بيت الضراير - الفصل 22 | فاطمة الزهراء

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الثاني والعشرون

تم النشر الخميس 

19/3/2026


"تنويه: 

يُرجى من المتابعين قراءة الفصل إلى نهايته والتركيز في الأحداث جيداً لبلوغ الهدف من بقية الأحداث.


استغلت نور انشغال الجميع، وقررت أن تذهب إلى يوسف، مدفوعة برغبتها في إثبات ملكيتها له أمام صديقاتها المتواجدات في الحفل. اقتربت منه بدلال مصطنع، وطلبت منه أن يرقص معها وسط القاعة، ظناً منها أنها بهذه الخطوة ستنجح في تقريبه إليها من جديد ولفت أنظار الجميع إليهما كزوجين.

لكن رد يوسف جاء مخيباً لآمالها تماماً؛ إذ اعتذر منها ببرود وجدية، مخبراً إياها أنه مشغول حالياً باستقبال المعازيم ولا يمكنه ترك مكانه. لم تملك نور سوى أن تبتلع إحراجها، وعادت لتجلس في مكانها بملامح يكسوها الغضب العارم، وهي تشتعل من الداخل بعد أن فشلت محاولتها في استعراض مكانتها أمامه وأمام الجميع.

نظرت سميرة إلى جيهان التي كانت تجلس بهدوء يخطه الوقار، وشعرت برغبة قوية في الحديث معها، فاقتربت منها وجلست بجوارها، وقالت بصوت خفيض يملؤه الحزن:

ـ عارفة يا جيهان.. البيت من غيرك مالوش روح، كل ركن فيه بيسأل عليكي.. أنا بجد بفتقد وجودك معانا، ومكنتش متخيلة إن غيابك هيأثر فينا كدة.

التفتت إليها جيهان وهدوء غريب يكسو ملامحها، ورغم الجراح التي تسببت فيها سميرة يوماً ما، إلا أنها أجابتها بنبل وترفع:

ـ صدقيني يا سميرة، اللي حصل ده هو الأفضل للكل.. كل واحد فينا محتاج يعيد حساباته ويرتب حياته من جديد بعيد عن الضغط.

تابعت جيهان بابتسامة صافية جعلت سميرة تخجل من نفسها:

ـ وأنا مش شايلة منك أي حاجة رغم كل اللي حصل بيننا زمان.. لو وحشتك في أي وقت، بيتي مفتوح ليكي تقدري تيجي تزوريني إنتي والأولاد في أي وقت، وهتنورينا.

نظرت سميرة إلى جيهان برجاء، وقالت لها بصوت يحمل نبرة إلحاح حقيقية:

ـ طب وليه يا جيهان؟ ليه مترجعيش وتنسي كل اللي فات؟ يوسف بجد اتغير، والبيت محتاجلك.. بلاش تضيعي اللي باقي من عمركم في البعد.

ساد صمت قصير، أخذت فيه جيهان نفساً عميقاً وهي تنظر لندى وفارس وهما يرقصان، ثم التفتت لسميرة وقالت بكل هدوء وثقة:

ـ يا سميرة، في حاجات لما بتنكـ.ـسر صعب ترجع زي الأول.. النسيان مش بكلمة بنقولها، النسيان ده محتاج وقت ومجهود كبير أوي. أنا مش بقول إني كرهت، بس بقول إني ارتحت.. ارتحت من التوتر ومن الصراعات. الرجوع دلوقتي معناه إني بضحي براحة بالي اللي لسه لقياها، وأنا مش مستعدة أعمل كدة تاني.

أكملت جيهان وهي تضع يدها على يد سميرة:

ـ الماضي متمسحش، هو بس انطوى.. وخليني كدة أحسن، خليني ذكرى كويسة في حياتكم بدل ما نرجع ونخسر بعض للأبد.

لم تجد سميرة كلمات ترد بها على منطق جيهان القوي، في حين كان يوسف يراقبهما من بعيد وقلبه يكاد يقفز من مكانه، يتمنى لو يعرف ماذا يدور في هذا الحوار، وهل تذكر جيهان اسمه بالخير أم لا.

انتهت الرقصة، وعادت كاميليا لتجلس بجوار جيهان وهي تلتقط أنفاسها بابتسامة، ومرّ الحفل بهدوء حذر، حيث فضل الجميع الصمت على إثارة أي زوابع أخرى في تلك الليلة. ومع نهاية السهرة، غادر الجميع القاعة متجهين إلى منازلهم، والقلوب تحمل مزيجاً من الراحة والترقب.

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي، كانت جيهان غارقة في أوراقها بمكتبها، حتى قاطع صمتها طرقات خفيفة على الباب. دخلت السكرتيرة وهي تحمل بوكيه ورد أحمر يخطف الأنظار، وضعته أمامها على المكتب وقالت بابتسامة رقيقة:

ـ ده وصل لحضرتك حالاً يا بشمهندسة.

لم تفتح جيهان الكارت، ولم تسأل عن الراسل؛ فقد أخبرها قلبها فوراً أن يوسف بدأ في تنفيذ وعوده بالتقرب منها. تجاهلت الورد تماماً وأكملت عملها بجمود مفتعل، لكن رائحة الورد التي ملأت المكان كانت تذكرها بوجوده في كل لحظة.

على الجانب الآخر، وفي مكتب كاميليا، دخل تامر بملامح جادة وهادئة، ووقف أمام مكتبها قائلاً:

ـ كاميليا.. محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم، بس مش هنا. ممكن تخرجي معايا شوية في أي مكان هادي بعيد عن ضغط الشركة والعيون اللي حوالينا؟

ترددت كاميليا للحظة، لكنها شعرت أن تامر يحمل الكثير في جعبته، فوافقت وهزت رأسها. توجهت لمكتب جيهان لتخبرها:

ـ جيهان، أنا خارجة مع تامر شوية، محتاج يتكلم معايا في حاجة.. مش هغيب عليكي.

أومأت جيهان لها بالموافقة، لترحل كاميليا مع تامر إلى أحد الأماكن الهادئة المطلة على النيل. جلسا لبعض الوقت في صمت، حتى بدأ تامر الحديث وهو ينظر للأفق:

ـ كاميليا.. أنا عارف إن الفترة اللي فاتت كانت صعبة على الكل، وعارف إنك شايلة هم جيهان أكتر من نفسك.. بس أنا النهاردة مش جاي أتكلم عن يوسف وجيهان، أنا جاي أتكلم عننا إحنا.

ساد الصمت للحظات في ذلك المكان الهادئ، قبل أن يقطعه تامر بنبرة يملؤها العتاب الممزوج بالحب، فنظر إلى كاميليا وقال:

ـ كاميليا، أنا مش قادر أصبر أكتر من كدة.. إحنا كنا مخططين إن فرحنا يكون أول ما ترجعي، بس فجأة كل حاجة اتغيرت وإنتي بدأتِ تبعدي وتتراجعي. قوليلي بصراحة، إيه اللي غيرك من ناحيتي؟

تنهدت كاميليا بعمق، والوجع يظهر في عينيها وهي تفكر في حال شقيقتها، وأجابته بصدق:

ـ خايفة يا تامر.. خايفة أكرر معاناة جيهان. إيه الضمان إنك متعملش زي يوسف؟ إيه اللي يضمن لي إنك مش هتيجي في يوم وتتزوج عليا وتكـ.ـسر قلبي زي ما أخوك عمل؟

اقترب تامر منها وقال بصوت حازم وصادق:

ـ الضمان هو حبي ليكي يا كاميليا.. أنا بحبك بجد، ومستحيل أحط نفسي ولا أحطك في الموقف ده.

ابتسمت كاميليا بمرارة وردت عليه:

ـ يوسف كمان كان بيحب جيهان يا تامر، وكانوا مثال للحب، وفي النهاية شفت حصل إيه.. الحب لوحده مش كفاية عشان يحميني من المصير ده.

أمسك تامر يديها وقال بإصرار:

ـ أنا مش يوسف.. كل واحد فينا ليه شخصيته وطباعه. يوسف غلط، وأنا اتعلمت من غلطه قبل ما أقع فيه. متظلمنيش بذنب غيري يا كاميليا.

نظرت إليه كاميليا طويلاً، ورغم التردد والخوف الذي يسكن أعماقها من أن تعيش مأساة شقيقتها، إلا أن صدق نظرات تامر جعل حصونها تنهار قليلاً. صمتت للحظة ثم قالت بحسم:

ـ أنا موافقة يا تامر.. بس عندي شرط واحد ملوش تاني.

أجابها تامر بلهفة:

ـ أنا موافق على أي شرط، قولي.

ـ تروح لجيهان الأول.. تطلبني منها وتطلب الزواج مني من جديد قدامها. لازم جيهان تحس إن وجودها وقيمتها في حياتنا ملهاش علاقة بخلافاتها مع يوسف، ولازم هي اللي تبارك الخطوة دي.

تهللت أسارير تامر، وشعر بسعادة غامرة لم تسعها الأرض، فقام على الفور وهو يقول:

ـ وده أغلى شرط وأنا هنفذه حالاً.. يلا بينا نرجع الشركة.

غادرا المكان والابتسامة لا تفارق وجه تامر، بينما كانت كاميليا تشعر بمزيج من الفرح والقلق، تتساءل كيف سيكون رد فعل جيهان على هذا الخبر.

في أروقة الشركة، كانت جيهان تشعر بضغط الوقت؛ فالمشروع الجديد يتطلب وجودها الميداني لمتابعة أدق التفاصيل، لكن عدم تواجد تامر وضرورة وجود سيارة تقلها لموقع العمل جعلاها تخطو في مكتبها ذهاباً وإياباً بتوتر ملحوظ.

قطع هذا التوتر صوت طرقات منتظمة على الباب، وما إن أذنت بالدخول حتى تجمدت مكانها لرؤية يوسف أمامها. دخل بهدوء وسألها بنبرة مهنية عن آخر تطورات المشروع الأخير، لكن عينيه الخبيرتين لاحظتا اضطرابها فوراً. ظن في البداية أن وجوده هو السبب، فسألها بحذر عما يزعجها، لتخبره بحاجتها الماسة للذهاب للموقع وعدم وجود تامر.

لم يتردد يوسف للحظة، بل وجدها فرصة ذهبية ليثبت لها وجوده كـ "سند" كما نصحته كاميليا، فاقترح عليها بحزم:

ـ مفيش مشكلة يا جيهان، أنا موجود.. هطلع معاكي بنفسي عشان نتابع الشغل سوا، والسيارة موجودة.

رغم التردد الذي غلف ملامحها، إلا أن حاجة العمل كانت أقوى، فأومأت بالموافقة. أحضر يوسف مفاتيحه وانطلقا معاً، وفي البداية ساد صمت ثقيل داخل السيارة، لم يقطعه سوى صوت المحرك.

لكن، ومع مرور الوقت، بدأ يوسف يشعر بحاسة السائق الخبير أن هناك أمراً غير طبيعي. كان ينظر في المرآة العاكسة بشكل متكرر، وضيق عينيه وهو يلاحظ سيارة سوداء تلاحقهم وتلتزم بنفس مسارهم ومنعطفاتهم منذ لحظة خروجهم من مبنى الشركة.

انتبهت جيهان هي الأخرى لنظراته المتوترة، والتفتت للخلف لتكتشف ذات الحقيقة؛ السيارة لا تزال هناك، تتبعهم بانتظام مريب.

جيهان بنبرة قلقة: 

ـ يوسف.. العربية اللي ورانا دي مغيرتش طريقها من وقت ما خرجنا، إنت ملاحظ اللي أنا ملاحظاه؟

قبض يوسف على مقود السيارة بقوة، وزاد من سرعته قليلاً ليختبر السيارة التي خلفه، والتي زادت سرعتها هي الأخرى فوراً.

يوسف بصوت منخفض وجاد: 

ـ ملاحظ يا جيهان.. وشكلها مش مجرد صدفة. خليكي هادية، وأنا هحاول أتوه منهم في المنعطف الجاي.

كانت أنفاس جيهان تتلاحق وصدرها يعلو ويهبط من أثر الخوف، بينما كان يوسف يقود ببراعة وهو يراقب المرآة حتى تأكد تماماً أن السيارة الغامضة قد تاهت في الزحام واختفت. مسح يوسف حبات العرق عن جبينه، وبدلاً من إكمال الطريق للموقع، انحرف فجأة تجاه مطعم هادئ على أطراف الطريق.

ترجلت جيهان من السيارة وهي لا تزال ترتجف، وقالت بنبرة مستنكرة:

ـ إنت وقفت هنا ليه يا يوسف؟ إحنا لازم نروح الموقع، والناس مستنيانا هناك!

نظر إليها يوسف بنظرة حانية وقوية في آن واحد، وقال وهو يشير لها بالجلوس:

ـ الموقع مش هيطير يا جيهان.. إنتي وشك بقى لونه أبيض من الخوف، وإيدينا إحنا الاتنين لسه بتترعش. مش هعرف أسوق ولا هتعرفي تركزي في الشغل وإحنا كدة.. لازم نستجمع أعصابنا الأول.

جلسا في ركن هادئ، وطلب يوسف عصير ليمون مثلجاً ليهدئ من روعها. ساد صمت طويل، قطعته جيهان وهي تحاول الهروب من نظراته:

ـ تفتكر مين دول؟ وليه كانوا ماشيين ورانا؟

أجابها يوسف بهدوء: 

ـ مش عايزك تشغلي بالك دلوقتي، أنا هتصرف وأعرف هم مين.. المهم إنك بخير.

حاول يوسف استغلال هذه اللحظة النادرة من الهدوء بينهما، فبدأ يتحدث بنبرة مهنية ليزيل التوتر:

ـ بمناسبة الموقع.. الصفقة الجديدة اللي إنتي صممتي عليها، أنا درستها تاني ولقيت إن وجهة نظرك في توفير الخامات كانت عبقرية، فعلاً هتفرق معانا في الميزانية جداً.

رفعت جيهان عينيها إليه، وشعرت لأول مرة منذ زمن بتقديره الحقيقي لعملها، فأجابت بنبرة أهدأ:

ـ شكراً يا يوسف.. أنا بس حاولت أعمل اللي يضمن نجاح المشروع.

بعد أن هدأت أعصابهما تماماً، نهض يوسف وقال بابتسامة خفيفة:

ـ دلوقتي نقدر نروح الموقع وإحنا مركزين.. يلا بينا؟

بعد مرور حوالي ساعتين من العمل المتواصل، غادرا الموقع وبدأا طريق العودة. كان يوسف يحاول فتح حديث جانبي ليلطف الأجواء، لكنه فجأة شعر بتصلب في دواسة الفرامل. حاول الضغط مرة وأخرى، لكن السيارة لم تستجب، وبدأت السرعة تزداد بشكل جنوني في طريق منحدر.

تغيرت ملامح يوسف تماماً، وظهر الرعب في عينيه وهو يصارع المقود. لاحظت جيهان ارتباكه وسألت بصوت مرتعش:

في إيه يا يوسف؟ السرعة بتزيد ليه كدة؟!

يوسف بصراخ وهو يحاول السيطرة: 

ـ الفرامل مفيش.. الفرامل مش شغالة يا جيهان!

تملك الرعب من جيهان وتجمدت الدماء في عروقها. كان يوسف يرى سيارة نقل كبيرة تقترب منهم بسرعة، فأدرك أن التصادم وشيك وأن حياتها في خطر، فصرخ فيها آمراً إياها:

ـ افتحي الباب يا جيهان! ارمي نفسك من العربية حالاً.. بسرعة!

لكن جيهان، من فرط صدمتها وخوفها، لم تستطع تحريك طرف؛ كانت تنظر إلى سيارة النقل التي أصبحت أمامهم مباشرة وهي تصرخ باسمه. في لحظة انتحارية، حاول يوسف حرف السيارة ليجعل الاصطدام من جهته هو ليحميها، لكن القدر كان أسرع..

دوى صوت اصطدام مروع هزّ أركان المكان، حيث ارتطمت سيارة يوسف بمؤخرة سيارة النقل الكبيرة، وتطاير الحطام في كل مكان، ، ليسود الصمت القاتل فجأة بعد ضجيج المعدن المحطم.

❈-❈-❈

هرعت سيارات الإسعاف إلى مكان الحادث، كانت الدماء تغطي حطام السيارة وصوت السرينة يملأ المكان بالرهبة. تم نقل يوسف وجيهان وهما في حالة حرجة جداً بين الحياة والموت. وبمجرد أن عثرت الشرطة على هوياتهما، أجرت اتصالاً عاجلاً بـ تامر.

في تلك اللحظة، كان تامر يسير في ممرات الشركة بجوار كاميليا، وقلبه يرقص فرحاً وهو ينوي إخبار جيهان بموافقة شقيقتها على الزواج. رن هاتفه، وبمجرد أن استمع للطرف الآخر، تحول وجهه إلى شحوب الموت. سقطت الكلمات منه كالصاعقة، ونظر لكاميليا بنظرة رعب لم ترها من قبل.

جذبها من يدها بقوة وهو يركض تجاه المخرج، كانت كاميليا تترنح خلفه وكادت تسقط أكثر من مرة وهي تصرخ:

ـ في إيه يا تامر؟ شدني كدة ليه؟ وقعت قلبي!

لم يرد عليها إلا بكلمات مخنوقة وهو يشغل محرك السيارة بأقصى سرعة:

ـ المستشفى يا كاميليا.. لازم نروح المستشفى حالاً!

وضعت كاميليا يدها على قلبها وظنت أن والده عدنان هو من ساءت حالته، فسألته بصوت مرتعش:

ـ عمي عدنان جرى له حاجة؟ طيب وجيهان فين؟ ويوسف؟ مش لازم نقولهم؟

التفت إليها تامر، والدموع تحتبس في عينيه بصعوبة، وصوته يخرج مبحوحاً:

ـ جيهان ويوسف في المستشفى.. هما اللي عملوا الحادثة يا كاميليا.

نزلت الكلمات على كاميليا كالجمر، ولم تنطق بحرف من فرط الصدمة. وصل تامر إلى المستشفى في وقت قياسي، ركض نحو الاستعلامات يسأل عن المصابين الذين أتوا في "حادث السيارة الكبير". أخبروه بلهجة حادة أن الحالات حرجة جداً وهم الآن في غرفة العمليات.

صعدا للأعلى وهما يركضان، وما إن وصلا أمام أبواب العمليات حتى تجمدت كاميليا مكانها. نظرت للباب المغلق ثم نظرت لتامر بذهول، وهي تحاول استيعاب كيف تحول يوم فرحتها إلى هذا الكابوس، ولماذا كانا معاً في سيارة واحدة أصلاً؟

خرجت ممرضة من الداخل بسرعة، ليركض نحوها تامر وهو يصرخ:

ـ طمنيني يا أنسة.. أخويا ومراته حالتهم إيه؟

أجابتهم الممرضة بنبرة مقتضبة تفيض بالقلق: 

ـ الحالات صعبة جداً، النزيف داخلي ومحتاجين دعواتكم.

ثم اختفت خلف أبواب العمليات مسرعة.

انهارت كاميليا وجلست على الأرض، وضعت يدها على رأسها وهي تجهش بالبكاء، ففكرة فقدان شقيقتها وسندها الوحيد كانت تفوق قدرتها على الاحتمال. أما تامر، فكان يذرع الممر ذهاباً وإياباً، عقله يشتعل بالتفكير؛ فبجانب الرعب على شقيقه وجيهان، كان يخشى على قلب والده عدنان.

أخرج هاتفه واتصل بـ ندى، وحاول قدر الإمكان أن يبدو طبيعياً وقال لها:

ـ خلي بالك من البنات عندك، احتمال نتأخر شوية النهاردة في الشغل.. متخليش حد يقلق.

لكن ندى لم تكن ساذجة، فشعرت بارتعاشة صوته وسألته بلهفة:

ـ مال صوتك يا تامر؟ إنت كويس؟ يوسف وجيهان فين؟ ليه مش بيردوا؟

تامر وهو يحاول الثبات: 

ـ أنا بخير يا حبيبتي، بس ضغط شغل.. اقفلي دلوقتي ولما نخلص هنرجع ونفهمك كل حاجة.

أغلق الهاتف قبل أن تتمادى في الأسئلة، فكان قراره حازماً؛ لن يخبر والده أو أحداً في المنزل حتى يطمئن على استقرار حالتهم، فخبر كهذا قد ينهي حياة والده المنهك في لحظة.

كانت تلك الساعتان بالنسبة لـ كاميليا أطول من سنوات؛ شعرت فيها أن عقارب الساعة قد تجمدت تماماً، وكل دقيقة تمر كانت تنهش في أعصابها. وأخيراً، انفتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب بملامح يكسوها الحزن والإرهاق، فاندفع نحوه تامر بلهفة:

ـ طمني يا دكتور.. أرجوك قول إنهم بخير!

أخذ الطبيب نفساً عميقاً وأجاب بصوت خفيض:

ـ بالنسبة للأستاذ يوسف، هو اتعرض لنزيف داخلي وسيطرنا عليه، وفي كسر مضاعف في إيده ورجله الشمال.. حالته حالياً شبه مستقرة، بس هيحتاج وقت للعلاج.

هنا وقفت كاميليا بصعوبة، وصوتها يرتجف من الرعب:

ـ وجيهان؟ أختي فين يا دكتور؟ ليه مخرجتش معاه؟

نظر الطبيب للأرض لحظة قبل أن يواجهها بالحقيقة المرة:

ـ للأسف المدام إصابتها كانت بالغة جداً وفي مكان صعب.. النزيف كان شديد، واضطرينا لعمل جراحة عاجلة وبتر قدمها اليمين عشان ننقذ حياتها.

لم تكد كاميليا تسمع الكلمة حتى دارت بها الأرض، شعرت وكأن هواء القاعة قد نفد، وغامت الرؤية أمام عينيها وكادت تسقط جثة هامدة، لولا أن تامر كان أسرع منها، فجذبها بقوة وأسندها حتى جعلها تجلس على الكرسي وهو يهمس لها بكلمات لم تسمعها من شدة الصدمة.

ترك تامر كاميليا في حالة ذهولها وعاد للطبيب، وصوته يرتجف:

ـ يعني هي فاقت يا دكتور؟ حالتها إيه دلوقتي؟

ـ للأسف هي كانت الأكثر تضرراً من الاصطدام، وحالتها لسه غير مستقرة تماماً.. إحنا عملنا اللي علينا ودلوقتي هي تحت الملاحظة الدقيقة في العناية المركزة، وأي تطور هبلغكم بيه فوراً.

غادر الطبيب تاركاً تامر يصارع دموعه، وكاميليا غارقة في صمت موحش؛ كانت تفكر في جيهان، المرأة المليئة بالحيوية والجمال، كيف ستتقبل واقعها الجديد؟ وكيف سيواجه يوسف نفسه بعدما تسبب في هذه المأساة؟


يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة  فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة


1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل