قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الواحد والعشرون
تم النشر الإثنين
16/3/2026
في داخل المنزل، كانت الأجواء قدد بدأت تميل إلى الهدوء النسبي؛ ندى تتحرك بخفة وتضع أكواب القهوة أمام والدها وأخويها على الطاولة بعد أن انتقلوا للصالة عقب تناول الغداء. ساد صمت يقطعه فقط صوت ارتطام الأكواب، إلى أن اخترق هذا السكون صوت طرقات هادئة على الباب.
تبادل الثلاثة نظرات صامتة، فالتوقيت غير متوقع لأي زائر. أخبرتهم ندى بهدوء أنها ستفتح الباب، وما إن سحبت المقبض حتى تسمرت في مكانها من المفاجأة؛ رأت أمامها بنات عمها، وبنات أخيها الصغار، وخلفهم جيهان وكاميليا.
كان الصمت في تلك اللحظة هو سيد الموقف؛ صمت ثقيل لم يستطع أحد قطعه. نظرات متبادلة ومتقاطعة، ممتزجة بمرارة الحزن، وندم يطل من العيون، وحذر شديد يغلف الموقف.
في الداخل، تعجب عدنان ويوسف من تأخر ندى عند الباب دون أن تخبرهم من الزائر. قام تامر بفضول وقلق ليتبين الأمر، وما إن وصل ووقف خلف شقيقته حتى تجمد هو الآخر. سيطر عليه شعور عارم بالقلق؛ ففي عقله دارت آلاف السيناريوهات السوداوية. خشي تامر من حدوث مواجهة جديدة، وشعر أن هذه المرة لن تمر بسلام بوجود يوسف؛ فيوسف رغم ندمه، إلا أنه لن يقبل أبداً أن يُساء لوالده مرة أخرى، خاصة وأن هذه المواجهة ستكون في عقر دارهم وأمام أعين الجميع.
هتفت كاميليا بنبرة حاولت فيها تلطيف الأجواء وإذابة الجليد الذي غلف المكان، ورغم أنها لا تزال تحمل في قلبها غضباً من ندى ومواقفها السابقة، إلا أن هدفها الأسمى كان إتمام هذا اللقاء بسلام ودون أي توتر جديد قد يفسد محاولة الصلح:
ـ إيه يا جماعة؟ مش هتقولوا لنا اتفضلوا ادخلوا ولا هنفضل واقفين على الباب كتير؟
فاق تامر من شروده وصدمته على صوت كاميليا، وهتف بسعادة حقيقية لكنها ممزوجة بالقلق مما قد تسفر عنه الدقائق القادمة:
ـ طبعاً طبعاً.. اتفضلوا، نورتوا البيت. معلش اعذرونا، أصلنا اتفاجأنا بوجودكم.
ابتعدت ندى بهدوء وهي تفسح الطريق لهن للدخول، بينما انحنى تامر يضم بنات أخيه بمرح ومحبة ليخفف من ارتباك الصغيرات، وسار خلف جيهان وكاميليا وهو يمسك بأيدي البنات الصغيرات، لتغلق ندى الباب خلفهم وتتبعهم بخطوات وئيدة نحو الصالة.
عند دخولهم، وقعت عينا يوسف على جيهان، فاعتراه ذهول تام وشحب لونه؛ لم يتوقع أبداً رؤيتها في منزل والده بعد كل ما قيل. ظل يراقب حركاتها بصدمة صامتة، ودار في عقله تساؤل واحد ينهش تفكيره:
ـ هل غفرت لي؟ أم أنها جاءت لتنهي كل شيء؟
في تلك اللحظة، كانت هناك نظرات متبادلة وعميقة بين عدنان وجيهان؛ نظرات كانت بمثابة حوار صامت لم يفهمه أحد غيرهما، حملت في طياتها اعتذاراً غير ملفوظ من طرف، وعتاباً هادئاً وقبولاً ضمنياً من طرف آخر.
كـ.ـسر عدنان هذا الصمت بترحيب وقور، وأشار لهن بالجلوس قائلاً:
ـ نورتي بيتك يا بنتي.. اتفضلوا ارتاحوا.
بينما اتجهت ندى إلى المطبخ لإحضار مشروب ساخن لهن، تاركةً التوتر يملأ أركان الصالة بانتظار الكلمة الأولى التي ستقال.
ضم يوسف ابنتيه بقوة ليعتذر منهم دون إصدار صوت عن الوضع الذي وصلوا إليه الآن، عادت ندى ومعها المشروبات الدافئة لتضعها على الطاولة أمامهم وجلست تراقب ما يحدث بهدوء، لتقرر جيهان قطع هذا الصمت وهتفت بندم حقيقي:
ـ أنا أسفة على كلامي اللي قولته النهاردة يا عمي، مكنتش في وعيي وقتها.. بتمنى تسامحني وأكون لسه في مكانة بنتك زي ما كنت بتقول دايماً.
وقف عدنان من مكانه ليقترب من جيهان التي وقفت أمامه، وكان يوسف يتابع ما يحدث بعدم فهم، فتح عدنان ذراعه لجيهان لتقترب منه ويضمها في حضن أبوي ليهتف بجدية:
ـ مفيش أب بيزعل من ولاده، إنتي بنتي يا جيهان، وكاميليا كمان.
ليهتف تامر بمرح:
ـ بقول أسيب البيت وأمشي!
لتجيبه كاميليا بضحك:
ـ ياريت!
ابتسم الجميع على مزاحهم وجلسوا يتحدثوا معاً، ليتابع يوسف ما يحدث بهدوء، أبى أن يتدخل ويحدث صدام جديد، ولكن هذه المرة سيكون في منزل والده.
في تلك اللحظة، وبينما كان الهدوء يعم الصالة، قررت ندى أن تكسر قيود كبريائها. وقفت فجأة، وجسدها يرتجف بوضوح، واتجهت نحو جيهان ويوسف. وقفت أمامهما والدموع تنهمر على وجنتيها بغزارة، لم تكن دموعاً عادية، بل كانت دموع شخص أدرك أخيراً فداحة ما فعل.
نظرت ندى لوالدها عدنان بنظرة استعطاف، وكأنها ترجوه أن يسامحها من خلال مسامحتهم لها، ثم وجهت حديثها لجيهان وصوتها يتهدج من البكاء:
ـ أنا آسفة.. أنا بجد آسفة يا جيهان على كل كلمة وجعتك بيها، وآسفه يا يوسف على كل مشكلة كنت أنا طرف فيها.. أنا وقفت هنا النهاردة علشان أعتذرلكم قدام بابا، علشان يسامحني هو كمان لأني غلطت في حقكم قبل ما أغلط في حقه.
شهقت ندى وهي تحاول التقاط أنفاسها، وتابعت بندم حقيقي:
ًـ مكنتش أقصد الإساءة ليكم أبداً.. أنا بحبك يا جيهان، بس الغيرة كانت بتأكل قلبي. كنت بشوف يوسف وتامر متعلقين بيكي وبيدافعوا عنك في كل وقت، فكنت بغير.. ظنيت بغبائي إنك إنتي السد اللي بيني وبين يوسف، وإنك إنتي اللي بتبعديه عني.. سامحوني، أنا بجد كنت غلطانة في حساباتي كلها.
خيم صمت مهيب على المكان، يوسف كان ينظر لشقيقته بذهول، لم يتخيل يوماً أن "ندى" القوية العنيدة ستقف هذا الموقف وتعتذر بهذه الحرارة. أما جيهان، فقد تجمدت ملامحها وهي ترى ندى بهذا الضعف والانكـ.ـسار، وشعرت أن جداراً كبيراً من الحقد بدأ يتهاوى في هذه اللحظة.
وقف يوسف أمام ندى، وللحظة تجمدت الدماء في عروقها وشعرت بالخوف من رد فعله، ظنت أنه سيوبخها على سنوات المشاحنات، لكنه فاجأ الجميع حين جذبها إليه وضمها بقوة بين ذراعيه، وهتف بصوت مخلص هز أركان الصالة:
ـ أنا عمري ما بعدت عنك.. دايماً موجود معاكي. مش معنى إني اتجوزت يبقى نسيتك، إنتي أختي الصغيرة يا ندى.
أغمض يوسف عينيه بأسى، وكأن حملاً ثقيلاً انزاح عن صدره، وتابع بنبرة يملؤها لوم الذات:
ـ أنا اللي غلطت لما أهملتك وانشغلت في حياتي ومشاكلي.. إنتي كمان سامحيني يا حبيبتي.
كانت كاميليا تراقب المشهد وتختلس النظر لشقيقتها التي تتابع ما يحدث بهدوء شديد وعمق، وكأنها تزن الأمور بميزان جديد. ابتعدت ندى عن حضن أخيها، واتجهت بخطوات مرتجفة نحو جيهان، وقفت أمامها وعيناها غارقتان بالدموع، لتفاجئها جيهان بابتسامة صافية ونبرة صادقة:
ـ أنا مش زعلانة منك يا ندى.. ورغم كل اللي حصل بينا، لسه غلاوتك في قلبي زي أختي بالظبط.
لم تتمالك ندى نفسها أمام هذا الصفاء، فاندفعت تضم جيهان بقوة وانخرطت في نوبة بكاء حاد ومرير، فاحتضنتها جيهان بحنان وهي تحاول تهدئتها، هامسة في أذنها بأنها نسيت كل ما مضى، وأن اليوم هو بداية لصفحة جديدة بيضاء بينهما.
في تلك اللحظة، تنفس عدنان الصعداء وشعر بارتياح طفيف بدأ يتسلل إلى قلبه وهو يرى شمل أبنائه يلتئم، لكنه رغم هذا المشهد لم ينسَ أن الطريق لا يزال طويلاً، فمازال أمامه مهمتان عظيمتان عليه حلهما ليعيد الاستقرار الحقيقي لهذا البيت.
في وسط هذا الصفاء المفاجئ، قرر عدنان أن يضرب حديد الصلح وهو ساخن، فالتفت إلى جيهان وقال بنبرة آمرة لكنها تحمل في طياتها الكثير من الخوف على تشتت عائلته:
ـ يا بنتي، البيت هنا واسع ويسعنا كلنا.. أنا قررت إنك إنتي وكاميليا والبنات تنقلوا تعيشوا معايا هنا، عشان عيني تبقى عليكم وأطمن إنكم وسطنا ومحدش يقدر يمسكم بكلمة.
ساد صمت مطبق بعد هذا الطلب؛ كان يوسف يراقب ملامح جيهان بحذر شديد وقلبه يخفق بشدة، يتمنى بكلمة منها أن توافق ليرمم ما انكسر، لكنه كان يعلم أن جيهان لم تعد تلك المرأة التي تُساق بكلمة.
أما جيهان، فقد شعرت بضيق في صدرها؛ ففكرة العودة لهذا المنزل بكل ما فيه من ذكريات وأشباح ماضٍ لم تُدفن بعد، كانت تفوق قدرتها على الاحتمال. نظرت جيهان إلى شقيقتها كاميليا نظرة استغاثة صامتة، نظرة توسل وكأنها تقول لها: "أنقذيني من هذا الموقف، لا أريد العودة للقيود مجدداً"
فهمت كاميليا الرسالة فوراً من عيني شقيقتها، فاعتدلت في جلستها وحاولت أن ترد بدبلوماسية لتخفف من حدة الرفض أمام عدنان ويوسف:
ـ يا عمي، إحنا مقدرين جداً خوفك علينا وده عشمنا فيك دايماً.. بس..
تحدثت جيهان بهدوء وثبات، ورغم رقة صوتها إلا أن كلماتها كانت حاسمة كالسيف، فقالت وهي تنظر لعمها:
ـ يا عمي، أنا دلوقتي بسعى لبناء حياة جديدة، حياة خالية من أي توترات أو صراعات.. أنا كل اللي يهمني إن بناتي يعيشوا في جو هادي ومستقر بعيد عن المشاكل اللي شافوها، وعلشان كدة وجودنا في بيتنا المستقل هو الأنسب لينا في المرحلة دي.
وقعت الكلمات على يوسف كالصاعقة؛ لم تكن جيهان ترفض السكن في منزل والده فحسب، بل كانت تعلن استقلالها النهائي. تأكد يوسف في تلك اللحظة، ومن نبرة صوتها التي لا رجعة فيها، أنها لن تعود إليه مهما حدث، وأن صفحة زواجهما قد طويت في نظرها للأبد.
لم يحتمل يوسف البقاء ثانية واحدة وهو يرى حلمه ينهار أمام عينيه، فنهض وغادر المكان سريعاً دون أن ينطق بكلمة، والكسرة تملأ ملامحه. نظر تامر لوالده بيأس شديد، فقد كان يدرك أن الشرخ الذي حدث أكبر من أن يرممه مجرد اعتذار.
أما جيهان، فقد شعرت بأن طاقتها قد نفدت، فاستأذنت من عمها قائلة بنبرة مجهدة:
ـ بعد إذنك يا عمي.. أنا لازم أمشي دلوقتي، حاسة بتعب ومحتاجة أرتاح.
تنهد عدنان بيأس عميق، فقد أدرك أن الجروح التي حفرتها السنوات لا تُشفى بجلسة واحدة، وبحركة مثقلة بالهموم سمح لهن بالمغادرة. قام تامر على الفور ليقوم بتوصيلهن، محاولاً بوجوده اللطيف أن يخفف من ثقل الصمت الذي خيم على طريق العودة.
بمجرد وصولها إلى المنزل، اتجهت جيهان إلى غرفتها مباشرة، أغلقت الباب خلفها واستندت إليه وهي تحاول التقاط أنفاسها. بدأت شريط أحداث اليوم يمر أمام عينيها، وتوقفت طويلاً عند صورة يوسف؛ صورته وهو يغادر المنزل بكسرة لم ترها فيه من قبل، نظراته التي كانت تتسول منها نظرة رضا واحدة، وحالته المنهارة التي كادت أن تضعف حصونها.
لكنها سرعان ما استرجعت كل لحظة ألم، وكل ليلة نامت فيها مكسورة الخاطر بسبب إهماله وسلبيته. مسحت دمعة تائهة فرت من عينيها، وهمست لنفسها بإصرار وجبروت امرأة ذاقت المرار:
ـ مش هتراجع.. المرة دي مفيش رجوع يا يوسف. وجع يوم، ولا وجع كل يوم.
كانت تعلم أن قلبها لا يزال ينبض بذكرياته، لكن عقلها كان قد اتخذ قراره النهائي: الكرامة والهدوء أهم من الحب الذي لم يحمِها يوماً.
❈-❈-❈
مع إشراقة يوم جديد، كان الحزم هو عنوان كاميليا؛ فقد قررت العودة إلى الشركة، ولم تقبل هذه المرة أن تترك شقيقتها وحيدة في المنزل لتغرق في أفكارها. ورغم رفض جيهان المتكرر في البداية، وتفضيلها الابتعاد عن أي مكان يجمعها بيوسف، إلا أن إصرار كاميليا كان أقوى، لتجدا نفسيهما في النهاية أمام مبنى الشركة.
بمجرد وصولهما، اتجهت جيهان بخطوات سريعة نحو مكتبها، محاولةً الانغماس في العمل لتهرب من ضجيج مشاعرها. أما كاميليا، فكان لها رأي آخر؛ فرغم غضبها العارم من يوسف وتحميله مسؤولية كل ما حدث، إلا أنها بحدسها الأنثوي وبكونها الأقرب لجيهان، تعلم يقيناً أن شقيقتها لن تستطيع العيش بدونه طويلاً، وأن هذا البعد ما هو إلا جرح ينزف من الطرفين.
طرقت كاميليا باب مكتب يوسف ودخلت دون انتظار. تفاجأ يوسف تماماً من وجودها، انتفض من مقعده وعيناه التي لم تذق النوم كانت تبحث خلفها عن طيف جيهان، لكنه وجد كاميليا تقف أمامه بنظرات حادة ومختلطة.
يوسف بدهشة وارتباك:
ـ كاميليا؟! مش معقول.. جيهان معاكي؟ هي كويسة؟
نظرت إليه كاميليا مطولاً قبل أن تجيب، كانت تحاول قراءة الندم في عينيه، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها تحمل الكثير من العتاب:
ـ جيهان في مكتبها يا يوسف.. رجعت الشغل علشان هي قوية، مش علشان هي نسيت. أنا جاية أتكلم معاك مش بصفتي أختها، أنا جاية أتكلم بصفتي الشخص اللي شايفكم وأنتم بتدمروا نفسكم بإيديكم.
كان يوسف ينصت إليها وكأنه يتعلق بقشة، بانتظار أي إشارة تخبره أن هناك فرصة ولو ضئيلة لإصلاح ما انكسر.
أغلق يوسف باب مكتبه بسرعة، ونظر إلى كاميليا بلهفة كغريق وجد طوق نجاة، سألها بصوت مبحوح:
ـ قوليلي يا كاميليا.. أعمل إيه؟ أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحني، أنا الدنيا اسودت في عيني لما شفتها بتبعد عني إمبارح.
تنهدت كاميليا بعمق، واقتربت من مكتبه قائلة بنبرة خفيضة وصادقة:
ـ بص يا يوسف.. جيهان مش محتاجة وعود، هي شبعت وعود وكلام. جيهان محتاجة تحس إنك بقيت "سند" حقيقي، مش مجرد زوج في البيت. هي دلوقتي بتبني لنفسها كيان في الشركة دي، لو عايز توصل لقلبها، ابدأ من هنا.
تابع يوسف كلامها بتركيز شديد، لتكمل هي:
ـ ساعدها في الشغل من بعيد لبعيد، حسسها إنك فخور بنجاحها مش خايف منه. وبلاش تضغط عليها بالكلام عن الرجوع دلوقتي، خلي أفعالك هي اللي تتكلم. جيهان لسه بتحبك يا يوسف، بس حبها دلوقتي مستخبي ورا جرح كبير، لو داويت الجرح ده بصبرك، هي اللي هترجعلك.
لمع الأمل في عيني يوسف، وسألها بامتنان:
ـ يعني إنتي شايفة إن فيه أمل؟
ابتسمت كاميليا بهدوء وأجابته:
ـ الأمل موجود، بس المرة دي مفيش مجال للغلط. أنا هساعدك وهقولك هي بتفكر في إيه، بس توعدني إنك المرة دي هتكون الراجل اللي جيهان كانت بتتمناه طول عمرها، وتنسى تماماً سلبيتك القديمة.
هز يوسف رأسه بقوة وعزم، وشعر لأول مرة منذ أيام أن هناك ضوءاً في نهاية النفق، بينما كانت كاميليا تخطط في سرها لكيفية تقريب المسافات بينهما دون أن تشعر جيهان بالضغط.
تحدثت كاميليا معه لبعض الوقت، وضعت خلاله النقاط على الحروف وفتحت له باب الأمل، ثم غادرت لتباشر عملها. جلس يوسف في مكتبه غارقاً في أفكاره، يرسم ملامح خطته القادمة لاستعادة جيهان وكسب ثقتها من جديد، معاهداً نفسه ألا يخذلها هذه المرة.
انقضى الأسبوع سريعاً، وحلّ اليوم الموعود؛ يوم خطوبة ندى وفارس. كانت الأجواء تضج بالتحضيرات، وفي الموعد المحدد، انطلقت جيهان وكاميليا برفقة البنات في سيارة تامر، الذي كان يقود وبجواره والده عدنان، وعلامات الرضا والهدوء تكسو ملامحهم.
وفي الاتجاه الآخر، وأمام قاعة الاحتفال، كان يوسف قد وصل بالفعل، ولكن لم يكن وحده؛ بل كان يرافقه نور وسميرة التي جاءت بصحبة أطفالها.
التقى الجميع عند مدخل القاعة؛ نظرات متقاطعة حملت الكثير من المعاني.. نظرة يوسف التي تعلقت بجيهان فور رؤيتها، ونظرة جيهان التي حاولت الثبات رغم اضطراب ضربات قلبها، في حين كان وجود سميرة وأطفالها يضفي طابعاً عائلياً جديداً على هذا اللقاء.
رغم النيران المشتعلة بينها وبين سميرة، إلا أن جيهان لم تخلط يوماً بين صراعات الكبار وبراءة الصغار؛ فبمجرد أن رأت أطفال سميرة، اقتربت منهم بلهفة حقيقية وضمتهم إلى صدرها وقبلتهم بحنان، فهي أحبتهم بصدق بعيداً عن أي حسابات.
دخل الجميع إلى القاعة، بينما ظل تامر ويوسف في الخارج يقفان جنباً إلى جنب لاستقبال المعازيم، في حين آثر عدنان الدخول والجلوس مبكراً بسبب شعوره المفاجئ بالإرهاق وثقل مجهود اليوم عليه.
وبعد فترة وجيزة، أطلّت العروس ندى وبجوارها فارس، ليدخلا القاعة في زفة خطفت الأنظار، لتبدأ الحفلة وتتعالى الموسيقى وتتشابك نظرات الحاضرين في أجواء مليئة بالترقب.
كانت ندى تتمايل مع فارس على نغمات موسيقى هادئة، غارقة في عالمها الخاص، بينما كانت الأعين تراقبهما بحب. في تلك اللحظة، اقترب تامر من كاميليا وعرض عليها الرقص بمرحه المعتاد؛ ترددت كاميليا للحظة وتابعت رد فعل الحاضرين، لكن ابتسامة جيهان المشجعة لها كانت الضوء الأخضر الذي تحتاجه، لتضع يدها في يده وينضما إلى الساحة بانسجام لافت.
أما يوسف، فكان يقف بعيداً وقلبه ينبض بعنف، كانت رغبته في الاقتراب من جيهان ومطالبتها برقصة تعيد لهما ذكريات قديمة تسيطر عليه تماماً، لكنه كبح جماح نفسه في اللحظة الأخيرة. نظر بحذر إلى حيث تجلس نور وسميرة، وأدرك أن أي خطوة متهورة منه الآن قد تشعل فتيل صدام جديد لا تحمد عقباه، صدام يعلم يقيناً أنه لو حدث في هذه الليلة، سيكون المسمار الأخير في نعش علاقته بجيهان والنهاية المحتومة لكل شيء.
اكتفى يوسف بمراقبة جيهان من بعيد، بعينين يملؤهما الشوق والندم، بينما ظلت جيهان محتفظة بهدوئها، رغم علمها التام بأن نظراته لم تفارقها منذ بداية الحفل.
يتبع...

❤️❤️❤️❤️
ايه القرف ده هى هترجعله 🤮