قصة قصيرة جديدة ما خلف الابتسامة لسمر ابراهيم - الفصل 2 - الأحد 14/6/2026
تم النشر في: 14 يونيو 2026
قراءة رواية ما خلف الابتسامة كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
قصة ما خلف الابتسامة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة سمر إبراهيم
الفصل الثاني
تم النشر يوم الأحد
14/6/2026
- يعني إيه رجعت في كلامها هو اتفاق عيال.
كانت تصيح عبر الهاتف تكاد أن تفقد عقلها من شدة الغضب فلم يتبقى سوى أيام قليلة على موعد ولادتها وقدوم زوجها الذي أخبرته بأنها ستخبره بموعد الولادة فور تحديد الطبيب له لكي يحجز تذاكر الطيران قبلها بعدة أيام وكانت تعزم وقتها أن تخبره بأن الولادة جاءت مفاجئة قبل الموعد المحدد حتى يأتي بعد أن تكون قد وضعت طفلها المزعوم بالفعل ويأتي هذا الرجل الآن ليضرب بجميع خططها عرض الحائط ويخبرها أن المرأة قد أخلت بالاتفاق وقررت تربية الطفل مع إخوته.
كادت تقتلعُ شعرَها من فرطِ الغضب، وهي تشدّه بعنفٍ يكاد يُمزّق خُصَلاته خاصة وهي تستمع لصوته البارد غبر الهاتف:
- وأنا أعمل إيه يعني أفتح بطنها وأجيبلك العيل بالعافية الست مش عايزة تبيع استني عليا شوية أشوفلك غيره.
لمعت عينيها ببريق شيطاني فور سماعها لحديثه لتغلق الهاتف في وجهه وقد أتت لها فكرة تستطيع من خلالها حل مشكلتها بسهولة دون أن يكشفها أحد.
أيام وهي تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي تبحث عن مبتغاها حتى كادت تفقد الأمل زفرت بضيق وهي تخلل خصلات شعرها بأصابعها بعنف حتى كادت ان تقتلعها ولكنها اعتدلت فجأة وهي تقرأ منشور على أحد المجموعات الخاصة بتربية الحيوانات الأليفة مكتوبه به:
"قطتي الجميلة كبرت وخلاص وصلت لمرحلة الجواز وبتدور على عريس مناسب.
اللي عنده قط محترم، هادي، وصحته كويسة، يبعتلي في الخاص.
الجدية مطلوبة والاختيارات محدودة"
ليس الإعلان هو ما لفت نظرها ولكن صورة صاحبته هو ما جعلها تعتدل في جلستها وتدخل مسرعة إلى ملفها الشخصي لتتأكد مما رأت.
كانت الصورة عبارة عن امرأة تحمل قطة بين زراعيها ولكن بروز بطنها الدال على حملها في شهورها الأخيرة هو ما جعلها تبتسم بانتصار.
يوم كامل وهي تتصفح كافة منشوراتها وتعليقات أصدقائها والتي معظمها تسأل عن موعد ولادتها وكانت إجابتها سأذهب للطبيب الاسبوع القادم لتحديد موعد الولادة، وهنا حسمت أمرها فهذه المرأة هي الهدف المنشود قامت بعمل حساب وهمي على هذا التطبيق وقامت بمراسلتها من خلاله:
" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا بكلم حضرتك علشان قطتك أنا عندي قط ممتاز ومحتاج يتجوز هو كمان ياريت لو شوفتي الرسالة تتواصلي معايا ونتقابل"
أنهت كتابة الرسالة وهي تبتسم بإعجاب على ذكائها الخارق الذي يخرجها من كل مأزق.
التقطت المرأة الطعم بالفعل وأجابت على رسالتها طالبة صورة القط وهو ما كانت مستعدة له بالفعل فلقد بحثت عن صور قطط جميلة على الإنترنت ليقع اختيارها على قط ذو مواصفات جيدة ومن نفس فصيلة قطتها من المؤكد أنه سيلفت انتباهها وأرسلت لها الصورة لتعجب به بالفعل واتفقا على اللقاء في منزل المرأة لتأخذ منها القطة لأنها ستلد الأسبوع القادم ولا تستطيع الاعتناء بهما فالتزاوج سيحدث في منزل صفاء أو رشا وهو الاسم الذي أخبرتها به.
ارتدت عباءة سوداء غالية الثمن لكي لا تشك بها المرأة فور رؤيتها وفوقها غطاء وجه أسود يخفي جميع ملامحها وقفازات سوداء، تحمل معها حقيبة كبيرة الحجم نوعًا ما تضع بها كل ما يمكن أن تحتاجه ثم ذهبت في الموعد المحدد، طرقت الباب لتفتح لها امرأة في منتصف العشرينات ذات ملامح هادئة وابتسامة بشوشة تظهر عليها علامات الحمل، استقبلتها بود بعد أن عرفتها بنفسها وسمحت لها بالدخول لتحضر لها القطة.
جلست على أحد المقاعد وهي تدور بعينيها تمسح المكان لترى كافة مداخله ومخارجه ورأت هل يوجد أحد أم لا وعندما اطمأنت لعدم وجود أحد قامت برفع غطاء الوجه قليلا حتى لا تشك المرأة في شيء.
لحظات وحضرت المرأة وهي تحمل صينية عليها كأس به عصير ما وقدمته لها بترحاب:
- اتفضلي اشربي.
حدثتها بود راسمة على وجهها ابتسامة جاهدت لجعلها ودودة:
- تعبتي نفسك ليه يا حبيبتي وانتي مش قادرة كدا.
ابتسمت المرأة وهي تعطيها الكأس وجلست بصعوبة على المقعد المقابل لها:
- مفيش تعب ولا حاجة يا حبيبتي دي حاجة بسيطة.
أخذت الكأس وارتشفت منه رشفة، ثم وضعته أمامها على الطاولة وحدثتها بود مصطنع:
- أومال عروستنا فين؟
أستدارت المرأة تبحث بعينيها في المكان وعندما لم تجد قطتها على مرآى بصرها قامت بصعوبة بالغة وهي تضع يدها على ظهرها:
- تلاقيها مستخبية هنا ولا هنا هقوم أدور عليها.
وما أن اعطتها ظهرها حتى باغتها صفاء ممسكة بشعرها من خلف وفي لحظات نحرت عنقها بنصلها المسنون دون أن يرف لها جفن وكأنها قاتلة مخضرمة قد فعلت ذلك عشرات المرات.
وقعت المرأة أرضًا غارقة في دمائها غير مدركة لما حدث لم يستطع عقلها ترجمة ما فعلته بها هذه المرأة لتبدأ في الإرتجاف وهي ممسكة برقبتها يخرج منها صوت حشرجة وكأنها حشرجة الموت لتقترب منها صفاء متحدثة بعيون مفتوحة أكثر من اللازم مليئة بالجنون:
- معلش بقى يا نهى حظك كدا وعمرك خلص لحد هنا نصيبك إنك تيجي قدامي.
قالت ذلك واقتربت من بطنها المنتفخة وقامت بعمل شق عرضي في أسفل البطن كانت قد علمت مكانه مسبقا فلقد شاهدت العديد والعديد من المقاطع المرئية التي تشرح عملية الولادة القيصرية.
طبقة تلو الأخرى تشقها بحذر شديد حتى ظهر لها الكيس الموجود به الجنين لتفتحه بحذر مخرجة إياه وهي تضحك بجنون خاصة عندما سمعت بكائه واطمأنت بأنه بصحة جيدة قطعت الحبل السري ثم وضعت به المشبك الخاص المستخدم للأطفال حديثي الولادة وقامت بتنظيفه برفق ووضعته في بطانية صغيرة ثم غيرت ملابسها المغطاة بالدماء سريعًا وغادرت المكان دون أن تلتفت وراءها.
❈-❈-❈
خرجت من العقار وهي تحمل الطفل لتوقف أول سيارة أجرة تقابلها انزلقت إلى المقعد الخلفي للسيارة، وأغلقت الباب برفق، كأنها تُسدِل ستارًا على فصلٍ انقضى.
كان الطفل بين ذراعيها، يتنفس بانتظامٍ وهدوء، لا يدري شيئًا عن العاصفة التي عبرت به إلى هذا الصمت.
في الخارج، كانت المدينة تنساب خلف الزجاج كلوحةٍ باهتة، بينما يتصاعد في عروقها اندفاعٌ حادّ يوقظ حواسّها جميعًا.
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ رفيعة، باردة، وهي تُحكم احتضان الصغير، لا بعاطفةٍ دافئة، بل بامتلاكٍ صامت.
شعرت في قرارة نفسها بأنها تعلو فوق الجميع، كطاووسٍ نافشٍ ريشه، لا تطاله يد، ولا يجرؤ أحدٌ على بلوغه، لم يكن في صدرها موضعٌ لندمٍ أو تردّد؛ فقط ذلك الزهو الموحش، وذلك الهدوء المريب الذي يسبق عاصفةً لا يسمعها سواها.
أوقفت السيارة أمام أحد المولات التجارية تريد القضاء على أصغر خيط من الممكن أن يوصل إليها، قامت بشراء ملابس جديدة لها وللطفل ودخلت دورة المياة لتغير ملابسها وملابس الرضيع وألقت بجميع الملابس التي معها وكذلك الهاتف الذي كانت تحادثها منه في سلة المهملات لتخرج وكأنها شخص آخر غير الذي دخل.
وصلت منزلها وهي تتنفس الصعداء فلقد وصلت نسبة الأدرينالين لديها لأعلى معدلاتها قامت بتغيير ملابسها وتسطحت فوق الفراش وهي تحتضن الطفل وقامت بالاتصال بزوجها متصنعة الإرهاق لتوهمه بأنها قد أنجبت بالفعل.
أجاب زوجها سريعا وقد تآكله القلق فلقد هاتفها العديد من المرات ولم تجيب:
- أيوة يا صافي انتي فين برن عليكي من الصبح مبترديش حتى مامتك رنيت عليها مردتش كنت هموت من القلق عليكي.
أثنت على ذكائها الذي جعلها تحذر والدتها من الرد على مكالمات زوجها وأجابته بصوت خافت جاهدت أن يخرج متعبًا:
- معلش يا حبيبي حقك عليا غصب عني والله.
فزع فور سماعه لصوتها فعقب مسرعًا:
- مالك يا حبيبتي فيكي إيه؟
ضحكت بخفوت وهي تجيبه:
- مفيش يا بابا إحنا بخير.
عقد حاجبيه بغير فهم لا يستطيع استيعاب ما تقوله حتى وجدها تردف:
- مبروك يا حبيبي ولي العهد شرف.
تجمّد صوته في حلقه، كأن الكلمات خانته في أكثر اللحظات التي انتظرها عمرًا بأكمله، ظلّ ممسكًا بالهاتف، وعيناها غائبتان في الفراغ، يحاول استيعاب الجملة التي دوّت في أذنه: لقد صار أبًا، ارتجفت أنفاسه، وتسارعت دقّات قلبه على نحو لم يعهده من قبل، واندفعت إلى صدره موجة دافئة من الفرح الممزوج بالذهول، حتى خُيّل إليه أنّ العالم من حوله قد تبدّل فجأة.
انفرجت شفتاه عن ابتسامة مرتعشة، وسرعان ما اغرورقت عيناه بدموع لم يستطع كبحها، دموع سنينٍ طويلة من الانتظار والدعاء والصبر.
تمتم بصوتٍ متهدّج لا يكاد يُسمع، يحمد الله ويشكره، كأنّه يخشى أن يكون ما سمعه حلمًا قد يتبدّد إن رفع صوته.
وفي تلك اللحظة، لم يعد يسمع شيئًا سوى صدى كلمة واحدة تتردّد في أعماقه: "أب" الكلمة التي غيّرت كل شيء، وجعلت قلبه يخفق بحياةٍ جديدة، لم يعرفها من قبل.
- ألو، ألو، وليد انت معايا روحت فين.
كانت تلك الكلمات التي جعلته يفيق من شروده ليحدثها بصوت متقطع:
- بجد يا صافي يعني أنا بقيت أب.
اتسعت ابتسامتها وهي تجيبه بصوت منخفض:
- بجد با حبيبي وابننا في حضني اهه.
- طيب اقفلي بسرعة وكلميني فيديو كول خليني أشوفه.
أغلقت بالفعل لتجده يهاتفها على أحد التطبيقات وما كاد رآه حتى انهمرت دموعه دون توقف يتأمل ملامحه الصغيرة التي لطالما اشتاق لرؤيتها وما أن أغلق معها حتى قام بحجز أول طائرة عائدة إلى البلاد لكي يرى طفله الذي طاق لرؤيته منذ سنوات.
❈-❈-❈
وقفت أمام باب الشقة تلتقط أنفاسها المتقطعة، صدرها يعلو ويهبط كمن خرجت تواً من سباقٍ طويل، وقطرات العرق تتسلل على جبينها رغم محاولتها مسحها بطرف كتفها. كانت يداها مثقلتين بأكياسٍ كثيرة، أصابعها تكاد تتجمد من شدة الضغط، فمال جسدها قليلًا نحو الباب تستند إليه كأنها تخشى أن تخذلها ساقاها.
رفعت يدها بصعوبة وضغطت زر الجرس بوهَنٍ واضح، ضغطة قصيرة مرتجفة، ثم انتظرت لا صوت، لا حركة خلف الباب. أعادت المحاولة، هذه المرة أبطأ، وكأن قوتها تنفد مع كل ثانية تمر، لكن الصمت ظل جاثمًا كما هو، يزيد من ثقل الوقفة ووحشة الانتظار.
تعجبت عندما لم تجد ردًا فهي تعلم أن ابنتها لم تغادر شقتها لتشعر بالفزع أن يكون قد حدث لها شيء وهي بمفردها فوضعت الأكياس أرضًا وأخرجت مفتاح شقة ابنتها من حقيبتها وولجت للداخل وهي تنادي بإسمها بقلق:
- نهى انتي فين يا بنتي مبترديش ليه؟
كانت تخطوا داخل الشقة القلق ينهش قلبها وما جعل الدماء تتجمد في عروقها هو رؤيتها لقطرات دماء على الأرض فأحست وكأن الزمن تعثّر تحت قدميها، وعيناها تتشبثان بالمشهد أمامها في إنكارٍ صامت، لم تستوعب في اللحظة الأولى؛ بدا الأمر ككابوسٍ ثقيل لم يكتمل بعد، لكن قلبها أدرك قبل عقلها، فانقبض انقباضًا موجعًا كأن يدًا خفية تعتصره.
ارتجفت أطرافها، وسقط صوتها في حلقها قبل أن يخرج، واختلطت أنفاسها بين شهقةٍ مكبوتة ووجعٍ لا يُقال. تقدّمت خطوة مترددة، كأنها تخشى أن يثبت ما تراه مع كل اقتراب، وأن يتحول الوهم إلى حقيقةٍ قاسية لا رجوع عنها.
في داخلها، تكسّرت أشياء كثيرة دفعةً واحدة؛ أمومةٌ كانت تحيط ابنتها، وذكرياتٌ تتزاحم بلا رحمة، ونداءٌ غريزي يتشبث بالمستحيل. شعرت بعجزٍ مطلق، بثقلٍ يجثم على صدرها، وبفراغٍ هائل يبتلع كل ما عدا الألم، وكأن العالم كله انكمش في تلك اللحظة إلى وجعٍ واحدٍ لا يُحتمل.
ما إن وقعت عيناها عليها ملقاة على الأرض غارقة في دمائها حتى تجمّدت في مكانها، كأن قدميها انغرستا في البلاط، اتسعت عيناها إلى حدٍّ مؤلم، وارتعش جفنها وهي تحدّق في ابنتها بعدم تصديقٍ يكاد يمزّقها. للحظةٍ عابرة، خُيّل إليها أن ما تراه خطأٌ في الرؤية، وأنها ستنهض بعد ثانية وتبتسم كعادتها، لكن السكون كان أثقل من أي وهم.
انحبس صوتها في صدرها، وخرجت منها شهقةٌ مرتجفة كأنها أول محاولةٍ للتنفس بعد غرقٍ طويل. تقدّمت خطوة متعثّرة، ويداها ترتجفان في الهواء، لا تدري أتمدّهما لتوقظها أم لتتأكد من الحقيقة التي ترفضها روحها.
تلاطمت داخلها مشاعر متناقضة: خوفٌ عارم، إنكارٌ يائس، ووجعٌ ينهش قلبها بلا رحمة. شعرت وكأن شيئًا بداخلها انكسر فجأة، صوتٌ خافت يهمس بأن كل شيء قد تغيّر، وأن اللحظة التي تقف فيها الآن ستظلّ عالقة في روحها إلى الأبد.
والأشدّ قسوةً من هول المشهد، تلك اللحظة التي أدركت فيها أن شيئًا أفدح قد وقع، لم يكن الأمر مجرد فقدٍ موجع، بل انتهاكٌ غادر لحرمةٍ كانت تراها مقدّسة. تسلّل الإدراك إلى قلبها ببطءٍ قاتل، ثم ضربه دفعةً واحدة، فارتجف جسدها وكأن الأرض تميد بها.
تجمّدت نظراتها، واتسعت عيناها في ذهولٍ يختلط فيه الرعب بالإنكار، وكأن عقلها يرفض أن يصوغ ما فهمه.
شعرت بأن الألم تضاعف فجأة، لم يعد وجع أمٍّ على ابنتها فحسب، بل وجعًا آخر غامضًا، أشدّ قسوة، ينهشها من الداخل ويجعل أنفاسها تتكسر بين صدرها وحلقها.
ارتفعت يدها المرتعشة نحو فمها، محاولةً كتم صرخةٍ كادت تمزّق سكون المكان، لكن الصوت اختنق، وتحول إلى أنينٍ مكتوم. في تلك اللحظة، بدا لها أن العالم قد انقلب رأسًا على عقب، وأن الفاجعة لم تكتفِ بما أخذته، بل امتدّت لتسلب ما لم يُولد بعد تاركةً في قلبها جرحًا لا يُحتمل ولا يُداوى.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
