ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 4 | رانيا الخولي

تم النشر في: 23 أبريل 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل الرابع

تم النشر الخميس 

 23/4/2026




أخذت نفسًا عميقًا وبدأت تحكي بصوت حاولت جاهدة أن تجعله ثابتًا
_من يومين وصلت حالة طوارئ لقسمنا بنت اسمها وهب نزيف داخلي حاد بعد حادثة كانت محتاجة عملية استكشافية فورية وإلا كانت هتموت خلال ساعات، المشكلة إنها مكنش معها تكاليف العملية
 الإدارة المالية رفضت دخولها اوضة العمليات والمدير المناوب قال بالحرف الواحد: 
..دي مش جمعية خيرية.

صمتت للحظة وظهر الألم والغضب في عينيها
_البنت كانت بتنزف قدامي وامها وابوها واقفين برة بيعيطوا مقدرتش اقف اتفرج عليها وهي بتموت، دخلتها اوضة العمليات على مسؤوليتي الشخصية وعملتلها العملية والحمد لله نجحت، والبنت دي عايشة دلوقت وفي المقابل المستشفى شافت إني لا أصلح للعمل.
أنهت حديثها وكان الصمت هو سيد الموقف كان يامن ينظر إليها بنظراته الثاقبة التي تخترق الأعماق يزن كل كلمة ويحلل كل انفعال.
هو معروف بنزاهته لكن هذه النزاهة جعلته أيضًا حذرًا للغاية لقد رأى الكثير من القصص الملفقة والأكاذيب المتقنة
قصة مؤثرة يا دكتورة بس فين الأدلة، انتي عارفة انك خالفتي سياسة المستشفى بشكل مباشر ومن وجهة نظر القانون موقفك ضعيف.
ردت بحدة لم يتوقعها
_ومن وجهة نظر الإنسانية، موقفي هو الموقف الوحيد الصحيح.
عاد بظهره للوراء ورد بهدوء تام 
_انا معاكي طبعاً بس انا مش بتعامل مع الانسانية، انا بتعامل مع قوانين وعقود وعقدك مع المستشفى هو اللي هيحكم في القضية.
وقفت حنين بغضب وقد شعرت بالإهانة من بروده. 
آسفة اني ضيعت من وقتك، كنت فاكرة إني جاية لمحامي سمعته سابقة في الدفاع عن الحق بس باين كدة انك آلة قانونية مش أكتر، شكرًا على وقتك.
استدارت لتغادر لكنه أوقفها بصوته الحاد والآمر.
_استني.
توقفت وأعطته ظهرها
_أنا مش بمسك قضايا مشبوهة أو مبنية على العواطف بس، قبل ما اوافق عايز اتأكد الأول بنفسي 
مش من الورق، من الواقع.
التفتت إليه ببطء وقد تلاشت حدتها وحل محلها التحدي
_عايز تتأكد من ايه؟
وقف يامن وارتدى سترته بوقار
 _ خليني اروح معاكي للبنت دي واشوف الحالة بنفسي 

❈-❈-❈

بعد نصف ساعة في سيارة يامن التي بدت كائنًا فضائيًا في شوارع الحي الضيقة توقفا أمام مبنى قديم متهالك. 
نظرت إليه حنين بتحدي كأنها تقول: 
هل هذا واقعي بما يكفي لك؟

صعدا درجات السلم المتآكلة وطرقت حنين على باب شقة متواضعة، فتح الباب طفل صغير حافي القدمين وعندما رأى الدكتورة حنين تهلل وجهه وصرخ
_ياما دكتورة حنين جت.
خرجت من الداخل سيدة شاحبة الوجه تتحرك ببطء، لكن عينيها كانتا تشعان بالامتنان وهي تنظر إلى حنين.
_دكتورة حنين يا أهلاً وسهلاً اتفضلي اتفضلي يا دكتورة.
دخل يامن خلف حنين إلى شقة تكاد تكون خالية من الأثاث لا يوجد بها سوى حصيرة بالية وبعض الأواني القديمة، كانت رائحة الفقر والبساطة تملأ المكان.

جلست السيدة أم وهب بصعوبة وهي لا تتوقف عن الدعاء لى حنين
_ ربنا يبارك لك يا دكتورة ويكرمك زي ما أكرمتيني لولاكي كان زمان بنتي ميته دلوقت أنا مش عارفه أسدد جميلك ده إزاي طول عمري هفضل مدينه ليكى .
_متقوليش كدة ده واجبي المهم إن ربنا نجاها.
قالت ام وهب
_اه ربنا جعلك سبب.
اشارت لها بالدخول للغرفة وهي تنظر إلى يامن باحراج
_معلش يا بيه البيت مش اد المقام.
ابتسم يامن بمجاملة لكنها صادقة 
_متقوليش كدة، البيت بأهله مش بمظهره.

اندهشت حنين من رده لم تكن تتوقع منه تلك المجاملة التي بدت صادقة 
دخلا معا فوجدا فتاة لم تبلغ من العمر العشرين عاماً مستلقية بتعب على الفراش
تقدمت منها حنين وقالت بابتسامة مشرقة 
_عاملة ايه دلوقت يا وهب.
ابتسمت الفتاة بتعب
_بخير الحمد لله المهم حضرتك تكوني بخير.
ردت حنين بصدق
_انا بخير طول ما انتي بخير.
دخلت ام وهب وهي تحمل القهوة وتقول باحراج
_متأخذنيش يا بيه، بيتنا على قد حالنا بس احنا نضاف أوي.
اومأ لها يامن وهو يمد يده ليأخذ الكوب
_مع اني مستعجل بس بصراحة كنت محتاج للكوباية دي، تسلم ايدك.

فرحت ام وهب باضطراءه ثم تقدمت من حنين التي أخذت الكوب منها بشكر
كان يامن يقف صامتًا يراقب المشهد بعينيه الحادتين رأى الصدق في عيني أم وهب ورأى حالة ابنتها ورأى الفقر المدقع الذي يفسر كل شيء. 
لم تكن هناك حاجة للأسئلة القصة كانت مكتوبة على جدران هذا البيت وفي عيون سكانه.
شعر بشيء يتحرك في داخله شيء يشبه التعاطف الذي طالما اعتبره نقطة ضعف في مهنته بينما كانت حنين تفحص وهب وتطمئن عليها، اقترب يامن من طاولة خشبية صغيرة في زاوية الغرفة ووضع عليها حافظة نقوده الجلدية، ثم أخذ منها مبلغًا كبيرًا من المال ووضعه تحت إبريق شاي قديم، كل ذلك بحركة سريعة وخاطفة لم يلاحظها أحد.

بعد دقائق استعدا للمغادرة ودعت وهب حنين بالدعاء، ونظر إليها يامن نظرة أخيرة قبل أن يغلق الباب.

في الخارج وهما يسيران عائدين إلى السيارة، سألته حنين بنبرة تحمل شيئًا من السخرية.
_ها؟ اطمنت يا أستاذ؟ اتأكدت بنفسك أن قضيتي مش مشبوهة؟

توقف يامن ونظر إليها مباشرة لكن هذه المرة لم يكن في عينيه برود، بل كان هناك شيء أعمق... شيء يشبه الاحترام.
ايوة اتأكدت، انا عامة مش بثق بسهولة يا دكتورة
لإن العالم اللي بتعامل معاه حرفيا مليان خداع فكان لازم اشوف الحقيقة بنفسي.

صعدا إلى السيارة وقبل أن يدير المحرك التفت إليها وقال بجدية تامة، بنبرة المحامي الذي وجد قضيته
_من النهاردة اعتبري نفسك موكلتي وهرجعلك حقك كامل.

لأول مرة منذ أن رأته ابتسمت حنين ابتسامة حقيقية ابتسامة أضاءت وجهها المتعب، وشعر يامن بأن هذه القضية... ستكون مختلفة تمامًا.

❈-❈-❈

كان جاسر في مكتبه يرتشف قهوته بينما كانت الأوراق أمامه لم يلمسها
كان عقله مشغولاً بالكامل بالضيفة الغامضة لم يكن من عادته أن يسمح لشيء بأن يشتت تركيزه بهذا الشكل لكن هذه القضية كانت مختلفة؛ لقد دخلت إلى عقر داره.

فتح الباب ودخل يامن الذي عاد لتوه من القاهرة كان من الواضح على ملامحه أنه يحمل على عاتقه أكثر من مجرد إرهاق يوم طويل أغلق الباب خلفه وهو تقليد يعني أن الحوار القادم سري وخاص
قال يامن وهو يتجه ليجلس في المقعد المقابل لوالده
_السلام عليكم.
اغلق جاسر الملف امامه وتطلع إلى ابنه 
_وعليكم السلام رچعت بالسرعة دي يعني.

_راچع بكرة عشان في الجلسة الأخيرة بتاعت الحسيني وإن شاء الله مضمونة
بس انا چاي لحاچة تانية امبارح انا جعدت معاها.

لم يسأله جاسر "ماذا قالت؟" بل سأله سؤالاً أعمق سؤال الخبير الذي يقرأ لغة الجسد
_ وإيه اللي جريته فيها؟

تنهد يامن ومرر يده في شعره
_ القصة اللي حكتها لأمي ولتاليا جصة السائحة التايهة كررتها تاني بس المرة دي كانت هشة مهزوزة كأن كل كلمة بتستنزفها.

صمت جاسر منتظرًا التفاصيل الأهم
واصل يامن وبدت على نبرته الحيرة
_ فيه حاچة تانية يا بابا حاچة أغرب البنت دي لما مدت ايدها للكوباية وكانت فيها نفس الرعشة خوفت تجع منها جربت اناولها
غصبت عني يدي لمست يدها لجيتها اتنفضت بشكل غريب مش مچرد نفضة خچل أو خوف عادي دي كانت ردة فعل عنيفة ردة فعل واحدة اتعرضت لصدمة كبيرة جبل إكده صدمة ليها علاقة باللمس
تابع بحيرة
_ البنت دي متدمرة من چوه ديما ايدها مهزوزة فيها رعشة بتحاول تسيطر عليها.

اتكأ جاسر إلى الأمام وقد استحوذ الأمر على كامل انتباهه اختفت نظرة الأب القلق وحلت محلها نظرة المحامي الذي يرى خيطًا مهمًا في قضية معقدة.
_ كيف ده؟

_ معرفش بس النظرة اللي كانت في عينيها كانت رعب حجيجي كأن لمستي صحت چواتها كابوس جديم وبعدها حاولت تداري الموجف بس كانت كشفت نفسها خلاص القصة بتاعتها ضعيفة، وهشاشتها النفسية دي أجوى دليل على إن فيه سر كبير وراها.

شبك جاسر أصابعه وقال بنبرة تحليلية هادئة
_ يعني إحنا جدام احتمال من اتنين يا إما هي فعلًا ضحية وهربانة من حاچة كبيرة والصدفة هي اللي رمتها في طريجنا أو... هي مش ضحية وبتستخدم الضعف ده كقناع عشان توصل لهدف معين، والصدفة دي مدبرة.
قالها يامن بحدة
_ وأنا جلبي مش مرتاح للاحتمال التاني ده يا بابا
وصولها لحد اهنه بالذات مش طبيعي.

في تلك اللحظة وبينما كان الصمت الثقيل يخيم على المكتب رن هاتف يامن المحمول نظر إلى الشاشة فرأى رقمًا يعرفه كان صديقه في السفارة الأمريكية الذي كان قد أرسل له بيانات "روزا" قبل ساعات.
قال يامن وهو يرد على الهاتف
_ ده فريد..... ألو فريد... أيوه... إيه الأخبار؟

وضع يامن الهاتف على مكبر الصوت ليسمع والده جاء صوت فريد واضحًا وعمليًا من الطرف الآخر
_ يامن مساء الخير الموضوع اللي بعتهولي ده غريب شوية، خليت جون يعمل بحث سريع في قواعد البيانات عندنا عن الاسم اللي إديتهوني روزالين ميلر بنفس تاريخ الميلاد.

ساد صمت قصير ثم قال فريد
_ الاسم ده موجود فعلًا بس المشكلة إن روزا ميلر دي متوفية من سنتين في حادثة عربية في كاليفورنيا.

وقع الخبر في المكتب كصوت انفجار مكتوم تبادل جاسر ويامن نظرة طويلة نظرة تحمل كل معاني الصدمة والتأكيد لقد تحولت كل شكوكهم إلى حقيقة دامغة.

تمالك يامن نفسه وقال بصوت حاول أن يبقيه هادئًا
_ يعني جواز السفر اللي معانا ده مزور؟

_ بنسبة مية في المية تزوير متقن جدًا لكن البيانات نفسها غلط البنت اللي عندكم دي انتحلت شخصية واحدة ميتة.

شعر يامن ببرودة تسري في عروقه من هذه الفتاة التي تصل إلى هذا الحد من التخطيط؟
_ طيب يا فريد فيه أي طريقة نقدر نعرف بيها هي مين؟ أي مساعدة؟

تنهد فريد على الطرف الآخر
_ الموضوع كده دخل في حتة تانية خالص دي تعتبر جريمة، ممكن أساعدك بشكل غير رسمي بس هحتاج أي حاجة تانية عنها صورة واضحة ليها بصماتها لو أمكن أي حاجة، بس لازم تعرف إن الموضوع ده هياخد وقت ومش مضمون.

_ تمام هبعتلك صورة ليها الصبح وأي جديد هوصلهولك، شكرًا جدًا يا فريد.

أغلق يامن الخط وخيم على الغرفة صمت أثقل من ذي قبل لم تعد الفتاة لغزًا بل أصبحت تهديدًا

كسر جاسر الصمت بنبرة حاسمة وقوية
_ إكدة اتوكدنا، إن البنت دي مش مچرد تايهة ولا هربانة البنت دي چاية اهنه في مهمة، انتحال شخصية ميتة معناه إنها بتمحي كل أثر وراها وعايزة تبدأ بداية جديدة بهوية مزيفة.

وقف يامن وبدأ يسير في الغرفة جيئة وذهابًا وعقله يعمل بأقصى سرعة
_ بس مهمة إيه؟ وإشمعنى إحنا؟ إيه اللي يربط واحدة أمريكية مزورة بعيلة التهامي في قلب الصعيد؟

توقف جاسر عن الكلام ونظر إلى نقطة بعيدة كأنه يستحضر أشباحًا من الماضي ثم قال بصوت خفيض كأنه يحدث نفسه
_ يمكن ملهاش علاقة بأمريكا خالص يمكن أمريكا دي مجرد غطا والسر كله هنا في بلدنا في ماضينا.

نظر يامن إلى والده وأدرك أن تفكيره قد ذهب إلى مكان عميق ومظلم، مكان لم يتطرقا إليه منذ سنوات لقد فتح وصول هذه الفتاة أبوابًا كانا يظنان أنها أُغلقت إلى الأبد.

❈-❈-❈

كانت ساعة متأخرة من الليل والسرايا غارقة في هدوء خادع ففي ثلاث غرف مختلفة كانت ثلاثة حوارات متزامنة ترسم ملامح المعركة القادمة.

في قلب السرايا النابض مكتب جاسر التهامي كان الهواء مشحونًا بالتوتر والتفكير العميق أغلق يامن هاتفه، لكن صدى كلمات فريد ظل يتردد في الغرفة: 
روزالين ميلر متوفية من سنتين

وقف يامن وبدأ يسير جيئة وذهابًا أمام مكتب والده وهي عادته عندما يكون عقله في سباق مع الزمن
_ يعني كل حاجة كانت كدب القصة والاسم والهوية كلها مسرحية والسؤال ليه؟ وليه إحنا؟

كان جاسر جالسًا بهدوء قاتل يراقب ابنه وهو يفرغ طاقته في الحركة لم يكن هدوءه علامة على الراحة بل كان هدوء الصياد الذي رأى فريسته وبدأ يخطط لكيفية نصب الشرك.

قال جاسر بنبرة حاسمة قطعت تفكير يامن
_ المواجهة دلوجت هتبجى غلطة كبيرة غلطة مبتدئين.

توقف يامن ونظر إلى والده بدهشة
_ غلطة؟ كيف دى يا بابا البنت دي كدابة ومزورة وجاعدة في بيتنا، لازمن نعرف هي مين وعايزة إيه وفورًا.

هز جاسر رأسه ببطء
_ ولو واچهناها هتعمل إيه؟ هتنكر هتعيط هتنهار انهيار حجيجي المرة دي أو مصطنع، هتلعب دور الضحية المصدومة وهتحطنا في موجف حرج جدام امك وأخواتك والأسوأ... إنها هتجفل بقها تمامًا، وعمرنا ما هنعرف هي چاية عشان إيه هنكون حرجنا ورجتنا الرابحة الوحيدة: 
إنها متعرفش إننا نعرف.

استوعب يامن منطق والده على الفور كان تكتيكًا قانونيًا بامتياز لا تظهر لخصمك أبدًا أنك تعرف كل أوراقه
جلس يامن مرة أخرى وقد تحولت حيرته إلى تركيز بارد
_ وبعدين؟ إيه الخطة؟

ارتسمت شبه ابتسامة على وجه جاسر ابتسامة المحارب الذي يستعد لخوض معركة يحبها
_ الخطة بسيطة هنجاريها في لعبتها هنلعب دور العيلة الطيبة اللي صدجت قصة السائحة الغلبانة هنغرقها كرم واهتمام، هنخليها تحس بالأمان التام الأمان المزيف هو أسرع طريجة تخلي أي حد يغلط هنخليها تطمن لدرچة إنها هتبدأ تتحرك عشان تنفذ خطتها الحجيجية وساعتها... هنكون بنراجب كل خطوة.

أضاف يامن وقد بدأت عيناه تلمعان بنفس بريق الدهاء
_ تجصد هنديها الحبل اللي تتشنج بيه هنخليها تفتكر إنها بتخدعنا، وهي في الحجيجة إحنا اللي مسيطرين على اللعبة.

قال جاسر
_ بالظبط إكده إنت هتكون واجهتها لحد دلوجت، خليك جريب منها بين لها اهتمام، تعاطف مصطنع حاول تكسب ثقتها وأنا هدور في الماضي هفتح كل دفتر قديم وصولها لحد ٱهنه مش صدفة، ده صدى لحاجة حوصلت من زمن بعيد.

اتفق الأب والابن بنظرة صامتة لقد تحولت "روزا" من ضيفة غامضة إلى مشروع مشترك قضية يجب الفوز بها.

في نفس الوقت في جناح نغم كانت الأم تجلس على سريرها قلقة لم يأتي النوم إلى عينيها فتح الباب بهدوء ودخلت تاليا بعد أن سمحت لها نغم بالدخول وعلى وجهها تعابير القلق والإرهاق

_ ماما صاحية؟

_ طبعًا صاحية جلبي مش مطاوعني أنام والبنت دي لوحدها إنتي كنتي عندها؟

أومأت تاليا وجلست بجانب والدتها ترددت للحظة ثم قالت
_ ماما انا بدأت اقلق الموضوع أكبر من مچرد ضربة شمس أنا دخلت عليها من شوية... لجيتها في حالة انهيار كامل.

اتسعت عينا نغم بقلق
_ انهيار كيف يعني؟

وصفت تاليا ما رأته بالتفصيل الرعشة العنيفة نظرة الرعب الزائغة انتفاضتها من مجرد محاولة للمس وكيف بدت كشخص يسترجع صدمة مروعة
_ كانت زي اللي بيشوف كابوس وهو صاحي، حالتها النفسية صعبة جوي يا ماما، البنت دي واضح إنها شافت أيام سودا، الچروح اللي چواتها أعمق بكتير من أي چرح جسدي.

امتلأت عينا نغم بالدموع وهي تستمع، صورة الفتاة الضعيفة التي أطعمتها بيدها امتزجت الآن بصورة الفتاة المنهارة التي تصفها ابنتها.
_ يا حبيبتي يا بنتي يا جلبي عليها عشان اكده كانت خايفة جوي، أكيد فيه حد أذاها زمان، أكيد هربانة من حاچة وحشة.

أمسكت بيد ابنتها وقالت بحزم أمومي
_ أبوكي وأخوكي لازم يعرفوا الكلام ده البنت دي مش لازم تمشي من اهنه لازم نجف چارها ونحميها لحد ما تجف على رچليها تاني ده واچب علينا.

كانت تاليا قد زرعت دون قصد بذرة التعاطف المطلق في قلب والدتها، هذا التعاطف سيصبح الدرع الذي ستحتمي به "روزا" لاحقًا، وسيكون أكبر عقبة في طريق خطة جاسر ويامن المحكمة

وفي غرفتها المعزولة كانت روزا قد استعادت السيطرة على نفسها بعد نوبة الهلع كانت تشعر بالضعف والإرهاق لكن عقلها كان يعمل بأقصى طاقته لقد كشفت ضعفها ليامن وهذا خطأ لكن ربما... ربما يمكنها تحويل هذا الخطأ إلى ميزة.

كانت تفكر في المعلومات التي استخلصتها من زيارة ليال البريئة "يامن هو سوبرمان العيلة مفيش حاجة بتقف قدامه."

هذا يعني أن يامن هو مركز القوة هو الحصن الذي يجب اختراقه إذا سقط يامن، ستسقط العائلة كلها

خطتها الأولية كانت الاندساس والاقتراب ببطء لكن الآن بعد أن كشف جزء من ضعفها، وبعد أن علمت أنهم سيتصلون بالسفارة، أدركت أن الوقت ليس في صالحها يجب أن تسرع من وتيرة اللعبة.

قررت خطوتها التالية لن تنتظر حتى يأتي يامن إليها هي من ستذهب إليه ستستخدم ضعفها الذي رأه كسلاح ستلعب دور الفتاة الجريحة التي تبحث عن منقذ، عن "سوبرمان"
ستجعله يشعر بأنه الوحيد القادر على حمايتها وفهمها ستستدرجه إلى منطقتها منطقة الألم والصدمة، حيث يمكنها أن تسيطر عليه عاطفيًا.

نظرت إلى يدها التي هدئت رعشتها وفي عينيها بريق جديد، لم يعد بريق الكراهية الصافية بل بريق أكثر تعقيدًا بريق الذئب الذي قرر أن يرتدي جلد الحمل الجريح عن قصد، ليقترب من الراعي.

وهكذا بينما كان الأب والابن يخططان لمجاراتها في لعبتها كانت هي تخطط للعبة جديدة تمامًا، غير مدركة أنهم يعرفون سرها الأكبر كانت ليلة طويلة في سرايا التهامي، ليلة انتهت بوضع كل الأقنعة في مكانها استعدادًا لفصل جديد من الخداع والمواجهة.

❈-❈-❈

استيقظت روزا على صوت العصافير الذي لم تعتده، تسلل ضوء الشمس الدافئ من خلال ستائر الغرفة الشفافة راسماً مربعات مضيئة على الأرضية، للحظة وجيزة نسيت أين هي وشعرت بسلام غريب لكن هذا السلام تبخر في ثانية عندما تذكرت هي في عرين التهامي.

جلست على حافة السرير وشعرت بإرهاق يفوق مجرد قلة النوم نظرت إلى يديها كانتا ترتعشان رعشة خفيفة لكنها مستمرة حاولت أن تقبض عليهما بقوة أن تأمرهما بالتوقف لكنهما كانتا ككيان منفصل تعلنان عن الخوف الذي يعصف بداخلها دون إذن منها
همست لنفسها بحدة
_ تحكمي في نفسكِ، الضعف هو تذكرتكِ للموت.

لكن كيف يمكنها التحكم في نفسها أمامهم؟ لقد رأت ترابطهم، دفء نغم براءة ليال احترافية تاليا، حتى تدين تميم كان يعبر عن شكل من أشكال الحماية لعائلته
والآن... يامن قوته الهادئة نظراته الثاقبة، ذكاؤه الذي شعرت به يخترقها
كيف لها أن تهزم شخصًا كهذا؟ 
كيف لها أن تفكك عائلة متماسكة كحصن منيع؟

لأول مرة منذ وصولها تسلل إليها شعور حقيقي باليأس، شعرت بأنها مجرد حشرة صغيرة تحاول أن تحدث صدعًا في جبل، قبضت على قلادة آدم المعلقة حول عنقها تحت ملابسها تستمد منها قوة وهمية 
من أجلك.

في خضم أفكارها سمعت ذلك الطرق الواثق على الباب مرة أخرى طرق يامن.

جفل قلبها وتزايدت رعشة يديها خبأتهما بسرعة أسفل الغطاء وهي تعود للاستلقاء قبل أن تقول بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا
_ تفضل.

دخل يامن وكانت معه امرأة كبيرة تحمل في يدها صينية إفطار صغيرة لفتة لم تتوقعها على الإطلاق
وضعت الصينية على الطاولة ثم التفت إليها يأمرها بالانصراف
كان وجهه هادئًا لكن عينيه كانتا تراقبان كل حركة كل نفس
_ صباح الخير، أتمنى تكوني نومتي كويس.

لم تكن كلماته تحمل الرسمية الباردة التي كانت عليها بالأمس، بل كانت تحمل دفئًا مدروسًا ومصطنعًا، لقد بدأت اللعبة
أجابت بصوت خفيض
_ صباح النور، نعم نمت جيدا شكرًا لك.

اقترب من الطاولة وأشار إلى الطعام
_ والدتي أصرت إنك لازم توفطري زين عشان صحتك ترجعلك.

 ثم أضاف بنبرة بمزاح
_وأنا بصراحة مش عايز أسمع مواويل لو مرجعتش بالصينية فاضية.

كانت محاولة لإلقاء دعابة خفيفة لكسر الجليد
 ابتسمت روزا ابتسامة باهتة لكنها شعرت بأن كل عضلة في وجهها متصلبة

جلس على نفس المقعد الذي جلس عليه بالأمس محافظًا على مسافة مريحة ثم قال بنبرة تحولت إلى الجدية
_ روزا أنا اتصلت بالسفارة بتاعتك الصبح.

تجمدت روزا في مكانها هذا هو الاختبار
 قلبها بدأ يقرع بعنف 
هل كشفت؟ 
هل ستنتهي المسرحية الآن؟

لاحظ يامن توترها فاستخدمه لصالح خطته 
قال بنبرة مطمئنة
_ متخافيش أنا بس طمنتهم إنك بخير وموجودة معانا هما كانوا قلقانين شوية إنك مسافرة لوحدك في منطقة زي دي، بصراحة أنا نصحتهم إن الأفضل تفضلي هنا يومين كمان لحد ما تستردي صحتك بالكامل، وهما وافقوا قالوا إنهم هيجهزوا أوراق سفر بديلة ليكي عشان تقدري تكملي رحلتك بأمان.

كانت كذبة متقنة مغلفة بنصف حقيقة لقد أعطاها سببًا منطقيًا لبقائها وفي نفس الوقت لعب دور الحامي الذي يتدخل لمصلحتها.

شعرت روزا بموجة من الارتياح تجتاحها لكنها كانت ممزوجة بالارتباك 
إذن هو لم يكتشف شيئًا هو يصدقها، بل ويساعدها هذا الرجل الذي جاءت لتنتقم منه، يحميها الآن.

نظرت إليه ورأت في عينيه اهتمامًا بدا صادقًا لم تكن تعرف أنه جزء من الخطة كل ما رأته هو "سوبرمان العائلة" وهو يقوم بدوره.

تجمعت الدموع في عينيها وهذه المرة لم تكن تمثيلاً بالكامل كانت دموع الارتباك والضعف، والشعور بالضياع في هذه اللعبة التي أصبحت أكبر منها
_ أنا… أنا لا أعرف كيف أشكرك أنت وعائلتك... كنتم طيبين معي أكثر مما أستحق.

هنا رأت روزا فرصتها لتنفيذ خطتها هي ستستخدم هذا الضعف الحقيقي
_ الحقيقة... أنا خائفة.
 قالتها بصوت مرتعش وسمحت ليديها بالظهور
 رعشتهما واضحة الآن للعيان
_أنا لست معتادة على... الطيبة العالم الذي أتيت منه... مختلف.

نظر يامن إلى يديها المرتعشتين ثم إلى عينيها الدامعتين، كان المشهد مقنعًا للغاية، كان يرى امرأة جريحة بالفعل
للحظة شعر بوخزة من التعاطف الحقيقي قبل أن يذكر نفسه بأن كل هذا قد يكون جزءًا من تمثيلية متقنة
قال بصوت أكثر نعومة وهو يتقمص دوره بإتقان
_ مش كل العالم سيء يا روزا، طالما أنتِ هنا في بيتنا لايستطيع احد أن يأذيكي، ده وعد.

كلمة "وعد" منه كانت تحمل وزنًا هائلاً 
شعرت بها روزا تخترق دفاعاتها 
هذا الرجل بقوته وهدوئه كان يمثل كل ما افتقدته بعد آدم كان يمثل الأمان
الأمان الذي جاءت لتدميره

أطرقت برأسها وهي تشعر بأنها تغرق كيف ستنتقم من شخص يعدها بالحماية؟ 
كيف ستدمر عائلة تفتح لها أبوابها وقلوبها؟ 
شعرت بأن خطتها للانتقام تتلاشى ويحل محلها شعور مرعب بالضياع
هي لم تعد تعرف ماذا تريد هل تريد الانتقام
 أم تريد هذا الأمان الذي يقدمه لها على طبق من ذهب؟

نظر إليها يامن وهو يرى هذا الصراع في عينيها. 
كان يظن أنه يسيطر على اللعبة لكنه لم يكن يدرك أنه بتمثيله لدور الحامي كان يلمس أعمق جروحها، ويوقظ فيها شيئًا لم يكن في حسبانه... شيئًا قد يكون أخطر من الكراهية نفسها.

❈-❈-❈

بعد أن ترك يامن غرفة "روزا" وهو يشعر بأن خيوط اللعبة أصبحت في يده، توجه مباشرة إلى إسطبل الخيل في طرف الحديقة وهو مكانه المفضل لترتيب أفكاره، لم يكد يبدأ في التربيت على عنق فرسه الأثير حتى شعر بوجود شخص آخر خلفه. 
لم يكن بحاجة إلى الالتفات ليعرف من هو، لا أحد يملك هذه الخطوات الهادئة والحاسمة سوى توأمه، تميم.

كان تميم يقف عند مدخل الإسطبل مكتوف الذراعين يستند على عارضة الباب وعلى وجهه نظرة جادة لا تفارقه رغم أنهما توأم متطابق في الملامح الأساسية، إلا أن الحياة قد نحتت كل واحد منهما بشكل مختلف. 
يامن بعينيه الحادتين كالصقر وملامحه التي تحمل دهاء المحاماة، وتميم بنظرته الهادئة العميقة والوقار الذي أضفته عليه لحيته المنمقة والتزامه الديني.

بدأ تميم الحوار دون مقدمات بصوته الهادئ الذي يحمل قوة الفولاذ
_ صباح الخير، كنت بدور عليك.

التفت يامن وابتسم ابتسامة خفيفة لرؤية توأمه
_ صباح النور، وأنا موچود أهه خير؟

اقترب تميم ببطء ووقف بجانب أخيه ووضع يده على ظهر الفرس
_ خير إن شاء الله بس كنت عايز أتكلم معاك بخصوص الضيفة اللي حدانا.

أومأ يامن برأسه متوقعًا طبيعة الحوار
_ عارف موضوع إنها أچنبية وجاعدة في بيتنا.

نظر تميم إلى أخيه مباشرة وكانت نظرته لا تحمل اتهامًا بل قلقًا أخويًا صادقًا
_ الموضوع مش في جعدتها يا يامن ربنا هو اللي بعتها لحد عندنا، وإكرام الضيف واچب أنا جلجي عليك إنت.

عقد يامن حاجبيه باستفهام
_ عليا أنا؟ ليه؟

_ جربك منيها لوحدكم كلامك معاها دي بنت غريبة عننا، وشابة وچميلة والشيطان شاطر يا يامن، أنا مش بشك فيك حاشا لله أنا بخاف عليك من فتنة إنت في غنى عنها إنت دراع أبوك اليمين في شغله، وعقل العيلة دي مش رايد أي حاچة تشغلك أو تشتت تركيزك ده الصوح.

شعر يامن بصدق خوف أخيه فهدأت نبرته وأصبحت أكثر تفهمًا
_ متجلجش يا تميم أنا عارف أنا بعمل إيه زين الموضوع كله تحت السيطرة، وكلها كام يوم لحد ما السفارة بتاعتها تتصرف.

ربت تميم على كتف أخيه وهي لفتة جميلة بينهما تحمل الكثير من المعاني
_ وأنا واثج فيك وفي عجلك بس طاعة ربنا ملهاش استثناءات عشان ربنا يبارك في خطواتك ويحميك، لازم إنت كمان تمشي في اللي يرضيه عشان إكده لو هتكمل كلام معاها خلي والدتك أو واحدة من البنات معاك ده أحفظ ليك، وأكرم ليها.

صمت يامن للحظة يفكر في كلمات أخيه
لم تكن أمرًا بل كانت نصيحة من قلب محب
ثم أضاف تميم بنبرة أكثر هدوءًا
_ وحاچة كمان عشان راحتها هي كمان وسطنا وعشان منبجاش حاطين نفسنا في حرج وهي بتتحرك في البيت لازمها لبس يناسب أصول بيتنا، لبس ساتر ومحتشم ده هيخليها مرتاحة أكتر، وهيخلينا إحنا كمان مرتاحين لوجودها.

لم يضحك يامن هذه المرة بل تفهم وجهة نظر أخيه تمامًا، كان تميم لا يفكر في فرض قيود، بل في إيجاد حل يحفظ كرامة الجميع ويرضي الله في نفس الوقت

قال يامن باقتناع
_ عندك حج كلامك مظبوط أنا هتكلم مع أمي، وهي هتتصرف في الموضوع ده بطريجتها متشلش هم.

ابتسم تميم ابتسامة رضا هادئة لقد وصل إلى هدفه بالنصح والحكمة وليس بالفرض
_ ربنا يبارك فيك يا يامن ويحفظك من كل شر.

استدار تميم ليغادر فقال له يامن
_ تميم.

التفت إليه تميم
_ شكرًا على خوفك عليا.

أومأ تميم برأسه إيماءة خفيفة ثم غادر
بقي يامن وحيدًا مع فرسه لكنه لم يعد يشعر بالغضب بل شعر بالامتنان لوجود أخ مثله في حياته 
لقد كان تميم بمثابة البوصلة الأخلاقية التي تعيده دائمًا إلى الطريق الصحيح عندما تأخذه دروب الحياة المعقدة 
لقد أضاف تميم بالفعل عقبة في خطته لكنها كانت عقبة ضرورية، تذكره بأن حماية عائلته لا يجب أن تكون على حساب مبادئهم 
والآن عليه أن يجد طريقة للموازنة بين الأمرين.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانياالخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل