بيت الضراير - الفصل 19 | فاطمة الزهراء

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل التاسع عشر

تم النشر الأحد 

8/3/2026


وقف عدنان في منتصف الصالة يوزع نظراته بين الغرف بشتات؛ فداخله صراع لا يهدأ، يرفض فكرة ترك كاميليا وحدها في هذه الحالة، لكن الخيارات أمامه معدومة. نظر لـ يوسف المسؤول عن هذا الانهيار، ثم لـ تامر الذي لا يصح بقاؤه، وحين فكر في منزله، تذكر ابنته ندى؛ فالعلاقة وصلت لطريق مسدود، ويعلم يقيناً أن جيهان وكاميليا لا تطيقان ذكر اسم ندى، ولن تقبلا أبداً أن تجمعهما جدران واحدة بها بعد كل ما حدث.

لاحظت كاميليا نظرات عدنان المشتتة وصمته الطويل الذي ينم عن محاولة إيجاد حل، فرفعت رأسها بكبرياء وقطعت هذا الصمت قائلة بوضوح:

ـ عمي عدنان.. إحنا هنفضل هنا في بيتنا. جيهان في رعايتي والبنات في حضني، ومش هنروح في حتة مفيش لينا ترحيب فيها، ولا هندخل بيت حد من اللي كسـ.ـروا خاطرنا.

أدرك عدنان أنها فهمت ما يدور في خلده تماماً، فشعر بضيق شديد وعجز عن الرد، بينما ظل يوسف واقفاً يراقب الباب المغلق بخوف وندم.

وقف عدنان مستعداً للمغادرة، فالحمل أصبح ثقيلاً والتوتر في الصالة كاد أن يخنق الجميع. نظر إلى كاميليا بنظرة أبوية حانية، وقال بصوت رزين:

ـ إحنا هنمشي يا كاميليا علشان تاخدوا راحتكم، بس طمنيني عليها أول ما تفوق.. ولو حصل أي حاجة أو احتاجتي أي شيء في أي وقت، كلميني فوراً ومتردديش.. جيهان بنتي زي ما هي أختك.

أومأت كاميليا برأسها صامتة، ليرحل عدنان ويتبعه يوسف وتامر إلى خارج المنزل. وبمجرد وصولهم إلى السيارة، توقف يوسف فجأة ورفض الركوب، وقال لوالده بإصرار:

ـ بابا، روحوا إنتوا.. أنا مش هتحرك من هنا، هفضل قاعد في عربيتي قدام البيت لحد ما أتطمن إنها بقت كويسة.

حاول عدنان إقناعه بالعدول عن فكرته، فخوفه من حدوث صدام جديد بين يوسف وكاميليا كان يسيطر عليه، لكنه رأى في عيني ابنه تصميماً وانكساراً لم يرهما من قبل، فأدرك أنه لن يستجيب. تنهد عدنان بضيق وقال له محذراً:

ـ ماشي يا يوسف، بس رجلك متخطيش باب البيت.. مش عاوز مشاكل تانية، كفاية اللي حصل.

ركب عدنان مع تامر وغادرا المكان، بينما استقر يوسف في سيارته، يراقب شرفة المنزل وسكونه بهدوء قاتل، والندم ينهش قلبه وهو ينتظر أي إشارة تخبره أن جيهان قد استردت وعيها.

اتكأ يوسف برأسه على مقعد سيارته، وعيناه معلقتان بنور ضئيل ينبعث من نافذة غرفتها. في ذلك السكون، جرفته أمواج الذكريات إلى أيام الجامعة، حين كانت الحياة أكثر نقاءً. تذكر يوم خطبتهما، حين كانا يجلسان معاً، وسألها بفضول عن سر ارتباطها الدائم بصوت أم كلثوم، وكيف تختار أغانيها.

نظر إليها بابتسامة دافئة وسألها:

ـ يعني يا جيهان، إيه أكتر أغاني الست اللي بتلمس قلبك فعلاً؟

أجابت بخجل وهي تفرك يديها بتوتر محبب:

ـ في الحالات العادية، يعني وإنت واحشني أو وإنا فرحانة بيك، بسمع (إنت عمري) و(الحب كله).

ضحك يوسف بمرح وهتف بمشاكسة:

ـ يا سيدي على الرومانسية! وهو في حالات مش عادية كمان؟

أومأت برأسها بموافقة خجولة، وقالت بصوت خفيض:

ـ أما بتزعلني.. بسمع (يا ظالمني).

كان يستمع لحديثها آنذاك بقلب منتشٍ، ولم يدرك بعقله الشاب وقتها عمق حبها، ولا أن هذه الكلمات الرقيقة كانت ميثاقاً لحياة كاملة. أفاق يوسف من ذكرياته على برودة الواقع المر، وشعر بمرارة في حلقه وهو يؤنب نفسه؛ فهو من دمر ذلك الحب بيديه، وهو من حول حياتها من "الحب كله" إلى صمت الانهيار.

تنهد بوجع وهمس لنفسه بصوت مخنوق:

ـ ياترى بتسمعي إيه دلوقتي يا جيهان؟ يا ترى لسه فيه مكان لـ "يا ظالمني"، ولا الوجع المرة دي خلى كل الأغاني تسكت؟


في غرفة جيهان، كان الصمت يطبق على المكان، لا يقطعه إلا صوت أنفاسها الضعيفة. كانت كاميليا تجلس بجوارها، تراقب وجهها الشاحب بقلب مفطور، ثم قامت بهدوء ووقفت بجوار النافذة لتستنشق بعض الهواء. تسمرت نظراتها حين لمحت سيارة يوسف لا تزال رابضة في مكانها تحت ضوء أعمدة الإنارة الخافت.

عقدت كاميليا حاجبيها في حيرة وغضب مكتوم، ودار في رأسها سؤال واحد: "هو عاوز منها إيه تاني؟". لم تعد تفهمه حقاً؛ فكيف لرجل أن يحطم امرأة بهذا الشكل ثم يقف تحت نافذتها يراقب حطامها؟ شعرت برغبة عارمة في الخروج إليه ومواجهته، لتطلب منه الرحيل وتنهي هذا المشهد المستفز بالنسبة لها.

تحركت بهدوء، واقتربت من فراش شقيقتها ودثرتها بالغطاء جيداً، ثم تسللت لغرفة الفتيات لتطمئن أن السكينة قد غلبت عيونهن الصغيرات. وبعد أن تأكدت أن كل شيء هادئ، لفت شالها حول كتفيها ونزلت الدرج بخطوات مصممة، وخرجت من باب المنزل متوجهة مباشرة نحو سيارة يوسف.

انتفض يوسف من مقعده فور رؤيته لـ كاميليا تقترب، وسرعان ما فتح باب السيارة وخرج بخطوات متعثرة، وقلبه يكاد يتوقف ظناً منه أن مكروهاً قد أصاب جيهان. سألها بصوت يرتجف من القلق:

ـ كاميليا! خرجتي ليه في الوقت ده؟ جيهان حصل لها حاجة؟ ردي عليا أرجوكي!

نظرت كاميليا إلى عينيه، ولأول مرة منذ وقت طويل، لمحت خوفاً حقيقياً يلمع فيهما، خوفاً لم تستطع أن تكذبه أو تعتبره تمثيلاً. أجابته بنبرة هادئة لكنها جافة:

ـ جيهان لسه نايمة وتعبانة.. أنا خرجت بس علشان أقولك اتفضل روح، وقفتك دي مالهاش لزمة وماتصحش.

رفض يوسف بقطع واستند إلى باب سيارته قائلاً بإصرار:

ـ مش همشي يا كاميليا.. مش هتحرك من هنا إلا لما أطمن إنها فتحت عينها وبقت كويسة.

رسمت كاميليا على وجهها ابتسامة ساخرة مليئة بالوجع وقالت له:

ـ غريبة! ما إنت كنت بتسيبها وتمشي زمان، وما كانش بيفرق معاك هي عاملة إيه.. إيه اللي جد دلوقتي؟ ندمت؟ ولا عاوز منها إيه تاني؟ جيهان اللي حبتك من وهي طفلة وشافت فيك دنيتها، كان جزاءها منك في الآخر الحزن والكسرة دي.. سيبها في حالها يا يوسف، كفاية اللي جرالها بسببك.

أطرق يوسف رأسه للأرض، وكلمات كاميليا تنهال عليه كالسياط، فلم يجد حجة يدافع بها عن نفسه أمام هذا الماضي المر.

أصرَّ يوسف على موقفه، وهزَّ رأسه برفضٍ قاطع، بينما ترقرقت الدموع في عينيه وهو يقول بصوتٍ مخنوق:

ـ مش همشي يا كاميليا.. لو عاوزة تطرديني اطلبي ليا البوليس، لكن رجلي مش هتتحرك من قدام البيت ده طول ما هي بين الحياة والموت بسببي. أنا عارف إني غلطت، وعارف إن كلامك كله صح، بس ارحميني.. أنا حاسس إن روحي بتطلع مع كل دقيقة بتعدي وهي جوه غايبة عن الوعي.

سكتت كاميليا وهي تنظر إليه؛ كان منظره منكسراً، وجهه شاحباً تحت ضوء الشارع، ويرتجف ليس من برد الليل بل من الرعب الحقيقي الذي يتملكه. لأول مرة منذ سنوات، لم ترَ فيه "يوسف" القوي المتجبر أو اللامبالي، بل رأت رجلاً يواجه حقيقة فقده لأغلى ما يملك.

بدأت جدران الغضب داخل كاميليا تتصدع قليلاً، وحلَّ محلها نوع من الشفقة والتعاطف الذي لم تتوقعه. تنهدت بعمق، وخفتت حدة صوتها وهي تقول:

ـ الوجع اللي إنت فيه دلوقتي يا يوسف، هي عاشت فيه سنين.. بس واضح فعلاً إنك المرة دي حاسس باللي عملته. جيهان قلبها طيب، ويمكن ده اللي خلاها تستحمل كل ده.

صمتت للحظة ثم تابعت بنبرة أكثر ليونة:

ـ خلاص، خليك في عربيتك.. بس لو حسيت إن وجودك هيتعبها لما تفوق، لازم تمشي فوراً. هي مش حمل صدمة تانية.

نظر إليها يوسف بامتنان شديد، وكأنه كان ينتظر أي بصيص أمل أو عفو، وقال بلهفة:

ـ وعد يا كاميليا وعد.. بس طمنيني عليها كل شوية، ماتسيبينيش في ناري دي.

تركت كاميليا يوسف في سيارته وعادت إلى المنزل بخطوات أهدأ، بينما ظل هو يراقب شرفتها، لكن هذه المرة بشيء من الأمل الممزوج بالندم المرير.

❈-❈-❈

استعادت جيهان وعيها ببطء، وفتحت عينيها لتجد الغرفة غارقة في سكون الليل، بينما عقارب الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة. أغمضت عينيها مرة أخرى بقوة، وكأنها تحاول الهروب من شريط الذكريات الذي بدأ يهاجم عقلها بقسوة؛ كل كلمة قيلت، وكل نظرة انكسار، عادت لتطعن قلبها من جديد.

حاولت الوقوف، لكنها شعرت بوهن شديد يسري في أطرافها، فجسدها الذي أهلكه الحزن والامتناع عن الطعام لم يعد يقوى على حملها. تحاملت على نفسها وخطت خطوات وئيدة نحو نافذة غرفتها، وأزاحت الستار قليلاً؛ لتجد سيارة يوسف لا تزال رابضة في مكانها تحت ضوء الشارع الخافت.

ابتسمت بمرارة وحزن دفين على ما وصلوا إليه؛ فزوجها الذي كان يوماً أمانها، أصبح الآن غريباً يراقبها من بعيد بعد أن أحرق بيده كل سبل العودة. عادت إلى فراشها بجسد يرتجف، وفي تلك اللحظة انفتح الباب بهدوء، ودخلت كاميليا التي كانت قد عادت للتو من الخارج.

تلاقت أعينهما، فتفاجأت كاميليا بأن شقيقتها قد استيقظت، فاقتربت منها بلهفة قائلة:

ـ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.. فوقتي إمتى؟ قلقتينا عليكي أوي يا جيهان.

نظرت لها جيهان بصمت لثوانٍ، ثم سألتها بصوت مبحوح:

ـ هو لسه تحت يا كاميليا؟ أنا شوفت عربيته من الشباك.. هو لسه ممشيش ليه؟

تجنبت كاميليا النظر في عيني جيهان وهي تجيبها، وحاولت أن تبدو منشغلة بترتيب الغطاء حولها، وقالت بنبرة حاولت جعلها عادية:

ـ سيبك منه يا جيهان، خليه واقف ولا ماشي، المهم إنتي دلوقتي. قومي اسندي طولك كده، أنا حضرتلك لقمة لازم تاكليها.. إنتي مكلتيش حاجة من الصبح وجسمك مش شايلك.

حاولت جيهان الاعتراض وهي تشيح بوجهها بعيداً، لكن كاميليا لم تعطِها الفرصة، بل أحضرت الصينية وأجبرتها بصرامة ممزوجة بحنان على تناول بعض اللقيمات:

ـ أنا مش قايمة من جنبك إلا لما تخلصي الطبق ده. البنات محتاجينك قوية، وإنتي مش هتقوي بالهم ده كله وانتي حارمة نفسك من الأكل.

بعد محايلات، انتهت جيهان من طعامها بصعوبة، فربتت كاميليا على كتفها وقامت لتغادر وهي تقول بتعب بدا واضحاً عليها:

ـ أنا هسيبك دلوقتي ترتاحي، وأنا كمان هروح أنام لأني مش قادرة أفتح عيني.. حاولي تنامي يا جيهان، مفيش فايدة من التفكير دلوقتي.

أومأت جيهان برأسها، وما إن خرجت كاميليا وأغلقت الباب، حتى شعرت جيهان بضيق الدنيا يحاصرها. لم يكن النوم يداعب جفونها، بل كانت تريد الهروب من الواقع بأي وسيلة. مدت يدها بهدوء وأمسكت بهاتفها، وبحثت عن أغنية «لسه فاكر» لأم كلثوم.

انطلق صوت "الست" يملأ أركان الغرفة الهادئة: 

لسه فاكر قلبي يدي لك أمان

ولا فاكر كلمة حتعيد اللي كان

لسه فاكر قلبي يدي لك أمان

ولا فاكر كلمة حتعيد اللي كان

لسه فاكر قلبي يدي لك أمان

ولا فاكر كلمة حتعيد اللي كان

ولا نظرة توصل الشوق والحنان

لسه فاكر كان زمان، كان زمان

لسه فاكر كان زمان، كان زمان..

استلقت جيهان على السرير، لكن هذه المرة لم تكن الذكريات وردية كما كانت في مخيلة يوسف بالأسفل. بدأت صور زواجه من سميرة تمر أمام عينيها كالخنا.جر؛ تذكرت بروده، تذكرت غيابه عنها، وكيف استباح كرامتها وحبها السنين الطويلة ليدخل امرأة أخرى حياتهما.

تذكرت كل مرة كسر فيها خاطرها وكل كذبة صدقتها منه، وشعرت أن كلمات الأغنية تصف حالها تماماً.. فالحب الذي كان، لم يعد له وجود، وما فعله يوسف منذ زواجه وحتى اللحظة، بنى سداً عالياً من الوجع لا يمكن لهدمه بسهولة.

كانت كلمات الأغنية تنساب في الغرفة كأنها محاكمة علنية لكل وعود يوسف الزائفة، ومع كل كوبليه كانت جيهان تسترجع دمعة قهر ذرفتها وهي وحيدة، بينما كان هو في عالم آخر مع سميرة. شعرت بقلبها يثقل بشكل لا يحتمل، وكأن "الست" تغني لوجعها هي تحديداً حين قالت: 

كانت الأيام في قلبي دموع بتجري

وإنت تحلى لك دموعي وهي عمري.

لم تعد تقوى على الاحتمال، فالذكريات السيئة كانت تهاجمها بشراسة؛ ملامح وجهه وهو يبرر خيانته، انشغاله الدائم عنها، وإحساسها بأنها أصبحت "كمالة عدد" في حياته بعدما كانت هي المحور والأساس.

مدت يدها بوهن وأغلقت الموسيقى، فلم يعد في روحها متسع لمزيد من الشجن. جذبت الغطاء فوق جسدها المنهك، وأغمضت عينيها بقوة وهي تدعو الله أن يمنحها غفوة قصيرة تسرقها من هذا العذاب. كانت تريد فقط أن يخرس هذا الصوت الداخلي الذي يذكرها بضعفها أمام حبه القديم، هربت إلى النوم كأنه الملاذ الأخير والوحيد الذي لا يملكه يوسف، ولا تستطيع ذكرياته أن تطالها فيه.

وفي الخارج، كان يوسف لا يزال قابعاً في سيارته، يحدق في نافذة غرفتها التي انطفأ نورها، ولا يعلم أن الظلام الذي ساد الغرفة لا يقل عتمة عن الجرح الذي تركه في روح زوجته.

أشرقت شمس يوم جديد، لكنه كان يحمل في طياته هدوءاً حذراً يغلفه التوتر. استيقظت كاميليا مبكراً كعادتها، وبدأت في تحضير الفتيات للذهاب إلى مدرستهن، محاولةً رسم ابتسامة هادئة على وجهها حتى لا يشعرن بحجم الانهيار الذي تعيشه والدتهن في الغرفة المجاورة.

وبمجرد مغادرتهن، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة مقتضبة إلى تامر تخبره فيها: 

ـ أنا مش هقدر أنزل الشغل النهاردة يا تامر، هفضل جنب جيهان لأن حالتها لسه مش مستقرة ومقدرش أسيبها لوحدها.

نقل تامر الخبر لوالده، فما كان من عدنان إلا أن تفهم الموقف بمرارة، واتجه برفقة تامر إلى الشركة ليباشرا العمل، محاولاً غمر نفسه في الأوراق ليهرب من تفكيره في حال ابنة أخيه.

في مكتب عدنان، لم يمر وقت طويل حتى طرق مازن الباب. دخل بملامح حازمة، ووضع ورقة على المكتب أمام عدنان الذي نظر إليه بتساؤل، ليقول مازن بنبرة هادئة ومصممة:

ـ يا فندم، دي استقالتي.. بعد اللي حصل امبارح والمواجهة اللي تمت، أنا مش شايف إن وجودي هنا هيكون مريح لأي طرف، ومش عاوز أكون سبب في حساسية أكتر بينكم.

تنهد عدنان بعمق، وقام من خلف مكتبه ليقف أمام مازن، ثم دفع الورقة بعيداً وأردف بنبرة أبوية صادقة:

ـ استقالة إيه يا مازن؟ إنت مكانك هنا يا ابني وإحنا ما نستغناش عنك.. أنا اللي بعتذر لك عن تهور يوسف وتصرفه امبارح، هو مكانش في وعيه والضغوط اللي عليه خليته يفقد أعصابه. خليك في مكتبك، الشغل مالوش علاقة بالمشاكل الشخصية.

شعر مازن بالحرج من رقي عدنان، فأومأ برأسه احتراماً وغادر المكتب صامتاً، تاركاً عدنان وحيداً يصارع أفكاره، وهو يرى عائلته التي بناها لسنوات تتفكك أمام عينيه بسبب أخطاء ابنه.

في منتصف اليوم، لم يطاوع عدنان قلبه على البقاء في الشركة أكثر من ذلك؛ فصورة جيهان وهي منهارة لم تفارق خياله. التفت إلى تامر وقال بحزم:

ـ يلا بينا يا تامر، لازم نروح نطمن على جيهان.. مش مريحني السكوت ده، ومينفعش نسيبهم لوحدهم أكتر من كدة.

استقلا السيارة وتوجها إلى منزل جيهان، وبمجرد اقترابهما، كانت المفاجأة أن سيارة يوسف لا تزال في مكانها وكأن الزمن توقف به هناك. ترجل عدنان من سيارته واقترب من نافذة ابنه، ليجده شاحباً والتعب يكسو ملامحه من أثر السهر والقلق.

طرق عدنان على زجاج النافذة برفق، فنظر إليه يوسف بتشوش، ليردف عدنان بنبرة هادئة ومقنعة:

ـ وبعدين معاك يا يوسف؟ هتفضل واقف في الشارع كدة لحد إمتى؟ انزل يا ابني روح ارتاح شوية، وقفتك دي مش هتقدم ولا تأخر، وبالشكل ده إنت اللي هتقع مننا.

حاول يوسف الاعتراض في البداية، وهو ينظر بلهفة نحو باب المنزل:

ـ مش قادر أمشي يا بابا.. حاسس إني لو مشيت هخسرها للأبد.

ضغط عدنان على كتفه بحنو وقال:

ـ مش هتخسر حاجة بوقفتك في الشارع وأعصابك محر.وقة كدة. روح غير هدومك وريح جسمك، وإحنا موجودين هنا وهطمنك أول بأول.

رضخ يوسف في النهاية لطلب والده، فإرهاقه الجسدي والنفسي وصل لمنتهاه. أدار محرك سيارته وغادر المكان، لكنه لم يتوجه إلى منزل والده كما جرت العادة، بل قادته قدماه إلى "منزله"؛ ذلك البيت الذي شهد سعادته مع جيهان وشهد أيضاً بداية انكسارها، وكأنه يريد أن يختلي بوجعه وسط جدرانٍ تذكره بكل ما فقده.

❈-❈-❈

في منزل يوسف، ساد صمتٌ ثقيل يشبه سكون القبور. كانت سميرة تجلس وحيدة، تجول ببصرها في أركان البيت الذي كان يضج بالحياة حين كانت جيهان تديره بروحها وهدوئها، أما الآن فقد أصبح البيت بلا روح، بارداً وموحشاً. اعترفت سميرة لنفسها في لحظة صدق نادرة أنها كانت تغار من جيهان، وكانت تستمتع بإزعاجها ومحاولة إثبات وجودها أمامها، لكن الأمور كانت تحت السيطرة إلى حد ما. أما الآن، بوجود نور، فقد تحول البيت إلى ساحة حرب حقيقية، صراع على السيادة والانتصار لا مكان فيه للمودة.

قطعت هذا الصمت نور وهي تنزل الدرج بخطوات متباطئة، جلست بجوار سميرة وسألتها بنبرة يملؤها القلق المصطنع أو ربما الفضول:

ـ هو يوسف لسه مرجعش؟ تليفونه مقفول من الصبح ومش عارفه أوصله.

هزت سميرة رأسها بضيق وأجابتها بجفاء:

ـ ماعرفش عنه حاجة.. تليفونه مغلق، والظاهر إن الأمور عند جيهان كانت أصعب مما نتخيل.

سكتت نور للحظة، ثم سألت بفضول أكبر:

ـ بقولك إيه يا سميرة.. هي مين كاميليا دي اللي الكل عامل لها حساب؟ أنا مشفتهاش قبل كدة خالص.

عدلت سميرة جلستها وقالت بنبرة تحمل تقديراً خفياً:

ـ مش هتشوفيها، كاميليا كانت بتدرس في الخارج وبقالها سنين بره مصر. أنا شخصياً مقابلتهاش وجه لوجه كتير، بس كنت بسمع عنها من يوسف وجيهان كلام كتير.. كاميليا دي غير جيهان خالص، شخصيتها قوية جداً، ومبتعرفش السكوت ولا التهاون في حقها، والظاهر إنها رجعت علشان تقلب الطاولة على الكل.

لمعت عين نور بتفكير عميق وهي تسمع عن شخصية كاميليا، وكأنها تدرك أن الخصم هذه المرة لن يكون سهلاً كجيهان. وفي هذه اللحظة، سُمع صوت مفتاح يوسف يدور في الباب، ليدخل بخطوات مثقلة بالهموم والإنهاك.


يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة  فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة




1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل