تاريخ النشر: 10-5-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الخامس والثلاثون
تم النشر الأحد
10/5/2026
بينما كان الجميع يقفون في الممر، التفت تامر حوله ولم يجد والده، فسأل يوسف باستغراب:
ـ يوسف، أمال بابا فين؟ مش كان واقف معانا من شوية؟
رد يوسف وهو يشير بيده نحو باب الغرفة:
ـ بابا دخل أوضة جيهان يا تامر، قال هقعد أستنى هناك وأقرأ شوية قرآن لغاية ما جيهان تطلع..
اتجه الجميع نحو الغرفة، وبمجرد دخولهم، رفع عدنان عينيه عن المصحف الصغير الذي كان يمسكه، وسألهم بقلق وهو يحاول النهوض:
ـ ها يا ولاد؟ طمنوني، ندى دخلتي وشوفتيها؟ جيهان عاملة إيه يا بنتي؟
اقتربت منه ندى بسرعة وقبلت رأسه وهي تطمئنه:
ـ اطمن يا بابا، أنا لسه خارجة من عندها. حالتها مستقرة جداً ونبضها منتظم، والجراحة تمت بنجاح فوق ما كنا نتخيل.. هي دقايق وهتكون هنا في سريرها وسطنا.
تنهد عدنان بارتياح وقال:
ـ الحمد لله.. يا رب كملها بسترِك.
في هذه الأثناء، قررت ندى أن تأخذ بزمام الأمور لتهدئة الأجواء المشحونة بالتوتر الجوع، ففتحت الحقيبة التي أعدتها سميرة، وبدأت تُخرج الساندوتشات والعصائر وهي توزعها عليهم بحزم الأخت الطبيبة:
ـ يلا يا جماعة، مفيش حد هيقول مش جعان. يوسف، خد الساندوتش ده والعصير، إنت مجهودك النهاردة كان مضاعف ورجلك محتاجة طاقة. يا بابا، حضرتك كمان لازم تاكل عشان تقدر تسندنا. كاميليا، كلي لقمة عشان تقدري تقفي جنب أختك لما تفوق.
بدأ الجميع يتناولون الطعام بهدوء، وكأن هذه اللقمات البسيطة التي أرسلتها سميرة كانت هي الهدنة التي يحتاجونها قبل اللحظة الحاسمة. كان يوسف يأكل بآلية، وعينه لا تفارق باب الغرفة، منتظراً اللحظة التي سيعبر فيها الترولي عتبة الغرفة حاملاً جيهان.
فُتح باب الغرفة بهدوء، ودخل طاقم التمريض يدفعون الترولي الذي ترقد عليه جيهان. خيّم الصمت التام على الغرفة، وتوقفت لقمة الطعام في أفواه الجميع وهم يراقبون جسدها المسجى والملفوف بالأغطية الطبية بعناية فائقة.
بدأت الممرضات، بمساعدة تامر ويوسف الذي تحامل على ألمه، بنقلها من الترولي إلى سرير الغرفة. كانت جيهان في حالة ما بين النوم واليقظة، وجهها شاحب كالشمع لكن ملامحها كانت مرتخية، خالية من تشنجات الألم التي رافقتها لشهور.
وضعت ندى يدها على نبض جيهان مرة أخرى وهي تراقب الممرضة وهي تعلّق المحاليل الجديدة، ثم همست ليوسف وكاميليا:
ـ هي بدأت تدخل في مرحلة الإفاقة الكاملة، ربع ساعة بالكتير وهتفتح عينيها. حاولوا تنادوا عليها بصوت واطي وهادي.
اقترب يوسف وجلس على الكرسي الملاصق لرأسها، انحنى بجسده نحوها حتى صار وجهه قريباً من وجهها، وهمس بصوت يرتجف من العاطفة:
ـ جيهان.. حمد لله على سلامتك يا حبيبتي.. أنا جنبك، يوسف جنبك يا جيهان.
في هذه اللحظة، بدأت جيهان تحرك رأسها ببطء شديد جهة اليمين واليسار، وأصدرت أنيناً خافتاً جداً كأنه استغاثة. كانت أجفانها ترتعش بمحاولة مضنية للانفتاح، حتى نجحت أخيراً في فتح عينيها نصف فتحة. كانت نظرتها تائهة، مشوشة بفعل المخدر، تجولت بعينيها في سقف الغرفة قبل أن تستقر ببطء شديد على وجه يوسف القريب منها.
حاولت جيهان أن تنطق، لكن شفتيها كانتا جافتين تماماً. سارعت كاميليا من الجهة الأخرى وأمسكت يدها بقوة وهي تبكي بصمت، بينما اقترب الحاج عدنان وهو يمسح على قدمها السليمة بحنان ويقول:
ـ نورتي مكانك يا بنتي، ألف حمد وشكر ليك يا رب.
نظرت جيهان ليوسف، وبدت وكأنها تحاول استيعاب المكان، ثم همست بكلمة واحدة بالكاد سُمعت:
ـ البنات..؟
رغم أن جيهان نطقت باسم ططالبنات وسألت عنهم، إلا أن نظرتها ليوسف حين اقترب منها لم تكن نظرة رضا كامل، بل كانت نظرة معلقة بين الامتنان لأنها نجت، وبين المرارة التي لا تزال تسكن قلبها بسبب الطريقة التي أجبرها بها على هذه الخطوة، وبسبب كل ما حدث بينهما من قبل.
استقرت جيهان في سريرها، وبدأ مفعول البنج يتلاشى أكثر ليحل محله إدراك تام لكل من حولها. مالت ندى عليها، وضعت يدها على جبهتها وبدأت تقيس نبضها بهدوء الطبيبة.
ـ حمد لله على سلامتك يا جيهان.. بجد إنتي بطلة، والدكتور قال إنك كنتِ صبورة جداً جوه. الوجع اللي حاسة بيه دلوقتي طبيعي وهيبدأ يقل مع المحاليل.
أومأت جيهان برأسها بضعف، ثم حولت نظرها نحو يوسف الذي كان لا يزال ممسكاً بطرف الغطاء، يحاول أن يظهر بمظهر المتماسك، لكن عينيه كانت تفيض بالندم والرجاء.
تحدث يوسف بصوت منخفض:
ـ محتاجة حاجة يا جيهان؟ أشربك ميه؟ أكلملك البنات فيديو؟
نظرت إليه جيهان نظرة طويلة، باردة نوعاً ما، ثم أشاحت بوجهها الجهة الأخرى ناحية أختها كاميليا، وتجاهلت سؤاله تماماً، وكأنها تخبره بوضوح أن نجاح العملية لا يعني نهاية الحساب بينهما.
جيهان بصوت واهن موجه لكاميليا:
ـ خليكي جنبي يا كاميليا.. مش عايزة حد يمشي ويسيبني.
شعر يوسف بغصة في حلقه، وتراجع خطوة للخلف. أدرك في تلك اللحظة أن المعركة الكبرى لم تكن في غرفة العمليات، بل ستكون في محاولة استعادة قلب جيهان الذي أغلقه القفل الذي وضعه هو بنفسه حين قسى عليها.
عدنان محاولاً تلطيف الجو:
ـ كلنا جنبك يا بنتي، مش كاميليا بس. إحنا النهاردة هنبات هنا كلنا لو لزم الأمر. المهم إنك قومتي بالسلامة، وده فضل كبير من ربنا.
ساد الهدوء داخل الغرفة، ولم يكن يُسمع سوى صوت الأجهزة الطبية المنتظم. ندى كانت تتحرك بمهارة الطبيبة، تضبط معدل تقطير المحلول في يد جيهان، بينما كانت كاميليا تجلس على كرسي ملاصق للسرير، ممسكة بيد أختها بقوة وكأنها تخشى أن تفلتها مرة أخرى.
في الخارج، كان يوسف وعدنان وتامر يقفون في الممر، يتركون لهن المساحة، لكن يوسف كان يضع أذنه بالقرب من الباب، وقلبه يخفق مع كل أنة تخرج من زوجته.
جيهان بصوت واهن ومرارة واضحة:
ـ شوفتي يا ندى؟ شفتي أخوكي عمل فيا إيه؟ فاكر إنه كدة بيكفر عن ذنبه؟
ندى بهدوء وهي تمسح على رأس جيهان:
ـ يا جيهان، يوسف غلط في الطريقة، أنا معاكي.. بس صدقيني كان هيموت من الرعب برا. أنا شفته وهو بيفك الجبيرة بتاعته قبل وقتها عشان بس يقدر يسندك وأنتي داخلة. هو عارف إنه قسى عليكي، بس يا حبيبتي كان خايف يرجع البيت من غيرك.
ضحكت جيهان وهتفت بوجع وانكسار:
ـ خايف عليا؟ يوسف خايف على صورته قدام نفسه يا ندى. اللي يوزع حبه على تلاتة، ميعرفش يعني إيه خوف على واحدة فيهم. هو عمل كدة عشان يريح ضميره من ناحيتي بعد ما كسرني بجوازته من نور وهو شايفني مشلولة مش قادرة حتى أدافع عن بيتي.
كاميليا بتدخل حذر:
ـ يا جيهان، إحنا كلنا كنا موافقين يوسف في الرأي، بس هو اللي رضي يكون "الشرير" في نظرك عشان مصلحتك. الدكتور قال إن التأخير كان هيدمر رجلك للأبد. يوسف أنقذ مستقبلك يا حبيبتي.
جيهان نظرت لكاميليا بعيون مليئة بالدموع:
ـ أنقذ رجلي ود.بح كرامتي يا كاميليا. يوسف كسر.ني مرتين؛ مرة لما اتجوز عليا وأنا في عز وجعي، ومرة لما فرض عليا العملية دي بالقوة وكأني عيلة صغيرة ماليش كلمة. أنا وافقت علشان أرتاح من ضغطه وعلشان خاطر بناتي، لكن قلبي.. قلبي لسه مقفول يا كاميليا، والعملية دي زودت القفل قفلين.
سكتت جيهان قليلًا وهي تتنفس بصعوبة من أثر التعب، ثم تابعت بصوت مخنوق:
ـ هو فاكر إن لما أمشي على رجلي هنسى إنه جاب ضرة تشاركني في لقمتي ونومي؟ هو فاكر إن الحديد والمسامير اللي في رجلي دي هتلحم اللي انكسر بيني وبينه؟
تنهدت ندى بحزن بعد تأكدها أن جيهان لن تغفر ليوسف بسهولة:
ـ حقك يا جيهان.. حقك تزعلي وتطلعي كل اللي في قلبك. إحنا مش بنجبرك تسامحيه دلوقتي، بس بنبوس إيدك ركزي في صحتك. البنات محتاجينك قوية، ويوسف.. يوسف حسابه يطول، بس خليه هو اللي يشيل ذنب وجعك دلوقتي، وإنتي ارتاحي.
خلف الباب في الممر:
كان يوسف يسند رأسه على الحائط، وسمع كلمات جيهان عن الذ.بح والكرامة. نظر لوالده عدنان بضياع، كانت عيناه تلمعان بدموع الندم.
يوسف بهمس منكسر:
ـ سمعت يا بابا؟ لسه شايلة مني.. وحاسة إني بكسـ.ـرها بالعملية دي. أنا عملت كل ده عشان أشوفها واقفة، وهي شايفة إني بد.بحها.
وضع عدنان يده على كتف ابنه:
ـ اصبر يا يوسف.. اللي زرعته في شهور مش هيتحصد في يوم. جرح القلب يا ابني مالوش جراح، علاجه الوقت والصبر.. وإنت لازم تتحمل صدها لغاية ما تهدى، بجسمها وبقلبها.
خرجت ندى من الغرفة وعلى وجهها ملامح الإرهاق والحزن مما سمعته من جيهان، وبمجرد خروجها، التف حولها يوسف وعدنان وتامر بلهفة.
تحدث يوسف بقلق:
ـ ها يا ندى؟ هديت شوية؟ نقدر ندخل نسلم عليها قبل ما نتحرك؟
أومأت ندى برأسها بصمت، فدخلوا الثلاثة خلفها ببطء. كانت جيهان مستلقية، تنظر إلى سقف الغرفة بجمود، ولم تلتفت إليهم حين دخلوا. اقترب عدنان من السرير وربت على يدها بحنان قائلاً:
ـ حمد لله على سلامتك يا بنتي.. إحنا هنمشي دلوقتي علشان ترتاحي، وهنيجي لك الصبح بدري أول ما الشمس تطلع إن شاء الله.
في هذه اللحظة، التفتت جيهان إليهم، وكانت نظرتها باردة كالثلج، وصوتها يخرج بصعوبة لكن بوضوح قاطع:
ـ ما تتعبوش نفسكم يا عمي.. مالوش لزوم المشوار ده كل يوم. أنا هكمل علاجي وهسمع كلام الدكاترة، وهقوم وأمشي وأعمل العلاج الطبيعي كمان.. بس علشان خاطر بناتي، مش علشان خاطر أي حد تاني.
ساد الصمت الغرفة، وشعر يوسف بغصة مريرة، حاول أن يقترب منها أو يقول كلمة وداع، لكنها قطعت عليه الطريق حين وجهت نظرها إليه مباشرة بابتسامة سخرية مريرة أوجعت قلبه أكثر من صراخها.
جيهان بسخرية لاذعة:
ـ أما أنت يا يوسف.. فياريت تهتم برجلك وتعالجها كويس، محتاج تكون بصحتك عشان تقدر توفق بين زوجاتك وتفتح بيتك.. مش كفاية واحدة فينا عاجزة، مش كدة؟
وقع الكلمات على يوسف كالصاعقة؛ فقد كانت الرسالة واضحة، هي تعالج جسدها من أجل أطفالها، لكنها تخرج يوسف تماماً من دائرة اهتمامها أو تقديرها لما فعله. نكس يوسف رأسه في الأرض، ولم يجد رداً أمام كرامتها المجروحة.
تدخل عدنان محاولاً إنهاء الموقف:
ـ يلا يا ولاد.. يلا يا يوسف. ربنا يهدي النفوس ويريح بالك يا بنتي.
خرج يوسف بخطوات ثقيلة، يجر انكـ.ـساره خلفه، وتبعه عدنان وتامر في صمت مطبق. بعد إغلاق الباب، ساد سكون موحش في الغرفة. نظرت ندى إلى كاميليا، وتبادلتا نظرة طويلة يائسة؛ فكلاهما أدرك أن نجاح المشرط في ترميم العظام لم ينجح أبداً في ترميم ما دمره يوسف في قلب جيهان.
❈-❈-❈
في صالة المنزل الكبيرة، كانت سميرة تجلس وعيناها معلقتان بباب الشقة، تحتضن ابنة جيهان الصغيرة التي غفت من كثرة البكاء والقلق. فجأة، قطعت نور الصمت بخطواتها الواثقة وهي تقترب من سميرة، وعلى وجهها نظرة فحص وتحدٍ مستترة.
وقفت نور أمام سميرة وسألتها بنبرة تحاول جعلها تبدو عادية:
ـ مفيش أي أخبار جديدة يا سميرة؟ يوسف وتامر مكلموكيش من ساعة ما ندى راحت؟
سميرة دون أن تنظر إليها، وصوتها يملؤه التعب:
ـ لا يا نور.. ما أعرفش حاجة غير اللي قلته لك. العملية خلصت وندى راحت تتابع، ومستنيين يوسف يرجع يطمنا بنفسه.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تقرر نور رمي حجر في المياه الراكدة، فابتسمت ابتسامة جانبية وقالت:
ـ تفتكري يا سميرة، لو جيهان قامت ومشت فعلاً ورجعت زي الأول.. إنتي مستعدة للوضع الجديد؟
قطبت سميرة حاجبيها ونظرت إليها باستغراب:
ـ وضع إيه يا نور؟ المهم تقوم بالسلامة لبناتها ولبيتها.
تحدثت نور بخبث:
ـ قصدي إن جيهان وهي عاجزة كانت مكسورة الجناح ومستسلمة، لكن لو بقت ست كاملة تاني، يوسف مش هيشوف غيرها.. وإنتي عارفة غلاوتها عنده. إنتي مستعدة تكوني على الهامش؟ مستعدة إن جيهان هي اللي ترجع تقرر مصيرنا كلنا وتتحكم في البيت من تاني؟
توقفت سميرة عن هزّ الطفلة، ونظرت لنور بنظرة حادة وقالت بصوت هادئ ومزلزل:
ـ جيهان عمرها ما كانت على الهامش علشان ترجع له يا نور.. جيهان صاحبة بيت وأم لبنات يوسف الكبار. وإذا كانت هي هتقرر مصيرنا، فده حقها لأنها هي اللي شالت وبنت البيت ده قبل ما إنتي أو حتى أنا ندخله. أنا اللي يهمني إن أختي وصاحبتي تقوم على رجليها.. أما الهامش اللي بتتكلمي عنه، فده يسكن فيه اللي قلبه مليان خوف مش اللي قلبه مليان حب.
احتقن وجه نور من الرد، وكانت على وشك الرد لولا سماع صوت مفتاح يوسف في الباب.
ينطق بكلمة واحدة، بل أغلق الباب خلفه وكأنه يحاول الهروب من صدى كلمات جيهان التي لا تزال تتردد في أذنيه.
وقفت سميرة تراقب أثره بقلب منقبض، والتفتت إلى الحاج عدنان الذي كان يبدو عليه الإرهاق الشديد. سألته بصوت منخفض:
ـ جرى إيه يا عمي؟ طمنوني، جيهان حصل لها حاجة؟ يوسف ماله داخل كأنه شايل جبال على كتافه؟
تنهد عدنان وجلس على أقرب مقعد:
ـ جيهان بخير يا سميرة، العملية نجحت وندى طمنتنا.. بس الجرح اللي في القلب لسه بينزف. جيهان لسه غضبانة، وكلامها مع يوسف كان قاسي.. قاسي قوي يا بنتي.
في هذه الأثناء، وبينما كان الجميع منشغلاً بحديث الحاج عدنان، تسللت نور في هدوء تام، مستغلة حالة التشتت، وصعدت إلى غرفة يوسف. لم تطرق الباب، بل دخلت مباشرة وهي ترسم على وجهها ملامح القلق المصطنع، ظناً منها أن هذا هو الوقت المناسب لتتقرب منه وتكسب أرضاً جديدة على حساب جيهان.
لكنها لم تكد تخطو خطوتين داخل الغرفة، حتى انفجر بركان الغضب الذي كان يوسف يكتمه طوال اليوم.
يوسف بصراخ زلزل أركان البيت:
ـ إنتي إيه اللي دخلك هنا؟! اطلعي برااااا!
فزع الجميع في الصالة بالأسفل على صوت صراخه. وفي الغرفة، وقف يوسف وعيناه تشتعلان غضباً، وأشار بيده نحو الباب وهو يكمل صياحه في وجه نور التي تراجعت برعب:
ـ مش عايز أشوف وش حد! اطلعي برا وقفلي الباب وراكي، مش طايق أسمع صوت حد فيكم! برااااا!
خرجت نور من الغرفة وهي تجري، ووجهها شاحب من الصدمة والإهانة، لتجد سميرة وعدنان يقفان في ممر الغرف ينظران إليها بذهول، بينما ظل يوسف داخل غرفته يلهث من شدة الانفعال، بعد أن فرغ كل قهر جيهان في وجه نور.
حبس تامر خطى سميرة حين وقفت مندفعة نحو غرفة يوسف، ومنعها بصرامة هادئة قائلاً:
ـ بلاش يا سميرة.. سيبيه دلوقتي خالص. يوسف حالته دلوقتي مش كويسه، ولو دخلتِ له وهو في الحالة دي هيطلع كل غضبه فيكي إنتي. سيبيه يواجه نفسه باللي سمعه، ده أحسن دوا ليه دلوقتي. وبعدين الوقت اتأخر، مفيش مرواح للمستشفى دلوقتي، إحنا ننام والصباح رباح.
تراجعت سميرة وهي تتنفس بضيق، ونظرت بحدة نحو نور الواقفة كالمنبوذة بعد طرد يوسف لها، ثم قالت لتامر بصوت مسموع:
ـ عندك حق.. هو اللي جنى على نفسه وهو اللي جاب الإهانة دي لروحه. أنا هدخل أنام، والصبح هكون أول واحدة عند جيهان، هي اللي محتاجة اللي يطبطب عليها بجد، مش اللي بيمثل القلق وهو قلبه شمتان.
رمت سميرة كلماتها تلك في وجه نور وانصرفت لغرفتها، بينما توجه تامر بوالده عدنان إلى غرفته ليرتاح من عناء هذا اليوم الطويل.
كان يوسف يجلس على طرف الفراش، الغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من النافذة. كلمات جيهان
"اهتم بمعالجة قدمك من أجل زوجاتك"
كانت تتردد في عقله كصوط سوط يجلد ظهره.
نظر إلى ساقه المصابة التي بدأت تتورم بسبب وقوفه الطويل وإهماله لها. مد يده ببطء وأمسك بمرهم طبي وبدأ يدهن ساقه، ودموعه سقطت لأول مرة دون إرادة منه. كان يدهن ساقه وهو يشعر بصغر حجمه أمام كبرياء جيهان التي جرحها. أدرك أن نجاح العملية كان هزيمة نكراء له في معركة كسب قلبها من جديد.
كانت ندى تجلس بجوار جيهان التي استسلمت أخيراً للنوم بفعل المسكنات القوية، بينما كانت كاميليا نائمة على الأريكة المجاورة. اقتربت ندى من جيهان، وعدلت الغطاء عليها، وهي تفكر في حال أخيها يوسف وكيف سيواجه غدًا.
ندى تهمس لنفسها:
ـ يا ترى يا يوسف، هتقدر تستحمل جيهان الجديدة؟ جيهان اللي هتمشي على رجليها بس بقلب ميت من ناحيتك؟
أشرقت شمس يوم جديد، لكنها لم تحمل معها صفاءً في النفوس داخل منزل يوسف. استيقظ يوسف مبكرًا، وارتدى ملابسه بهدوء غريب، ثم خرج من غرفته ليجد سميرة وتامر في انتظاره بالصالة وقد بدا عليهما الاستعداد للتحرك.
هتف تامر وهو ينظر في ساعته:
ـ يلا يا يوسف، إحنا اتأخرنا على جيهان، زمانها فاقت ومستنية تشوفنا، وندى كلمتني وقالت إنها بدأت تزهق من قعدة السرير.
نظر إليهما يوسف بنظرة لم يفهما معناها في البداية، ثم قال بصوت حازم وهادئ:
ـ أنا مش هروح معاكم المستشفى دلوقتي.. عندي ميعاد مهم مع الدكتور بتاعي، وهبدأ أول جلسة علاج طبيعي لرجلي النهاردة.
ساد صمت مفاجئ في الصالة، ونظرت له سميرة بتعجب ممزوج بالضيق، بينما رفع تامر حاجبيه بدهشة، فكلمات جيهان الساخرة بالأمس يبدو أنها فعلت فعلها في أعماق يوسف، وقرر فجأة أن يلتفت لنفسه.
في هذه اللحظة، كانت نور تقف عند طرف الممر تراقب المشهد، وشعرت بانتصار كبير يملأ قلبها؛ فغياب يوسف عن جيهان في أول صباح لها بعد العملية، واهتمامه بنفسه، هو بالضبط ما كانت تتمناه لتبدأ هي في استعادة مكانتها.
يوسف موجهًا كلامه لتامر:
ـ يا تامر، عايزك توصلني في طريقك للعيادة الأول، وبعدين تاخد سميرة وتروحوا لجيهان.. وأنا لما أخلص هشوف هعمل إيه.
أما الحاج عدنان، فقد حسم الأمر بوقاره المعهود قائلًا:
ـ خلاص يا ولاد، روحوا أنتوا للي وراكم، وأنا هفضل هنا مع البنات النهاردة، سميرة جهزت لهم كل حاجة.
تحرك الجميع نحو الخارج، يوسف يجر خطاه ببطء مفكرًا في تحدي جيهان له، وسميرة وتامر يتبادلان نظرات القلق من هذا التحول المفاجئ في أولويات يوسف.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

يوسف غبى مفكر انا لما يعاندها هيكسبها تانى
❤️❤️❤️
هى جيهان مش ناويه تطلق من يوسف و لا ايه