قراءة رواية رسائل ما بعد الموت كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية رسائل ما بعد الموت
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة رحاب قابيل
الفصل الرابع
تم النشر الأحد
المكالمة التي جاءت من وقتٍ آخر
لم تنم ليلى تلك الليلة.
كانت تشعر أن شيئًا ما يتحرك في الظلام، ليس في الغرفة، بل في حياتها كلها. كل ما حدث في الأيام الماضية لم يكن طبيعيًا، لم يكن صدفة، لم يكن مجرد جريمة قتل تحاول كشفها… كان أكبر من ذلك بكثير.
جلست على السرير، الجهاز أمامها، الدفتر بجانبها، والهاتف بين يديها. كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً، موعد التسجيل الجديد الذي تحدث عنه الصوت في التسجيل السابق.
قلبها كان يدق ببطء، لكن بقوة.
شعرت وكأنها تنتظر حكمًا بالإعدام، أو ولادة حياة جديدة، لا شيء بينهما.
عندما وصلت الساعة إلى التاسعة تمامًا…
اشتغل الجهاز وحده.
تجمدت في مكانها.
خرج صوت تشويش أولًا، ثم صوت رجل، لكنه هذه المرة كان أوضح، أقرب، وكأنه يقف خلفها مباشرة.
قال الصوت ببطء:
"لو بتسمعي التسجيل ده… يبقى أنتِ دلوقتي في أخطر مرحلة.
من اللحظة دي، كل حاجة هتتغير.
وخلّي بالك… في شخص قريب منك جدًا… أقرب مما تتخيلي… هو جزء من كل اللي بيحصل."
اتسعت عينا ليلى، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها.
الصوت أكمل:
"ما تثقيش في حد.
حتى نفسك أوقات ما تثقيش فيها.
والأهم…
استني المكالمة بكرة الساعة 12 بالليل.
المكالمة دي… جاية من وقت تاني."
وفجأة، توقف التسجيل.
جلست ليلى في صمت تام.
آخر جملة كانت تدور في رأسها فقط:
"المكالمة جاية من وقت تاني."
❈-❈-❈
في اليوم التالي، لم تستطع التركيز في أي شيء.
كل الناس حولها بدوا عاديين جدًا، لدرجة مخيفة. كيف يمكن للعالم أن يكون طبيعيًا بينما حياتها تنهار بهذا الشكل؟
كانت تسير في الشارع، لكنها كانت تشعر أن كل شخص يمر بجانبها يراقبها، كل سيارة بطيئة تتبعها، كل نافذة فيها عين تراقب.
أخرجت هاتفها، فتحت الرسائل…
لا شيء جديد.
لكن عندما أغلقت الهاتف، ظهر إشعار فجأة.
رقم مجهول:
"ما تحاوليش تغيري اللي هيحصل النهارده.
أنتِ لسه ما تعرفيش كل حاجة."
توقفت ليلى في منتصف الشارع.
همست:
"مين أنت؟ وإيه اللي أنت عايزه مني؟"
طبعًا لم يرد أحد.
❈-❈-❈
الساعة كانت تقترب من منتصف الليل.
ليلى كانت جالسة في غرفتها، الأنوار مطفأة، والهاتف أمامها على الطاولة. كانت تنظر إليه وكأنه قنبلة ستنفجر.
11:58
11:59
وعند 12:00 بالضبط…
رن الهاتف.
ظهر رقم غريب جدًا، رقم طويل، ليس كأرقام الهواتف العادية.
يدها كانت ترتجف وهي ترد.
وضعت الهاتف على أذنها، ولم تتكلم.
ثم سمعت صوتًا.
صوت أنفاس أولًا…
ثم صوت فتاة.
قالت الفتاة بصوت متوتر:
"ألو… ألو… ليلى؟
أنتِ سامعاني؟
أنا معايا وقت قليل جدًا."
تجمدت ليلى.
قالت ببطء:
"مين؟ إنتِ مين؟"
رد الصوت بسرعة:
"أنا…
أنا ليلى."
سقط الهاتف تقريبًا من يدها.
قالت بصوت مرتعش:
"إنتِ بتستهزئي؟ مين؟!"
الفتاة على الهاتف بدأت تتكلم بسرعة شديدة:
"اسمعيني كويس، مافيش وقت.
أنا ليلى… بس بعد سنة من دلوقتي.
لو ما عملتيش اللي هقوله… إحنا هنموت.
أنا وإنتِ."
شعرت ليلى أن الغرفة تدور حولها.
قالت بصعوبة:
"إنتِ مجنونة… ده مستحيل…"
ردت الفتاة:
"كنت بقول كده برضه.
بس بعد اللي شفته… عرفت إن مافيش حاجة مستحيلة.
اسمعي كويس:
ما تثقيش في آدم.
وما تروحيش المخزن يوم الخميس.
ولو لقيتي الظرف الأحمر… ما تفتحيهوش."
ليلى قالت بسرعة:
"استني! استني! إيه المخزن؟ إيه الظرف؟ إيه اللي هيحصل؟"
لكن الصوت بدأ يضعف.
الفتاة قالت آخر جملة:
"إحنا اتضحك علينا كلنا…
واللعبة أكبر مننا بكتير…"
ثم انقطعت المكالمة.
ليلى ظلت ممسكة بالهاتف، تنظر إليه، كأنه سيتكلم مرة أخرى.
لكن لم يحدث شيء.
❈-❈-❈
جلست على الأرض ببطء.
كل ما يحدث الآن تجاوز الخوف، تجاوز المنطق، تجاوز كل شيء.
مكالمة من المستقبل؟
نسخة أخرى منها؟
تحذيرات؟
موت بعد سنة؟
قالت لنفسها بصوت منخفض:
"أنا دخلت في إيه…"
ثم رفعت رأسها فجأة.
إذا كانت هذه المكالمة حقيقية…
فهذا يعني أن ما سيحدث يمكن تغييره.
وهذا يعني أيضًا…
أن هناك من يعرف المستقبل…
ويلعب به.
ابتلعت ريقها وقالت:
"يبقى أنا مش بلعب لعبة كشف جريمة…
أنا بلعب لعبة زمن."
نظرت إلى الهاتف مرة أخرى، ثم همست:
"والواضح إن اللي عامل اللعبة…
مش ناوي يسيبني أخرج منها بسهولة."
❈-❈-❈
لم تتحرك من مكانها.
الهاتف ما زال في يدها، لكن عقلها لم يعد هنا.
كان يدور… يركض… يصرخ بأسئلة لا تجد إجابة.
"أنا ليلى… بس بعد سنة من دلوقتي."
الجملة لم تفارقها.
وقفت فجأة، كأنها اتخذت قرارًا دون وعي.
بدأت تمشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا، تحاول ربط كل شيء.
– "طيب لو ده بجد… يبقى أنا قدامي فرصة أغيّر اللي هيحصل…"
توقفت.
– "بس أغيّره إزاي وأنا مش فاهمة هو إيه أصلًا؟!"
وضعت يدها على رأسها بعنف، تحاول كبح الأفكار.
لكن جملة واحدة ظلت تضرب في عقلها:
"ما تثقيش في آدم."
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، خرجت من المنزل بعينين مرهقتين، لكنها يقِظة أكثر من أي وقت مضى.
الشارع نفسه… الناس نفسها…
لكن كل شيء أصبح مختلفًا.
كانت تراقب كل من حولها.
كل شخص قد يكون عدوًا.
كل كلمة قد تكون كذبة.
كل نظرة قد تكون مراقبة.
وأخيرًا… رأته.
آدم.
كان واقفًا عند ناصية الشارع، يتحدث في الهاتف، ملامحه هادئة… طبيعية… أكثر من اللازم.
تجمدت خطواتها.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
– "هو ده؟… هو ده اللي قالت عليه؟"
حاولت أن تبدو طبيعية، اقتربت ببطء.
رفع رأسه، ابتسم لها ابتسامة خفيفة.
– "ليلى؟ إيه يا بنتي مختفية فين؟ أنا بقالي يومين بحاول أوصلك!"
نظرت إليه… طويلًا.
تحاول قراءة شيء خلف عينيه.
– "كنت مشغولة شوية."
– "مشغولة إيه بس؟ أنا كنت قلقان عليكي والله."
كلمة "قلقان" خرجت منه بسلاسة… زيادة عن اللزوم.
قالت بهدوء:
– "ليه؟"
استغرب:
– "ليه إيه؟ طبيعي أقلق عليكي!"
سكتت لحظة… ثم قالت:
– "آدم… لو سألتك سؤال… تجاوبني بصراحة؟"
– "طبعًا."
قربت منه خطوة، وعينيها ثابتة في عينه:
– "إنت بتخبي عني إيه؟"
اتسعت عينه لحظة… لكنها كانت لحظة صغيرة جدًا.
ثم ضحك:
– "إيه السؤال الغريب ده؟ أنا هخبي عنك إيه يعني؟"
لكن ليلى لم تبتسم.
قلبها قال لها:
في حاجة غلط.
❈-❈-❈
في المساء…
كانت جالسة وحدها، تفكر في كل كلمة قالها آدم، كل حركة، كل نظرة.
ثم تذكرت التحذير الثاني:
"ما تروحيش المخزن يوم الخميس."
نظرت إلى الساعة.
اليوم…
الخميس.
ابتلعت ريقها.
– "يعني لو رحت… هيحصل حاجة؟"
صمت.
– "ولو ما رحتش… يمكن أضيع دليل مهم."
وقفت فجأة.
– "لا… أنا لازم أروح."
❈-❈-❈
المخزن كان في منطقة شبه مهجورة.
الليل كان هادئًا… أكثر من اللازم.
وقفت أمام الباب الحديدي الكبير.
يدها على المقبض.
قلبها يدق بعنف.
– "دي اللحظة اللي قالت عليها…"
سكتت لحظة.
ثم همست:
– "بس أنا مش هفضل طول عمري بخاف."
ودفعت الباب.
❈-❈-❈
الداخل كان مظلمًا تمامًا.
رائحة قديمة… خانقة.
خطت خطوة… ثم أخرى.
وفجأة—
صوت باب يُغلق بعنف خلفها.
التفتت بسرعة.
– "مين هناك؟!"
لا رد.
لكن… صوت خطوات.
بطيئة.
تقترب.
قلبها بدأ ينهار.
– "مين؟! اطلع!!"
ظل خرج من الظلام.
شخص.
واقف.
ساكت.
ثم قال بصوت هادئ جدًا:
– "كنتِ لازم تسمعي الكلام…"
تجمدت.
الصوت…
مألوف.
قرب خطوة.
النور الخافت كشف ملامحه.
آدم.
شهقت:
– "إنت؟!"
ابتسم… لكن هذه المرة ابتسامة مختلفة.
باردة.
– "أنا حذرتك يا ليلى… بس واضح إنك بتحبي تدخلي في الحاجات الغلط."
صوتها خرج مرتعش:
– "إنت… إنت ورا كل ده؟!"
ضحك بخفة.
– "لا… أنا مجرد جزء صغير."
خطوة أخرى.
– "بس المشكلة… إنك قربتي زيادة عن اللزوم."
رجعت خطوة للخلف.
– "إنت كنت بتمثل عليا؟!"
– "خلينا نقول… كنت بلعب دوري."
دموعها نزلت بدون وعي.
– "ليه؟!"
سكت لحظة… ثم قال:
– "لأن الحقيقة… أخطر من إنك تعرفيها."
❈-❈-❈
فجأة—
رن الهاتف.
نفس الرقم الغريب.
نظرت إليه بصدمة.
آدم لاحظ.
– "مين؟"
لم ترد.
ردت على المكالمة بسرعة.
الصوت جاء صارخًا هذه المرة:
– "اهربي! حالًا! ده الفخ اللي قولتلك عليه!"
شهقت.
الصوت…
نفسها.
– "اهربي يا ليلى قبل ما—"
انقطعت المكالمة.
رفعت عينيها ببطء نحو آدم.
الذي كان يبتسم.
– "متأخرة."
وفجأة—
أُغلقت الأنوار بالكامل.
❈-❈-❈
الظلام ابتلع كل شيء.
لم تعد ترى شيئًا…
لكنها كانت تسمع.
صوت أنفاسه.
قريب جدًا.
قريب لدرجة أنها شعرت به على جلدها.
تراجعت خطوة، ثم أخرى، ظهرها اصطدم بالحائط.
– "آدم… إنت بتعمل إيه؟!"
صوته خرج هادئًا، باردًا:
– "أنا؟… أنا بحاول أنقذك."
ضحكت ضحكة مهزوزة:
– "تنقذني؟! بعد ما حبستني هنا؟!"
– "لو كنتِ خرجتي… كنتِ متي."
سكتت لحظة.
الجملة ضربتها.
– "يعني إيه؟"
لكن قبل أن يرد—
صوت إطلاق نار.
رصاصة اخترقت الصمت.
صرخت لا إراديًا، وانخفضت على الأرض.
– "اجري!" – صرخ آدم فجأة.
يده أمسكت بذراعها بعنف، وسحبها في الظلام.
❈-❈-❈
كان يجري بها داخل المخزن كأنه يعرفه جيدًا.
يمين… يسار… ممر ضيق… باب نصف مفتوح…
– "إنت عارف المكان؟!" – قالت وهي تلهث.
– "اسكتي وركزي!"
صوت خطوات خلفهم.
أكثر من شخص.
– "هما مين؟!"
– "اللي قتّلوا سليم."
تجمدت للحظة وهي تجري.
– "إيه؟!"
– "وبيدوروا عليكي دلوقتي."
❈-❈-❈
دخلوا غرفة صغيرة، وأغلق الباب بسرعة.
آدم ضغط على الحائط، فُتح ممر سري ضيق.
نظرت له بصدمة:
– "إيه ده؟!"
– "مفيش وقت… ادخلي!"
– "أنا مش فاهمة حاجة!"
مسك وجهها فجأة، نظر في عينيها بحدة:
– "لو فضلتي مش فاهمة… هتموتي. دلوقتي."
سكتت.
دخلت.
❈-❈-❈
الممر كان ضيق جدًا، مظلم، بالكاد يتسع لشخصين.
كانت تمشي أمامه، وهو خلفها.
صوت أنفاسهم فقط… وصوت بعيد لرجالة بتدور عليهم.
– "آدم…" – قالت بصوت منخفض.
– "نعم."
– "إنت مين بجد؟"
سكت.
ثانيتين… ثلاثة…
ثم قال:
– "مش هتحبي الإجابة."
– "قول."
– "أنا الشخص اللي سليم كان خايف منه."
توقفت مكانها.
لفت له ببطء.
– "إيه؟!"
– "وأنا برضه… الشخص الوحيد اللي كان بيحاول ينقذك."
❈-❈-❈
فجأة—
الممر انتهى عند باب صغير.
خرجوا منه إلى شارع جانبي مظلم.
الهواء البارد ضرب وجهها.
لكن قلبها كان أشد برودة.
– "إنت كنت بتمثل عليا؟!" – صرخت فيه.
– "كنت بحاول أحميكي."
– "بالكذب؟!"
– "بالحقيقة اللي إنتِ مش مستعدة تسمعيها."
– "قولها!!"
سكت لحظة… ثم قال:
– "سليم ماكنش بريء."
اتسعت عيناها.
– "إنت بتكدب!"
– "سليم كان جزء من اللعبة."
– "لا!!"
– "وكان ناوي يستخدمك."
صوتها انكسر:
– "مستحيل…"
❈-❈-❈
رن الهاتف فجأة.
نفس الرقم.
نظرت له… ثم ردت.
صوتها…
نسختها من المستقبل… لكن هذه المرة كانت تصرخ:
– "ما تسمعيش كلامه! أوعي تصدقيه!"
شهقت.
نظرت لآدم.
– "هو بيكدب؟!"
الصوت في الهاتف:
– "آدم هو البداية… هو السبب في كل حاجة… لو وثقتي فيه… هتخسري كل حاجة!"
آدم قرب منها خطوة:
– "اقفلي المكالمة."
– "ليه؟!"
– "علشان ده اللي حصل… وبيحاول يغيره."
تجمدت.
نظرت للهاتف… ثم له… ثم للهاتف.
مين فيهم بيقول الحقيقة؟
❈-❈-❈
الصوت في الهاتف قال بسرعة:
– "اسمعيني! بعد عشر دقايق… هيحصل انفجار في المكان ده—"
آدم خطف الهاتف من إيدها.
قفله.
ورماه بعيد.
– "كفاية."
صرخت:
– "إنت عملت إيه؟!"
– "أنقذتك."
– "إنت مجنون!!"
مسك كتفها بقوة:
– "لو سمعتيها… كنتِ موتي."
– "وإنت إيه يخليني أصدقك؟!"
قرب منها جدًا…
وقال بهدوء مخيف:
– "علشان أنا… شفتك بتموتي بعيني."
سكتت.
قلبها وقع.
– "إيه…؟"
– "وأنا مش هسمح ده يحصل تاني."
❈-❈-❈
وفجأة—
دوّي انفجار ضخم.
الأرض اهتزت تحت رجليهم.
النار أضاءت السماء خلفهم.
ليلى لفت بسرعة…
المخزن…
اتفجر.
شهقت، رجعت خطوة، جسمها كله ارتعش.
بصت لآدم ببطء.
– "ده… ده كان هيحصل…"
آدم بص لها:
– "أنا قولتلك."
❈-❈-❈
وقفت، عقلها مشلول.
صوتها خرج بالكاد:
– "يبقى… مين الصح؟"
نظرت لمكان الهاتف اللي وقع بعيد.
ثم لآدم.
ثم للنار.
همست:
– "أنا أثق في مين…؟"
آدم قال بهدوء:
– "غلط تسألي السؤال ده."
– "ليه؟"
– "لأن في اللعبة دي…"
قرب منها…
– "مفيش حد صح."
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رحاب قابيل، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية