قراءة رواية الوجه الآخر من العالم كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل الرابع
تم النشر يوم الإثنين
6/4/2026
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل الرابع
تم النشر يوم الإثنين
هل تعرفت يوماً على شعور سئ كالحنين؟!
عجباً! البعض يلقى هذا الشعور لديهم بالاستحسان، ولكننى أراه شعوراً قاسياً لأنه بكل بساطه بإمكانه أن يجبرك على أن تجرب مرة أخرى ب أن تعود لمن مضوا واغلقوا بابهم فى وجهك ولابأس!
وعلى النقيض تماماً، عن وجهة نظرى ارى أن الوقت القاسي الذى مررت به بمفردك يحثك على أن الخطوة القادمه لابد وان تكون من الطرف الآخر.
البعض يقنع ذاته ب أن لاضرر من أنك تكون مُبادر الخطوة فى هذا، لكن ليس دائماً.. من الضرورى ب أن ما كُنت تشعر به بمفردك كان يشعر به الآخر وما تجده فى قلبك من وخزات لسيل الحنين فهو يفوقه بقلبه ايضاً وأنه من المهم ان ينتهى كل ذلك وان تصبح هنا.. حقيقه لاسراب!
خطواتها المتباطئه الحائرة كانت فى طريقها للخارج، ذيل الحصان_هذه هى تصفيفه شعرها المعهوده.. كان يتهاوى خلفها كلما تحركت، اما عن الهواء كان له العامل الاقوى فى تحريك فستانها على ساقيها.
سُمرة بشرتها.. عيناها الواسعتان اللتان يسكنهما عمق غريب، شفتيها اللتان ارتعشتا حينما نادتها والدة جواد
_حضرتك مين؟!
توقفت واستدارت لها، ف تفحصتها السيدة جيداً وعادت بطرح السؤال مرة أخرى
_مردتيش عليّا يا آنسة، حضرتك مين
إبتلعت سجى ريقها وأردفت إليها
_أنا سجى يا طنط
_انتٍ تعرفى جواد إبنى؟! أنا شوفتك خارجه من اوضته دلوقت
تلعثمت سجى، ماذا عليها ان تجيب؟ لم يخطر ببالها أن سيراها أحداً اثناء زيارتها له
رفعت سجى بصرها للسماء وطلبت العون من الله، بالوقت ذاته استدعى طبيب حالة جواد والمُشرف عليها السيدة والدته، فذهبت له ونسيت أمر الفتاه.
فتنفست الصعداء وترجلت منصرفه خارجاً عن المشفى..
*قبل الحادث*
بكفى يديه، كان جواد ممسك بورقه سوليفان حمراء واليد الأخرى ورقه زرقاء
يحدث نفسه، هل سيخوض التجربة مرة أخرى؟
عقله يدور به الكثير، يظن انه بعدما تأكد من صحه ما بعثه ذاك المخبول_إسماعيل_ ف أنه على حق ومثلما رأى الماضى عليه أن يكمله.
او سيخوض تجربة اخرى فريدة من نوعها ليعلم ما القادم أو يلمح حتى نبذه عنه صغيرة!
ليهدأ باله وفِكره الدائم، أمسك الكتيب الصغير ورأى اين توقف ليكمل قراءه تعليمات إسماعيل
حول ورق السوليفان
_اذا حاولت تستخدم ورق المستقبل، لازم تنام قبلها بوقت كافى وتركز ذهنك فى السؤال دا'إنت عاوز إيه تعرفه للمستقبل' تحدد أشخاص فى ذهنك وتبقى على درايه ليه أنت اختارت تعرف دا بالذات.
تنهد جواد، ف امسك الورق الاحمر الخاص بالماضى واغمض عيناه ليجمع تفكيره حول والده وماحدث ليفرك بين أصابعه الورقه، ينبعث الدخان الكثيييف.. يملئ اركان الغرفه بالكامل ليحجب الرؤية تماماً
يستنشق جواد عبير غريب للدخان هذا، فيغمض عيناه.
يفتحهم ببطء مع زوال الدخان تدريجياً أمامه وحوله حتى يرى جده _عبدالحى_ جالساً على مقعد ويرفع سماعة الهاتف ليصمت طويلاً ثم يتحدث
_الوو... ازيك يا أحمد، عامل إيه.. كويس دلوقت فالغربة واللى اختارته
يعنى إنت شايف ان هروبك دا حل عشان تعصى أبوك!
عالعموم إنت عملت اللى فدماغك، وأنا عملت اللى فدماغى وهنشوف كلام مين اللى هيتنفذ ويمشى فالاخر
يصمت الجد ليستمع إلى رد إبنه، بينما جواد يراقب الموقف بلا حراك فيأتى الرد من الجد
بنبرات غاضبه بعض الشئ
_خلصت كلامك، سافر واتغرب ان شاء الله تقعد١٠٠سنه، مسيرك هترجع
بس بقولك إيه، متطولش فالغيبة عشان أنا روحت لعمك وطلبت ايد فاطمه ليك ولبستها الشبكه كمان
متبقاش تتأخر عن الفرح اللى أنا هحددهولك ياعريس
اغلق الجد الهاتف، ووضع ساق فوق أخرى واخذ ينظر فى الفضاء ل يفكر، كان صوت نباح كلب يقترب من مجلس الجد، فرآه جواد ولم يتحرك اعتقاداً منه ب أنه لايراه مثلهم، ولكن اقترب الكلب نحوه ليهاجمه
فحاول جواد الهروب منه حتى استفاق مما كان فيه ليجد نفسه مازال بغرفته ممدد جذعه على فراشه!
...
_مش ملاحظ ان استاذ جواد مش بيتكلم غير مع الميس اللى جت جديد دى؟
كان حديثاً مُدار بين اثنين من زملاء المدرسه لجواد، تفوه بالاخيره أحدهم ف اجابه الآخر
_مع ان مش من عادته يتكلم مع حد ولا ستات ولا رجاله، يقعد كدا يسمع ف جسار وحماقى
يقلب فالفون بتاعه يمضى آخر النهار ويمشى
مرت زميلتهم أمامهم فضحك واحد منهم بعدما رمقها سريعاً بنظره وأردف
_دى المفروض يسموها سجن مش سجى!
قهقه الآخر محاولاً كتمان ضحكاته وأردف مشيراً لها وهى مترجله نحو _الفصل_ظهرها لهما
_ويا اخى عليها تكشيره وشويه لبس متعرفش جيباهم من الوكالة ولا من الناس اللى بتفرش عالارض
_وفوق دا كله عامله زى الدكر شكلاً وتعاملاً وعمك الحج شغال يكلمها ويحاول يجر سكه
_مُغفل
ضرب واحداً منه كفه بكف الآخر واكملا حديثهما الساخر على آخران حتى يمضى ميعاد العمل وينصرفا.
...
فى بعض الأمور الخاصه بمشكلاتنا وعلاقاتنا بالآخرين أو حتى مع أنفسنا ك ذكرى أو حدث أو شئ مازال يدور بالخاطر.. تكون هذه الأمور مختلجه بالمشاعر، ليس أنه مجرد خلافاً بين اثنين والامر يحتاج الى حكم كى يفصل الخطأ عند أى طرف!
وليس الأمر ايضاً حيرة مابين أمرين أو قرارين، بلى، أنها مشكلات من نوع آخر التى يتوه بها مزيج مميز بين العقل والقلب والمشاعر، ففى الوقت هذا عليك تجنب مشاركتها مع هؤلاء اصحاب المنطق ورسم الخطوط العريضه بالورقه والقلم.
فى هذا الوقت بالتحديد أنت بحاجه لشخص يشعر بك، يجتاحك، شخص يلعب دورك بالمشكلة ذاتها ليستشعر الآمك وحزنك وكسرك! لأنه على الاقل حينما يضع نفسه مكانك ستجد يديه بسهولة تربت على كتفك ويأمن على قلبك بين يديه ويراعى كل كلمه سيتفوه بها اثناء انهيارك..
_طبيعى ميكونليش أصحاب غيرك، او حتى بنت واحده تحبنى أو تعجب بيا زى اى شاب!
واحد أعرج، حالته الماديه بتزق نفسها بالعافيه.. شكلاً أهو يتبص فخلقته إلى حد ما
ومفيش مستقبل، لاء وزود على كل دا مفيش ماضى
كان يستمع جواد إلى حسن صديقه بكل آذان صاغيه دون أن يقاطعه، ف استرسل حسن حديثه
وكأنه يخرجه من داخل اعمق حفرة بمضغه قلبه
_تخيل يا حسن أنت الشخص الوحيد اللى بتتعامل معايا على أنى حد عادى.. مش لاقيط وتربية ملجأ
انت ال مبتتكسفش منى وانت ماشى معايا أو حتى بتعرفنى على حد، ليه ياجواد؟
تفاجئ جواد بسؤال حسن ف اجاب مداعباً إياه كعهده
_ايه الل ليه، احنا اصحاب.. اينعم مقابلتنا كانت فظروف منيله
بس انت صاحبي وماليش دعوة بماضيك ايه لأن ملكش ذنب فيه
تنهد حسن بحزن ونظر أمامه، ومن ثم قذف ب_حجر صغير_التقطه من جانبه ليلقيه بالنيل
وأردف
_بس عارف، هموت واعرف اهلى مين.. عايشين ولا ميتين
طب سابونى ليه، طب أنا غلطه ولا جيت بالحلال
هنا وضع جواد كفيه على رأس حسن مقاطعاً إياه قائلاً
_ممكن متشغلش دماغك باللى مشغلوش دماغهم بيك.. وحكاية البنات اللى محدش بيعجب بيك دى عادى
مانا قدامك أهو، عملت إيه بعد م حبيت واتنيلت
اخدت قفا محترم وقالتلى يالا بالسلامه وكانت بترقص مع عريسها يوم فرحها بمنتهى الانشكاح كأنها كانت مرتبطه بربطه بقدونس
ضحك حسن كثيرآ ومن ثم تذكر شيئاً ف أردف
_تفتكر عاملة ايه رشا فحياتها دلوقت
صمت جواد ورفرف ب أهدابه عدة مرات ثم تناول _حجر _آخر وقذف به بالنيل أمامه.
...
كانت تترجل والده جواد الى غرفه نيللى لتوقظها فوجدتها يقظه وجالسه تتصفح حاسوبها المحمول
_كويس إنك صاحيه، روحى صحى أخوكِ على بال م اجهز الفطار.. انهاردة الجمعة عشان يلحق الصلاة
بملل رتيب هبطت نيللى من على فراشها، تخطو بتكاسل نحو غرفه شقيقها وفتحت الباب لتوقظه
_جواد جواد جوااااااااد جواااااااد
فُزع جواد وقام بصفعها على وجنتها فتأوهت منها ليردف هو بعدما قام بفرك عيناه
_إنتِ يابت إنتِ فمرة هتجيبلى ذبحه بطريقه صحيانك دى، عاوزة ايه
أمتعض وجه نيلى وقامت بدفعه فى أحد كتفيه بقبضه يدها مع قولها
_قوم عشان تفطر وتلحق الصلاة، وعارف لو ضربتنى كدا تانى هعضك
تركته ورحلت فهم جواد بالاستيقاظ والنهوض، ولكن عيناه وقعت على علبه ورق السوليفان!
فلعب الشيطان ب رأسه، وتذكر كلمات إسماعيل
لابد وأن ينام وقتاً كافياً قبل استخدام ورق المستقبل الورق الازرق، نهض ليمسك بالعلبه ويفتحها ويخرج ورقه زرقاء ويقوم بفركها ليقع مُغشى عليه فالحال!
يرى رجلاً مُلقى على الأرض والدماء تغطيه، قتيلاً مفتوح العينان ومن الواضح هناك عدة طعنات بجسده.
يشعر جواد بالهلع عندما يراه ويبتعد للخلف خطوات مغطياً فمه بيده حتى يرتطم بشئ صلب يعيده مرة اخرى لواقعه ليجد نفسه مُلقى على الارض ورأسه مرتطمه بخشب سريره وهذا ما جعله يفيق.
أنتبه لواقعه وهو يسأل نفسه سؤالاً واحداً.. أين رأى هذا الشخص القتيل؟ ولمِ قُتل؟
هو يتذكر ب أنه رآه ولكن هول ما رأى عطل ذاكرته مؤقتاً،فياترى سيعيد تجىبة المستقبل ثانية ليكمل أركان
الحقيقه أم هول المفاجأة ستجعله يعيد حساباته بأن القادم اكبر كثيرآ من توقعه!
"كلنا كنا ترانا تايهين في ليلنا
في دخولك في حياتي إنت سويت معروف"
كان جواد يسير في الحياة كما يسير الغريب في مدينة لا يعرف شوارعها، يكتفي بأن يضع قدميه أمام الأخرى دون أن يسأل نفسه إلى أين ينتهي الطريق. لم يكن يرى في ذلك عيبًا، بل كان يظنه نوعًا من السلام الداخلي؛ أن تترك الغد للغد، وأن تؤمن بأن كل شيء سيأتي في وقته، دون استعجال أو قلق. لكن الحقيقة التي لم يكن يراها، أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه فوضى مؤجلة، دربكة تنتظر لحظة الانفجار.
طوال ما أنت تمشي دون وجهة واضحة، تظن أنك مرتاح لأنك لا تحمل هم القرار، ولا ثقل الاختيار، لكنك في الواقع تؤجل المواجهة فقط. تترك حياتك تتشكل بعوامل خارجك، وتُسلّم زمام أمرك للظروف، حتى تجد نفسك فجأة في نقطة لم تخترها، وسط أحداث لم تخطط لها، ومواقف أكبر منك. وحينها فقط، تدرك أن الهدوء الذي كنت تعيشه لم يكن إلا هدوء ما قبل العاصفة.
جواد كان يؤمن بذلك الأسلوب في الحياة. كان يقول لنفسه إنه شخص مسالم، لا يحب التعقيد، لا يميل إلى كثرة الأبواب المفتوحة ولا يحتمل المفاجآت. كان يرى أن البساطة هي النجاة، وأن ترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي هو الحكمة بعينها. لم يكن مستعجلًا، ولم يكن يشعر بأنه متأخر. كان يسير بهدوء، راضيًا بما هو عليه، مقتنعًا أنه يعرف نفسه جيدًا، ويعرف ما يريد، حتى لو لم يضع لذلك خريطة واضحة.
لكن لأول مرة، اهتز هذا اليقين.
بعد ما اكتشفه مؤخرًا، شعر وكأن الحياة لم تعد تمشي بجانبه، بل أصبحت تركض خلفه، تلاحقه، تضغط عليه، تدفعه دفعًا نحو قرارات لم يكن مستعدًا لها. أحس أن الزمن الذي كان يظنه واسعًا، بدأ يضيق فجأة، وأن المساحة التي كان يتحرك فيها بحرية، تحولت إلى ممر ضيق لا يسمح بالتردد.
كان يقف أحيانًا في غرفته، ينظر إلى السقف، وكأنه يبحث عن إجابة مكتوبة هناك. يسأل نفسه: هل كنت مخطئًا؟ هل الهدوء الذي عشته كان مجرد هروب؟ هل الرضا الذي تمسكت به كان في حقيقته استسلامًا؟ لم يكن يجد إجابة واضحة، فقط شعور متزايد بالضغط، وكأن هناك شيئًا ما يتشكل في الداخل، يطالب بالخروج، يرفض الصمت الذي طال.
كان قد وضع لنفسه قواعد، آمن بها بشدة. أن لا يرهق نفسه بالتفكير في كل شيء، أن لا يفتح أكثر من باب في وقت واحد، أن لا يركض خلف الفرص بشكل هستيري. كان يعتقد أن هذه القواعد تحميه، تحافظ على اتزانه، وتجنبه التشتت. لكن ما لم يدركه، أن الحياة لا تسير دائمًا وفق قواعدنا، وأن التمسك الصارم بما نؤمن به قد يتحول في لحظة إلى قيد يمنعنا من النجاة.
الانقلاب لم يكن تدريجيًا، بل جاء فجأة، كصفعة. موقف واحد، أو ربما سلسلة مواقف متلاحقة، جعلته يرى الصورة كاملة بشكل مختلف. وجد نفسه أمام اختيارات حقيقية، لا يمكن تأجيلها، ولا يمكن الهروب منها. وجد أن كل ما كان يؤجله، تراكم، حتى أصبح جبلًا فوق صدره.
في تلك اللحظة، شعر جواد بالعجز. ليس لأنه ضعيف، بل لأنه لم يعتد أن يكون في هذا الموقف. لم يتعلم كيف يقرر تحت الضغط، كيف يواجه المفاجآت، كيف يتعامل مع احتمالات متعددة في وقت واحد. كان دائمًا يختار الطريق الهادئ، الواضح، البسيط. أما الآن، فلم يعد هناك طريق واحد، بل طرق كثيرة، وكل طريق يحمل معه مخاطره وأسئلته.
جلس مع نفسه طويلًا. حاول أن يستعيد توازنه، أن يفهم ما يحدث. أدرك شيئًا مهمًا: أن السلام الذي كان يبحث عنه لا يأتي من الهروب من التعقيد، بل من القدرة على التعامل معه. وأن البساطة الحقيقية ليست في تقليل الخيارات، بل في وضوح الرؤية وسط كثرتها.
بدأ يسأل نفسه بطريقة مختلفة: ماذا أريد حقًا؟ ليس بشكل عام، بل بشكل محدد. ماذا أريد الآن، في هذه اللحظة؟ ما الذي يمكنني فعله، بدلًا من التفكير في كل ما لا أستطيع فعله؟ كانت أسئلة صعبة، لكنها كانت ضرورية.
لم يكن التحول سهلًا. في البداية، شعر بالتردد، بالخوف من اتخاذ قرار خاطئ. كان يخشى أن يخسر الهدوء الذي اعتاد عليه، حتى لو كان هذا الهدوء وهميًا. لكن مع الوقت، بدأ يلاحظ شيئًا غريبًا: أن المواجهة، رغم صعوبتها، تمنحه شعورًا بالقوة لم يعرفه من قبل.
اكتشف أن اتخاذ قرار، حتى لو كان ناقصًا أو غير مثالي، أفضل من البقاء في حالة انتظار. وأن الخطوة الصغيرة الواضحة، أقوى من الوقوف الطويل في مكان ضبابي. بدأ يفهم أن الحياة لا تحتاج إلى يقين كامل، بل إلى شجاعة كافية.
لم يتخلَّ عن طبيعته المسالمة، ولم يتحول إلى شخص متهور أو مندفع. لكنه تعلم أن السلام لا يعني السكون، وأن الهدوء لا يعني التوقف. أصبح أكثر وعيًا بحركته، أكثر انتباهًا لاختياراته. لم يعد يترك الغد للغد بشكل مطلق، بل بدأ يضع له ملامح، حتى لو كانت بسيطة.
وفي أحد الأيام، وهو يسير في نفس الطريق الذي اعتاد أن يمشي فيه بلا تفكير، توقف فجأة. نظر حوله، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. لم يكن كل شيء قد اتضح، ولم تكن كل مشاكله قد حُلت، لكنه شعر بشيء مختلف. شعور بأنه لم يعد تائهًا كما كان.
أدرك أن المشكلة لم تكن في أنه كان يسير ببطء، بل في أنه كان يسير دون اتجاه. وأن الفرق بين الاثنين كبير. البطء يمكن التحكم فيه، ويمكن تعويضه، أما التيه، فيستهلك العمر دون أن نشعر.
الآن، لم يعد جواد يخاف من الطريق، حتى لو كان مليئًا بالمفاجآت. لأنه فهم أن الخوف الحقيقي ليس في ما قد يحدث، بل في أن تعيش دون أن تكون جزءًا مما يحدث. وأن تترك حياتك تُدار دون أن تمسك أنت بمقودها.
وربما لم يصل بعد إلى وجهته النهائية، وربما لن يصل أبدًا بشكل كامل، لكن هذا لم يعد يقلقه. لأنه أخيرًا، بدأ يمشي وهو يعلم إلى أين يريد أن يذهب، حتى لو كانت الخطوات بطيئة، وحتى لو تعثر أحيانًا.
فالحياة، كما فهمها أخيرًا، ليست أن تترك كل شيء للغد، ولا أن تعيش تحت ضغط المستقبل، بل أن تمسك باللحظة، وتقرر فيها ما تستطيع، ثم تمضي. ليس بكمال، بل بوعي. ليس بخوف، بل بإرادة.
وهكذا، لم تعد الدربكة التي كانت تلوح في الأفق مخيفة كما كانت. لأنها لم تعد مجهولة بالكامل. أصبح يعرف أنه، مهما تعقدت الأمور، لديه الآن ما يكفي من الشجاعة ليواجهها، لا ليهرب منها. وهذا وحده، كان بداية التغيير الحقيقي في حياته.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية