «سميحة» الغاضب وهو يتردد في أرجاء المكان محذراً بوعيد قاطع سمعته «سهر» جيداً قبل أن تبتعد:


ـ هشتكى لابوكى علي الكلام ده وبرضو هتعتذري ليها .



وفي تلك الأثناء، كانت «سما» تقف متسمرة على درجات السلالم العلوية، تتابع بدموع مكسورة كل تفاصيل المشهد وتستمع إلى كل كلمة دارت بحذافيرها، وهي لا تصدق أبداً أن هذه الفتاة المتغطرسة هي ذاتها «سهر» الملاك البريء الذي طالما رسمته في خيالها الصافي وتوهمت طيبته.



شعرت باختناق شديد يمزق صدرها، فاستدارت بخطوات متعثرة وغادرت القصر بأكمله هاربة إلى أطراف الحديقة الواسعة والهادئة، وأخرجت هاتفها لتجري اتصالاً سريعاً بـ «عمار». 


وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى أتاها صوته العذب و الممزوج بمزاحه المعتاد كعادته دائماً:


ـ ايه يا كتكوتة .

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أغمضت عينيها بقوة لتمنع دموعها من السقوط، وهتفت بصوت مخنوق ينم عن ضيق مستحكم في صـ ـدرها:

ـ سيبك دلوقتي من الكتكوتة عايزة اقولك حاجه.


كان مستلقياً على فراشه وحين استمع لنبرتها المحملة بالهم والضيق، انتفض و اعتدل في جلسته فوراً، ليهتف بحنان وقلق باديين في صوته:


ـ مالك يا حبيبتي احكيلي .


راحت تقص عليه بتفاصيل مريرة كل ما جرى قبل قليل، متحدثة عن كلمات «سهر» القاسية والمهينة بحقها، وعن الموقف النبيل والدفاع الشجاع الذي تبنته «سميحة» لأجلها، وما إن فرغت من سرد الحكاية حتى انخرطت في بكاء مرير يعبر عن قهرها وضياع أملها، مما جعل «عمار» يشتعل غضباً وينتفض صوته بعصبية بالغة:


ـ انا قلتلك انا من ساعه ما كلمتها والبت دي انانية وعمرها ما بتتمنى الخير لحد، دي البت بوشين، مرة تتكلم علي صحبتها بـ اوسخ الكلام، ولما تشوفها انتِ حبيبتي وتنزلها استوري، دي بتتكلم علي اختها بالوحش، اختها اللي واكلة معها عيش وملح وحاقدة علي اختها ان الكل مهتم بيها عشان جوزها مات، ازاى دى اتجوزها وتبقي ام عيالي انا لما اكتشفت كده بعدت عنها، وانا بحلفلك والله انا كنت فعلا ناوى اخد خطوة و اخطبها بس لما اكتشفتها فعلا، بعدت، وقلتلك ابعدي عن البيت ده و عشان عارفها انها حقودة مش بتسيب حد قلتلك سيبي البيت عشان هي مش هتسيبك .


هزت رأسها بضعف وانكسار وهي تبسلت في دموعها، وهتفت بنبرة حزينة ترثي فيها حالها الضعيف:


ـ استحاله اسيب سالم وامشي، محدش هيعرف يتعامل معه غيري، انا بشجعه عشان يقوم وما صدقت انها بدأ يتحسن شوية ويستجيب للعلاج، ارجوك سبني يا عمار و انا والله ماليش دعوة بيها، انا كلمتها النهاردة بس عشان كنت فاكرها صحبتي .


شعر بمدى ألمها وحيلتها، فهبطت حدة نبرته قليلاً ليحيطها بدفء واحتواء لا مثيل له:


ـ يا حبيبتي انا عارف بس هي ولا مره اعتبرتك صحبتها، هي كانت قريبة منك بس عشانى، ولما بدأت اتجاهلها ومكلمهاش وخلاص يعتبر موضوعنا خلص، هي مش هتسيبك وهتفضل كل شوية تضايقك بكلامها .


مست كفها بظهر يـ ـديها المرتجفتين لتجفف آثار الدموع، وهتفت بيقين حزين:


ـ لا انا مش هيبقي ليا دعوة بيها والله ، هي في حالها وانا فى حالى .


بينما أكملت حديثها فجأة وهي ترفع بصرها لتجد كبيرة الخدم تقترب منها بخطوات هادئة في أرجاء الحديقة:


ـ طب سلام دلوقتي هكلمك بعدان .


أغلقت الخط في وجهه بتهسر ودون أن تمنحه فرصة للرد على كلماتها الأخيرة، والتفتت بكامل جسدها لتستقبل كبيرة الخدم باهتمام بالغ وترقب:


ـ انا جبتلك الادوية اللي طلبتيها مني امبارح .


هزت رأسها بامتنان وهتفت بصوت هادئ ومستقر وهي تمد يدها لتلتقط الكيس البلاستيكي الممتلئ بعبوات الأدوية المختلفة:


ـ تمام شكرا


قالتها باختصار، وأحكمت قبضتها على الأدوية، ثم انصرفت من أمامها بخطوات بطيئة ومتزنة لتعود إلى مهامها داخل القصر.



❈-❈-❈


انحنت «فيروز» برفق بالغ لتضع صغيرها المدلل «نوح» على فراشه الوثير بحذر شديد، وأخذت تتنهد بعمق شديد من شدة الإرهاق والتعب، ناظرة إليه باهتمام بالغ وحذر متزايد خوفاً من أن يزعجه أي صوت فيستيقظ في أي لحظة ليعاود البكاء.


 وما إن فرغت من مهمتها وتأكدت من استغراقه في النوم، حتى قطع هذا الهدوء صوت خروج «إيهاب» من الحمام، فسارعت نحو الباب تزامناً مع ظهوره، وهتفت بحذر وشفتيها تتحركان بصوت مهموس وخافت للغاية:


ـ هششش براحة .


توقف «إيهاب» مكانه، وأغلق باب المرحاض بخفة تامة وهدوء لافت دون أن يصدر أي صوت يُذكر، وهز رأسه بابتسامة خفيفة تعني فهمه التام لحديثها وحرصه على عدم إيقاظ الصغير. 


اقترب منها بخطوات بطيئة وناعمة، موزعاً نظراته بحنان واهتمام بالغ بينها وبين «الصغير» النام بسلام وهدوء تام فوق الفراش، مما دفعها لتطلق تنهيدة أخرى محملة بأعباء اليوم الشاق، وهمست بصوت خافت يعتصره الإعياء:


ـ طلع عيني عقبال ما نام .


رمقها بنظرات تفيض هياماً وعشقاً جارفاً، وهو يوزع أنظاره الحانية بينها وبين الطفل الصغير، ثم هتف بنبرة دافئة ومطمئنة:


ـ معلش نومه مش هيبقى مظبوط الايام الجاية، فـ لازم نستحمل ده .


أشاحت بوجنتها عنه دون أن ترد عليه، وعادت ببصرها لتتأمل طفلها النائم بحب وأمومة طاغية، وبعد ثوانٍ معدودات أدارت وجهها وابتعدت عن حافة الفراش بخطوات متزنة وهي تقول:


ـ شكله نام خلاص، الحق انام ساعتين عقبال ما يصحى .


همّت بالتحرك نحو الفراش وكانت خطواتها تسبقه، ولكنه تفاجأ بها حين تحرك بسرعة ووقف أمامه مباشرة ليقطع عليها الطريق. رفعت عينيها نحوه ببغض وحيرة بالغة جليّة في ملامحها، وشعرت فجأة بـيـده القوية تحاوط خـ ـصرها النحيل وتجذبها نحوه ببطء شديد وقوة مسيطرة، وهتف هو بنبرة يملؤها الهيام الشديد والوله، بينما كانت عيناه تلتصقان بشفتيها برغبة جارفة:


ـ هتقضي الساعتان نوم بس .


ختم جملته وهو يزيد من قبضته ليجعلها تقترب منه أكثر فأكثر، وهي ترمقه بنظرات حيرة وتوجس مشوب بالخوف. 


استمر في الاقتراب حتى أصبح وجهه على مقربة شديدة من وجهها، وعيناه لا تزالان ترسخان على شفـ ـتيها بنهم ورغبة واضحة، وكاد أن يهوي ليطبع قبلة على شـ ـفتيها، لكنها انتفضت فجأة وابتعدت عنه بقوة، و أفلتت نفسها من بين يـ ـديه بعنف، ثم هتفت بحدة وصوت مرتفع قليلاً كسر صمت الغرفة وهي تتنفس بسرعة وسعير الغضب يسري في عروقها:


ـ هو انت بتعمل ايه يا إيهاب؟؟؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

بينما أكملت كلماتها وهي تتراجع خطوات للوراء وتبتعد عنه باشمئزاز ظاهر وكأنه وباء مميت يخشى الاقتراب منه:


ـ انت اتجننت؟؟


عقد حاجبيه بذهول وعجب شديد، وهتف بنبرة تخفي خلفها خيبة أمل عميقة وعدم فهم لتصرفاتها الحادة التي ألمت قلبه وجرحت كبريائه الرجولي:


ـ بعمل ايه يا فيروز ده حقي .


اشتعلت عينا «فيروز» بشرارات الغضب أكثر وأكثر حتى تجمعت الدموع بغزارة في مقلتيها قهراً، وهتفت هي بنبرة عصبية مفرطة اهتزت لها نبرات صوتها:


ـ حق مين يا ابو حق، انا قبلت اتجوز الجوازة دى وانا حاطه شرط انك متلمسنيش وان الجوازة دى هتبقي علي ورق بس، وقايلة لامك الكلام ده وامك بذات نفسها وافقت وقالت إن إيهاب موافق .


بينما استرسلت في حديثها بعنف وهي تشير بيديها المرتجفتين على نفسها تارة وعلى ابنها النائم تارة أخرى:


ـ لكن جاي دلوقتي تتطلب بحقك بتاع ايه، انا لسه بحب نصار، وابنى ده هيفضل ابنه علي الورق، لكن قدام الناس هيفضل ابنك انت وانا كذلك هفضل قدام الناس مراتك انت، لكن انا قلبي فيه شخص واحد وهو نصار بس .


تقدم منها خطوة واحدة مترددة وهو يحاول استيعاب كلماتها الجارحة والحديث معها، لكنه قطع خطواته مضطراً للمرة الثانية حين رآها تبتعد عنه بفزع وكأنه حقاً نجس أو وباء تكره حتى مجاورته، ومطت شفتيها باشمئزاز وهي تهتف بغضب مفرط:


ـ أنا من رأيي تنام برا الليلادى احسن، يكون احسن ليك وليا .


كاد أن ينطق بحرف واحد ليعترض أو يتفاهم معها بهدوء، لكنه صمت مجدداً وأطبق شفتيه بقسوة حين راوغت «فيروز» وفتحت له باب الغرفة على مصراعيه، وهي تهتف بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش ولا الجدال، مفعمة بالعصبية والغضب الدفين:


ـ تصبح على خير يا إيهاب .


استدار «إيهاب» ببطء وخطوات ثقيلة ومكسورة، وحين وصل إلى عتبة الباب التفت بنظرة أخيرة يملؤها الكسر والانكسار الشديد، كان ينتظر منها ومضة ندم، أن تقول إنها آسفة حقاً، نعم كان يتمنى أن يسمع منها اعتذاراً دافئاً أو يلقى عناقاً يرمم صدره المهشم، لكنه لم يجد شيئاً من ذلك أبداً؛ لم يجد سوى تجاهل بارد قاسٍ، وعينين لم تكلّفا أنفسهما حتى عناء النظر إليه.


 وحين غادر الغرفة وأغلق الباب وراءه، تردد صداه في الممر المظلم، ودوت طقطقة الباب وهو يغلق بهدوء مطلق زاد من وحشة المكان وقسوة جرحه.


❈-❈-❈


خطا «إيهاب» خطواته المتعثرة المليئة بالخذلان متجهاً بخطوات ثقيلة نحو غرفة شقيقه «باسم»، وما إن بلغ عتبتها حتى رفع يده ودق على الباب دقات خفيفة متتالية تعكس مدى اضطرابه.


 وسرعان ما فتش الباب وأُتيح له الدخول، ولم يتفاجأ «باسم» من وجوده أبداً في هذا الوقت المتأخر من الليل، بل كان متوقعاً تماماً أن يأتيه خائباً، فترك الباب مفتوحاً أمامه وهتف بنبرة مشحونة بالسخرية والتهكم:


ـ اتأخرت خمس دقائق .


دخل «إيهاب» إلى الغرفة بخطوات بطيئة، وأغلق باب الغرفة خلفه بعناية فائقة، ثم ألقى بجسده المنهك وألقى بحسرة بالغة على حاله من قسوة حديثها، ليهتف بنبرة منكسرة:


ـ في واحده تقول لجوزها انها بتحب واحد تانى والمفروض في أول ليلة بينهم .


سخر «باسم» من جملة شقيقه متهكماً، وهتف بنبرة مراوغة تفتقر إلى الجدية:


ـ ده علي اساس ان هي بتموت في دباديبك والجوازه عن حب؟؟، ما احنا عارفين ظروف جوازكم كانت ايه، وده المتوقع من تصرفاتها .


هز «إيهاب» رأسه بأسى بالغ، وجلس بجانب شقيقه على حافة الفراش، وهتف بتفكير عميق وحزن دفين لامس شغاف قلب «باسم» وجعله يشعر بحجم ألمه:


ـ ايوا بس انا كنت فاكر انه هيتغير، اتصرفت تصرف وحش معايا، وكمان خرجتني من الاوضة، تعرف انا كنت مستني منها اعتذار اي حاجه، كلمه مقصدش مثلا، حضن ya سيدي مفهوش اي حاجه، نفسي احضنها احس بالأمان معها.


ربت «باسم» بوهن وخفة على كتف شقيقه المكسور، وهتف بنبرة حنونة متواضعة:


ـ خلاص يا إيهاب متزعلش، وبعدان هي ان شاء الله هتحبك لما تعرفك، اصبر عليها بس وخير يعني متقلقش و…..


قطع حديثه المفاجئ اقتحام والدتهم «لوزة» للغرفة بلا سابق إنذار، وكانت تشتعل غضباً وعصبية مفرطة حتى طفح كيلها، وانطلق صوتها الحاد ليعلو أرجاء المكان بقوة مبالغ فيها، لدرجة أن جميع الخدم المتواجدين في الغرف المجاورة سمعوا صراخها الهستيري:


ـ بقي بنت الكلب بتطردك في ليلة دخلتكم، ااه يا بنت الـ******، يا أنا يا البت دي النهاردة، والبت دى هتخرج النهاردة بفضيحة كمان بت الـ ********


أخذت تطلق سيلاً من الألفاظ البذيئة والشتائم النابية التي جعلت الشقيقين ينتفضان واقفين من مكانيهما بفزع شديد. 


وكاد «باسم» أن يتدخل ليهدئ الأوضاع الملتهبة ويحتوِ الموقف، لكن «لوزة» لم تمنحه الفرصة؛ إذ استدارت بعنف وتركت أولادها خلفها، وهرعت بصخب نحو الطابق العلوي متجهة مباشرة لتتشاجر مع تلك الشمطاء وتلقنها درساً لا يُنسى.


أخذت تدق على باب غرفتها بقبضتيها بعنف وقسوة بالغة جعلت الباب يرتج، وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى انفتح الباب لتظهر «فيروز» بملامح جامدة؛ فقد غيرت ملابسها تماماً وارتدت عباءة محتشمة سوداء اللون واسعة وفضفاضة وكأنها كانت تستعد للخروج من القصر في تلك اللحظة بالذات.


مما هتفت «فيروز» بنبرة بالغة البرود والاستفزاز لها:

ـ خير يا خالتي في ايه.


فاجأتها العجوز بفظاظة بالغة وعصبية عمياء وقد بلغ بها الغضب مبلغه:


ـ بقي انتِ يا بنت الـ ******، بتطردى ابنى من اوضته، ابنى انا؟؟؟ ، انتِ شكلك اتهبلتي في نفوخك يا بت .


رمقتها «فيروز» بنظرات محملة بالحيرة والتعجب، وعقدت يـ ـديها المرتجفتين بإحكام أمام صـ ـدرها، وهتفت بنبرة هادئة ومتعمدة البرود:


ـ مش هرد عليكي يا خالتى عشان انا بنت اصول ومتربيه، إنما بطرد ابنك ليه، عشان ابنك ملتزمش بالاتفاق اللي انا وانتِ اتفقنا عليه، وهى ان الجوازة علي ورق وهتفضل كده لحد آخر يوم في عمر ايهاب او عمري .


كادت «لوزة» أن تهجم عليها لتصفعها على وجهها بقوة من شدة السعار، لولا أن ظهر «إيهاب» فجأة ليمسك والدته ويمنعها من الوصول إليها، وتزامن ذلك مع تدخل «باسم» الذي هتف بتوتر بالغ محاولاً احتواء الموقف وصرف «فيروز»:


ـ ادخلي جوا دلوقتي يا مرات اخويا وبعدان نتكلم .



أجابته هي بثبات تام وما زالت عيناها مصوبتين بتحدٍ نحو «لوزة»، وهتفت بنبرة قاطعة وحادة:



ـ لا نتكلم دلوقتي .



فما كان من «لوزة» إلا أن اندفعت باهتياج وعصبية مفرطة، مواصلة حركتها العنيفة ومقاومة «إيهاب» بكل قوتها لكي تتخلص من قبضته وتتمكن من إلقاء ضربة مباحة تشفي غليلها من هذه الشمطاء:



ـ نتكلم ايه يا ******، نتكلم في ايه، انتِ بتمنعى ابنى من حقه الشرعى، طب ايه رأيك بقي، هيدخل عليكي غصب عنك ولو مرضتيتش هيتجوز في نفس اليوم واحدة غيرك وهتكونى انتِ زي الكلب .



ردت عليها «فيروز» بثبات جليدي وبرود أعصاب مستفز، وهتفت بحده وقد طفح بها الكيل تماماً:



ـ ابنك عندك اهو يتجوز تانى ولا تالت ولا حتى عاشر مش فارقة معايا، انا اتجوزته عشان خاطر ابنى، واستحاله اخلى ايهاب يقرب منى، ده نجوم السما انتِ وهو اقربلكم .



جحظت عينا «لوزة» من شدة الصدمة، والتفتت إلى ابنها «إيهاب» بنظرات حادة ومشتعلة هذه المرة، وهتفت بعصبية جارفة جعلت جـ ـسدها النحيل يهتز بعنف:



ـ يبقي تتجوز تانى يا إيهاب وقدام عين الـ*****، يا أنا يا انتِ .





و…..

« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (توتا محمود)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل