تاريخ النشر: 22-04-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الثلاثون
تم النشر الأربعاء
22/4/2026
انعزل يوسف في غرفته بـ الطابق الأرضي، الغرفة التي باتت أركانها تضيق عليه رغم اتساعها. جلس على طرف فراشه، والسكوت من حوله يزيد من ضجيج الأفكار في رأسه. ظل حديث شقيقته ندى يتردد في أذنه كطنين لا ينقطع؛ تلك النبرة المحذرة، والخوف المكتوم في عينيها، جعلاه يوقن أن هناك أمراً جسيماً قد حدث في غيابه، لكنه لا يجد له تفسيراً.
كان يشعر بغصة في حلقه؛ فبينما كان يصارع لتأمين مستقبل جيهان والبحث عن طرف صناعي يعيد لها الأمل، كانت هناك خيوط تُحاك من خلف ظهره في أروقة المستشفى. تمدد بجسده المنهك على الفراش يحاول استجداء النوم، لكنه كان غارقاً في دوامة من الأحاسيس المبعثرة؛ مزيج من القلق على جيهان التي تصر على الابتعاد لبيت والدها، وغضب مكتوم من غموض ندى وتصرفات نور، وعجز يتملك روحه وهو يرى عائلته تتفكك أمام عينيه.
أغمض عينيه بقوة، محاولاً ترتيب شتات نفسه، لكنه ظل يتقلب في فراشه، والشك يسيطر على عقله، منتظراً ضوء الصباح لعلّه يحمل معه اليقين الذي عجز عن إدراكه في هذه الليلة الطويلة.
بزغ فجر يوم جديد يحمل معه مزيجاً من الترقب والأمل. في ردهات المستشفى، كان الهدوء يسيطر على الأجواء حتى دخل الطبيب لغرفة جيهان؛ أجرى فحصاً دقيقاً لعلاماتها الحيوية وتابع استجابتها، ثم ابتسم لها بطمأنة قائلاً:
ـ إنتي أحسن بكتير دلوقتي يا جيهان، والوضع مستقر.. همر على بعض الحالات وارجع لك فوراً عشان ننهي الإجراءات.
تنفست جيهان الصعداء، ولأول مرة منذ الحادث، شعرت بارتياح شديد يغمر قلبها؛ فرغم جرحها الغائر، إلا أنها كانت تختنق من جدران المستشفى ورائحة الأدوية. كانت كاميليا بجوارها، تلمع عيناها بسعادة حقيقية من أجل شقيقتها، فاقتربت منها بحنان لتبدأ في مساعدتها على تبديل ملابسها وتجهيز حقيبتها. جلسوا معاً في صمت يملؤه الانتظار، عيونهم معلقة بالباب ترقباً لعودة الطبيب ليعلن لحظة الانطلاق.
وفي منزل يوسف، كان الصباح مختلفاً؛ استيقظ الجميع وقد انزاح عن صدورهم جزء من الثقل، فالخبر الذي انتظروا سماعه طويلاً قد حان: جيهان ستغادر المستشفى اليوم. اجتمعوا حول مائدة الإفطار في جو يغلفه الهدوء، وتناولوا طعامهم في صمت يشوبه التفكير فيما هو قادم.
بمجرد الانتهاء من تناول الإفطار، نهض تامر بهمة وهو يمسك بمفاتيح سيارته، مستعداً للمهمة التي انتظرها.
تامر وهو ينظر للجميع:
ـ أنا هتحرك دلوقتي على المستشفى علشان أجيب جيهان وأوديها لبيت عمي.. مش عايز تأخير.
قامت ندى على الفور لتمسك بحقيبتها، وقررت الذهاب معه؛ فقلبها كان يحثها على التواجد بجانب جيهان في هذه اللحظة الفارقة لتخفف عنها مرارة الرجوع بحالتها الجديدة.
ندى بنبرة هادئة وحنونة:
ـ أنا جاية معاك يا تامر.. جيهان محتاجة تحس إننا حواليها، واليوم ده بالذات مش لازم تكون فيه لوحدها.
خرج تامر وندى متوجهين إلى المستشفى، بينما بقي في المنزل ترقبٌ من نوع آخر، خاصة عند يوسف الذي كان يتابع كل تحرك بصمت، وعيناه تلاحقهم حتى اختفوا خلف الباب.
وصلت سيارة تامر إلى ساحة المستشفى، وكانت ندى تجلس بجانبه يكسو وجهها هدوءٌ حذر. ترجلا من السيارة واتجها سريعاً نحو غرفة جيهان. وبمجرد أن فتحا الباب، وجداها جالسة بملابس الخروج بجانب كاميليا، تترقب اللحظة التي تغادر فيها هذا المكان الذي شهد أصعب أيام حياتها.
رسم تامر على وجهه ابتسامة واسعة، وحاول أن يضفي جواً من المرح ليطرد غيوم الحزن التي كانت تلوح في عيوني جيهان.
تامر وهو يدخل الغرفة بخفة ويهتف بمرح:
ـ يا صباح الفل والجمال! إيه النور ده كله؟ يعني أنا قولت هلاقي جيهان لسه بتفكر، طلعتي جاهزة ومستنية على نار! لا ده إحنا كدة نشغل أغاني في العربية ونعمل حفلة وإحنا رايحين لبيت عمي.
ابتسمت جيهان ابتسامة شاحبة وناعمة، بينما استمر تامر في محاولاته لإخراجها من صمتها.
تامر موجهاً كلامه لكاميليا بغمزه:
ـ بقولك إيه يا كاميليا، جهزي نفسك، إحنا مش هنمشي السكة دي كدة وخلاص.. جيهان راجعة النهاردة ملكة متوجة، وأنا السواق الخصوصي بتاعها، والخدمة عندي VIP، يعني لو الطريق زحمة ممكن أشغل لكِ صافرات إنذار عشان نعدي مخصوص!
ضحكت ندى بخفة وهي تقترب من جيهان وتضم كتفها بحنان، بينما شعرت جيهان ببعض الراحة من روح تامر المرحة التي كانت دائماً ما تنجح في كسر الجمود.
تامر وهو يمسك بالحقيبة بخفة:
ـ يلا بينا يا جماعة.. الدكتور زمانه جاي يوقع الورقة الأخيرة، ومن بعدها مفيش مستشفيات تاني، ومفيش غير الدلع في بيت عمي.. أنا قولت أسبق وأحجز مكاني كأول واحد يوصلك، علشان لما ترجعي وتخفي تماماً تفتكري إني كنت السواق الجدع بتاعك.
كانت جيهان تنظر إليه بامتنان، ورغم الألم النفسي الذي يسكن أعماقها، إلا أن مزاح تامر خفف عنها وطأة التفكير في الكرسي المتحرك الذي ينتظر خروجها من باب الغرفة.
دخل الطبيب الغرفة وعلى وجهه ابتسامة هادئة، وقع أوراق المغادرة النهائية والتفت لجيهان متمنياً لها السلامة، لتبدأ اللحظة التي طال انتظارها، لكنها كانت اللحظة الأكثر قسوة على قلب جيهان.
تحركت كاميليا بخفة وأحضرت الكرسي المتحرك وضعته بجانب السرير. في تلك اللحظة، تجمدت نظرات جيهان عليه في صمت طويل ومرير؛ كان الكرسي بالنسبة لها ليس مجرد وسيلة تنقل، بل إعلاناً رسمياً عن عجزها. تقدمت ندى وكاميليا وساندتاها بحرص شديد حتى استقرت فوقه.
بمجرد أن شعرت جيهان بملمس الكرسي تحتها، انقبض قلبها، وهمست بصوت خافت لم يسمعه غير نفسها:
ـ خلاص يا جيهان.. مابقتيش تقدري تمارسي حياتك طبيعي زي الأول.. بقيتي محتاجة اللي يزقك.
انطلق بهم تامر، وطوال الطريق كانت جيهان غائبة عن الوعي بما يدور حولها، عيناها معلقتان بالطريق من نافذة السيارة، لا تشعر بمرور الوقت ولا بمزاح تامر الذي استمر في المحاولة، حتى توقفت السيارة أمام منزل والدها.
ترجل الجميع، وساعدها تامر في النزول والجلوس على الكرسي مرة أخرى. دخلت جيهان المنزل برفقة كاميليا، وخلفهم تامر وندى اللذان كانا يحملان الحقائب. وبمجرد أن خطت كاميليا أولى خطواتها داخل الصالة، تسمرت مكانها واتسعت عيناها من الدهشة.
المنزل الذي تركته في حالة يرثى لها من الإهمال والحزن، وجدته الآن نظيفاً ومرتباً بشكل مثير للذهول؛ الأثاث لامع، والأرضيات معقمة، وكل شيء في مكانه الصحيح وكأن يداً خفية كانت تعمل هنا ليل نهار لتجهيز المكان لاستقبال صاحباته.
كاميليا بذهول وهي تنظر حولها:
ـ إيه ده؟ البيت.. البيت مترتب ونضيف جداً! مين اللي عمل كل ده؟
التفتت ندى لتامر بنظرة ذات مغزى، بينما ظلت جيهان في صمتها، تنظر لأرجاء بيت والدها الذي عاد إليه النبض بشكل مفاجئ.
نظرت جيهان إلى كاميليا بهدوء، ورغم الحزن الذي يغلف ملامحها، إلا أن بصيرة الزوجة جعلتها تدرك الحقيقة فوراً؛ فهي تعلم جيداً لمسات يوسف واهتمامه بالتفاصيل حين يريد التعبير عن حبه دون كلام.
جيهان بصوت واهن وهي تشير نحو الداخل:
ـ ساعديني يا كاميليا.. عايزة أدخل أوضتي أرتاح. يوسف هو اللي عمل كل ده.. أنا عارفة بصمته كويس.
أومأت كاميليا برأسها وساندت شقيقتها حتى دخلت الغرفة، وساعدتها برفق لتنتقل من الكرسي المتحرك وتجلس على السرير الذي اشتاقت إليه كثيراً. في تلك اللحظة، وقف تامر عند باب الغرفة، يراقب المشهد بقلب مثقل، ثم تنحنح قائلاً:
ـ الحمد لله على سلامتكم يا جماعة.. نورتي بيتك يا جيهان. أنا هروح دلوقتي أطمن بابا وأبلغه إننا وصلنا بالسلامة، وأكيد هو ويوسف مستنيين الخبر ده على نار.
وقبل أن يخطو تامر خطوة واحدة، استوقفته جيهان بنبرة حادة ممزوجة بالخوف والكسرة، وكأنها تطلق استغاثة أخيرة.
جيهان بعينين ملأتهما الدموع:
ـ استنى يا تامر.. أرجوك، بلاش تقول لبناتي إني رجعت. مش عايزة حد فيهم يجي هنا دلوقتي.. أنا مش عايزة بناتي يشوفوني في الحالة دي يا تامر.. مش قادرة أواجه نظرة الشفقة في عينيهم وأنا على الكرسي ده.
ساد صمت مؤلم في الغرفة؛ ندى خفضت رأسها وتأثرت بكلام جيهان، بينما تجمد تامر في مكانه، يشعر بمدى الوجع الذي تعيشه زوجة أخيه التي ترفض حتى رؤية فلذات أكبادها خشية أن تهتز صورتها القوية في أعينهم.
❈-❈-❈
أومأ تامر برأسه في صمت، محاولاً استيعاب رغبة جيهان القاسية على نفسه، ووعدها بنظرة عينيه أنه سيفعل ما يريحها حالياً. انسحب هو وندى من المنزل تاركين كاميليا بجانب شقيقتها.
بمجرد خروجهما، استند تامر على باب السيارة ونظر لندى بضيق:
ـ صعبان عليا قوي يا ندى.. جيهان شايلة حمل الجبال فوق كتافها، ورافضة حتى بناتها يشوفوها. أنا هروح ليوسف، بس لازم أطمنه إن موضوع المستشفيات اللي سألنا فيها والبحث عن أفضل المراكز المتخصصة في الأطراف الصناعية بدأ يمشي.. ده الأمل الوحيد اللي ممكن يخليها ترجع تواجه بناتها والناس تاني.
تحدثت ندى بتنهيدة:
ـ معاك حق يا تامر.. هي محتاجة وقت، ومحتاجة تحس إن فيه نتيجة فعلية من مراكز التأهيل دي.. يلا بينا، يوسف أكيد بيأنب في نفسه دلوقتي.
وصل تامر وندى إلى المنزل، وبمجرد دخولهما، وجدا يوسف واقفاً في الصالة، وعيناه تلمعان بتوتر شديد، ينتظر كلمة واحدة تبرد ناره.
يوسف بلهفة وهو ينظر لتامر:
ـ وصلتوها؟ شافت البيت؟ قالت إيه يا تامر؟
تامر محاولاً الهدوء:
ـ وصلت يا يوسف، والبيت عجبها جداً وعرفت إنك اللي مرتبه.. بس هي طلبت طلب واحد يا يوسف، ومش عايزك تزعل.. هي مش عايزة البنات يشوفوها دلوقتي خالص لحد ما تبدأ رحلة العلاج في المراكز اللي اتفقنا عليها.
وقع الكلام على يوسف كالصاعقة؛ فكرة أن زوجته ترفض رؤية بناتها جعلته يشعر بحجم الفجوة التي خلفها الحادث. جلس يوسف ببطء، وأحاسيسه المبعثرة عادت لتهاجمه بقوة، لكنه حاول التماسك من أجل الخطوة القادمة.
يوسف بنبرة حازمة ومصممة:
ـ ماشي يا جيهان.. هعملك اللي إنتي عايزاه. بس من بكرة يا تامر، مش عايز تضييع وقت.. هنلف على كل المستشفيات الكبيرة، ونبعت تقاريرها لأكبر المراكز العالمية اللي قولتلي عليها.. لو الحل في آخر الدنيا هجيبهولها عشان ترجع تقف على رجليها وتضم بناتها من تاني.
أومأ تامر برأسه في صمت، محاولاً استيعاب رغبة جيهان القاسية على نفسه، ووعدها بنظرة عينيه أنه سيفعل ما يريحها حالياً. انسحب هو وندى من المنزل تاركين كاميليا بجانب شقيقتها.
بمجرد خروجهما، استند تامر على باب السيارة ونظر لندى بضيق:
ـ صعبان عليا قوي يا ندى.. جيهان شايلة حمل الجبل فوق كتافها، ورافضة حتى بناتها يشوفوها. أنا هروح ليوسف، بس لازم أطمنه إن موضوع المستشفيات اللي سألنا فيها والبحث عن أفضل المراكز المتخصصة في الأطراف الصناعية بدأ يمشي.. ده الأمل الوحيد اللي ممكن يخليها ترجع تواجه بناتها والناس تاني.
ندى بتنهيدة عميقة وحزن:
ـ معاك حق يا تامر.. هي محتاجة وقت، ومحتاجة تحس إن فيه نتيجة فعلية من مراكز التأهيل دي.. يلا بينا، يوسف أكيد بياكل في نفسه دلوقتي.
وصل تامر وندى إلى المنزل، وبمجرد دخولهما، وجدا يوسف واقفاً في الصالة، وعيناه تلمعان بتوتر شديد، ينتظر كلمة واحدة تبرد ناره.
قال يوسف بلهفة:
ـ وصلتوها؟ شافت البيت؟ قالت إيه يا تامر؟
تامر محاولاً الهدوء:
ـ وصلت يا يوسف، والبيت عجبها جداً وعرفت إنك اللي مرتبه.. بس هي طلبت طلب واحد يا يوسف، ومش عايزك تزعل.. هي مش عايزة البنات يشوفوها دلوقتي خالص لحد ما تبدأ رحلة العلاج في المراكز اللي اتفقنا عليها.
وقع الكلام على يوسف كالصاعقة؛ فكرة أن زوجته ترفض رؤية بناتها جعلته يشعر بحجم الفجوة التي خلفها الحادث. جلس يوسف ببطء، وأحاسيسه المبعثرة عادت لتهاجمه بقوة، لكنه حاول التماسك من أجل الخطوة القادمة.
يوسف بنبرة حازمة ومصممة:
ـ ماشي يا جيهان.. هعملك اللي إنتي عايزاه. بس من بكرة يا تامر، مش عايز تضييع وقت.. هنلف على كل المستشفيات الكبيرة، ونبعت تقاريرها لأكبر المراكز العالمية اللي قولتلي عليها.. لو الحل في آخر الدنيا هجيبهولها عشان ترجع تقف على رجليها وتضم بناتها من تاني.
بمجرد أن علم عدنان بعودة جيهان إلى منزل والدها، شعر بغصة في قلبه؛ فهي رغم كل شيء زوجة ابنه وأم أحفاده، ولا يمكنه تركها وحيدة في أول ليلة لها خارج المستشفى.
التفت عدنان إلى تامر وقال بحزم:
ـ يا تامر، جهز العربية.. أنا لازم أروح أطمن على جيهان بنفسي وأباركلها على خروجها من المستشفى، البيت هناك محتاج يحس إننا حواليهم.
كانت سميرة تقف قريبة، ملامحها تحمل مزيجاً من القلق والتردد، ظلت تفرك يديها ببعضهما البعض قبل أن تقرر الحديث بصوت خافت:
ـ أنا.. أنا كمان نفسي أروح أشوفها يا عمي، بس خايفة.. خايفة تفهمني غلط أو تفتكر إني رايحة أشمت فيها وهي في الحالة دي.
نظر إليها عدنان بنظرة مشجعة وربت على كتفها:
ـ روحي يا سميرة، جيهان قلبها طيب ومحتاجة الكلمة الحلوة دلوقتي.. وجودك معاها هيأكد لها إننا عيلة واحدة مهما حصل.
وبالفعل، تحرك عدنان وتامر وسميرة متوجهين إلى منزل والد جيهان، بينما فضل يوسف البقاء في المنزل؛ كان يشعر أن وجوده الآن قد يزيد من ارتباك جيهان، خاصة بعد طلبها الأخير بعدم رؤية بناتها. جلس يوسف في الصالة، وحوله بناته الصغيرات اللواتي لم يدركن بعد حجم المأساة، وكانت ندى تجلس بجانبه تراقب صمته المطبق بحزن.
كان يوسف شارداً، يفكر في التقارير الطبية التي جمعها من المستشفيات، وفي قائمة المراكز المتخصصة التي ينوي مراسلتها. كان يرى في رحيل والده وسميرة فرصة لترتيب أفكاره، بعيداً عن ضجيج العاطفة، ليركز في خطته العملية لإعادة جيهان إلى حياتها الطبيعية.
وصلت السيارة أمام منزل والد جيهان، وترجل منها عدنان وتامر وسميرة التي كانت أنفاسها تتسارع من شدة التوتر. بمجرد أن طرقت ندى الباب، فتحت كاميليا واستقبلتهم بترحاب حار عكس ما كانت تتوقعه سميرة؛ فكاميليا لم تنسَ أن سميرة كانت دائمة الاتصال بها طوال فترة تواجد جيهان في المستشفى لتطمئن على أدق التفاصيل، وكانت تشعر بصدق قلقها رغم حساسية الموقف.
كاميليا بابتسامة ممتنة:
ـ أهلاً يا عمي اتفضلوا.. البيت نور بيكم.جيهان جوه ومستنياكم.
دخلوا جميعاً، واتجهوا مباشرة نحو غرفة جيهان. كانت جيهان مستلقية على سريرها، تحاول استجماع قوتها لمواجهة العالم من جديد. بمجرد دخولهم، رفعت عينيها نحوهم، وحين وقعت نظراتها على سميرة، لمحت في عيني ضرتها نظرة انكسار حقيقية ودموعاً محبوسة، مما أذاب الجليد بينهما قليلاً.
جيهان بصوت هادئ ومرحب:
ـ أهلاً يا عمي.. اتفضل يا تامر. منورة يا سميرة، مكنتش أعرف إنك جاية معاهم.
اقترب عدنان وجلس على مقعد بجانب سريرها، وعلامات التأثر واضحة على وجهه الوقور.
ـ الحمد لله على سلامتك يا بنتي.. المستشفيات مش مقامك، والحمد لله إن ربنا نجاكي وخرجتي بالسلامة. إحنا هنا النهاردة عشان نقولك إننا معاكي، ومش هنسيبك غير وإنتي واقفة على رجلك وسطنا من تاني.
تقدمت سميرة ببطء وجلست على طرف السرير، وأمسكت يد جيهان بحذر وهي تقول بصوت يرتجف:
ـ ألف سلامة عليكي يا جيهان.. اليومين اللي فاتوا كانوا طالعين من عمرنا، والبيت كان فاضي من غيرك. متشيليش هم أي حاجة، إحنا كلنا هنا عشان نخدمك.
كان اللقاء يملؤه الود غير المتوقع، وشعرت جيهان ببعض الراحة وهي ترى هذا الالتفاف العائلي حولها، مما جعلها تتناسى قليلاً ثقل الكرسي المتحرك المركون في زاوية الغرفة.
ساد صمت قصير قطعه صوت سميرة وهي تضغط برفق على يد جيهان، وكأنها تحاول إيصال مشاعر عجز لسانها عن وصفها.
سميرة بنبرة منكسرة وصادقة:
ـ جيهان.. أنا عارفة إن الكلام دلوقت ممكن يكون تقيل، بس صدقيني ما غبتيش عن بالي ولا لحظة. كنت بدعي لك في كل صلاة إن ربنا يخرجك من المستشفى دي على خير ويرجعك لبيتك وبناتك بالسلامة.
نظرت لها جيهان مطولاً، ورأت في عيني سميرة خوفاً حقيقياً لا يشبه زيف المشاعر التي اعتادت عليها من الآخرين.
جيهان بصوت هادئ ومجهد:
ـ تسلمي يا سميرة.. دعواتك وصلت، والحمد لله على كل حال. أنا بس اللي شايلاله الهم هو بكرة.. إزاي هكمل حياتي وأنا محتاجة اللي يسندني في كل خطوة.
هنا تدخل تامر محاولاً تلطيف الأجواء وبث الأمل من جديد:
ـ يا جيهان، إحنا لسه في أول السكة. يوسف مش ساكت، وكلمني عن مراكز تأهيل عالمية متخصصة في الحالات اللي زي دي. العلم اتطور جداً، وفي مستشفيات برا مصر بتعمل معجزات في الأطراف الصناعية.. إنتي بس خليكي قوية، وإحنا في ضهرك.
ابتسمت كاميليا وهي تمسح دمعة فرت من عينها وقالت:
ـ تامر عنده حق يا جيهان، والبيت ده طول عمره مفتوح لينا، واللمة دي هي اللي هتخليكي تتخطي أي محنة.
سميرة مستكملة حديثها بحماس:
ـ وعلى رأي تامر، إحنا جنبك يا جيهان. لو عوزتي أي حاجة في أي وقت، تليفوني معاكي، والبيت جنبك. البنات أمانة في رقبتي لحد ما تقومي وتشدّي حيلك وتاخديهم في حضنك.. هما بيسألوا عليكي ليل نهار، ونفسي أطمنهم إنك بقيتي أحسن.
تأثرت جيهان بكلمات سميرة عن بناتها، وشعرت أن الجبال الجليدية التي كانت تفصل بينهما بدأت تذوب أمام صدق المواقف.
ـ كتر خيرك يا سميرة.. ده عشمي فيكي برضو. ادعولي بس أقدر أعدي الفترة دي، وأنا واثقة إن ربنا مش هيسيبني.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

💖💖💖