تاريخ النشر: 13-5-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل السادس والثلاثون
تم النشر الأربعاء
13/5/2026
توقفت السيارة أمام عيادة العظام، ونزل يوسف بملامح جامدة لم تستطع سميرة فك شفرتها. مال تامر برأسه من نافذة السيارة وقال:
ـ أنا هوصل سميرة المستشفى عند جيهان، وهرجع لك تاني هنا عشان نطلع سوا على المركز نطمن على العملية والمحاسبات.. مش هغيب عنك.
أومأ يوسف برأسه دون كلام، ودلف إلى الداخل بخطوات مثقلة بالهموم، بينما انطلق تامر بـ سميرة نحو المستشفى.
بمجرد دخول سميرة وتامر إلى الغرفة، انتفضت ندى من مقعدها، ونظرت خلفهما بترقب، ثم قطبت حاجبيها بتعجب وسألت:
ـ أمال فين بابا؟ ويوسف فين؟ مش عوايدهم يتأخروا كده في يوم زي ده، والعملية لسه مخلصتش مفعولها تماماً!
ارتبكت سميرة تماماً، وشعرت بضيق من موقف يوسف الذي وضعها في حرج، فنظرت إلى تامر نظرة طويلة، وكأنها تستنجد به ليخرج الكلمات بدلاً عنها. فهم تامر الإشارة، وتقدم خطوة نحو السرير حيث كانت جيهان تتابع الحوار بعينين حادتين كالصقر.
تامر بهدوء محاولاً تلطيف الموقف:
ـ بابا كان حاسس بشوية تعب وإرهاق من سهر المستشفى، فقلنا له يريح النهاردة ويفضل مع البنات في البيت، وهما كمان متعلقين بيه ومحتاجينه.
سكت تامر لثانية، ثم ابتلع ريقه وأكمل وهو يحاول تجنب نظرات جيهان:
ـ أما يوسف.. فهو راح للدكتور بتاعه النهاردة ضروري، وقرر يبدأ أول جلسة علاج طبيعي لرجله عشان يقدر يقف عليها تاني من غير وجع.
وقع الكلمات على مسامع جيهان كان له أثر الصاعقة التي أعقبها صمت مخيف. لم تنـفـ.ـجر جيهان بالبكاء، بل ارتسمت على وجهها ابتسامة سخرية مريرة هزت كيان الموجودين.
نظرت إلى سقف الغرفة، ثم لفت وجهها ببطء شديد لسميرة وقالت بصوت هادئ يقطر قسوة:
ـ يااااه.. أخيراً يوسف خاف على الرِجل الغالية؟ سبحان مغير الأحوال! يعني ملقاش وقت يبدأ فيه علاج غير في اليوم اللي أنا المفروض أبدأ فيه أول خطوة ليا بعد العملية؟
ضحكت جيهان ضحكة قصيرة منكسرة وتابعت وهي تنظر لسميرة بتحدٍ:
ـ ما هو طبعاً.. لازم يلحق يعالج نفسه عشان البيوت المفتوحة اللي مستنياه، والزوجات اللي محتاجين طوله وعرضه. كتر خيره إنه بعتكم تقوموا بالواجب بداله.
شعرت سميرة بإهانة ضمنية لكنها التمست لها العذر، بينما كانت جيهان في قمة غضبها المكتوم، الذي تحول فجأة إلى طاقة تحدٍ مخيفة.
بعد كلمات جيهان القاسية، خيم وجوم ثقيل على الغرفة. كانت سميرة تشعر بغصة في حلقها؛ فهي لا ذنب لها في قرارات يوسف، لكنها في نظر جيهان الآن ليست إلا جزءاً من المنظومة التي خذلتها.
دخل دكتور العلاج الطبيعي ومعه ممرضة، ليعلن بدء اللحظة التي كانت تخشاها جيهان وتتمناها في آن واحد.
الدكتور بلهجة تشجيعية:
ـ صباح الخير يا مدام جيهان.. النهاردة أول خطوة، والعملية نجحت بامتياز، بس محتاجين إرادة حديد عشان العضلات ترجع تشتغل تاني.
نظرت جيهان للدكتور بجمود، ثم وجهت بصرها لسميرة التي كانت تقف قلقة عند طرف السرير، وقالت بصوت جاف:
ـ الإرادة موجودة يا دكتور.. أنا عايزة أقوم دلوقتي حالا. مش عايزة أضيع ثانية واحدة زيادة وأنا مرمية كدة والناس بتشفق عليا.
بدأ الدكتور في تحريك قدم جيهان ببطء لتقييم المدى الحركي. كانت جيهان تضغط على أسنانها بقوة، ووجهها بدأ يتصبب عرقاً من شدة الألم، لكنها لم تطلق صرخة واحدة. كانت تنظر لسميرة بتحدٍ غريب، وكأنها تستعرض قوتها أمامها.
سميرة بلهفة وهي تقترب:
ـ بالراحة يا جيهان.. لو تعبانة قولي للدكتور يرتاح شوية، إنتي لسه طالعة من بنج.
جيهان بصوت مختنق من الألم:
ـ خليكي مكانك يا سميرة.. أنا مش تعبانة. الوجع ده ولا حاجة جنب اللي حاسة بيه جوه. أنا لازم أقف، علشان اللي فاكرني هفضل مكسورة ومستنية عطفه خليه يعرف إنه غلطان.
كانت سميرة تتابع بصمت مؤلم، مدركة أن جيهان لا تحارب العجز الجسدي فقط، بل تحارب يوسف في غيابه. ومع كل حركة مؤلمة، كانت جيهان تتخيل يوسف وهو في عيادته يعالج قدمه، فكانت تضغط على نفسها أكثر، حتى نجحت في الجلوس على حافة السرير لأول مرة.
الدكتور بإعجاب شديد بسبب إصرار جيهان:
ـ ممتاز يا مدام جيهان! دي عزيمة مكنتش متوقعها في أول يوم.
نظرت جيهان لسميرة وندى، وعلى وجهها ابتسامة نصر شاحبة وقالت:
ـ شوفتوا؟ قمت أهو.. ومن غير سند حد. روحي يا سميرة، روحي طمني يوسف وقوليله جيهان وقفت، خليه يركز في علاجه هو وميشغلش باله بيا خالص.
أحست سميرة بضيق شديد وخجل جعل الأرض تضيق بها؛ فكلمات جيهان لم تكن موجهة ليوسف وحده، بل كانت تصيبها هي أيضاً في مقـ.ـتل بصفتها الضرة. لم تحتمل سميرة نظرات التحدي في عيني جيهان، فاستدارت بسرعة وخرجت من الغرفة والدموع تحرق جفنيها.
أسرعت خلفها كاميليا، وأمسكت بيدها في الممر قائلة بلهفة واعتذار:
ـ سميرة.. حقك عليا، ارجوكِ ما تزعليش. جيهان مش في وعيها، الوجع والكسرة اللي حاساهم مخلينها تضرب في الكل.. هي ما تقصدش تجرحك إنتي بالذات.
توقفت سميرة وحاولت استجماع ثباتها، ومسحت طرف عينها وهي تبتسم لكاميليا بمرارة قائلة:
ـ هدي نفسك يا كاميليا، أنا مش زعلانة منها.. أنا زعلانة عليها. لو أنا مكانها ومريت باللي مرت بيه، كنت عملت أكتر من كدة بكتير. جيهان معاها حق في كل كلمة قالتها، ويوسف فعلاً اختار وقت غلط قوي علشان يفكر في نفسه.
في هذه الأثناء، خرج تامر من الغرفة وملامحه يكسوها الوجوم والضيق مما يحدث بالداخل. نظر إلى سميرة وكاميليا وقال بنبرة مقتضبة:
ـ أنا مش قادر أسمع أكتر من كدة.. هروح ليوسف العيادة أشوفه خلص ولا لسه، وبعدين هرجع لكم تاني هنا. خلي بالك من نفسك يا سميرة، وخليكي جنبها يا كاميليا.. ربنا يعدي الأيام دي على خير.
انصرف تامر بخطوات سريعة، تاركاً سميرة وكاميليا في الممر، بينما كان صوت دكتور العلاج الطبيعي يتردد من داخل الغرفة وهو يحث جيهان على المحاولة مرة أخرى، وصوت أنفاس جيهان المجهدة يعكس معركة الكرامة التي تخوضها وحدها.
عادت سميرة وكاميليا إلى الغرفة بخطى حذرة، لتجدا الجلسة قد انتهت لتوها. كانت جيهان مستلقية على السرير، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة من أثر المجهود الجبار الذي بذلته، وجهها كان شاحباً لكن عينيها كانتا تشعان ببريق نصر غريب، وكأنها هزمت ضعفها للتو.
انسحب دكتور العلاج الطبيعي وهو يثني على شجاعتها، تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً. اقتربت سميرة من السرير ببطء، وحاولت أن تتجاهل وخز الكلمات السابقة، فمدت يدها لتعدل الوسادة خلف ظهر جيهان وقالت بنبرة حنونة وهادئة:
ـ ألف سلامة عليكي يا جيهان.. رفعتي راسنا الدكتور كان مبهور بيكي، وأنا كمان مكنتش مصدقة إنك هتقومي بالسرعة دي.
نظرت جيهان إلى يد سميرة وهي تعدل الوسادة، ثم رفعت عينيها إليها. غابت نظرة التحدي القاسية قليلاً وحل محلها إرهاق شديد، وقالت بصوت خافت ومجهد:
ـ الوجع اللي في جسمي يا سميرة هو اللي قواني.. طول ما أنا حاسة بالوجع ده، بفتكر إني لازم أقف عشان محدش يفضل باصص ليا بـ صعبانية.
سكتت لحظة ثم أضافت وكأنها تعتذر بطريقتها الخاصة:
ـ عارفة إني دبش في كلامي، وإني حملتكم ذنب مش ذنبكم.. بس أنتم أكتر ناس قريبين، والضر.ب مبيجيش غير في القريب.
دمعت عينا كاميليا وهي ترى شقيقتها بهذا الضعف والقوة معاً، وقالت وهي تمسح على رأسها:
ـ ولا يهمك يا حبيبتي، إحنا مستعدين نستحمل منك أي حاجة، المهم تقومي وترجعي لبيتك ولبناتك وسطنا.
هنا، التفتت جيهان لسميرة وسألتها فجأة وبنبرة جادة:
ـ قليلي يا سميرة.. يوسف كان شكله إيه وهو خارج النهاردة؟ كان مهتم فعلاً بموضوع علاجه ده، ولا كان بيمثل عشان يهرب من المواجهة معايا؟
أخذت سميرة نَفساً عميقاً، وقررت أن تضع النقاط على الحروف لعلَّ جيهان تدرك حجم العاصفة التي خلفتها وراءها في المنزل. اقتربت من السرير وقالت بصوت منخفض وهادئ:
ـ بصي يا جيهان.. أنا مش هخبي عليكي، يوسف من ساعة ما رجع امبارح وهو مش طبيعي. ليلته كانت سودة، لدرجة إن نور حاولت تدخل له الأوضة عشان تستغل الموقف وتتقرب منه، صرخ فيها صرخة زلزلت البيت كله وطردها قدامنا كلنا وكسر بخاطرها.. كان باين عليه إنه مقهور وموجوع من الكلام اللي سمعتهوله في المستشفى.
تابعت سميرة وهي تراقب رد فعل جيهان:
ـ والنهاردة الصبح نزل وهو مبيت النية، كأنه عايز يثبت لك إنه سمع كلامك وهيهتم بنفسه فعلاً.. يوسف فاق يا جيهان، بس فاق متأخر قوي، بعد ما الجرح بقى غويط.
استمعت جيهان لكل كلمة بجمود تام، لم تهتز شعرة في وجهها، بل ورسمت على شفتيها ابتسامة باردة وهي تعدل وضع يدها فوق الغطاء وقالت بلا مبالاة مصطنعة:
ـ يفوق ولا ميفوقش.. مبقاش يفرق معايا يا سميرة. كونه طرد نور أو زعق لها، فده عشان بريستيجه اللي اتهان قدامها، مش عشاني أنا. وفعلاً زي ما قلتي.. هو فاق متأخر قوي، القطر فاته خلاص، والوجع اللي زرعه في قلبي سنين مش هيتمحي بكلمتين ولا بجلسة علاج طبيعي.
نظرت جيهان للناحية الأخرى وأضافت بلهجة قاطعة:
ـ أنا قفلت الصفحة دي يا سميرة، وهو كمان بدأ يفتح صفحة جديدة مع رجله وعلاجه.. يبقى كل واحد فينا يمشي في طريقه، والبيوت أسرار.
ساد الصمت الغرفة مرة أخرى، وأدركت سميرة أن قلب جيهان أصبح كالحجر تجاه يوسف، وأن محاولاتها للصلح الآن لن تزيد الأمر إلا تعقيداً.
❈-❈-❈
عيادة العلاج الطبيعي، كان يوسف قد انتهى للتو من أول جلسة. لم تكن جلسة عادية، بل كانت أشبه بساحة معركة. كان يضغط على ساقه المصابة بكل قوته، متحملاً آلاماً لا تُطاق، وكلما شعر بالضعف، تذكر جملة جيهان:
اهتم بمعالجة قدمك من أجل زوجاتك.
كانت هذه الجملة هي الوقود الذي يحركه، لكنه كان وقوداً يحرق روحه من الداخل.
خرج يوسف من غرفة الجلسات، يسند بيده على الحائط، والعرق يتصبب من جبينه بغزارة، ووجهه شاحب كالموتى. في تلك اللحظة، دخل تامر العيادة ووقع نظره على أخيه بهذا الحال.
تامر بفزع وهو يجري نحو يوسف:
ـ يوسف! إيه اللي عامل فيك كده؟ شكلك تعبان قوي، إنت جيت على نفسك في الجلسة ولا إيه؟
اتكأ يوسف على كتف تامر بثقل، وأخذ نفساً عميقاً متقطعاً، ثم قال بصوت مبحوح:
ـ أنا كويس يا تامر.. لازم أبقى كويس. لازم أقف على رجلي دي بأي ثمن. الوجع اللي في رجلي دلوقتي أهون بكتير من الوجع اللي شفته في عيون جيهان امبارح.
سنده تامر حتى أجلسه على مقعد في صالة الانتظار، وأحضر له زجاجة ماء. صمت تامر قليلاً وهو يرى انكسار أخيه، ثم قرر أن يخبره بما حدث في المستشفى لعلّ الصورة تتضح أمامه.
ـ يوسف.. أنا لسه جاي من عند جيهان. جيهان بدأت هي كمان أول جلسة علاج طبيعي النهاردة، وقامت وقعدت على طرف السرير.. كانت عايزة تثبت لنفسها وللكل إنها مش محتاجة حد، ولا حتى إنت.
لمعت عين يوسف بدمعة محبوسة، ونكس رأسه للأرض وقال بمرارة:
ـ قامت؟ يعني قدرت تقف من غيري؟ طبعاً.. هي دلوقتي شايفة إن وجودي زي عدمه، ويمكن عدمه أحسن. قالت لك إيه لما عرفت إني مجيتش؟
تحدث تامر بتردد فهو لم يكن ينوي إزعاج أخيه:
ـ قالت كلام صعب قوي يا يوسف.. قالت إنك اخترت نفسك ورجلك، وإنها هي كمان مش هتختار غير نفسها. الشرخ اللي بينكم وسع قوي.
ضرب يوسف قبضة يده في المقعد بغضب مكتوم وقال:
ـ ما هي عندها حق! أنا اللي عملت في نفسي وفيهم كدة. أنا فكرت إن الجوازة التالتة هي اللي هتملى حياتي، مكنتش أعرف إنها هي اللي هتهد المعبد على دماغي. قومني يا تامر.. قومني نرجع البيت، أنا مش قادر أروح لها المستشفى وأنا مكسور كدة، مش عايز أشوف نظرة الشماتة في عين جيهان ولا نظرة الشفقة في عين سميرة.
وصل يوسف وتامر إلى المنزل، وكان التعب قد نال من يوسف تماماً، حتى أن خطواته كانت ثقيلة ومرتعشة. بمجرد دخولهما، انتفض والدهما من مكانه والقلق يكسو وجهه، ونظر إلى يوسف بعينين فاحصتين:
ـ حمد لله على سلامتك يا ابني.. عملت إيه؟ طمني، الدكتور قال لك إيه في أول جلسة؟
حاول يوسف أن يرسم ابتامة باهتة لوالده وقال بصوت مجهد:
ـ الحمد لله يا بابا.. الدكتور طمني، بس المشوار لسه طويل ومحتاج صبر.
في تلك الأثناء، كانت نور تقف على مقربة منهما، تفرك يديها بتوتر وتراقب يوسف بعينين يملؤهما العتاب والرغبة في الحديث. كانت تريد أن تسأله عما فعله، وأن تشتكي له من تجاهل الجميع لها، لكنها بمجرد أن التقت عيناها بعينيه القاسيتين المتعبتين، تراجعت خطوة للخلف. تذكرت صرخته في وجهها بالأمس وطرده لها، فآثرت الصمت وابتلعت كلماتها خشية أن ينفـ.ـجر فيها مرة أخرى أمام والده وأخيه.
جلس يوسف على المقعد بتثاقل، وأنفاسه مجهدة، فكان منظره لا يوحي أبداً بأنه قادر على قيادة سيارة أو حتى التحرك لمتر واحد إضافي. نظر تامر لحال أخيه، ثم التفت لوالده وللحاضرين وقال بحسم:
ـ يوسف مش هيتحرك من هنا، هو يا دوب يدخل يريح رجله دي ويغير هدومه. أنا اللي هطلع دلوقتي حالا أجيب ندى وسميرة من المستشفى، كفاية عليهم قعدة لحد كدة، وكاميليا أكيد مش هتنزل وتسيب أختها الليلة دي.
هز الحاج عدنان رأسه بالموافقة:
ـ صح يا ابني، ده العقل. روح إنت يا تامر وهاتهم، وخلي أخوك يرتاح شوية لا يقع مننا.
اتجه يوسف نحو غرفته ببطء، وفي تلك اللحظة، رأت نور فرصتها الذهبية؛ يوسف بمفرده، متعب، ومنكسر. حاولت أن تقترب منه، وفتحت فمها لتقول جملة حانية لعلها تستدرجه بها، لكن يوسف لم يعطها حتى فرصة للنظر في وجهها، ودخل غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء قاتل، وكأنه يعزل نفسه عن العالم كله.
كانت جيهان مستندة بظهرها إلى الوسائد، وعيناها تراقبان الباب بهدوء، بينما كانت سميرة وندى تشعران بالراحة بعدما صفت جيهان الأجواء معهما قبل قليل. انفتح الباب ودخل تامر بملامحه الجادة المرهقة، وما إن وقعت عينه على جيهان حتى تنفس الصعداء.
نظرت إليه جيهان بتمعن، وكأنها تزن كلماتِها قبل أن تنطق بها، ثم قالت بنبرة هادئة ورزينة:
ـ تامر.. أنا مابحبش حد يشيل مني، ولا بحب الحق يضيع لصاحبه. اللي حصل مني امبارح وكلمتي اللي كانت تقيلة عليك، مكنتش مقامك ولا مقامي.. أنا كنت غايبة عن الوعي من كتر الوجع، وإنت عارف غلاوتك عندي.. حقك عليا وماتشيلش في خاطرك.
رد تامر بسرعة وبنبرة يملؤها الاحترام:
ـ متقوليش كدة يا جيهان، إنتي مقامك غالي، والواحد مبيحاسبش أهله في وقت الشدة. كلامك ده على راسي، وأنا مقدر كل اللي مريتي بيه.. المهم تقومي لنا بالسلامة وتنوري بيتك.
ابتسمت جيهان بوقار وقالت:
ـ تسلم يا أصيل.. دلوقتي خد سميرة وندى معاك يلحقوا يريحوا، كفاية عليهم كدة.. والبنات أمانة في رقبتهم لحد ما أرجع.
التفت تامر إلى كاميليا التي كانت تراقب الحوار بهدوء وتقدير، وقال بلهجة وقورة:
ـ كاميليا.. أنا همشي بيهم دلوقتي، بس تليفونك في إيدك، لو حصل أي حاجة أو احتجتي أي مساعدة، رنة واحدة وهتلاقيني عندك.. أنا في ضهركم.
خرج الثلاثة من الغرفة بخطى وئيدة، وكان الهدوء الذي سكن الغرفة بعد اعتذار جيهان قد انتقل إليهم. سار تامر في المنتصف، وعلى وجهه ملامح التفكير العميق، بينما كانت سميرة وندى تمشيان بجانبه والهدوء يلف حديثهما.
قالت سميرة بصوت خفيض وناعم:
ـ يا تامر، أنا قلبي واجعني على جيهان قوي، بس اللي فرحني إنها صالحتني واعتذرت ليا.. ده معناه إن قلبها لسه فيه خير للكل. إحنا لازم نفكر في طريقة نهدي بيها النفوس بينها وبين يوسف، مش ينفع نسيبهم كدة.
أومأ تامر برأسه ببطء وهو ينظر أمامه:
ـ عندك حق يا سميرة.. جيهان ست أصيلة، واعتذارها لينا ده بيبين إنها مش شايلة مننا إحنا، هي بس عتبانة على يوسف عتب المحبين. بس المشكلة إن يوسف دلوقت مكسور الخاطر، ولازم نعرف هنوصل له كلامها إزاي من غير ما نزيد النار.
ندى بنبرة هادئة:
ـ أنا رأيي إننا نهدي يوسف الأول لما نوصل. بلاش نقوله إنها قالت كل واحد في طريق، ممكن نقوله إنها تعبانة ومحتاجة وقت تهدى فيه، ولما تخرج بالسلامة إن شاء الله، إنت وبابا يا تامر تقعدوا معاهم وتصفوا اللي بينهم.
تحدث تامر بجدية وهم يتوجهون للخارج:
ـ ده اللي هيحصل يا ندى. جيهان ويوسف هما عمود البيت ده، ومستحيل نسيب المركب تغرق بيهم. أنا هحاول أفتح كلام مع يوسف براحة، وسميرة تحاول تلطف الجو مع نور علشان ما تتدخلش وتفسد اللي بنحاول نصلحه.. البيت دلوقتي محتاج هدوء علشان النفوس تصفى.
بمجرد أن توقفت السيارة أمام المنزل، كان التوتر هو القائد الصامت لـ تامر وسميرة وندى. صعدوا الدرج ببطء، وكل منهم يحمل في قلبه هماً ثقيلاً عن كيفية نقل صورة ما حدث في المستشفى ليوسف دون أن يكسروا قلبه أو يشعـ.ـلوا الموقف.
كان يوسف يقف خلف باب الشقة تقريباً، أذناه تلتقطان أصوات خطواتهم قبل أن يضعوا المفتاح في الباب. كان يروح ويجيء في الصالة كالمحبوس في قفص، وجهه شاحب وأثر جلسة العلاج الطبيعي مجهد لجسده، لكن قلق روحه كان أشد.
بمجرد أن فُتح الباب ودخلوا، وقعت عيناه عليهم بلهفة لم يستطع إخفاءها، لهفة طفل ينتظر خبراً ينجيه من الغرق. نظر إلى تامر ثم إلى سميرة، محاولاً قراءة ما وراء الوجوه، لكنه وجد صمتاً لم يطمئنه.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

💖💖💖💖
أنا مش فاهمه طريق علاج طبيعي ايه اللى طويل ده مجرد جبس و أنفك
ترتيب الأحداث الزمنى مش مظبوط الجبس كان هياخد اسبوعين و حوار عمليات الترميم ده بياخد شهور
و بعدين هو ليه الكلام أن بس جواز نور هو المصيبة كأن جواز سميره كان شئ جميل ، ماهو كله خيانه و وجع