تاريخ النشر: 6-5-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الرابع والثلاثون
تم النشر الأربعاء
6/5/2026
في المركز، فقد استمر يوم الراحة بوجود يوسف وسميرة بجانب جيهان. كانت سميرة تحاول بذكاء أن تلطف الجو وتتجنب أي حديث قد يثير توتر جيهان، فكانت تتحدث عن أمور البيت وتفاصيل صغيرة تخص البنات، مما جعل جيهان تشعر بنوع من السكينة غير المتوقعة تجاه سميرة.
يوسف كان يراقب المشهد من مقعده، يشعر بالامتنان لوجود سميرة التي خففت عنه وعن جيهان حدة الانتظار. ومع اقتراب الليل، بدأ الطاقم الطبي في إعطاء جيهان تعليمات "الصيام" والأدوية التحضيرية التي تسبق العملية بـ 12 ساعة.
يوسف وهو يقترب من سرير جيهان:
ـ سميرة هتفضل معاكي الليلة دي يا جيهان، وأنا هروح دلوقتي علشان أكون هنا مع الفجر.. مش عايزك تفكري في أي حاجة غير إنك هتقومي بالسلامة إن شاء الله.
نظرت إليه جيهان، ولأول مرة منذ وقت طويل، لم يكن في عينيها عتاب، بل كانت نظرة تطلب الاطمئنان، وكأنها تخبره بصمتها أنها ستنتظره في الصباح.
استيقظت كاميليا في المساء والظلام يملأ أرجاء منزلها، شعرت في البداية بضيق وتشوش بعد نومها العميق والمفاجئ، لكن سرعان ما قفزت صورة جيهان إلى مخيلتها. نهضت بسرعة، غسلت وجهها واستبدلت ملابسها، ولم تضيع دقيقة واحدة؛ استقلت سيارة واتجهت مباشرة إلى المركز الطبي، فقلبها لم يطاوعها أن تترك شقيقتها ليلة العملية بمفردها أو حتى مع سميرة ويوسف فقط.
وصلت كاميليا إلى غرف جيهان في وقت متأخر من الليل، وبمجرد دخولها، وجدت سميرة جالسة بجانب جيهان، تحاول أن تؤنس وحدتها ببعض الكلمات الهادئة.
كانت كاميليا تتحدث بانفاس متسارعة:
ـ أنا جيت.. مقدرتش استنى للصبح والله، قلبي كان واكلني عليكي يا جيهان.
التفتت إليها جيهان بابتسامة باهتة لكنها تحمل الكثير من الامتنان، بينما نهضت سميرة بترحيب:
ـ نوم العوافي يا كاميليا، كان باين عليكي التعب فعلاً. كويس إنك جيتي علشان جيهان كانت محتاجة وجودك جنبها في الساعات دي.
كانت جيهان في حالة هدوء غريب، ربما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، أو هو الاستسلام للقدر. نظرت لأختها وقالت:
ـ كنت فاكرة إنك مش هتيجي غير الصبح يا كاميليا.. بس كنت واثقة إنك مش هتسيبيني.
كاميليا وهي تجلس على حافة السرير وتتمسك بيد جيهان:
ـ أسيبك إزاي بس؟ ده أنا ما صدقت إنك وافقتي يا جيهان. أنا معاكي وهفضل صاحية جنبك لغاية ما تدخلي وتخرجي بالسلامة.
ساد جو من الألفة النسائية داخل الغرفة؛ سميرة بخبرتها وهدوئها، وكاميليا بلهفتها وحبها الصادق. بدأوا يتحدثون بصوت منخفض حتى لا يزعجوا المرضى الآخرين، بينما كانت الممرضات يدخلن بين الحين والآخر لفحص العلامات الحيوية لجيهان والتأكيد على تعليمات ما قبل الجراحة.
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، كان التوتر يلف أرجاء المنزل. استعد يوسف للذهاب، وأصر والده عدنان على مرافقته ليكون بجانب ابنه وجيهان في هذا الوقت العصيب، كما كان تامر جاهزاً بسيارته.
حاولت ندى أن تذهب معهم، فقد كانت قلقة جداً على جيهان، لكن يوسف استوقفها بحزم وهدوء:
ـ يا ندى، خليكي هنا دلوقتي. سميرة زمانها راجعة من المركز، ومقدرش أسيب البنات لوحدهم مع نور.. إنتي عارفة إن نور مش في أحسن حالاتها الأيام دي، وخليكي جنب بناتي لغاية ما نتطمن ونكلمك.
وافقت ندى على مضض، رغم رغبتها في التواجد هناك، لكنها أدركت أن استقرار البنات في البيت هو الأولوية الآن.
وصل يوسف وعدنان وتامر، وهرعوا مباشرة الطابق المتواجدة به جيهان. بمجرد وصولهم إلى الممر، وجدوا حركة غير عادية؛ كانت الممرضات قد بدأن بالفعل في إعداد جيهان للنقل، يجهزن "الترولي" الطبي ويراجعن أوراقها النهائية.
كانت كاميليا وسميرة تقفان بجانب السرير، ملامحهما يكسوها القلق الشديد. جيهان كانت ترتدي ملابس العمليات الزرقاء، وبدت في تلك اللحظة رقيقة وضعيفة جداً، وعيناها تائهتان بين وجوه الحاضرين.
بمجرد أن رأت جيهان يوسف يدخل ومعه والده وتامر، شعرت بغصة في حلقها. اقترب يوسف منها، وبالرغم من ألم قدمه الذي لم يختفِ تماماً، إلا أنه وقف بثبات أمامها وأمسك يدها الباردة.
يوسف بصوت منخفض وعميق:
ـ جيهان.. إحنا كلنا هنا جنبك. عمك عدنان وتامر والكل بيدعيلك. استودعناكي عند ربنا، وتقومي لنا بالسلامة يا أم البنات.
نظر إليها عدنان بدموع محبوسة وقال:
ـ شدي حيلك يا بنتي، ربنا يبارك في عمرك ويرجعك لبيتك منورة وسطنا.
في هذه اللحظة، أشارت الممرضة
بتحرك السرير نحو غرفة العمليات. بدأت نبضات قلب الجميع تتسارع، وأمسكت كاميليا يد أختها بقوة وهي تسير بجانب السرير المتحرك، بينما ظل يوسف يراقبها بعينين تملؤهما الدموع والندم والأمل في آن واحد.
❈-❈-❈
أُغلق باب غرفة العمليات الضخم، تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً وموحشاً في الممر. وقف يوسف مستنداً بظهره إلى الحائط، يراقب الضوء الأحمر الذي أُضيء فوق الباب، وكأنه يراقب عداداً لعمره هو وليس فقط وقت العملية.
كانت كاميليا تجلس على أحد المقاعد، تخفي وجهها بين كفيها، وأكتافها تهتز بنحيب صامت لم تستطع كبته أكثر من ذلك. اقتربت منها سميرة وحاولت تهدئتها، رغم أن القلق كان ينهش قلب سميرة هي الأخرى.
عدنان وهو يربت على كتف يوسف:
ـ اهدا يا ابني.. ادعي لها. جيهان قوية، وإن شاء الله ربنا هيجبر بخاطرنا وبخاطر بناتها.
يوسف بصوت مخنوق:
ـ يا رب يا بابا.. أنا حاسس إن الوقت واقف مبيمشيش. كل اللي بيفكر فيه دلوقتي هو شكلها وهي داخلة، كانت خايفة يا بابا.. أنا شوفت الخوف في عينيها ومهنش عليا.
تحرك تامر في الممر ذهاباً وإياباً، يحاول كسر حدة التوتر، ثم اقترب من يوسف:
ـ يوسف، اقعد ارتاح رجلك لسه فكاها مكملتش ٢٤ ساعة، والوقفة دي هتتعبك. إحنا قدامنا وقت طويل، الجراحة دي بتاخد ساعات.
يوسف بندم حقيقي وعينه مسلطه على باب غرفة العمليات:
ـ مش قادر يا تامر.. مش قادر أقعد وهي جوه تحت المشرط بسببي. لو كنت بس..
قال عدنان مقاطعاً بحزم:
ـ بلاش لو يا يوسف. ده قدر ومكتوب، وإحنا دلوقتي في مرحلة الإصلاح. استغفر ربنا وخليك ثابت عشان لما تخرج تلاقيك قوي وتستمد قوتها منك.
ساد الصمت مرة أخرى، ولم يقطعه إلا صوت خطوات الممرضات البعيدة أو نداءات خافتة في جهاز النداء الآلي للمستشفى. كان كل واحد منهم غارقاً في أفكاره
كاميليا تفكر في أختها الوحيدة وكيف ستكون حياتهما بعد هذا اليوم. سميرة تفكر في ترتيبات البيت وكيف ستستقبل جيهان بعد الجراحة. يوسف كان يراقب الساعة كل دقيقة، ويشعر أن كل ثانية تمر هي دهر كامل.
مرت الساعتان الأوليان والتوتر يزداد، حتى قطع هذا السكون خروج ممرضة من غرفة العمليات بسرعة لتجلب شيئاً ما، فهرع إليها يوسف وكاميليا في نفس اللحظة.
بعد مرور ساعة أخرى من الانتظار المرير، فُتح الباب المعدني لغرفة العمليات وخرج الطبيب الجراح وهو ينزع قناعه الطبي، وكان العرق يتصبب من جبينه لكن ملامحه كانت هادئة، مما أعطى بصيصاً من الأمل للواقفين.
اندفع يوسف وكاميليا وتامر نحو الطبيب في لحظة واحدة، والأسئلة محبوسة في عيونهم قبل ألسنتهم.
يوسف بلهفة وصوت مرتجف:
ـ طمني يا دكتور.. جيهان عاملة إيه؟
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة طمأنة القلوب المرتجفة وقال:
ـ الحمد لله.. اطمنوا جداً، العملية تمت بنجاح وبشكل أفضل مما توقعنا. قدرنا ننظف مكان الإصابة القديمة ونرمم الأنسجة المتهالكة، وهي دلوقتي في مرحلة الإفاقة.
انطلقت شهقة ارتياح من كاميليا التي استندت على الحائط وهي تحمد الله بصوت مسموع، بينما أغمض يوسف عينيه وسجد لله سجدة شكر في مكانه رغم ألم قدمه، وشعر وكأن الروح ردت إليه من جديد.
الطبيب مكملاً حديثه:
ـ الجرح نضيف جداً، والجسم استجاب للترميم بشكل ممتاز. هي هتقعد في الإفاقة حوالي ساعة، وبعدين هتتنقل لغرفتها. بس طبعاً مش هتقدر تتكلم دلوقتي بسبب التخدير، ومحتاجة راحة تامة النهاردة.
تحدث عدنان بامتنان:
ـ كتر خيرك يا دكتور، طمنتنا الله يطمنك. ياترى هتقدر تمشي بالطرف الصناعي امتى؟
أجابه الطبيب بهدوء فالوقت مازال مبكراً:
ـ خلينا نمشي خطوة بخطوة يا حاج عدنان. المهم الجرح يلم الأول، وبعدها نبدأ مرحلة القياسات والعلاج الطبيعي. المهم دلوقتي إن أصعب مرحلة عدت بسلام.
انصرف الطبيب، ليعم الفرح الممزوج بالدموع بين الجميع. احتضن تامر شقيقه يوسف بقوة، بينما كانت سميرة تحاول تهدئة كاميليا التي لم تتوقف عن البكاء من فرط الفرحة والراحة.
يوسف وهو ينظر للباب:
ـ خلاص يا جيهان.. اللي فات انطوى، والجديد بدأ فعلاً.
بعد أن خرج الطبيب وطمأن الجميع بنجاح العملية، تنفس يوسف الصعداء وشعر بجبل من الهم ينزاح عن صدره. التفت إلى سميرة التي كانت لا تزال ملامح القلق والترقب واضحة عليها.
يوسف بصوت هادئ وممتن:
ـ يا سميرة، كتر خيرك إنك وقفتي معانا الوقفة دي. دلوقتي جيهان خرجت بالسلامة، وأنا محتاجك ترجعي البيت مع تامر علشان البنات.. مش عايزهم يحسوا بغيابنا أكتر من كدة، وانتي أكتر واحدة هتطمنيهم.
أكمل يوسف وهو ينظر لتامر:
ـ يا تامر، وصل سميرة وهات ندى معاك وأنت راجع. ندى دكتورة وهتفهم كلام الدكاترة هنا أكتر مننا، وهتكون سند لكاميليا ولجيهان في الساعات اللي جاية دي.
وافقت سميرة على الفور، وودعت كاميليا بحرارة وهي توصيها بأن تتماسك، ثم غادرت المركز برفقة تامر.
عاد الهدوء ليخيم على الممر، ودخل يوسف ووالده عدنان إلى الغرفة المخصصة لجيهان بانتظار خروجها من غرفة الإفاقة. كانت الغرفة مجهزة بكل شيء، لكنها بدت باردة وموحشة بدون وجود جيهان فيها.
جلس عدنان على المقعد المجاور للنافذة، وأخرج سبحته وبدأ يتمتم بأذكاره، بينما ظل يوسف يتحرك في أرجاء الغرفة ببطء، مستنداً على عصاه التي لم يعد يحتاج التحميل عليها كثيراً، لكنه كان يستعملها كدعامة لنفسه أكثر من قدمه.
كان يوسف ينظر إلى السرير الفارغ ويتخيل جيهان وهي نائمة عليه بعد قليل.. هل سيسامحه القدر؟ وهل ستغفر له جيهان تلك القسوة التي أجبرتها بها على دخول العمليات؟
عدنان قاطعاً صمت يوسف:
ـ اقعد ارتاح يا يوسف.. رجلك لسه طرية، والوقفة دي هتتعبك. ربنا كبر بخاطرنا واستجاب لدعواتنا، جيهان هتدخل دلوقتي منورة مكانها.
يوسف وهو يجلس بتعب:
ـ يا رب يا بابا.. أنا مكنتش خايف من العملية قد ما كنت خايف من نظرة عينيها لو حصلت مضاعفات. ندى لما تيجي هتطمن قلبي أكتر، هي عارفة تتعامل مع الحالات دي.
مرت الدقائق ثقيلة، يوسف وعيناه معلقتان بباب الغرفة، وكلما سمع صوت حركة ترولي في الممر، كان ينتفض واقفاً، وقلبه يدق بعنف، منتظراً اللحظة التي يرى فيها زوجته عائدة إليه لتبدأ رحلة جديدة تماماً.
وصل تامر بالسيارة أمام المنزل ومعه سميرة، وكانت ندى تقف في الشرفة، والقلق يأكل ملامحها. بمجرد أن رأتهم، نزلت بسرعة لتستقبلهم.
هتفت ندى بلهفة وتوتر:
ـ طمنوني! جيهان عملت إيه؟ يوسف عامل إيه؟
تامر بابتسامة مطمئنة:
ـ اهدي يا ندى، الحمد لله الجراح خرج وبشرنا إن العملية نجحت جداً وجيهان في الإفاقة دلوقتي. يوسف هو اللي بعتنا علشان تيجي معانا، محتاج وجودك جنبه جداً.
تنفست ندى الصعداء وشعرت براحة كبيرة، وقالت بسرعة:
ـ ثواني، هغير هدومي وأجهز الشنطة وأنزل فوراً.
في تلك الأثناء، دخلت سميرة المطبخ بهمة، رغم تعبها، فكرت في يوسف وعمها عدنان وتامر الذين غادروا المنزل من الفجر دون إفطار حقيقي، وتعلم أن يومهم في المركز سيكون طويلاً ومرهقاً. بدأت بسرعة في إعداد مجموعة من الساندوتشات ووضعت معها بعض العصير والماء في حقيبة صغيرة.
عادت سميرة للصالة وناولت الحقيبة لتامر قائلة:
ـ خد يا تامر، الأكل ده ليك ولأخوك وعمي عدنان، أكيد مأكلتوش لقمة من الصبح واليوم لسه طويل قدامكم. خلوا بالكم من جيهان، وطمنونا أول بأول.
تحدث تامر بامتنان:
ـ كتر خيرك يا سميرة، فعلاً إحنا نسينا الأكل خالص. تسلم إيدك.
نزلت ندى وهي ترتدي ثيابها الرسمية ومعها حقيبتها الطبية، فودعوا سميرة وغادروا المنزل متوجهين للمركز.
أما سميرة، فبمجرد مغادرتهم، نادت على أولادها وبنات جيهان بحنان، وأخذتهم في يدها وصعدت بهم إلى غرفتها بالأعلى. كانت تشعر بتوتر مكتوم في الجو ولم تكن لديها أي طاقة أو رغبة في الدخول في أي نقاش أو اشتباك مع نور، ففضلت العزلة مع الأطفال لتوفر لهم الهدوء وتنتظر هي الأخرى أخبار جيهان.
في خضم الانتظار داخل الغرفة، التفت يوسف حوله فجأة ولم يجد كاميليا. كان يظن أنها سبقتهما إلى الداخل، لكن غيابها أثار قلقه. استند على عصاه وخرج بخطوات وئيدة إلى الممر، باحثاً عنها بعينيه، حتى وجدها تقف وحيدة أمام الباب الضخم لغرفة العناية المركزة قسم الإفاقة، وكأنها تخشى أن تبتعد شبراً واحداً عن المكان الذي تقبع فيه أختها.
كانت كاميليا تقف واجمة، عيناها معلقتان بالباب، ويديها مشبكتان أمام صدرها في وضعية صلاة وتضرع. اقترب يوسف منها بهدوء، ووقف بجانبها لثوانٍ دون أن يتحدث، يشاركهما نفس الصمت ونفس الأمل.
يوسف بصوت خفيض ودافئ:
ـ واقفة هنا ليه يا كاميليا؟ الدكاترة طمنونا خلاص، وهي مسافة وقت وهتكون وسطنا في الأوضة.
التفتت إليه كاميليا وعيناها مغرورقتان بالدموع، وقالت بصوت مرتعش:
ـ مش قادرة يا يوسف.. مش قادرة أصدق إنها لسه جوه. طول ما أنا مش شايفاها قدامي وصوت نفسها مالي المكان، بحس إن قلبي مقبوض. خايفة تفوق وتتوجع، أو تحس إنها لوحدها.
يوسف وهو يحاول طمأنتها وطمأنة نفسه التي لا تزال مضطربة:
ـ جيهان قوية.. وإنتي عارفة كدة أكتر مني. الوجع اللي فات كان أصعب بكتير من وجع العملية دي. صدقيني يا كاميليا، النهاردة بداية حياة جديدة ليها.. ولينا كلنا. أنا حاسس إن ربنا بيجبر خاطرنا فيها.
سكت قليلاً ثم أضاف بنبرة تحمل وعداً:
ـ أنا مش هسيبها تتوجع، وندى زمانها في الطريق ومعاها تامر، وهتفضل متابعة حالتها لحظة بلحظة. عودي نفسك إن من هنا ورايح، مفيش وجع هيدخل حياتها تاني وإحنا موجودين.
كلام يوسف لم يكن موجهاً لكاميليا فقط، بل كان يهمس به لروحه التي أنهكها الشعور بالذنب طوال الفترة الماضية. نظرت إليه كاميليا بامتنان، وشعرت لأول مرة منذ الحادث أن يوسف ليس مجرد زوج أختها، بل هو السند الذي يحمل ثقل هذه العائلة بصدق.
بينما كان يوسف يحاول تهدئة كاميليا أمام باب العناية، قطعت سكون الممر خطوات سريعة ومنتظمة، التفت يوسف ليجد ندى تقبل بوقارها المعهود وخطواتها الواثقة، وخلفها تامر يحمل حقيبة الطعام التي أعدتها سميرة وبعض الأغراض الأخرى.
كانت ندى ترتدي ثياباً عملية مريحة، وعلى وجهها مزيج من القلق والتركيز المهني. بمجرد أن رأت يوسف وكاميليا، تسارعت خطواتها أكثر حتى وصلت إليهم.
قالت ندى بلهفة:
ـ حمد لله على سلامتها يا يوسف.. تامر طمني في الطريق، بس قولي بالتفصيل، الدكتور الجراح قال إيه بالظبط؟ وفين تقرير العملية؟
قبل أن يجيب يوسف، كانت ندى قد التفتت نحو كاميليا وضمتها برفق لتهدئ روعها، ثم عادت بنظرها لأخيها.
يوسف بتنهيدة ارتياح:
ـ الله يسلمك يا ندى.. نورتينا. الجراح خرج من شوية وقال إن العملية نجحت جداً والترميم كان ممتاز، وهي دلوقتي جوه في الإفاقة. أنا كنت مستنيكي علشان تدخلي تسألي وتطمنينا أكتر، إنتي عارفة أنا ماليش في كلام الدكاترة المعقد ده.
تامر وهو يضع الحقيبة على المقعد:
ـ أنا جبت ندى وجيت طيران يا يوسف. وسميرة بعتت معانا أكل وعصاير، قالت لازم تاكلوا لقمة عشان تقدروا تسندكم طول الليل.
تحدثت ندى بجدية وهي تنظر لهم:
ـ طيب يا تامر، خلي الأكل دلوقتي. أنا هدخل لدكتور الإفاقة جوه، هعرف منه وضع المؤشرات الحيوية إيه بالظبط، وهشوف لو محتاجة أي مسكنات معينة أو بروتوكول معين للتعافي عشان نبدأ فيه من أول دقيقة.
نظرت ندى ليوسف بابتسامة طمأنينة وأضافت:
ـ متقلقش يا حبيبي، أنا معاها جوه ومش هسيبها غير لما تخرج للأوضة وتفوق تماماً.
تحركت ندى نحو باب العناية، واستخدمت صفتها كطبيبة للدخول، بينما ظل يوسف وتامر وكاميليا يراقبونها وهي تختفي خلف الباب، وشعروا جميعاً أن عبئاً كبيراً قد انزاح بوجودها.
بمجرد أن استخدمت ندى صفتها الطبية ودلفت إلى داخل وحدة الإفاقة، تغيرت ملامحها من الأخت القلقة إلى الطبيبة المسؤولة. سارت في الممر الهادئ حتى وصلت إلى سرير جيهان.
كانت جيهان لا تزال غارقة في نوم عميق أثره البنج، لكن وجهها كان يحمل مسحة من السكينة لم تكن موجودة قبل العملية. اقتربت ندى، وبدأت تفحص المونيتور المعلق فوق رأسها بدقة؛ تابعت نبضات القلب، وضغط الدم، ونسبة الأكسجين. ثم انحنت قليلاً لتتفحص وضع الضمادة الطبية عند موضع الجراحة، وتأكدت من عدم وجود أي نزيف أو مضاعفات ظاهرية.
تحدثت ندى بصوت منخفض مع طبيب الإفاقة المتواجد، ناقشته في جرعات المسكنات ونوع البروتوكول الذي ستتبعه جيهان في الساعات القادمة لتجنب أي صدمة عصبية بعد الإفاقة. ربتت ندى على يد جيهان بحنان طبي، وهمست لها:
ـ حمد لله على سلامتك يا جيهان.. هانت يا حبيبتي.
بعد دقائق، انفتح الباب وخرجت ندى. وبمجرد ظهورها، انتفض يوسف من مكانه، ووقف تامر وكاميليا يترقبون كلماتها.
ندى بابتسامة عريضة طمأنت القلوب:
ـ اطمنوا يا جماعة.. اطمن يا يوسف. المؤشرات الحيوية ممتازة، والجراح بجد عامل شغل هايل، التقفيل والترميم نضيف جداً. جيهان دلوقتي بدأت تخرفش بسيط، يعني قدامها ربع ساعة بالكتير وتطلع لنا الغرفة.
يوسف بتنهيدة عميقة:
ـ الحمد لله.. يعني هي مش تعبانة يا ندى؟ مش حاسة بحاجة؟
أجابته ندى بمهنية شديدة:
ـ دلوقتي هي مش حاسة بحاجة خالص بسبب البنج، بس أول ما تفوق هتبدأ تحس بتقل وألم بسيط، وده طبيعي جداً. أنا اتفقت مع دكتور التخدير على جدول مسكنات قوي علشانمتمُرش بلحظة وجع واحدة النهاردة.
التفتت ندى لكاميليا وقالت:
ـ كاميليا حبيبتي، جيهان محتاجة لما تفتح عينيها تلاقينا كلنا هاديين وبنضحك، مش عايزين عياط خالص، مفهوم؟
مسحت كاميليا دموعها بسرعة وأومأت برأسها بالموافقة، بينما اتجه تامر ليفتح حقيبة الطعام التي أعدتها سميرة:
ـ طيب بما إننا قدامنا ربع ساعة، كل واحد ياخد ساندوتش وعصير بسرعة عشان تقدروا تقفوا على رجليكم لما تخرج.. يوسف، إنت مأكلتش حاجة من الفجر، خد الأكل ده.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

ممكن تسرعى احداث عمليةجهات عاوزة اعرف قرارها من ناحية استمرارها مع يوسف
❤️❤️❤️❤️