قصة قصيرة جديدة ما خلف الابتسامة لسمر ابراهيم - الفصل الأخير - الأحد 14/6/2026
تم النشر في: 14 يونيو 2026
قراءة رواية ما خلف الابتسامة كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
قصة ما خلف الابتسامة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة سمر إبراهيم
الفصل الأخير
تم النشر يوم الأحد
14/6/2026
كان المشهد داخل الشقّة كأن الزمن توقّف عند لحظةٍ واحدةٍ مشروخة لا تُرمَّم، في منتصف الصالة، تمدّدت جثة فتاة في مقتبل العمر تتمدد في سكونٍ ثقيل، كأن المكان كله يدور حولها بصمتٍ خانق، وقد تحوّل البيت الذي كان يومًا نابضًا بالحياة إلى مساحةٍ باردة يلفّها الذهول.
في أحد الأركان، كانت الأم متكوّمة على نفسها، تحدّق في الفراغ بعينين خاليتين من أي بريق، لا دموع، لا صوت، فقط انهيارٌ صامت كأن روحها انسحبت وتركت جسدًا بلا ملامح حياة.
لم تكن تتحرك، كأنها خرجت من العالم وبقيت صورةً باهتة في زاويته.
وعلى مقربةٍ من الباب، وقف الزوج وقد تهدّمت ملامحه تحت وطأة الصدمة؛ يداه ترتجفان، وعيناه تائهتان لا تستقران على شيء، وكأن عقله يرفض أن يستوعب كيف انقلبت حياته في لحظة، فلقد فقد بالفعل كل ما كان ينتظره، زوجته التي كانت تنير حياته وطفله الذي كان يحصي الأيام المتبقية لرؤيته ليصبح كمن انطفأ بداخله نورٌ كان يملأ أيامه القادمة.
امتلأت الشقّة برجال الشرطة وأفراد الطب الشرعي، يتحركون في صمتٍ ثقيل، يتبادلون نظراتٍ مقتضبة، ويسجّلون ما أمامهم بوجوهٍ جامدة تخفي ما وراءها.
وعلى عتبة الباب، تجمّع الجيران في قلقٍ وذهول، يتهامسون بصوتٍ خافت، كأنهم يخشون أن يوقظوا هذا الكابوس إن ارتفعت أصواتهم.
كان كل شيء في المكان يصرخ دون صوت، حزنٌ ممتد في الجدران، وصمتٌ أثقل من الاحتمال، ومأساةٌ بدت وكأنها ابتلعت البيت ومن فيه دفعةً واحدة.
اقترب مدير المباحث من الأم المكلومة يحاول أن يعرف منها ما حدث يعلم أنها لا تستطيع الحديث ولكنه يريد أن يحل القضية في أقرب وقت ممكن علهم يستطيعون إنقاذ الطفل الصغير.
- أنا عارف يا أمي إنك مش قادرة تتكلمي بس حاولي تحكيلي اللي حصل علشان نجيب حقها ونقبض على المجرم اللي عمل كدا وإن شاء الله نقدر نرجع البيبي سليم.
ما أن سمعت ذلك حتى نظرت إليه بترجي وكأن ذلك آخر أمل لديها في الحياة فتحدثت بصوت متقطع:
- بـ بجد هتقدر ترجعلي حفيدي.
أومأ لها بموافقة لتبدأ تحرك رأسها بحركات سريعة وهي تهذي:
- طب مستنيين إيه رجوهولي وهاتوا إللي عمل كدا.
ربت على كتفها وهو يحدثها بحنان:
- حاضر يا أمي أوعدك هنعمل كدا إن شاء الله بس احكيلي اللي حصل.
جففت دموعها بظهر يدها وبدأت تقص عليهن ما حدث:
- أنا بنتي حامل في التاسع كان فاضلها إسبوع وتولد فأنا كنت جاية وجايبالها شوية حاجات لأنها مبقتش تقدر تنزل زي الأول ومكانتش راضية تسيب بيتها وتيجي تقعد عندي، لما جيت رنيت الجرس كذا مرة مردتش خوفت تكون تعبت ولا حاجة خرجت المفتاح الاحتياطي اللي كانت مدياهولي وفتحت ولما دخلت شوفت الدم عالارض وشوفت، شوفت.
قالت ذلك وانهارت من البكاء لم تستطع أن تكمل فور تذكرها ما رأته فحاول تهدئتها متحدثًا بحزن:
- اهدي يا أمي اهدي أنا عايزك تفتكري بنتك مقالتلكيش إن فيه حد كان جاي يزورها النهاردة.
فكرت قليلا ونظرت إليه كمن تذكر شيئًا:
- أيوة، أيوة كانت قايلالي إن فيه واحدة جاية تزورها النهاردة علشان تتبنى القطة بتاعتها.
نظر إليها بتركيز وكأنه أمسك طرف الخيط الذي سيحل به القضية وتحدث على عجل:
- قطة إيه؟
أجابت وهي تنتحب من فرط بكائها:
- بنتي الله يرحمها كانت غاوية تربي قطط وكان عندها قطة محتاجة قط فهي عملت منشور على الفيسبوك لو حد عنده قط عايز يتجوز ففيه واحدة كلمتها واتفقت معاها على ميعاد النهاردة تيجي تاخد القطة لأن نهى كانت على وش ولادة متقدرش تهتم بيهم.
استقام وأشار نحو أحد مساعديه ليحدثه بعملية:
- شوفلي أكونت الفيسبوك بتاع الضحية وشوفلي الرسايل اللي اتبعتتلها علشان تتبني قطة واعرفلي عناوين ال ip بتاعها.
أومأ لها وهو يجيبه بعملية:
- أوامرك يا شهاب باشا.
قال ذلك وهم بالذهاب لتنفيذ ما أُمِرَ به ليتوجه شهاب نحو الطبيب الشرعي الذي انتهى لتوه من فحص الجثة:
- ها يا دكتور وليد ايه الأخبار.
حرك رأسه بأسف وهو ينظر نحو الجثة ثم وجه نظره نحوه وتحدث وهو يعدل من نظارته الطبية:
- من الفحص المبدأي للجثة فيه جرح قطعي في الرقبة معمول بسكينة رفيعة ممكن تكون عاملة زي مشرط الدكاترة في الغالب هو ده سبب الوفاة كمان فيه شق بالعرض في أسفل البطن من الواضح إن الضحية كانت حامل وحصلتلها عملية قيصرية بطريقة بدائية جدًا.
نفث دخان سيجارته بضيق وهو ينظر نحو الجثة فمن الذي يمكنه فعل هذا في إنسان مثله فالمجرم لم يكتفي بقتلها فقط بل مثل بجثتها واستأصل جنينها من أحشائها أي وحشة هذه؟
نظر نحو الطبيب مرة أخرى متسائلًا بعملية ففي النهاية هذا عمله وعليه إنهائه في أسرع وقت:
- طب تقدر تحددلي وقت حدوث الجريمة؟
- من شكل الجثة وحالة التيبس اللي هي فيها مش أقل من أربع لخمس ساعات طبعًا الوقت بالظبط هيتحدد بعد التشريح بس ده الوقت التقريبي.
أومأ برأسه تاركًا إياه ينهي عمله واقترب من أحد مساعديه:
- فرغلي كل كاميرات المراقبة اللي في العمارة واللي في المنطقة وركز على الوقت من ١٠ ل ١٢ الضهر وشوفلي مين دخل وخرج في الوقت ده ومين دخل فاضي وخرج وهو شايل طفل عايز نتيجة في أقرب وقت ممكن.
حرك رأسه وهو يجيب بعملية:
- أوامرك يا باشا.
ما أن أنهى حديثه حتى تحرك مسرعًا لتنفيذ الأمر.
ألقى شهاب لفافة التبغ التي انتهت من يده داعسًا عليها بقدمه وتوجه نحو الزوج المكلوم عله يقول له شيء جديد ولكن بسؤاله لم يخبره بشيء غير الذي أخبرته به والدة الضحية لقد خرج لعمله صباحا تاركًا زوجته بصحة جيدة حيث أخبرته بأنها تنتظر امرأة ستأتي لأخذ القطة وعندما سألها هل تعرفها أخبرته بأنها تعرفت عليها من على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي وعندما اعترض وطلب منها أن تجعلها تأتي وهو موجود في المنزل طمأنته بألا يقلق وأخبرته بأن هذا هو الميعاد المتاح لدى المرأة وأنها بحاجة إليها لتأخذ القطة.
ذهب لعمله وحدثها وهو هناك أكثر من مرة ولكنه انشغل ولم يلحظ عدم مراسلتها له حتى جاءه خبر ما حدث.
أنهى حديثه وانهار من البكاء فلقد فقد في لحظة كل ما كان يملكه ليربت شهاب على كتفه بأسف وتركه ليكمل عمله حتى يستطيع القبض على المجرم في أقرب وقت.
❈-❈-❈
أطرق شهاب برأسه قليلًا وهو يقلب صفحات تقرير الطبّ الشرعي، كأن الكلمات المكتوبة عليه ليست حبرًا بل ظلالًا ثقيلة تهبط على صدره. حاول أن يحافظ على صلابته المعتادة، تلك التي اعتاد أن يتدرّع بها في مواجهة أبشع الوقائع، لكن شيئًا ما في السطور هذه المرّة كان مختلفًا؛ أكثر قسوة، وأكثر إنسانية في وجعه.
توقفت عيناه عند بعض التفاصيل، فشعر بانقباض حاد في صدره، كأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق. ابتلع ريقه ببطء، ومرر يده على جبينه في حركة لا إرادية، محاولًا أن يطرد الصور التي بدأت تتشكّل في ذهنه رغمًا عنه. لم يكن هذا مجرد تقرير بالنسبة له، بل حكاية مكتومة الألم، تُروى بلغة جافة لا تُخفي ما وراءها من مأساة.
شدّ على فكيه، وعاد يقرأ، مُجبرًا نفسه على الاستمرار، كانت عيناه تتحركان فوق الكلمات، لكن داخله كان يضجّ بشيء يشبه الغضب الممتزج بالعجز، للحظة شعر برغبة في أن يغلق الملف ويبتعد، أن يمنح نفسه هدنة قصيرة من هذا الثقل، لكنه لم يفعل.
رفع رأسه أخيرًا، ونظر أمامه بشرود، وكأن الغرفة ضاقت بما فيها، أخذ نفسًا عميقًا، ثم أعاد ترتيب ملامحه بعناية، دافعًا كل ما شعر به إلى الداخل، حيث يختبئ خلف واجبه، ومع ذلك ظلّ أثر ما قرأه عالقًا في عينيه، كأن شيئًا في داخله قد اهتزّ ولن يعود كما كان تمامًا.
تنبه على صوت طرقات على باب الغرفة فحمحم محاولا أن يجلي صوته ليخرج طبيعيًا قدر استطاعته وتحدث باقتضاب:
- ادخل
انفتح الباب ليدخل أحد الضباط العاملين على القضية وقام بوضع ملف ما أمامه على المكتب وتحدث وهو يجلس على المقعد الذي أمام مكتبه:
- اتفضل يا شهاب باشا دا تقرير برسايل الفيسبوك فيه فعلا رسايل من أكونت فيك بيتكلموا فيه عن جواز قطة وبيتفقوا على ميعاد يتقابلوا فيه في شقة الضحية، الميعاد يتوافق مع وقت حدوث الجريمة يعني بنسبة ٩٠% صاحب أو صاحبة الأكونت ده هو الجاني.
عقب متسائلًا:
- طب وأخبار عنوان ال ip بتاعها المرسل إيه.
أجابه بعملية:
- احنا بالفعل طلبنا الداتا من Facebook، وجالنا عنوان الـ IP اللي الرسالة اتبعتت منه.
شعر بأنه يمسك بطرف خيط حقيقي من الممكن أن يوصله لحل القضية:
- حلو وودانا لفين؟ بيت ولا شبكة عامة؟
نفى برأسه وهو يجيبه:
- لا، المرة دي كانت من داتا موبايل الـ IP طالع تابع لشركة اتصالات.
عقد حاجبيه وهو يسأله بضيق:
- يعني مفيش عنوان محدد؟
حرك رأسه يمينًا ويسارًا بنفي:
- مش بالظبط، بس إحنا ما وقفناش عند كده. بعتنا للشركة، وطلبنا تفاصيل الاتصال في نفس التوقيت.
- وقالوا إيه؟
- طلعوا رقم الشريحة اللي كانت شغالة وقتها ولقينا إنها مش متسجلة بإسم حد واضح، بس سجلّاتهم فيها رقم الجهاز نفسه الـ IMEI، وتتبعنا مكان أبراج الإرسال اللي اتواجد فيها الجهاز لقينا كل الرسايل اتبعتت من برج إرسال موجود في شارع 9 في المعادي كمان رصدنا وجود الجهاز في نطاق مسرح الجريمة وقت وقوعها.
تهللت أساريره فور سماعه لذلك يزداد يقينه بأنه يقترب من حل القضية وأنه يمضي في الطريق الصحيح فاستمر في سؤاله وهو يتصفح الملف الذي أمامه:
- هايل يا حسام هايل طب وتفريغ كاميرات المراقبة وصلتوا فيه لإيه؟
ابتسم وهو يخرج من جيبه إحدى وحدات التخزين المحمولة واضعًا إياها أمامه متحدثًا بإطناب شارحًا له ما توصلوا إليه:
- دي يا باشا الفلاشة اللي فيها كل اللي وصلناله من كاميرات المراقبة لاحظنا دخول واحدة منتقبة العمارة وقت حدوث الجريمة وخروجها بعد ساعة تقريبا وكانت شايلة بيبي صغير تابعنا خط سيرها في كاميرات المراقبة ركبت تاكسي وقفت بيه قدام مول وهناك فقدناها بعد ما دخلت مكان الحمامات المكان ده مفيهوش كاميرات طبعًا، فضلنا متابعينها لحد ما دخلت وللأسف مخرجتش في الغالب غيرت هدومها في الحمام فاحنا حاليا بنفرز كل اللي خرج من الحمام وتنطبق عليه مواصفاتها، كمان احنا روحنا المول وفتشنا الحمامات ولقينا في صندوق زباله هناك هدوم كتير كانت عبارة عن عبايتين لونهم أسود منهم واحدة عليها بقع دم ونقاب وجوانتي وبطانية أطفال كمان لقينا موبايل وبفحصه تبين إن هو ده الموبايل اللي اتبعتت منه الرسايل للمجني عليها وخد بقى المفاجأة دي يا باشا.
نظر إليه دون ان ينطق يحثه على أن يكمل حديثه ليستأتف حسام حديثه وهو يعتدل على مقعده بفخر كمن قام بعمل عظيم:
- لما جيبنا سجل المكالمات بتاعة الخط لقينا معليهوش مكالمات غير لرقم المجني عليها ورقم تاني لما تحرينا عنه لقيناه رقم ممرض شغال في عيادة نسا ومعروف بسوء سلوكه ومشاركته في عمليات مشبوهة منها التجارة بالأطفال الرضيعة وخصوصًا الغير شرعيين البنت من دول تروح العيادة علشان تعمل عملية إجهاض يقوم هو يقنعها تكمل الحمل وتاخد فلوس وتسيبله الطفل وهو يبيعه بمعرفته للي عايز يتبنى طفل.
بدأت معالم القضية تتضح أمامه ليتساءل هل لهذا الرجل علاقة بالحادث؟ هل هو مشترك في الجريمة لاختطاف الطفل وبيعه؟ الكثير من الأسئلة التي تواردت على ذهنه لينظر نحو صديقه قائلا بحزم:
- اقبضلي عليه فورًا يا حسام.
اتسعت ابتسامته وهو يعدل من ياقة قميصه بخفرٍ مشيرًا نحو الباب:
- ودي حاجة تفوتني برضه يا باشا قاعد مستني برا من الصبح.
ضغط شهاب مسرعًا على الزر الموضوع على مكتبه ليدخل العسكري الواقف على الباب فأخبره بإدخال الرجل الواقف بالخارج وما هي سوى لحظات ودخل رجل في نهاية العقد الخامس من عمره قصير القامة ممتلئ الجسم إلى حد ما، وقف يرتجف وهو يتلفت حوله بفزع فأمره شهاب بالاقتراب ليقوم باستجوابه بعد أن سمح لصديقه بالمغادرة لمتابعة البحث لكي لا يضيعوا وقت:
- اسمك وسنك وعنوانك.
أجاب بتلعثم:
- اسمي السيد جاد الله عندي ٥٢ سنة ساكن في....
- ايه معلوماتك عن صاحبة الرقم 012.........
فكر قليلًا عله يتذكر الرقم فهاتفه مليء بالأرقام ليساعده شهاب على التذكر قائلًا:
- طب ما تشوف الرقم على تليفونك علشان تفتكر.
أنهى حديثه وهو ينظر إليه مرتسمة على وجهه ابتسامة صفراء مغزاها قل ما عندك فلا يوجد مهربٌ لك لدينا.
فعل ذلك بالفعل لتزداد ارتجافته فور تذكر صاحبة الرقم ولكن ضربة قوية من يد شهاب على ظهر مكتبه جمدته مكانه كما سمع صوته الهادر الخالي من الصبر يقول:
- انجز يا سيد قول كل حاجة تعرفها علشان الحوار أكبر منك بكتير.
ازدرد برعب وبدأ في سرد ما يعرفه بصوت متقطع:
- أنا هقول كل حاجة يا باشا أنا والله ما أعرف حاجة عن الست دي كل اللي بيننا مكالمات تليفون هي كانت عايزة عيل لسة مولود في تاريخ معين و و.
وقفت الكلمات في حلقه لم يستطع أن يكمل ليحثه شهاب على الحديث:
- كمل يا عم سيد ومتخافش لحد دلوقتي الحوار برا عنك قول الحقيقة علشان متتعكش فيه انت كمان.
عند سماعه هذه الكلمات لم يستطع السكوت أكثر من ذلك:
- كانت عايزة عيل لسة مولودة في تاريخ معين ومستعدة تدفع اللي أقول عليه وأنا شوفتلها اللي هي عايزاه واحدة ست غلبانة معاها ٥ عيال وحامل في السادس ومش عارفة تعمل إيه جت العيادة عشان الدكتور ينزل العيل فأنا قولتلها إيه رأيك تكملي الحمل ولما تولدي تبيعيلي العيل وهديكي ٢٠ باكو وابنك هياخدوه ناس كبارة هيربوه أحسن تربية وأهو الكل يستفاد، الست وافقت مهي محتاجة يا بيه وخلاص اتفقنا بس بعد كدا الست كلمتني من يجي عشر تيام وقالتلي إنها مش هتبيع ضناها وإنها بعد ما الحمل كمل مش هتقدر تستغني عنه خلاص فأنا كلمت الست وقولتلها اللي حصل وهي قعدت تزعق قولتلها تستنى عليا شوية أشوفلها غيره بس هي قفلت السكة في وشي ومتكلمتش تاني، والله يا بيه هو ده كل اللي حصل.
حك ذقنه بتفكير يريد تحليل ما قاله الرجل مدركًا بأن هدف هذه المرأة الأساسي هو تبني طفل بطريقة غير شرعية وعندما فشلت في ذلك أقدمت على جريمتها النكراء، من الممكن أنها ليس لديها وقت للانتظار لوقت أطول.
وجه نظره نحو الرجل وحدثه وهو ينظر في عينيه بتركيز وكأنه يخترق روحه بغية معرفة ما يفكر به مما جعل الرجل يرتعد خوفًا:
- طب تعرف إيه عنها.
حرك رأسه يمينًا ويسارًا بحركات سريعة وهو يتحدث بزعر:
- والله يا بيه ما أعرف عنها حاجة هي مقالتش أي معلومات عنها وكل كلامنا كان عالتليفون بس حتى معرفش اسمها إيه.
زفر بضيق فور سماعه لحديثه سامحًا له بالانصراف وهو يحدثه بتهديد:
- أمشي دلوقتي يا سيد بس نصيحة أمشي عدل وبطل الشغل الشمال علشان المرة الجاية اللي هشوفك فيها مش هتخرج من هنا تاني.
أومأ برأسه بخوف وهو يردد بهزيان غير مصدق بأنه سيخرج:
- على راسي يا باشا على راسي توبة خلاص همشي عدل من هنا ورايح مش هتشوف وشي تاني.
مسح شهاب على وجهه بغضب فلازالت الخيوط مبهمة فلقد مضى ثمانية وأربعين ساعة على حدوث الجريمة ولم يصل لمن فعلت ذلك بعد، وما زاد الضغط عليه هو تصدر القضية لمواقع التواصل الاجتماعي وتفاعل الناس معها بشكل كبير ومطالبتهم بسرعة القبض على الجناة في أقرب وقت، كما أنه لا يستوعب حتى الآن أن تقوم امرأة بمثل هذا الجرم الشنيع فقط لكي تسرق طفل من أحشاء والدته.
طرق شريف على الباب ثم دخل مسرعًا قبل أن يُسْمَح له بالدخول وتحدث وعلى وجهه ابتسامة عريضة كمن وصل إلى هدفه:
- خلاص يا باشا وصلنا للست.
هم واقفًا وهو يضغط بيديه على سطح المكتب متحدثًا بحماس:
- بجد، اتكلم بسرعة يا شريف.
- احنا راجعنا كاميرات المول تاني ركزنا المرادي على اللي خارجين من الحمامات لقينا واحدة ست تكوينها الجثماني شبه المجرمة خارجة من الحمام بهدوم مختلفة طبعا و guess what كانت شايلة في إيدها طفل رضيع.
اتسعت ابتسامة شهاب وأشار له أن يكمل:
- تتبعنا خط سيرها بكاميرات المراقبة اللي كانت في الشارع لقيناها وصلت عمارة في شارع 9 في المعادي ودا نفس المكان اللي إشارة الموبايل كانت خارجة منه لما اتبعتت الرسايل للضحية.
- هايل يا شريف يلا بينا عالعنوان وأنا هكلم النيابة تصدرلنا أمر التفتيش على ما نوصل يكون خرج مفيش وقت.
خرجا سريعًا ومعهم قوة من رجال الأمن يتجهون نحو المكان المقصود.
❈-❈-❈
يجلس بجوارها على الفراش يحتضن الطفل وهو يشعر وكأنه قد امتلك الدنيا وما فيها لا يصدق انه أصبح بين يديه الآن يلمسه، يحتضنه، ويقبله ليقطع شروده صوتها الدافئ:
- إيه يا حبيبي مش ناوي تنام شوية من ساعة ما جيت من السفر وانت على القاعدة دي قوم ارتاح شوية.
نفى برأسه وهو يضمه إليه أكثر وعقب دون أن يرفع عينه عنه:
- لا أنا مرتاح كدا مش عايز النوم يحرمني من إني أشوفه أنا خايف أنام أصحى ألاقي دا كله حلم.
حمحمت بتوتر طفيف أعقبته بابتسامة زائفة ارتسمت على وجهها ببراعة:
- لا متخافش يا حبيبي مش حلم ولا حاجة أهو حقيقة قدامك أهه.
اتسعت ابتسامه وهو ينظر إلى ملامحه الصغيرة ويمسك يده يقبلها بحذر ولكنه رفع رأسه ينظر إليها وكأنها قدر تذكر شيء:
- أومال مامتك فين صحيح إزاي تسيبك في الحالة دي.
حمحمت وأجابته بتوتر وهي تزيح خصلات شعرها خلف أذنها متجنبة النظر في عينيه:
- ما انت عارف يا حبيبي ماما صحتها على قدها وأنا قولت كفاية عليها الأولاد قولتلها تخليها معاهم تاخد بالها منهم وأنا هعرف اتصرف وكنت عارفة إنك هتيجي علطول مش هتسيبني يعني.
اقترب منها ممسكًا بيدها بحنان وحب يفيضان من عينيه:
- طبعا يا روحي مش هسيبك أنا مش هسيبكم تاني أبدًا.
وضعت يدها الأخرى على يده وهمت بالحديث ولكنها قطع حديثها صوت رنين جرس الباب معلنًا عن قدوم أحد ليضع وليد الطفل بجوارها قائلًا:
- أنا هطلع أشوف مين أكيد والدتك والأولاد جم علشان يشوفوكي انتي والبيبي.
لا تعلم لم شعرت بقلق بداخلها عندما سمعت هذا الرنين وكأن شيء سيء سيحدث جراء فتحه لهذا الباب ولكنها حاولت طرد هذه الأفكار فخطتها كانت محكمة لا يمكن اكتشافها.
❈-❈-❈
فتح وليد الباب وعلى وجهه ابتسامة تلاشت شيئًا فشيئًا عندما رأى مجموعة من الرجال الغرباء واقفين أمامه ليتحدث أحدهما بحزم:
- دا بيت السيدة صفاء هاشم.
عقد حاجبيه فور سماعه لحديثه وأجابه بدهشة:
- أيوة بيتها حضرتك مين.
أخرج بطاقته التعريفية الخاصة به وأبرزها أمامه، مُعلنًا هويته كضابطٍ بالمباحث ليزداد تعجب وليد فرجال المباحث ما الذي أتى بهم هنا وما الذي يريدونه من زوجته.
ردة فعله هذه أخبرت شهاب بأن الرجل الذي أمامها لا يعلم شيء مما يجري فحدثه بهدوء:
- هي فين لو سمحت؟
أشار الى الداخل وهو يتحدث بتوتر:
- هي جوة بس فيه إيه حضرتك دي تعبانة ولسة والدة أول أمبارح.
ابتسم شهاب وهو يدخل متجهًا نحو غرفتها ومعه قواته:
- هتعرف حالًا متقلقش بس ياريت حضرتك تدخل قبلنا علشان لو محتاجة تغير هدومها.
وقفوا أمام باب الغرفة دون أن يدخلوا ليسبقهم وليد بملامح متجهمة ودون أن يتحدث أمسك بعباءة أعطاها لها فنظرت إليه وحدثته بتعجب وهي تأخذها منه:
- فيه إيه هو فيه حد غريب ولا إيه؟
أجابها باقتضاب:
- البسي بسرعة.
ازدادت دهشتها من حالته خاصة وهو ينظر نحو باب الغرفة ولكنها أذعنت لطلبه وارتدت بالفعل اعتقادً منها بقدوم أحد أصدقائه ليبارك لهما على قدوم المولود ولكنها تفاجأت فور انتهائها من ارتداء العباءة بدخول مجموعة من الرجال ينظرون إليها بتجهم لتشعر وكأن سمائها قد سقطت فوقها ودون سابق إنذار وجدت أحدهم يتحدث بحزم:
- مدام صفاء اتفضلي معانا انتي مطلوب القبض عليكي.
صدمة ألجمت لسانها خاصة عندما أقبل الرجل الذي تحدث وأخذت الطفل الموضوع بجوارها وسط ذهول زوجها الذي لا يفقه شيء مما يدري.
❈-❈-❈
لم تدخل غرفة التحقيق كمن انهار، بل كمن ما زال يحاول التمسّك ببقايا صورةٍ صنعها لنفسه طويلًا. جلست أمام الضابط وظهرها مستقيم، وعيناها تحملان ذلك اللمعان البارد الذي لم يفارقها، لكن شيئًا خفيًا كان قد بدأ يتصدّع في الداخل.
في البداية، كان الرفض هو سيد الموقف. عقلها يركض بحثًا عن ثغرة، عن خطأ، عن أي احتمال يُعيد ترتيب العالم كما كانت تريده. كيف انكشف كل شيء بهذه السهولة؟ أين أخطأت؟ ظلت تعيد المشهد في رأسها مرارًا، لا لتندم، بل لتفهم كيف سقطت.
ثم بدأ الإدراك يتسلّل ببطء، ثقيلًا كالرصاص، الكلمات التي تُقال أمامها لم تعد مجرد اتهامات، بل حقائق متماسكة، محكمة، لا مهرب منها، عندها فقط تغيّر شيء في نظرتها، لم يعد ذلك التحدي الصلب كما كان، بل صار خليطًا من توترٍ مكتوم وغضبٍ يشتعل بلا منفذ.
لم تكن خائفة بالطريقة التقليدية؛ لم تبكِ، ولم تتوسل. لكن فكرة النهاية اقتربت منها لأول مرة بشكلٍ حقيقي، لم تعد الجريمة لعبة ذكاء، ولا انتصارًا شخصيًا كما تخيّلت، بل طريقًا مغلقًا ينتهي عند مصيرٍ لا يمكن الفرار منه.
وبين لحظةٍ وأخرى، كانت تتأرجح داخليًا؛ بين عنادٍ يرفض الاعتراف بالهزيمة، ووعيٍ قاسٍ يخبرها أن كل شيء انتهى. ومع ذلك، ظلّ في أعماقها صوتٌ خافت، ليس ندمًا بقدر ما هو دهشة مريرة، كيف لمن ظنّت نفسها الأذكى أن تجلس الآن، بلا حيلة، تنتظر حكمًا سيُكتب نهاية قصتها؟
أما عن زوجها ففور علمه بما حدث كان كمن انفصل عن الواقع لا يصدق أنه عاش عام كامل في كذبة كبيرة حيكت له بمنتهى الذكاء ليصبح كعروس مريونيت تحركه أصابعها كيفما شاءت فبين عشية وضحاها انهار عالمه ليصبح كل شيء كرماد تذروه الريح.
كان يظن أن الله قد أتمّ نعمته عليه أخيرًا، وأن سنوات الانتظار القاسية قد ذابت ففي تلك اللحظة التي احتضن فيها الطفل لأول مرة تعلّق به كما يتعلّق الغريق بخشبة نجاة، ورأى فيه تعويضًا عن كل ليلةٍ أثقلها الصمت وكل دعاءٍ طال أمده.
لكن الحقيقة حين انكشفت، لم تأتِ كخبرٍ يُسمع، بل كضربةٍ تهوي على صدره دفعةً واحدة لم يستوعبها في البداية؛ ظلّ يحدّق في الملامح التي حفظها عن ظهر قلب، كأنه يبحث فيها عن دليلٍ يكذّب كل شيء، كيف يمكن لقلبه أن يكون قد أخطأ؟ كيف يمكن لتلك المشاعر التي نمت فيه يومًا بعد يوم أن تكون مبنية على وهم؟
تداخلت داخله مشاعر متناقضة بشكل مؤلم؛ صدمةٌ تُجمّده في مكانه، وغضبٌ يشتعل في عروقه، وحزنٌ ثقيل يكاد يخنقه. لم يكن الفقد هذه المرة مجرد غياب، بل اقتلاعًا لما ظنّه جزءًا من روحه. لم يخسر طفلًا فحسب، بل خسر يقينه، وثقته، وطمأنينته التي ظنّها أخيرًا استقرت.
❈-❈-❈
تم تسليم الطفل لوالده وجدته فلم تكن عودته إليهما كعائدٍ فحسب، بل كأنّه قطعةٌ من روحٍ ضاعت ثم أُعيدت إليهما على استحياء. حين احتضنه الأب، لم يعرف أهو يبكي أم يضحك؛ ارتجفت أنفاسه بين صدرٍ امتلأ بالحياة من جديد، وقلبٍ ما زال ينزف باسم زوجته التي غابت. كان يشعر أنّه يمسك بيد النجاة وفي الوقت نفسه يلمس الغياب كأن الطفل يحمل دفء أمّه في ملامحه، وصداها في أنفاسه.
أمّا الجدة، فوقفت لحظةً كأن الزمن عاد بها إلى الوراء، قبل أن تنكسر العائلة بذلك الشكل القاسي. عيناها غارقتان بالدموع، لكنّهما تلمعان بشيءٍ أقرب إلى السكينة؛ سكينة امرأة ظنّت أنّ كل شيء انتهى، فإذا ببصيصٍ صغير يعيد ترتيب الفوضى داخلها، لم يكن الطفل بالنسبة لهما تعويضًا بقدر ما كان بقايا المعنى الذي رفض أن يموت، الدليل الوحيد أنّ الحب، رغم الفقد، ما زال قادرًا أن يبقى.
كان حضوره يخفّف ثقل الفاجعة دون أن يمحوها؛ يرمّم ولا يُنسي، يواسي ولا يُعوّض تمامًا. ومع ذلك، تمسّك به الأب والجدة كأنهما يتمسّكان بالحياة نفسها، خائفين أن يختفي ثانية، ومؤمنين في أعماقهما أنّه الهبة الوحيدة التي أبقتها القدر لهما بعد كل ما سُلب.
تمت
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة سمر إبراهيم، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
