قراءة رواية الوجه الآخر من العالم كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل الثالث
تم النشر يوم الأمد
5/4/2026
رواية: الوجه الآخر من العالم
من قصص و روايات
الكاتبة: نور إسماعيل
الفصل الثالث
تم النشر يوم الأمد
في مين يعيش راضي وهو خسارة مش مبسوط
في مين يموت عادي ومين يرضى يعيش مكبوت"
'خرجت من كل الأشياء وأنا انتزعهامنى أو تنتزعني، أنفضها عنى أو أنتفض منها.. لم أحظ يوماً بفراق كامل!'
_عم إسماعيل... إنت قدامى دلوقت؟ فهمنى أنا مش فاهم حاجه!
ينظر إسماعيل إلى جواد ويبتسم فيحاول جواد النهوض ولكنه يشعر بالتكبيل بالرغم من عدم وجود أى شيء يقيده، يحاول ويحاول إلا أن فتح عيناه فجأة..
_ماما!! جواد فتح عيونه
هرولت والدته نحو فراشه، بالفعل فتح عيناه ثم أغمضهم ثانيه ببطء، زفرت والدته بعمق وأسى وعادت إلى مجلسها ومازالت شقيقته نيللى بجانبه تترقبه قابعاً خلف كل هذه الأجهزة على أمل شفاؤه..
*قبل الحادث*
جلس جواد إلى فراشه ممسكاً_الكُتيب الصغير_الذى أعطاه إياه حسن صديقه مبعوث من أسماعيل قبل رحيله
فتح أولى صفحاته وبدأ يقرأ وهو فى خلوة بغرفته منفرداً كى لايزعجه أحداً..
_جواد، دى هديتى ليك فعيد ميلادك.. على فكرة انا مسبتكش أنا هفضل معاك
بس تابع كل الخطوات بحرص عشان يوصل اللى عاوز اوصلهولك
وابقى كدا حاولت اوصلك لأمنياتك، على أد م قدرت
زفر جواد وترك الكتيب وتحدث إلى ذاته متعجباً
_اوصل لإمنياتى!! هو اللى بنعمله فالناس هيطلع علينا ولا إيه
بقى أنا لما كنت بجمع الصدف من على البحر فالمصيف وأنا صغير وارجع هنا ابيعه لزمايلى فالمدرسة
على إنه بيحقق الأمنيات، هيجينى حد بعد30سنه يقولى هوصلك لأمنياتك!
نهض من مكانه يترجل بغرفته واضعاً يديه معقودتان خلف ظهره يفكر، ومازال فى حيرة ف أردف إلى نفسه مرة أخرى
_وفيها إيه لما أجرب،، بس فعلاً بالعقل كدا شوية ورق سوليفان هيحققولى أمنياتى!
هو الراجل دا معرفتى بيه هتجننى ولا إيه؟ ولاتجرب يا جواد مش هتخسر حاجه
جلس مرة أخرى وأمسك الكتيب وشرع فى تكملة قراءته، فهو يؤمن أن هديه كهذة ستقوم بنشله من أمر ما
ولكن ماهو الأمر يا تُرى؟!
ففى بعض الاوقات الدعم النفسي في الوقت الصعب والمناسب لا يُنسى، لا يُنسى أبدًا.
_حدد هدفك يا جواد، شوف نفسك عاوز إيه... ماضى ولا مستقبل
فكر وركز، وفكر فالشخصيات والحجات اللى عاوز تعرفها وتلقى ليها إجابات على اسئلتك
ركز وخليك لوحدك واستخدم ورق السوليفان الاحمر لو عاوز تعرف اللى فات
لكن لو عاوز تفهم اللى جاى، استخدم ورق السوليفان الأزرق وحاول تنام قبلها فتره كافيه
بالمناسبة... مش سحر ولاتعاويذ بس يمكن يكون دى أكتر حاجه ناجحه اشتغلت عليها
سنين عمرى كلها
عقدت حاجبى جواد، ترك الكتيب ببطء وهو يفكر، ماالهراء هذا؟!
اختراع ل خرق الزمن والسفر عبر الوقت بمجرد وريقات!
هل جن هذا الرجل؟!
نهض جواد وترك العلبه والكتيب ونفض عن رأسه كل هذا الهراء وشرع فى مُضى يومه
كروتينه المُعتاد.
...
_ياربي على القرف والغلب اللى انا فيه دا!
ولجت _سجى_من الباب وجلست الى مقعدها وهى تتمتم باللعنات والسخطات على كل شئ حولها
لاحظها جواد، ليس من معتاده البدء ابداً لكنه نهض من مكانه وذهب إليها
_استاذة سجى، شكل حضرتك متضايقه من المكان ومش عارفه ايه اللى جايبك هنا مش كده
زيي بالظبط تقدرى تقولى متفقين
قالها متبسماً فهبت هى فازعه بوجهه وبمنتهى العصبيه تحدثت
_بقول لحضرتك إيه، انا العفاريت بترقص سامبا ف وشى ف لو سمحت مش وقت معاكسه وجو تعطيف وتلطيف
أحتقن وجه جواد ورفع شفته العلوية معترضاً وأردف لها
_استاذه إحنا مش فكافيه أنا والنجوم وهواك عشان أكون بعاكسك، أنا بس لاول مرة الاقى حد معايا فالمدرسة دى مش حابب وجوده ومش مرتاح لا أكتر ولا أقل
خبطت كف يدها على المنضده أمامها منزعجه قائله
_طبيعى مرتاحش فمكان زى دا، مدرسة اعدادى بنين.. بدرس دراسات إجتماعيه
لعيال شنبهم خاطط تحت مناخيرهم زى لسعه الكرباج ومش فاهمين حاجه إلا فقلة الأدب
والبجاحه والمعاكسه ويقلدوا محمد رمضان فى الاسطورة!
حاول جواد أن يكتم ضحكاته كى لاتنزعج منه أكثر فقال لها
_يبقى أنا صح انتِ مش حابه المكان ولا أنا وجينا غلط ف يبقى طبيعى نلاقى لغة حوار بيننا
نهضت سجى تحمل حقيبتها فى كتفها وتشرع فالانصراف وهى تردف له بنبرة حاده
_لا لغة حوار ولا لغة عربية، عن إذنك..
تركته وانصرفت، وهو على نظرته لها فارغاً فاهه ويتمتم بصوت هادئ
_دا فيه قطط والده فدماغها، لا ربنا يشفى هو انا ناقص!
...
مضى اليوم، تسكع هنا وهناك كعادته ويدور ب رأسه هديه إسماعيل الغريبة، يبدو إقتناعه الداخلى قليلاً
بالأمر خاصه بعدما افتقده فى مكانه كعهده.
عاد للمنزل، أخرج العلبه مرة ثانيه وتذكر كلمات إسماعيل المدونه
الورق الأحمر لما سبق والورق الازرق للمستقبل، ولابد من نومه قبلها نوم عميق!
ماهذه الشروط؟ شروط لرجل مختل.. ومن الواضح أنه سيصبح خليفته فى الاختلال العقلى.
على كل حال هناك أمور لاتقبل الجدل، منها أنه لاتوجد راحه بهذه الدنيا ولكن هناك مايستحق التعب بالفعل!
فكر جواد مالياً هناك أمور كثيرة مختلطه بذهنه ولايعلم من أين يبدء هذه اللعبه العجيبه، وبعد دقائق قرر العوده.. فسلط تركيزه على والده،علاقه والده، ما الذى لايعرفه
فكر كثيرا ومن ثم أمسك ب إحدى الورقات الحمراء، قام بفركها مثلما اوضح إسماعيل وفى ثوان مُلئ المكان بالدخان الكثيف جدا.. حتى أنه لم يكن لديه الاستطاعة للتنفس
حاول أن ينفض الدخان من أمامه حتى رأى ان الاماكن تبدلت حقاً ليست غرفته ولا مكانه،. ليس توقيت الساعه كما كان!
القى بنظره بعيداً وجد رجل مُسن قادم نحوه ف ارتبك جواد فتخطاه المُسن ليجلس بمقعد فى زاوية، دقق جواد النظر ليجده جده.. والد والده كما رآه بالصور القديمه
اتسعت إبتسامته، هرول ناحيته ل يصافحه ف وجده يقوم بالمناداة على والده
_أحمد... يا أحمد تعالا هنا بسرعه
نظر جواد خلفه ف وجد والده قادم، اصغر سناً عن الصور، وجهه مشرق وحالته صحياً أفضل
جلس أمام جده، من الواضح أن لا أحد يرى جواد بالمكان!
وقف يستمع ولايصدق مايرى
_قولى يابنى، مش عاوز تخطب فاطمه بنت عمك ليه؟
تأفف أحمد ونظر لأسفل قائلاً
_ياحج، أنا مبحبهاش وأنت عارف، انا عاوز اخطب منى
نهض الجد منزعجاً قائلاً
_منى! منى تربيه البندر واللبس المكشوف وزى أمها بالظبط
_بس أبوها اخوك، وبنت عمى زى فاطمه برضو
أنفرجت اسارير الجد وهو يردف
_لاء طبعاً، أنت عاوز تساوى فاطمه ب منى.. فاطمه البنت المطيعه الطيبه
اللى الشمس مش بتشوف وشها، هتساويها ب منى
إنزعج أحمد وتذمر قائلاً
_أنا بحب دى وقلبي اختار دى يا بابا
_وأنا قولت لاء يعنى لاء، فاهم وهتتجوز فاطمه يا أما والله
لا إنت إبنى ولا أعرفك
تنهد أحمد بضيق ووقف أمام والده يعتريه الضيق، وتحدث متحدياً
_يبقى أنا مش هقعد فالبلد يوم يا بابا بعد النهاردة .. عن إذنك
...
هل تعلم أن القلق والخوف أسوء شعور من الممكن أن يسكن قلب إنسان!
طرقات باب غرفه جواد،فتبخر كل شيء ليعود كما كان... ولجت نيللى تتحدث إليه
ولكنه هو لم يكن كما هو، يشعر بثقل رهيب ب رأسه ودوار شديد
ويعانى من إحمرار بعيناه، تتحدث شقيقته وهو لايعطي إهتمام لحديثها
خطى خطوات بطيئه نحو العلبه وفتحها ونظر لها متعجباً، فصرخت نيللى بأعلى صوت لديها ل ينتبه
ف أردف فى وجهها بعصبيه
_إيه ايه ايييه
_شغاله اناديك واقولك الفيلم اللى بتحبه شغال تعالا شوفه معايا الفيلم اللى بتحبه جه
زفر جواد بنفاذ صبر وأردف لها كى يعرف ماذا تريد وتهم بالانصراف
_فيلم ايه يا حيزبون فالثامنه عشر من عمرك!
_الفيلم الاجنبي دا اللى اسمه يجعل يومى قبل يومك بس بالانجليزى
تعجب جواد وبدا على قسمات وجهه علامات تثير الضحك لمن ينظر إليه وأردف
_فيه فيلم اجنبي فالدنيا اسمه يجعل يومى قبل يومك؟!
وضعت يداها بمنتصف خصرها وقالت له معترضه
_أيوة بتاع البنت اللى بتحب الشراب المخطط وبتشتغل عند الراجل المشلول اللى هيموت فالاخر
تذكر جواد الفيلم وهتف عائداً برأسه للخلف مع صياح صوته
_اااااه، me before you
انتِ ترجمتيه يجعل يومى قبل يومك ياتعليم نص كُم!!
تمايلت نيللى تسخر من حديثه وأردفت له
_أومال يعنى معناه إيه
أومأ جواد برأسه لها كى ينتهى من حديثها التافه ويتفرغ لما أكتشفه للتو
_آه هو فعلاً معناه يجعل يومى قبل يومك ب ترجمة خالتى أم أنيس عبيد، يلا أمشى وايدك لو خبطت عالباب تانى حكهربك
إنصرفت نيللى متذمرة ف أغلق الباب خلفها وعاد يفكر فيما حدث وبداخله رغبه وشغف حديثى العهد بسبب مما جرى ولايصدقه عقل!
"مو على كيف الزمان ولا على كيف الظروف
لعن أبو حي الظروف اللي بتوقف بيننا"
كان جواد يسير في الحياة كما يسير الغريب في مدينة لا يعرف شوارعها، يكتفي بأن يضع قدميه أمام الأخرى دون أن يسأل نفسه إلى أين ينتهي الطريق. لم يكن يرى في ذلك عيبًا، بل كان يظنه نوعًا من السلام الداخلي؛ أن تترك الغد للغد، وأن تؤمن بأن كل شيء سيأتي في وقته، دون استعجال أو قلق. لكن الحقيقة التي لم يكن يراها، أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه فوضى مؤجلة، دربكة تنتظر لحظة الانفجار.
طوال ما أنت تمشي دون وجهة واضحة، تظن أنك مرتاح لأنك لا تحمل هم القرار، ولا ثقل الاختيار، لكنك في الواقع تؤجل المواجهة فقط. تترك حياتك تتشكل بعوامل خارجك، وتُسلّم زمام أمرك للظروف، حتى تجد نفسك فجأة في نقطة لم تخترها، وسط أحداث لم تخطط لها، ومواقف أكبر منك. وحينها فقط، تدرك أن الهدوء الذي كنت تعيشه لم يكن إلا هدوء ما قبل العاصفة.
جواد كان يؤمن بذلك الأسلوب في الحياة. كان يقول لنفسه إنه شخص مسالم، لا يحب التعقيد، لا يميل إلى كثرة الأبواب المفتوحة ولا يحتمل المفاجآت. كان يرى أن البساطة هي النجاة، وأن ترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي هو الحكمة بعينها. لم يكن مستعجلًا، ولم يكن يشعر بأنه متأخر. كان يسير بهدوء، راضيًا بما هو عليه، مقتنعًا أنه يعرف نفسه جيدًا، ويعرف ما يريد، حتى لو لم يضع لذلك خريطة واضحة.
لكن لأول مرة، اهتز هذا اليقين.
بعد ما اكتشفه مؤخرًا، شعر وكأن الحياة لم تعد تمشي بجانبه، بل أصبحت تركض خلفه، تلاحقه، تضغط عليه، تدفعه دفعًا نحو قرارات لم يكن مستعدًا لها. أحس أن الزمن الذي كان يظنه واسعًا، بدأ يضيق فجأة، وأن المساحة التي كان يتحرك فيها بحرية، تحولت إلى ممر ضيق لا يسمح بالتردد.
كان يقف أحيانًا في غرفته، ينظر إلى السقف، وكأنه يبحث عن إجابة مكتوبة هناك. يسأل نفسه: هل كنت مخطئًا؟ هل الهدوء الذي عشته كان مجرد هروب؟ هل الرضا الذي تمسكت به كان في حقيقته استسلامًا؟ لم يكن يجد إجابة واضحة، فقط شعور متزايد بالضغط، وكأن هناك شيئًا ما يتشكل في الداخل، يطالب بالخروج، يرفض الصمت الذي طال.
كان قد وضع لنفسه قواعد، آمن بها بشدة. أن لا يرهق نفسه بالتفكير في كل شيء، أن لا يفتح أكثر من باب في وقت واحد، أن لا يركض خلف الفرص بشكل هستيري. كان يعتقد أن هذه القواعد تحميه، تحافظ على اتزانه، وتجنبه التشتت. لكن ما لم يدركه، أن الحياة لا تسير دائمًا وفق قواعدنا، وأن التمسك الصارم بما نؤمن به قد يتحول في لحظة إلى قيد يمنعنا من النجاة.
الانقلاب لم يكن تدريجيًا، بل جاء فجأة، كصفعة. موقف واحد، أو ربما سلسلة مواقف متلاحقة، جعلته يرى الصورة كاملة بشكل مختلف. وجد نفسه أمام اختيارات حقيقية، لا يمكن تأجيلها، ولا يمكن الهروب منها. وجد أن كل ما كان يؤجله، تراكم، حتى أصبح جبلًا فوق صدره.
في تلك اللحظة، شعر جواد بالعجز. ليس لأنه ضعيف، بل لأنه لم يعتد أن يكون في هذا الموقف. لم يتعلم كيف يقرر تحت الضغط، كيف يواجه المفاجآت، كيف يتعامل مع احتمالات متعددة في وقت واحد. كان دائمًا يختار الطريق الهادئ، الواضح، البسيط. أما الآن، فلم يعد هناك طريق واحد، بل طرق كثيرة، وكل طريق يحمل معه مخاطره وأسئلته.
جلس مع نفسه طويلًا. حاول أن يستعيد توازنه، أن يفهم ما يحدث. أدرك شيئًا مهمًا: أن السلام الذي كان يبحث عنه لا يأتي من الهروب من التعقيد، بل من القدرة على التعامل معه. وأن البساطة الحقيقية ليست في تقليل الخيارات، بل في وضوح الرؤية وسط كثرتها.
بدأ يسأل نفسه بطريقة مختلفة: ماذا أريد حقًا؟ ليس بشكل عام، بل بشكل محدد. ماذا أريد الآن، في هذه اللحظة؟ ما الذي يمكنني فعله، بدلًا من التفكير في كل ما لا أستطيع فعله؟ كانت أسئلة صعبة، لكنها كانت ضرورية.
لم يكن التحول سهلًا. في البداية، شعر بالتردد، بالخوف من اتخاذ قرار خاطئ. كان يخشى أن يخسر الهدوء الذي اعتاد عليه، حتى لو كان هذا الهدوء وهميًا. لكن مع الوقت، بدأ يلاحظ شيئًا غريبًا: أن المواجهة، رغم صعوبتها، تمنحه شعورًا بالقوة لم يعرفه من قبل.
اكتشف أن اتخاذ قرار، حتى لو كان ناقصًا أو غير مثالي، أفضل من البقاء في حالة انتظار. وأن الخطوة الصغيرة الواضحة، أقوى من الوقوف الطويل في مكان ضبابي. بدأ يفهم أن الحياة لا تحتاج إلى يقين كامل، بل إلى شجاعة كافية.
لم يتخلَّ عن طبيعته المسالمة، ولم يتحول إلى شخص متهور أو مندفع. لكنه تعلم أن السلام لا يعني السكون، وأن الهدوء لا يعني التوقف. أصبح أكثر وعيًا بحركته، أكثر انتباهًا لاختياراته. لم يعد يترك الغد للغد بشكل مطلق، بل بدأ يضع له ملامح، حتى لو كانت بسيطة.
وفي أحد الأيام، وهو يسير في نفس الطريق الذي اعتاد أن يمشي فيه بلا تفكير، توقف فجأة. نظر حوله، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. لم يكن كل شيء قد اتضح، ولم تكن كل مشاكله قد حُلت، لكنه شعر بشيء مختلف. شعور بأنه لم يعد تائهًا كما كان.
أدرك أن المشكلة لم تكن في أنه كان يسير ببطء، بل في أنه كان يسير دون اتجاه. وأن الفرق بين الاثنين كبير. البطء يمكن التحكم فيه، ويمكن تعويضه، أما التيه، فيستهلك العمر دون أن نشعر.
الآن، لم يعد جواد يخاف من الطريق، حتى لو كان مليئًا بالمفاجآت. لأنه فهم أن الخوف الحقيقي ليس في ما قد يحدث، بل في أن تعيش دون أن تكون جزءًا مما يحدث. وأن تترك حياتك تُدار دون أن تمسك أنت بمقودها.
وربما لم يصل بعد إلى وجهته النهائية، وربما لن يصل أبدًا بشكل كامل، لكن هذا لم يعد يقلقه. لأنه أخيرًا، بدأ يمشي وهو يعلم إلى أين يريد أن يذهب، حتى لو كانت الخطوات بطيئة، وحتى لو تعثر أحيانًا.
فالحياة، كما فهمها أخيرًا، ليست أن تترك كل شيء للغد، ولا أن تعيش تحت ضغط المستقبل، بل أن تمسك باللحظة، وتقرر فيها ما تستطيع، ثم تمضي. ليس بكمال، بل بوعي. ليس بخوف، بل بإرادة.
وهكذا، لم تعد الدربكة التي كانت تلوح في الأفق مخيفة كما كانت. لأنها لم تعد مجهولة بالكامل. أصبح يعرف أنه، مهما تعقدت الأمور، لديه الآن ما يكفي من الشجاعة ليواجهها، لا ليهرب منها. وهذا وحده، كان بداية التغيير الحقيقي في حياته.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة نور إسماعيل، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية