بيت الضراير - الفصل 25 | فاطمة الزهراء


قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الخامس والعشرون

تم النشر الأحد 

5/4/2026


في غرفة جيهان، ساد صمت مطبق لا يقطعه سوى صوت أنفاسها الضعيفة. سحبت كاميليا الكرسي بهدوء وجلست بجانب السرير، ثم فتحت الكيس الذي تركه تامر. بدأت تأكل الساندوتشات بآلية غريبة، وكأنها تؤدي واجباً لتبقي جسدها صامداً فقط، وعيناها لم تفارقا وجه شقيقتها الشاحب التي كانت تائهة في عالم آخر من الصدمة.
في غرفة يوسف، جلس عدنان بجواره يحاول تهدئة روعه وهو يطمئنه على استقرار حالة جيهان، بينما بدأ تامر ينظم مواعيد البقاء والمغادرة. هنا تحدثت نور أولاً بهدوء وقالت إنها ستظل مع يوسف الليلة، ولم يعلق أحد على حديثها في البداية. ثم تابعت ندى وأخبرتهم أنها ستظل هي الأخرى لكي تتابع حالة جيهان أيضاً وتكون بجانبها.
كانت سميرة تود البقاء معهم، لكن تامر قاطع تفكيرها قائلاً بجدية:
ـ يا سميرة، الأولاد في البيت محتاجينك، مش هيصح نسيبهم وحدهم والبيت في الحالة دي.. وجودك معاهم أهم دلوقتي.
أيد عدنان كلام تامر وأنهى النقاش قائلاً:
ـ خلاص، أنا هروح دلوقتي عشان أرتاح، وهنيجي أنا وسميرة الصبح بدري، وإنت يا تامر شوف هتعمل إيه في الشركة.
قال تامر بهدوء وهو يقف:
ـ تمام يا بابا، أنا هخلص أمور الشركة والورق اللي محتاج إمضاء الصبح، وهكون عندكم هنا على أخر النهار.
وقبل أن يغادروا المستشفى، قرر الجميع التوجه نحو غرفة جيهان للاطمئنان عليها للمرة الأخيرة. وصلوا أمام الغرفة، ووجدوا كاميليا لا تزال جالسة مكانها، تأكل الساندوتشات التي أحضرها تامر بآلية وصمت غريب، وعيناها لا تفارقان شقيقتها.
توقفوا جميعاً عند الباب، ينظرون لجيهان التي كانت غارقة في صمتها الموجع، يشوب نظراتهم مزيج من الحزن والشفقة، مدركين أن هذه الليلة ستكون بداية لمستقبل مختلف تماماً عما خططوا له.
بدأت جيهان تشعر بثقل الجفون، فاستسلمت للنعاس تحت تأثير الإرهاق والمهدئات. اقتربت منها كاميليا بحنان، ودثرتها بالغطاء جيداً وهي تتأمل وجهها الشاحب، وبعد أن اطمأنت تماماً أنها غطت في نوم عميق، قررت الذهاب لغرفة يوسف للاطمئنان عليه.
وصلت كاميليا أمام الغرفة وطرقت الباب بهدوء، لتفتح لها نور التي كانت بمفردها حينها لأن ندى كانت قد خرجت لأمر ما. وبدلاً من أن تسمح لها بالدخول، خطت نور خطوة سريعة للخارج وأغلقت الباب خلفها ببرود، وكأنها ترسل رسالة صريحة بأنها صاحبة المكان.
نور بنبرة جافة: 
ـ عايزة حاجة يا كاميليا؟ يوسف نايم ومش حمل أي إزعاج دلوقتي.
كاميليا وهي تحاول كبح جماح غضبها: 
ـ إزعاج؟ أنا جاية أطمن على أخويا يا نور، افتحي الباب.
نور ببرود وهي تضع يدها على مقبض الباب: 
ـ قلتلك نايم، والزيارة أصلاً ممنوعة علشان صحته. ياريت ترجعي لأختك وتسيبي يوسف يرتاح شوية.
نظرت لها كاميليا بغضب مشتعل، وشعرت برغبة عارمة في صفعها على هذا الغرور والتكبر، وأقسمت في سرها أنها لولا ذلك الجنين الذي يحميه بطن نور، لكانت لقنتها درساً لن تنساه، لكن أنقذها الجنين هذه المرة.
كاميليا بحدة وهي تدفع كتف نور بقوة لتبعدها عن طريقها: 
ـ وسعي كدة.. إنتي هتنسي نفسك ولا إيه؟ البيت بيتنا والوجع وجعنا، وإنتي هنا مجرد ضيفة، والضيف يلم نفسه!
فتحت كاميليا الباب بعنف ودخلت، تاركة نور خلفها تشتعل غيظاً. وجدت يوسف مستيقظاً، وعيناه معلقتان بالباب بترقب.
يوسف بصوت واهن: 
ـ كاميليا! تعالي.. جيهان عاملة إيه؟
— كاميليا وهي تقترب من سريره وتتجاهل وجود نور التي دخلت خلفها: 
ـ جيهان نامت يا يوسف، وحالتها مستقرة. المهم إنت، طمني عليك؟
يوسف بدموع محبوسة: 
ـ أنا كويس.. بس قلبي واجعني عليها. هي.. هي عرفت؟ حد قالها حاجة؟
كاميليا بتنهيدة ثقيلة: 
ـ الدكتور بلغها بكل حاجة يا يوسف.. وهي دلوقتي في حالة صدمة، محتاجة وقت علشان تستوعب.
كانت نور تقف بعيداً، تراقب حوارهما وعيناها تلمعان بكرة دفين، بينما استمر يوسف في سؤاله:
ـ يعني مش عايزة تشوفني يا كاميليا؟ قولي الحقيقة، جيهان كرهتني؟
حاولت كاميليا أن تتماسك أمام انكسار يوسف، فاقتربت منه قائلة بنبرة حنونة:
ـ اهدى يا يوسف، اللي حصل ده قدر ومكتوب، ومحدش فينا يقدر يهرب من قدره.. جيهان قوية وإن شاء الله الأزمة دي هتعدي، المهم إنت تشد حيلك عشان تقدر تقف جنبها.
كانت نور تقف في زاوية الغرفة، تراقب المشهد وعيناها تلمعان بغيظ شديد؛ فوجود كاميليا وحديثها الحميم مع يوسف كان يشعل نيران غيرتها. في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخلت ندى، التي بدت عليها علامات المفاجأة عندما وجدت كاميليا في الغرفة.
ندى بتعجب وهي تجلس على الكرسي: 
ـ كاميليا! إنتي هنا؟ أنا لسه كنت عند جيهان في الأوضة عشان أطمن عليكي وعلى جيهان بس لقيتك مش موجودة.
التفتت إليها كاميليا بابتسامة باهتة وأجابتها:
ـ أيوة يا ندى، جيهان نامت فقلت أستغل الفرصة وأجي أشوف يوسف وأطمن عليه قبل ما الليل يليل.
نظرت كاميليا نحو يوسف نظرة أخيرة ثم تابعت وهي تستعد للمغادرة:
ـ أنا هقوم دلوقتي علشان أرجع لأختي، مش عايزة تصحى وتلاقيني مش معاها.
خرجت كاميليا من الغرفة، تاركة خلفها أجواءً مشحونة؛ فنور لم تنطق بكلمة لكن نظراتها كانت كفيلة بإظهار مدى ضيقها من هذه الزيارة، بينما ظل يوسف شارد الذهن في كلمات كاميليا عن القدر وعن شقيقتها التي تعاني وحيدة في الغرفة المجاورة.
نام يوسف هو الآخر تحت وطأة التعب والألم، فخيم السكون على الغرفة، وظلت ندى جالسة في صمتها تراقب ملامحه المجهدة. 
في تلك الأثناء، وصل عدنان برفقة تامر وسميرة إلى المنزل، واستقبلتهم المربية التي طمأنتهم بأن الأطفال تناولوا طعامهم وخلدوا للنوم، فانسحب كل واحد منهم إلى غرفته ليرتاح من هذا اليوم الطويل والمضني.
مع بداية يوم جديد، كان عدنان أول من استيقظ؛ جلس في الصالة وعيناه شاخصتان نحو الفراغ، ينتظر خروج تامر ليوصله للمستشفى. لم تمر دقائق حتى انضمت إليه سميرة، وقد أحضرت له وجبة إفطار خفيفة وهي تقول بحرص:
ـ لازم تاكل لقمة يا حاج، إنت هتفضل طول اليوم هناك ومش هترجعوا إلا متأخر، ومش حمل إنك تتعب إنت كمان.
خرج تامر وانضم إليهم، وتناول إفطاره على عجالة قبل أن يتحركوا جميعاً بسيارته نحو المستشفى. فور وصولهم، توجهوا أولاً لغرفة يوسف، فوجدوه مازال غارقاً في نومه العميق بفعل الأدوية. نظر عدنان إلى نور وندى اللتين بدتا عليهما علامات الإرهاق الشديد من السهر، فقال بحزم أبوي:
ـ يا ندى، يا نور.. قوموا ارجعوا البيت ارتاحوا، إحنا جينا خلاص وهنفضل معاهم، وتعالوا إنتوا على بليل.
رغم تذمر نور ومحاولتها البقاء لتثبت وجودها، إلا أن تعليمات عدنان كانت قاطعة، فغادرت برفقة ندى في سيارة تامر الذي سيقوم بتوصيلهما في طريقه إلى شركته، تاركين عدنان وسميرة لتبدأ رحلة يوم جديد في ردهات المستشفى.
فتح يوسف عينيه بوهن شديد، وجال بصره في أركان الغرفة ليجد والده وسميرة يجلسان بجانبه. لم يبالِ بغياب نور أو مغادرتها، فكل ما كان يشغل حيز تفكيره وقلبه في تلك اللحظة هو رؤية جيهان فقط.
تحامل يوسف على ألمه ونظر لوالده برجاء قائلاً:
ـ يا بابا ساعدني أقوم.. أنا لازم أروح لجيهان دلوقتي، مش قادر أفضل بعيد عنها أكتر من كدة.
تبادل عدنان النظرات مع سميرة، وكان يخشى أن تنهار جيهان أو يحدث ما لا يحمد عقباه إذا رآها في حالتها غير المستقرة تلك، فربت على يد ابنه محاولاً تهدئته:
ـ اهدا يا ابني.. جيهان لسه نايمة، وبعدين الدكتور أكد إنك مش لازم تتحرك من السرير قبل ما ييجي يكشف عليك ويطمن على جرحك. اصبر بس شوية.
تنهد يوسف بضيق شديد وشعر بغصة في حلقه؛ فكلام والده زاد من إحساسه بالعجز، وشعر وكأن المسافات والحواجز بينه وبين جيهان تزداد يوماً بعد يوم، ليس فقط بسبب جدران المستشفى، بل بسبب تلك الحقيقة التي باتت تفصل بين عالميهما الآن.
❈-❈-❈
في الغرفة المجاورة، بدأت جيهان تفيق من نومها، لكن إفاقتها لم تكن هادئة؛ بل بدأت تئن بصوت مسموع من شدة الألم الذي ينهش جسدها ومكان جرحها. فزعت كاميليا من مكانها واقتربت منها بلهفة وهي تمسح على رأسها:
ـ سلامتك من الآه يا حبيبتي.. حاسة بإيه؟ هروح أنادي الدكتور حالاً.
هرعت كاميليا إلى الخارج، وما إن فتحت الباب حتى وجدت الطبيب قادماً في ممر المستشفى ليبدأ جولته الصباحية. دخل معها الغرفة وقام بفحص جيهان بعناية، بينما كانت هي تغمض عينيها بقوة وتعتصر الملاءة من الألم.
التفت الطبيب إلى كاميليا ليوضح لها الوضع:
ـ الأنين ده والوجع شيء طبيعي جداً في حالتها. إحنا للأسف مش هنقدر نديها مهدئات أكتر من كدة علشان صحتها وعلشان الأجهزة الحيوية متتأثرش، لازم تتحمل شوية.
ثم وجه نظره لجيهان التي كانت شاحبة للغاية، وحاول تشجيعها بنبرة عملية:
ـ بس أنا عندي خبر كويس.. المؤشرات الحيوية والجرح بيقولوا إنك النهاردة أحسن بكتير من الأيام اللي فاتت، وده معناه إن جسمك بدأ يستجيب.
رغم كلمات الطبيب المشجعة، لم تنطق جيهان بحرف؛ فبالنسبة لها، التحسن الجسدي لا قيمة له أمام كسر خاطرها وعجزها الذي تشعر به كلما حاولت تحريك جسدها.
أنهى الطبيب فحص جيهان وغادر الغرفة، ليحل محله الضابط الذي جاء لفتح محضر رسمي وأخذ أقوالها حول الحادث. دخل الضابط بهيبته المعتادة، ونظر إلى كاميليا الواقفة بجوار سرير شقيقتها وطلب منها بهدوء أن تغادر الغرفة ليتسنى له الحديث مع المصابة بمفردها.
رفعت كاميليا رأسها بشموخ رغم تعبها، ونظرت إليه بتحدٍ قائلة:
ـ أنا مش هخرج يا سيادة الضابط.. أنا مش بس أختها، أنا المحامية بتاعتها، ومن حقي قانوناً أحضر أي تحقيق بيتم معاها.
تراجع الضابط خطوة، واحترم مهنتها وقوة موقفها، فأومأ برأسه بالموافقة:
ـ تمام يا أستاذة، بما إنك المحامية مفيش مانع.. بس ياريت بلاش أي تدخل في سير الأسئلة.
بدأ الضابط يسأل جيهان بتركيز: 
ـ يا مدام جيهان، إيه اللي حصل بالظبط؟ هل شفتي العربية اللي خبطتكم؟ هل كان فيه تعمد من السواق ولا مجرد حادثة طريق؟
ساد الصمت لثوانٍ، بدأت فيها جيهان تسترجع تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم؛ صوت المكابح الفرامل المزعج، والاصطدام الذي قلب حياتها رأساً على عقب. بدأت تحكي بصوت مرتجف ومتقطع، وكل كلمة تخرج منها كانت كأنها طعنة في قلب كاميليا التي كانت تدون كل ملاحظة بعينيها قبل عقلها.
بعد أن أنهى الضابط تدوين أقوالها، أغلق ملفه وقام بالانصراف، تاركاً الغرفة غارقة في جو من الكآبة والذكريات المؤلمة.
بعد مغادرة الضابط، ساد الغرفة صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت جيهان الذي خرج هامساً لكنه يحمل إصراراً غريباً:
ـ كاميليا.. أنا عايزة أخرج من هنا. أنا مش محتاجة المستشفى في حاجة تانية، كفاية لحد كدة.
نظرت إليها كاميليا بذهول وحاولت تهدئتها وهي تمسح على يدها:
ـ تخرجي إيه يا جيهان؟ إنتي لسه تعبانة والجرح محتاج غيارات ومتابعة دقيقة من الدكاترة.. اهدي بس وكل حاجة هتيجي في وقتها.
في هذه الأثناء، كان الصراع في غرفة يوسف قد وصل لقمته؛ فقد رفض يوسف كل محاولات التهدئة، وكان صوته يرتجف من الانفعال:
ـ مش هقعد يا بابا! لو مش هتساعدني هحاول أقوم لوحدي.. أنا لازم أشوفها دلوقتي.
رضخ عدنان في النهاية أمام إصرار ابنه، رغم القلق الذي كان ينهش قلبه من عواقب هذه المواجهة. وبمساعدة سميرة، استطاعوا نقل يوسف ببطء وحذر إلى الكرسي المتحرك. كانت ملامح يوسف تتلوى من ألم جراحه، لكن ألم شوقه وخوفه على جيهان كان أقوى.
تحرك الكرسي ببطء في ممر المستشفى، وكان عدنان يدفع الكرسي بخطوات ثقيلة، وكأنه يقاد إلى مصير مجهول. توقفوا أمام باب غرفة جيهان، وتلاقت أعين يوسف وعدنان في نظرة أخيرة قبل أن يفتحوا الباب؛ نظرة تحمل سؤالاً واحداً: هل ستتحمل جيهان رؤيته؟
فتح عدنان الباب ببطء، ليجد جيهان مستلقية وعيناها معلقتان بالسقف، وكاميليا تجلس بجانبها بوجه شاحب.
طرق عدنان الباب طرقات خفيفة ومترددة، لتقف كاميليا وتتجه نحو الباب لتفتحه. فور رؤيتها لـ يوسف وهو جالس على كرسيه المتحرك، تحولت ملامحها من الهدوء إلى توتر شديد؛ فقد كانت تخشى هذه المواجهة أكثر من أي شيء آخر.
نظرت كاميليا بلمحة سريعة نحو شقيقتها جيهان التي كانت لا تزال غارقة في عالمها الخاص، وكأنها منفصلة عن الواقع. ترددت كاميليا لثانية واحدة
ـ هل تغلق الباب وتمنعهم حمايةً لمشاعر أختها، أم تسمح بالقدر أن يأخذ مجراه؟
 لكن صمت جيهان ونظرتها الجامدة نحو الباب جعلت كاميليا تتنحى جانباً ببطء،
مفسحةً الطريق لدخول عدنان وهو يدفع كرسي يوسف، وخلفهما سميرة بوجه يملؤه الأسى.
دخل الجميع الغرفة في صمت مهيب. استقر يوسف بكرسيه أمام سرير جيهان مباشرة، بينما جلس عدنان وسميرة على المقاعد الجانبية، وظلت كاميليا واقفة كالحارس بجوار رأس شقيقتها.
تلاقت أعين يوسف وجيهان في نظرة طويلة وموجعة؛ نظرة لم تكن بحاجة لترجمة، لغة خاصة بين زوجين تحطمت حياتهما في لحظة. كان في عيني يوسف انكسار واعتذار لا تصفه الكلمات، بينما كانت عينا جيهان تحكيان عن خيبة أمل وألم يفوق قدرة الجسد على التحمل.
ساد الصمت الغرفة، صمت خانق جعل الأنفاس مسموعة. لم يجرؤ أحد من المتواجدين على قطع هذا الذهول أو النطق بكلمة واحدة، فالموقف كان أكبر من أي مواساة وأعمق من أي عتاب.
حاول يوسف أن يستجمع شتات نفسه، وتحرك بكرسيه سنتيمترات قليلة مقترباً من السرير، وقال بصوت مخنوق بالدموع:
ـ جيهان.. أنا.. أنا مش عارف أقولك إيه، بس كان غصب عني.. سامحيني يا جيهان.
لم تترك له مجالاً ليكمل؛ بل رفعت يدها بضعف وهي تشير نحو الباب، وصوتها يخرج حاداً كالنصل رغم وهن جسدها:
ـ اسكت يا يوسف.. اسكت واخرجوا بره. وجع قلبي منك دلوقتي أكبر من الوجع اللي في جسمي كله.. اخرجوا كلكم.
حاول عدنان التدخل بوقار الأب، مقترباً منها ليهدئ من روعها:
ـ يا بنتي استهدي بالله، يوسف مالوش ذنب، ده قدرنا كلنا.. وإنتي ست البيت وست العيلة دي كلها.
ضحكت جيهان ضحكة مكسورة غلب عليها البكاء، ونظرت إليهم بعيون يملؤها القهر:
ـ عيلة إيه؟ أنا خلاص مابقتش أناسب العيلة دي يا عمي.. أنا دلوقتي عاجزة. فاهم يعني إيه؟ مش بس عاجزة إني أدي يوسف حقوقه، أنا بقيت عاجزة حتى إني أسند بناتي أو أربي طفلة لسه ماشفتش الدنيا! أنا بقيت معاقة.. مصلحش لحاجة خالص.
تابعت وهي تصرخ بكلمات نزفت من روحها قبل لسانها:
ـ كأن القدر قرر يصب كل أخطاء يوسف وذنوبه عليا أنا لوحدي! أنا اللي بدفع الثمن.. اخرجوا بره!
لم تتحمل سميرة مشهد انهيار جيهان وكلماتها القاسية عن نفسها، فانفـ.ـجرت في البكاء وهرعت إلى خارج الغرفة وهي تخفي وجهها بيدها. أما عدنان، فقد وقف عاجزاً، مطأطأ الرأس؛ فقد أدرك أن الكلمات في هذه اللحظة ما هي إلا طعـ.ـنات إضافية في قلب امرأة جُرحت في أنوثتها وأمومتها وكبريائها.
أشار عدنان ليوسف بأسى لكي ينسحبوا، فليس هناك أقسى من رؤية الضحية وهي تجلد نفسها بذنوب لم ترتكبها. انسحب يوسف بكرسيه ببطء، وعيناه لا تفارق جيهان التي كانت تنتفض من البكاء في حضن كاميليا التي كانت تحاول تثبيتها بكل ما أوتيت من قوة.
وقفت كاميليا عاجزة أمام دموع جيهان التي لم تتوقف حتى غلبها النوم من شدة الإرهاق النفسي والجسدي. خرجت كاميليا من الغرفة والدموع في عينيها، وتوجهت مباشرة لمكتب الطبيب المعالج؛ فلم يعد الصمت حلاً أمام هذا الانهيار.
هتفت كاميليا بنبرة متوسلة: 
ـ دكتور، جيهان بتموت نفسياً.. هي شايفة إن حياتها انتهت. هل فيه دكتور نفسي هنا يقدر يتعامل مع الحالة دي بسرعة؟
أجابها الطبيب بهدوء: 
ـ طبعاً يا أستاذة، فيه دكتورة نفسية ممتازة موجودة في المستشفى دلوقتي. أنا هكلمها فوراً أبلغها بوضع جيهان الطبي، وروحي إنتي قابليها في مكتبها.
ذهبت كاميليا للقاء الطبيبة، وعندما دخلت، وجدت أن الطبيب قد سبقها بالحديث معها عبر الهاتف. بدأت الطبيبة تسأل كاميليا عن تفاصيل حياة جيهان، علاقتها بأسرتها، ومدى تقبلها للواقع. وحين علمت الدكتورة أن الزوج يوسف متواجد في نفس المستشفى ومصاب هو الآخر، فكرت قليلاً وقالت:
ـ بما إن الطرفين موجودين، أنا شايفة إني لازم أروح أشوف يوسف الأول وأتكلم معاه، لأن حالته هي المفتاح لحالة جيهان.
هنا تدخلت كاميليا بسرعة، وهي تتذكر ما حدث في الغرفة منذ قليل، وقالت بلهجة محذرة:
ـ دكتورة، ياريت تسمعيني الأول وتفهمي طبيعة العيلة دي وطبيعة اللي حصل بالليل والنهاردة.. علشان ما تحطيش نفسك في موقف حرج مع يوسف أو تسببي ضغط زيادة على جيهان. يوسف منهار، وجيهان شايفة إنه هو السبب في كل اللي هي فيه.
أومأت الدكتورة برأسها، وبدأت تستمع بتركيز لكاميليا وهي تشرح لها تعقيدات العلاقة بين يوسف وجيهان، ووجود نور في الصورة، وكيف أن جيهان تشعر الآن بأنها أصبحت عبئاً بعد الحادث.

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمةالزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل