قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل العشرون
تم النشر الأربعاء
11/3/2026
دخل يوسف المنزل بخطوات واهنة، وألقى بجسده المنهك على أقرب مقعد في الصالة، واضعاً رأسه بين كفيه وكأنه يحاول إزاحة جبل من الهموم عن عاتقه. اقتربت منه سميرة، وبنبرة حاولت أن تكون هادئة سألته:
ـ أحضر لك لقمة تاكلها يا يوسف؟ إنت باين عليك التعب أوي.
أجابها باختصار وهو مغمض العينين، وصوته يخرج بصعوبة:
ـ لأ يا سميرة.. مش عاوز آكل، مش عاوز حاجة خالص.
في تلك اللحظة، اقتربت نور منه بحذر شديد؛ فهي تعلم تماماً أن هذه اللحظة ليست الأنسب، لكن رغبتها في تثبيت أقدامها كانت أقوى من حذرها. لم يكن يوسف يعلم حتى الآن بخبر حملها، فاقتربت منه ببطء، وأمسكت يده ووضعتها على بطنها وهي تنظر في عينيه بترقب.
نظر يوسف إلى يدها ثم إلى عينيها بهدوء غريب، هدوء يسبق العاصفة، وشعر بضيق شديد يخنق أنفاسه؛ ففكرة وجود طفل جديد في هذا التوقيت وبالطريقة التي تزوج بها نور، كانت حملاً لم يعد قلبه يقوى على حمله. سحب يده ببطء وحاول الوقوف ليصعد إلى غرفته هرباً من المواجهة، لكن نور اعترضت طريقه وهتفت بغيظ لم تستطع كتمانه:
ـ وبعدين معاك يا يوسف؟ إنت ناسي البيت وناسينا كلنا وموقف حياتك عشان ترضي جيهان؟ جيهان هي اللي مشيت وسابت البيت بإرادتها، وإحنا اللي هنا.. ليه بتعمل فينا وفي نفسك كدة؟
توقف يوسف مكانه، والتفت إليها ببطء، وكانت نظرة عينيه كفيلة بأن تجعل الكلمات تتجمد في حلقها.
توقف يوسف فجأة، والتفت نحوها ببطء شديد، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت كأنه بركان على وشك الانفجار. اقترب من نور خطوة واحدة جعلتها تتراجع للوراء بفزع، وقال بصوت فحيح مرعب:
ـ إنتي المسؤولة عن كل اللي حصل يا نور.. إنتي من ساعة ما دخلتي البيت ده وإنتي موراكيش غير نار بتولعيها. جيهان اللي بتتكلمي عليها دي، عمرها ما حاولت تفرض سيطرتها على البيت ولا عليا زي ما بتعملي إنتي وسميرة من ساعة ما دخلتوا حياتي!
صمت للحظة ينهج من شدة الضيق، ثم تابع بصراخ هز أركان الصالة:
ـ جيهان كانت بتتحمل نتيجة أخطائي أنا! كانت بتدافع عنكم قدامي في كل مرة، وإنتوا استغليتوا الفرصة ونهشتوا فيها لحد ما خرجتوها من حياتي ومن البيت.. ده اللي كنتوا عاوزينه؟ أديكوا نجحتوا!
وفي قمة غضبه، امتدت يده إلى "مزهرية" فخمة كانت قريبة منه، وقذف بها في الأرض بكل قوته لتتحطم لمئة قطعة، مما جعل نور وسميرة تصرخان من الصدمة. أشار إليهما بإصبعه محذراً بنبرة قاطعة:
ـ كلمة تانية عن جيهان، أو محاولة تانية لفتح الموضوع ده، وقسماً بالله ما حد فيكم هينجو من غضبي... السيرة دي متتفتحش في البيت ده تاني سامعين؟
تركهم يوسف وصعد الدرج بخطوات ثقيلة هزت الأرض، وأغلق باب غرفته بقوة أحدثت صدىً في أرجاء المنزل الموحش.
ظلت سميرة واقفة في مكانها، وجهها شاحب كالموت، تنظر إلى شظايا المزهرية المحطمة على الأرض، ثم نقلت نظرها لـ نور التي كانت ترتجف من هول الموقف. قالت سميرة بصوت مرتعش وندم بدأ يتسلل لقلبها:
ـ شوفتي؟ قلت لك بلاش المواجهة دلوقتي.. يوسف مش اللي بنعرفه يا نور، يوسف المرة دي لو خسر جيهان فعلاً، هيخسرنا كلنا معاها.
نظرت نور إلى سميرة وعيناها تلمعان بدموع القهر والارهاق، وسألتها بصوت مخنوق:
ـ ليه يا سميرة؟ ليه كل الخوف ده منها وهي مش موجودة أصلاً؟ وليه هو متمسك بيها للدرجة دي؟
تنهدت سميرة بأسى، وجلست على طرف المقعد وهي تنظر للفراغ قائلة:
ـ لأنه بيحبها يا نور.. يوسف طول عمره قلبه مع جيهان. أنا لما اتجوزته كان بطلب وإصرار من والده عشان "الولد"، وعشت عمري كله عارفة ومتحملة إن مكاني في قلبه مش زي مكانها. أما إنتي، فأنا لحد دلوقتي مش عارفة إيه اللي خلاه يتجوزك ولا إيه الدافع، بس الأكيد إنك لو عاوزة تعيشي وتستمري في البيت ده، لازم تسكتي.. السكوت هو الحل الوحيد ليكي دلوقتي.
سكتت نور، وبدأت كلمات سميرة تدور في رأسها كالإعصار. شعرت لأول مرة أن "الحمل" الذي كانت تظن أنه سيكون سلا.حها الأقوى، قد لا يعني ليوسف شيئاً أمام خسارته لجيهان. صعدت إلى غرفتها بصمت، وهي تجر أذيال الخيبة وتعيد حساباتها من جديد.
أما يوسف، فبمجرد صعوده للأعلى، لم يتوجه لغرفة أي منهما، بل اتجه مباشرة إلى غرفته هو وجيهان. فتح الباب ودخل، فاستنشق رائحتها التي كانت لا تزال عالقة في أركان المكان. جلس على طرف السرير، وكأن دخوله لهذه الغرفة تحديداً هو إعلان صريح منه أمام الجميع أن جيهان هي "سيدة هذا المنزل" الوحيدة، وأن غيابها مهما طال، لن يملأ فراغه أحد غيرها، وأن عودتها هي معركته القادمة التي لن يتنازل عنها.
وضع رأسه على وسادتها، وأغمض عينيه بتعب، متمنياً لو يستيقظ ليجد كل ما حدث مجرد كابوس ثقيل.
❈-❈-❈
في منزل جيهان، استقبلت كاميليا عمها عدنان وابنه تامر بهدوء يسبق العاصفة. كانت ملامحها متعبة لكنها حافظت على واجب الضيافة، وقدمت لهما القهوة في صمت. سألها عدنان بنبرة يملؤها القلق:
ـ طمنيني يا كاميليا.. جيهان عاملة إيه دلوقتي؟ فاقت؟
أجابته كاميليا وهي تجلس بوقار:
ـ فاقت يا عمي.. هي تعبانة شوية بس إن شاء الله هتكون بخير، هي محتاجة وقت ومحتاجة هدوء حواليها.
لم يمر وقت طويل حتى انفتح باب الغرفة، وخرجت جيهان بخطوات وئيدة، وجهها كان شاحباً كالورق، لكن عينيها كانتا تشعان بقوة غريبة لم يعتدها عدنان منها. جلست معهم، فحاول عدنان أن يلطف الأجواء، وبدأ يتحدث بنبرة وعظية يحاول فيها التخفيف عنها:
ـ يا بنتي، إهدي واستعيذي بالله من الشيطان.. كل حاجة بتتحل، ويوسف ندمان وعارف غلطه، وإنتي عارفة غلاوتك عنده، والبيوت مابتتهدش بالسهولة دي عشان خاطر نزوة أو غلطة.
نظرت جيهان لعمها مطولاً، وكأنها تراه لأول مرة على حقيقته، ثم قاطعته بصوت هادئ لكنه حاد كالنصل:
ـ البيوت بتتهد من الأساس يا عمي لما يكون أساسها مش حق وعدل.. وحضرتك المسؤول الأول عن كل اللي أنا فيه دلوقتي.
ساد صمت مذهل في الصالة، واتسعت عينا عدنان بصدمة، بينما نظر تامر للأرض بإحراج. تابعت جيهان مواجهتها القوية:
ـ إنت اللي جردتني من حقوقي يوم ما اعتبرت إن وجودي في حياة ابنك ناقص عشان مخلفتش "الولد". إنت اللي أجبرت يوسف يتجوز تاني عشان الوريث، وكأن السنين اللي عشتها معاه والحب اللي بينا ملهوش قيمة قدام حتة أرض أو قرشين هيتورثوا.. إنت اللي زرعت الشوك ده يا عمي، ويوسف كمله بضعفه، وأنا اللي كنت بدوس عليه لوحدي.
تجمدت الكلمات في حلق عدنان؛ لم يتوقع أبداً أن تخرج جيهان "المطيعة" عن صمتها وتضع إصبعها على الجرح الذي تسبب فيه هو شخصياً قبل سنوات.
حاول تامر التدخل لتهدئة الأجواء وهو يرى والده في موقف لم يعتد عليه، بينما اقتربت كاميليا من جيهان محاولةً الإمساك بكتفها لعلها تهدأ، لكن جيهان كانت كالصقر الذبيح؛ تتخبط بقوة وألم، ترفرف بجناحيها في رقصة الموت الأخيرة والجميع يكتفون بالمشاهدة، بعضهم بأسى وبعضهم بذهول.
نظر إليها عدنان بوجع حقيقي، فشعور الذنب بدأ يتسلل إلى قلبه، لكن كبريائه دفعه للمحاولة الأخيرة في الدفاع عن نفسه، فقال بصوت مرتعش:
ـ يا بنتي أنا كان قصدي أحافظ على العيلة، كان نفسي أشوف حتة منك ومن يوسف تشيل اسمه.. أنا ماجردتكيش من حقك، أنا كنت عاوز أضمن مستقبلكم.
ضحكت جيهان ضحكة مريرة، ضحكة بكاء وصراخ في آن واحد، وقالت وهي تنظر في عينيه مباشرة:
ـ تضمن مستقبلنا؟ إنت دمرت حاضرنا يا عمي! أنا كنت أقدر أخلف مرة واتنين وتلاتة، والعيب ماكانش فيا ولا في يوسف، لكن حضرتك اللي أصدرت حكمك ونفذته.. حضرتك اللي قررت إن وجودي مالوش لازمة لو مجبتش الولد، وخليت ابنك يشوفني ناقصة لحد ما صدق هو كمان وكسرني.
سكتت للحظة وأنفاسها تتسارع، ثم تابعت:
ـ الوريث اللي كنت مستنيه، أهو جه.. بس على جثتي وجثة بيتي. مبروك عليك الوريث يا عمي، ومبروك عليا الوجع اللي عيشتني فيه.
أطرق عدنان رأسه للأرض بصمت، وكلمات جيهان تدوي في أذنيه كالقذائف. لأول مرة، بدأ يراجع شريط السنين الماضية؛ هل كان "الولد" يستحق كل هذا الخراب؟ هل كان طمعه في استمرار النسل والمال أهم من روح هذه الإنسانة التي كانت تعامله كأب؟
ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، ولم يعد يُسمع سوى صوت أنفاس جيهان المتهدجة، بينما وقف تامر وكاميليا عاجزين عن النطق أمام هذه الحقيقة العارية التي كشفتها جيهان للجميع.
انسحب عدنان من منزل جيهان بخطوات ثقيلة، وكأنه يحمل فوق كاهله جبالاً من الخزي. لم ينطق بكلمة واحدة طوال طريق العودة، حتى تامر الذي كان يقود السيارة، التزم الصمت احتراماً لوجع والده الذي بدا وكأنه كبر عشر سنوات في تلك الساعة الأخيرة.
كان صدى صوت جيهان وهي تصفه بـ "المسؤول الأول" يتردد في أذنه كالنواقيس. لأول مرة، لم يرَ نفسه الكبير المطاع، بل رأى نفسه كمن هدم معبداً من الحب فوق رؤوس أصحابه من أجل فكرة "الولد والوريث".
بمجرد وصوله إلى المنزل، لم يلتفت لأي أحد، ولم يسأل عن يوسف أو غيره. اتجه مباشرة نحو غرفته وأغلق الباب خلفه بإحكام. جلس على كرسيه الهزاز في الظلام، وظلت كلمات جيهان: «أنا كنت أقدر أخلف مرة واتنين.. لكن حضرتك أصدرت حكمك» تنهش في ضميره.
كان يشعر بغصة في حلقه؛ فقد أدرك الآن أن "الوريث" الذي طالما حلم به قد جاء، ولكنه جاء بالدم والدموع، وبثمن باهظ جداً هو خسارة قلب جيهان وخراب بيت ابنه. دخل في حالة من الصمت والوجوم، رافضاً الحديث مع أي كائن، غارقاً في ندمٍ جاء متأخراً جداً.
بعد أن أفرغت جيهان كل ما في قلبها أمام عمها عدنان، انسحب الأخير مكسوراً. أرادت كاميليا عتاب جيهان، فرغم أنها محبة لها وتشعر بوجعها، إلا أن كلماتها لعمها كانت قاسية جداً وصادمة، لكنها نظرت إلى حال شقيقتها وقررت أن تتركها الآن حتى تهدأ، على أن تتحدث معها لاحقاً في هذا الأمر.
❈-❈-❈
في منزل عدنان، كان تامر يغلي من القلق؛ أراد بشدة أن يطمئن على والده الذي حبس نفسه فور عودته، لكنه كان يخشى غضبه، وفي نفس الوقت يخشى أن يتركه وحده ليتعرض للتعب من جديد بسبب ضغط ما حدث.
وفي مساء اليوم، استيقظ يوسف في منزله، وشعر بضيق شديد من جدران البيت؛ فهو لا يريد التشاجر مع زوجاته (سميرة ونور)، فما يمر به من هموم يكفيه. قام بالاتصال بـ تامر ليعرف أين هم، فأخبره أنهم جميعاً في منزلهم، فقرر يوسف الذهاب إليهم قبل أن يتوجه لمنزل جيهان.
وصل يوسف إلى المنزل، ففتحت له ندى الباب، لكنه تجاهلها تماماً وكأنها لم تكن، ودخل مسرعاً ليجد تامر أمامه. سأله بلهفة عن والده، فأخبره تامر أنه في غرفته منذ عودتهم ولم يخرج. صعد يوسف لرؤيته فوراً، وصعد تامر خلفه، وكذلك فعلت ندى التي صعدت معهما لأنها كانت تشعر أن شيئاً كبيراً قد حدث، خاصة بعد رؤية قلق تامر المبالغ فيه طوال اليوم.
طرق يوسف باب الغرفة بتردد، فجاءه صوت والده من الداخل واهناً وهو يقول:
— عدنان: «مش عاوز أشوف حد.. سيبوني لوحدي يا يوسف.»
لكن نبرة الانكسار والضعف التي تحدث بها عدنان جعلت يوسف لا يمتثل للأمر؛ فقلبه انقبض خوفاً على والده. فتح الباب ببطء ودخل، وخلفه تامر الذي كان يترقب الموقف بحذر، بينما ظلت ندى واقفة أمام باب الغرفة، تراقب ما يحدث من الخارج بفضول وقلق شديدين.
كان عدنان يجلس على طرف فراشه، منكس الرأس ينظر إلى الأرض بحزن عميق، وكأن جبال الهم قد استقرت فوق كتفيه. اقترب يوسف منه بخطوات هادئة ونادى عليه بصوت يملؤه القلق:
ـ بابا.. إنت كويس؟ حصل إيه؟
رفع عدنان رأسه ونظر ليوسف نظرة طويلة.. نظرة كانت تحمل أطنانًا من الندم. كان يسأل نفسه في صمت: لماذا فعل هذا بابنه؟ لماذا جعله يعيش كل هذه المعاناة والشتات بين الزوجات والحروب النفسية؟ لقد أدرك الآن أنه هو من بدأ هذه الحلقة المريرة في حياة ابنه، وهو من وضع أول حجر في بناء هذا الخراب، لكنه يعلم يقيناً أنه لا يملك قوة إعادة الزمن للخلف لإصلاح كل هذا الوجع.
قال عدنان بصوت خافت وهادئ، وعيناه لا تفارق وجه يوسف:
ـ أنا آسف يا يوسف.. حقك عليا يا ابني.
تجمد يوسف في مكانه، واعتراه العجب الشديد من هذا الاعتذار المفاجئ؛ فوالده لم يكن من النوع الذي يعتذر أو يتراجع عن قراراته بسهولة. سأله يوسف باستغراب ودهشة:
ـ بتعتذر عن إيه يا بابا؟ وإيه اللي حصل لكل ده؟
أجابه عدنان بصوت يملؤه الندم والحسرة:
ـ بعتذر عن كل اللي عملته معاك يا ابني.. أنا المسؤول عن تدمير استقرارك في بيتك، وأنا اللي وصلت حالنا للي إحنا فيه ده.
نظر يوسف لوالده مطولاً، كانت الكلمات تزدحم في حلقه، وكان يريد عتابه بشدة وتفريغ كل شحنة القهر التي بداخله، لكنه لم يستطع؛ ففي النهاية هو والده وله وقاره. ابتلع غصته وأجابه بنبرة هادئة ومستسلمة:
ـ اللي حصل حصل يا بابا، ومحدش يقدر يعدل اللي فات دلوقتي.. خلاص.
وحين سأله يوسف مرة أخرى عن سبب حالته هذه وهل يشعر بتعب جسدي، حاول عدنان التماسك وأخبره أنه مجرد إرهاق عابر، وأنه سيصبح بخير لاحقاً بمجرد إعادة جيهان لمنزلها مجدداً والاطمئنان على استقرار تامر وندى.
في تلك اللحظة، اقترب تامر وجلس بجانب والده، وحاول بذكائه المعهود أن يكسر حدة هذا الجو الكئيب، فبدأ يتحدث بأسلوبه المرح ويطلق بعض النكات ليخرج والده من حالة الانكسار التي تملكته. وبالفعل، بدأت ملامح عدنان تسترخي قليلاً، ليتجهوا جميعاً إلى الأسفل.
وهناك، طلب تامر من ندى إعداد الغداء فوراً، وأصرّ أن يجلسوا جميعاً على المائدة كما كانوا يفعلون في السابق، وكأن شيئاً لم يكن. ورغم أن يوسف كان يرفض الأمر في البداية، ويريد المغادرة لأن نفسه لا تشتهي الطعام، إلا أنه تراجع في اللحظة الأخيرة تقديراً لوالده ولرغبته في رؤيتهم مجتمعين من جديد.
في غرفة جيهان، ساد هدوء مشحون بالتفكير. كانت تجلس على فراشها، تعيد شريط أحداث اليوم في مخيلتها، وتتذكر ملامح الانكسار التي رأتها في عيني عمها عدنان. قطعت كاميليا هذا الصمت وهي تدخل الغرفة بهدوء، فسألتها جيهان فوراً عن بناتها لتطمئن عليهن، فأجابتها كاميليا بنبرة حانية:
ـ البنات بخير يا جيهان، قاعدين بيلعبوا في الصالة ومبسوطين، متقلقيش عليهم.
اقتربت كاميليا وجلست بجوار شقيقتها، وقررت أن تفتح معها صفحة عتاب هادئة وضرورية:
ـ يا جيهان، أنا عارفة إن وجعك كبير وإن عمي عدنان غلط في حقك كتير.. بس اندفاعك قدامه النهاردة كان قاسي زيادة عن اللزوم. هو مهما كان راجل كبير وعمك، والخطأ الأكبر في الحكاية دي هو يوسف اللي بيدفع تمنه دلوقتي.
نزلت كلمات كاميليا على جيهان كأنها تزيح غشاوة عن عينيها، فقالت بنبرة يملؤها الندم الصادق:
ـ صدقيني يا كاميليا مكنتش أقصد أوصل الموضوع لكده، الكلمات طلعت مني غصب عني من كتر القهر اللي جوايا.. أنا ندمانة فعلاً إني جرحته بالشكل ده.
استغلت كاميليا لحظة الندم هذه، وقالت لها بحذر ومودة:
ـ طيب بما إنك ندمانة، إيه رأيك نقوم نلبس ونروح له البيت؟ لازم تعتذري منه وتطيبي خاطره، وده كمان هيصلح حاجات كتير.
ترددت جيهان في البداية؛ فمنزل عدنان يحمل لها ذكريات لا حصر لها مع يوسف، ذكريات حلوة وأخرى مرة، لكنها في النهاية وافقت رغبةً في إصلاح ما أفسدته لحظة الغضب. ابتسمت كاميليا وقالت وهي تقف:
ـ خلاص، قومي إنتي جهزي نفسك، وأنا هقوم ألبس وأجهز البنات عشان يروحوا معانا.
تركتها كاميليا وخرجت، بينما قامت جيهان لتبدل ملابسها وهي تشعر بمزيج من القلق والراحة، استعداداً لمواجهة عمها والاعتذار منه.
خرجت جيهان من غرفتها بكامل أناقتها الهادئة التي تعكس وقارها، واتجهت للخارج برفقة كاميليا والبنات. قرروا أن يقطعوا المسافة سيراً على الأقدام، فمنزل العم عدنان لم يكن بعيداً، وكان الجو في الخارج يبعث على استرجاع ذكريات مضت.
أثناء السير، كانت كاميليا تنظر للشوارع والبيوت وتستعيد شريط طفولتهما؛ تذكرت حين كانت تركض بطفولة وشقاوة في هذه الشوارع ذاتها برفقة جيهان ووالديهما الراحلين، تذكرت زينة الأعياد والمناسبات العامة والضحكات التي كانت تملاً المكان قبل أن تفرقهم مشاغل الحياة وأوجاعها.
في المقابل، كانت خطوات جيهان ثقيلة جداً، كأنها تجر سلاسل من حديد. كل خطوة تقترب بها من المنزل كانت تزيد من دقات قلبها وتدفعها للتردد. توقفت للحظة وكأنها تود العودة من حيث أتت، لكن نظرة كاميليا المشجعة جعلتها تكمل الطريق.
وصلوا أخيراً إلى أمام المنزل.. وقفت جيهان وتجمدت عيناها عند الحديقة؛ ذلك المكان الذي شهد لحظات اندفاع ألمها وانفجار صمتها من قبل. شعرت بغصة في حلقها، لكنها استجمعت شجاعتها.
تقدمت كاميليا وهدأت من روع البنات اللواتي وقفن أمامها بفضول، ثم مدت يدها وطرقات الجرس بهدوء وثبات، بينما وقفت جيهان بجوارها، تحاول أن ترسم على وجهها ثباتاً لا تشعر به في الداخل، بانتظار من سيفتح الباب ليرى هذا الحضور المفاجئ.
يتبع...

❤️❤️❤️❤️
هي مش المفروض كاملة! 🙃🙃🙃