قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الثامن عشر
تم النشر الأربعاء
4/3/2026
قبل أن يغادر الجميع مكتب عدنان، استوقفهم يوسف بنبرة صوت غلفها الحماس والهدوء في آن واحد، وكأنه يحاول خلق مساحة من الود بعيداً عن صرامة العقود واللوحات الهندسية.
تحدث يوسف بحماس:
ـ يا جماعة، المناقصة دي مش مجرد مشروع جديد، دي نقلة لشركة القاضي. وعلشان كدة أنا ناوي أعمل حفلة كبيرة في واحد من الفنادق تليق بالنجاح ده وبالتغيير الجديد اللي حصل في الشركة.
التفت يوسف نحو والده ثم نحو جيهان وكاميليا وأكمل:
ـ الحفلة دي هتكون باسمنا كلنا، وهنعزم فيها كبار الموردين والعملاء، بس رأيي نخلي ميعادها بعد حفل خطوبة فارس وندى، عشان الفرحة تكون فرحتين ونحتفل براحتنا.
عدنان بابتسامة رضا:
ـ فكرة ممتازة يا يوسف. إحنا فعلاً محتاجين نجمع الناس ونعلن عن قوتنا من جديد، وخطوبة فارس وندى مناسبة سعيدة تخلي الجو ألطف بين الكل. بارك الله فيك يا بني.
تامر بابتسامة التفت فيها نحو كاميليا:
ـ أنا معاك جداً يا يوسف، وكمان ده هيدي فرصة لكاميليا وجيهان يرتبوا أمورهم في المكاتب الجديدة، وتكون الحفلة هي الإعلان الرسمي عن وجودهم معانا.
نظرت جيهان إلى كاميليا لترى رد فعلها، فوجدتها صامتة بوقار، فردت جيهان بهدوء:
ـ إن شاء الله يا عمي، المهم دلوقتي نركز في التحضيرات الفنية للمشروع، والحفلة ملاحق عليها.
غادر الجميع المكتب، وكل واحد منهم يحمل في رأسه صورة مختلفة لهذا الاحتفال؛ يوسف يراها فرصة للظهور مع جيهان كزوجين أمام المجتمع مجدداً، وتامر يراها فرصة ليكون بجانب كاميليا في أجواء بعيدة عن العمل، أما جيهان وكاميليا فكان تفكيرهما منصباً على إثبات كفاءتهما قبل أي احتفالات.
داخل أروقة الشركة، ساد جو من العمل الجاد. جيهان كانت في مكتبها الفني غارقة بين الرسوم الهندسيّة والمخططات، تراجع كل تفصيلة بدقة متناهية؛ فنجاحها في هذا المشروع ليس مجرد نجاح مهني، بل هو رسالة صامتة للجميع بأنها عادت لتكون الرقم الصعب في معادلة "القاضي".
أما كاميليا، فكانت في مكتبها تراجع الثغرات القانونية في العقود القديمة وتضع هيكلاً جديداً يحمي حقوق الشراكة، برأس مرفوع وهدوء يفرض احترامه على كل من يدخل مكتبها.
في هذه الأثناء، توجه تامر إلى مكتب والده عدنان. أغلق الباب خلفه بهدوء، وجلس أمام والده الذي كان يتابع بعض الأوراق. لاحظ عدنان نظرات ابنه الجادة، فوضع القلم جانباً وقال:
ـ خير يا تامر؟ شكلك وراه كلام مهم.
تامر بنبرة هادئة ورزينة:
ـ فعلاً يا بابا.. أنا كنت مستني الوقت المناسب، وشايف إن نجاح المناقصة والروح الجديدة اللي في الشركة هي أنسب وقت. أنا بكلمك بخصوص كاميليا.
اعتدل عدنان في جلسته بتركيز، فأكمل تامر:
ـ أنا مش بس معجب بشخصية كاميليا وقوتها، أنا شايف فيها شريكة حياتي اللي بتمناها. أنا عايز أتقدم لها رسمي، بس عارف إن الظروف الحالية وتوتر يوسف مع جيهان ممكن يصعبوا الأمور. أنا مش عايز أضغط عليها، بس عايزك تكون أول واحد عارف وواقف جنبي في الخطوة دي.
صمت عدنان لثوانٍ، وظهرت على وجهه علامات الارتياح الممزوج بالحذر، ثم قال:
ـ يا تامر، كاميليا بنتي قبل ما تكون شريكتنا، ولو لفيت الدنيا مش هلاقي لبنتي راجل أحسن منك. بس لازم نكون حذرين، كاميليا جاية وهي شايلة جرح أختها على كتافها، وشايفه "الرجالة" كلهم في صورة يوسف دلوقتي. لو وافقت، ده هيكون أكبر مكسب للعيلة دي، وهي اللي هترجع الروابط بجد.
تامر بتنهيدة وهو ينظر لوالده:
ـ أنا مقدر ده يا بابا، وعلشان كدة مش عايز أعمل أي خطوة تزعجها. أنا هحاول أقرب منها ببطء، وأثبت لها إن تامر القاضي غير أي حد تاني. تفتكر افتح الموضوع معاها في حفلة الخطوبة أو حفلة الشركة فكرة صح؟
تحدث عدنان بجدية وهو يفكر في القادم:
ـ استنى شوية يا تامر.. خليها تحس بالأمان في الشغل الأول، وتشوف إننا سند ليها ولأختها، وساعتها القلوب هتفتح لوحدها.
بعد أن أنهى تامر حديثه مع والده واتفقا على التريث في مفاتحة كاميليا، أومأ برأسه موافقاً وقام ليغادر المكتب بهدوء. كان تامر يشعر براحة جزئية، لكنه بمجرد خروجه لممر الشركة، لمحه يوسف الذي كان يقف بعيداً قليلاً، متظاهراً بمتابعة بعض الأوراق، لكن عينيه كانت معلقة بباب مكتب جيهان.
خرج تامر واتجه لمكتبه، بينما استغل يوسف الفرصة وتحرك بخطوات بطيئة ناحية مكتب جيهان. لم يدخل، بل وقف خلف الزجاج الفاصل يراقبها بصمت. كان يريد أن يرى كيف تعمل، كيف تمسك قلمها، وكيف تعود "جيهان المهندسة" التي أحبها قديماً.
لكن ملامح يوسف تبدلت فجأة؛ فقد رأى المهندس مازن يقف بجوارها، يشرح لها بعض التعديلات على المخططات. لم يكن مازن مجرد زميل في تلك اللحظة بنظر يوسف، بل رأى جيهان وهي تبتسم بوضوح لحديثه، وتومئ برأسها بإعجاب لفكره المهني.
هذه الابتسامة التي افتقدها يوسف طويلاً، والتي لم تظهر له منذ عودتها، رآها تُمنح لغيره وبسهولة. اشتعلت نيران الغيرة في صدره، وفقد السيطرة على أعصابه تماماً. لم يعد يرى "جيهان الشريكة"، بل رأى "جيهان زوجته" التي يبتسم لها رجل آخر.
اقتحم يوسف المكتب فجأة، ليرتطم الباب بالحائط بقوة، مما جعل جيهان ومازن ينتفضان من مكانهما بصدمة.
يوسف بصوت يرتجف من الغضب:
ـ إيه اللي بيحصل هنا ده؟ وإيه الضحك والتهريج اللي في وقت الشغل؟
وقفت جيهان، وحاولت استيعاب الهجوم، وقالت بحزم:
ـ يوسف! إنت إزاي تقتـ.حم مكتبي بالشكل ده؟ ده مكتب فني، ومازن مهندس زميل بيعرض عليا شغل.
يوسف وهو يوجه كلامه لمازن بغل:
ـ مازن ده يلم ورقه ويتفضل على مكتبه فوراً، ومشوفش وشه هنا تاني غير بإذني.. إنت فاهم؟
اجتمع الموظفون وتامر وكاميليا على إثر الصوت العالي، ووقفت جيهان ترد بقوة:
ـ إنت مش من حقك تتدخل في إدارة مكتبي ولا في تعاملي مع الموظفين. اتفضل اخرج بره يا يوسف.
هنا فقد يوسف منطقه تماماً، وصاح أمام الجميع في الممر:
ـ مش من حقي؟ أنا صاحب الشركة، ومش هسمح بأي تجاوز في مكاني.. وصفتي إني جوزك! إنتي ناسية إنك مراتي؟ يعني كرامتك من كرامتي، وتصرفاتك في المكان ده مسؤولة مني أنا!
ساد صمت مطبق بعد صرخة يوسف، بينما كانت نظرات الموظفين في الممر تتنقل بينه وبين جيهان بذهول. صرخت جيهان بصوت يرتجف من القهر:
ـ اطلع بره يا يوسف! اخرج من مكتبي حالاً!
لكن يوسف، الذي أعمته الغيرة، وقف مكانه كالسد المنيع، والتفت إلى مازن الذي كان يقف مرتبكاً لا يعرف كيف يتصرف، وصاح فيه:
ـ إنت لسه واقف؟ اخرج بره الشركة دي ومشوفش وشك هنا تاني!
في هذه اللحظة، وصل عدنان وتامر مسرعين بعدما سمعا الضجيج الذي ملأ الطرقة. دخل عدنان المكتب بهيبته المعتادة، ونظر للموظفين المتجمعين عند الباب وبصوت صارم قال:
ـ الكل على مكتبه فوراً! مفيش شغل هنا؟
تفرق الجميع خوفاً من غضب عدنان، لكنه أشار لـ مازن الذي كان يهم بالخروج:
ـ إنت استنى يا مازن.. خليك مكانك.
أغلق تامر باب المكتب، وأصبح الجميع بالداخل (عدنان، وتامر، وكاميليا التي كانت تقف بجوار أختها كالجبل، ويوسف، وجيهان، ومازن).
التفت عدنان إلى ابنه يوسف ونظراته تحمل خيبة أمل كبيرة وسأله بهدوء مخيف:
ـ ممكن أفهم إيه اللي بيحصل هنا؟ وإيه العرض اللي عامله للموظفين في الطرقة ده يا يوسف؟
يوسف وهو يشير بإصبعه نحو جيهان ومازن وعيناه تشتعلان:
ـ بيحصل إن المهندسة جيهان ناسية إنها في مكان شغل، وقاعدة تضحك وتهزر مع الأستاذ ده، وأنا مش هسمح بقلة القيمة دي في شركتي!
نظرت جيهان إلى يوسف، ورغم الدموع المحبوسة في عينيها، إلا أنها استجمعت كل قوتها وكبريائها، ووقفت بظهر مفرود تماماً، ولم ترد عليه، بل وجهت نظرها لعمها عدنان وكأن يوسف غير موجود.
التفت عدنان نحو مازن، الذي كان يتصبب عرقاً من الموقف، وسأله بوقار:
ـ احكي لي يا ابني.. إيه اللي كان بيحصل هنا بالظبط قبل ما يوسف يدخل؟
بلع مازن ريقه وقال بصوت متهدج:
ـ يا عدنان بيه، أنا كنت بعرض على البشمهندسة جيهان تعديلات "المناقصة الجديدة". هي شافت فكرة في التصميم وعجبتها جداً وقالت لي "برافو يا مازن، الفكرة دي هتخلينا في حتة تانية"، وضحكت بابتسامة تشجيع مش أكتر.. يا فندم ما حصلش حاجة تسيء للشغل أو للأصول.
ساد صمت ثقيل حين نظر عدنان ليوسف وأمره بلهجة صارمة لا تقبل الجدل أن يعتذر لمازن. تجمدت ملامح يوسف ونظر لوالده بصدمة، وكأنه لا يصدق أنه يطلب منه إهانة كرامته أمام خصمه، ولكن نظرات والده الحادة أجبرته على الرضوخ. التفت يوسف لمازن، وبالكاد خرجت الكلمات من بين أسنانِه مشحونة بالضيق:
ـ أنا آسف يا مازن.. مكنتش أقصد.
غادر مازن المكتب على الفور وهو يشعر بالحرج، وبمجرد أن أُغلق الباب، اندلعت مواجهة عنـ.ـيفة بين يوسف ووالده؛ صـ.رخ يوسف محتجاً على إجباره على الاعتذار، لكن جيهان لم تحتمل المزيد، فانفـ.ـجرت في وجهه بغضب وقهر وهي تهتف:
ـ إنت إزاي كدة؟ أنا مأسأتش ليك طول الفترة اللي فاتت عشان أسوء ليك دلوقتي! أنا صنت غيبتك واسمك، تقوم إنت تشهر بيا وتكسـ.رني قدام الغريب والقريب؟
لم تمنحه فرصة للرد، بل اندفعت وجذبت حقيبتها بقوة، ثم غادرت الشركة كلها وهي لا ترى أمامها من شدة الدموع والغضب.
انطلقت كاميليا مسرعة خلف شقيقتها لتلحق بها قبل أن تغادر، وفي تلك اللحظة تحرك يوسف بضع خطوات محاولاً اللحاق بهما، لكن صر.خة والده أوقفته مكانه ومنعته من المغادرة. التفت عدنان نحو تامر وطلب منه بلهجة عاجلة أن يلحق بجيهان وكاميليا ليطمئن عليهما، ثم أشار ليوسف بحزم ليدخل خلفه إلى المكتب.
داخل المكتب، انفـ.جر عدنان في وجه ابنه بمواجهة حادة، ونظر إليه بغضب قائلاً:
ـ إنت مش هتهدا غير لما تخرب كل حاجة؟ بتهورك واندفاعك ده إنت بتخسر جيهان للأبد، والمرة دي مش هتعرف ترجعها بسهولة.
حاول يوسف الحديث لكن والده قاطعه بصرامة:
ـ اسمعني كويس.. جيهان متقربش منها الفترة اللي جاية خالص، ولا تحاول حتى تكلمها. ولو حصل منك أي تجاوز تاني، هتلاقيني أنا أول واحد واقف في وشك، وإنت عارف كلامي معناه إيه.
غادر يوسف المكتب وهو يشعر بتوتر شديد، والكلمات تنهش في رأسه، مدركاً أن الأمور وصلت لنقطة لا رجعة فيها.
❈-❈-❈
ركض تامر مسرعاً خلفهما حتى لحق بهما أمام باب الشركة قبل أن يبتعدا. وقف أمامهما وهو يحاول التقاط أنفاسه، وقال بلهجة حانية ومترجية:
ـ يا جيهان، وحياة غلاوتي عندك اركبي معايا.. مش هينفع تمشوا كدة وأعصابكم تعبانة، أنا هروحكم لحد البيت وأطمن عليكم بس.
وافقت جيهان بصمت وانكـ.سار، واستقلت السيارة مع كاميليا. طوال الطريق لم تنطق جيهان بكلمة واحدة، كانت تنظر من النافذة ودموعها لا تتوقف. فور وصولهم إلى البيت، اندفعت جيهان نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها، لتبدأ في بكاء مرير وصراخ مكتوم.
دخلت كاميليا الغرفة خلفها محاولةً تهدئتها، لكنها وجدت جيهان في حالة انهيار كامل؛ كانت تصرخ بقهر وتنتفض بشدة، وفجأة سكن جسدها تماماً وسقطت مغشية عليها.
فزعت كاميليا وصرخت بأعلى صوتها وهي تهز جسد شقيقتها:
ـ جيهان! جيهان ردي عليا.. يا تامر! إلحقني يا تامر! جيهان غابت عن الوعي.. اطلب دكتور بسرعة يا تامر!
هرع تامر إلى الداخل على صراخ كاميليا، ليجد جيهان ملقاة على الأرض فاقدة للوعي تماماً.
أخرج تامر هاتفه بسرعة ويداه ترتجفان، واتصل بالطبيب الذي حضر على وجه السرعة. دخل الطبيب إلى الغرفة وبدأ بفحص جيهان التي كانت لا تزال فاقدة للوعي، بينما كانت كاميليا تقف في الزاوية تبكي بصمت وهي تراقب نبضات شقيقتها، وتامر ينتظر بالخارج والقلق ينهش قلبه.
بعد وقتٍ مر كأنه دهر، انتهى الطبيب من فحصه وخرج لهما، فاندفعت كاميليا نحوه بلهفة:
ـ طمني يا دكتور.. جيهان مالها؟ ليه أغمى عليها بالشكل ده؟
أجاب الطبيب بهدوء وهو يلملم أدواته:
ـ دي حالة انهيار عصبي حاد، الضغط النفسي اللي اتعرضت له كان فوق طاقتها بكتير. أنا علقت لها محاليل وأديتها حقنة مهدئة، وممنوع أي انفعال أو كلام يضايقها الفترة دي، لازم ترتاح تماماً.
نظرت كاميليا لتامر بحزن، بينما كان هو يشعر بالغضب تجاه ما فعله يوسف وأوصلها لهذه الحالة.
دخلت كاميليا إلى الغرفة وجلست بجانب جيهان على الفراش، أمسكت يدها الباردة وهي تنظر لوجهها الشاحب بدموع وقلة حيلة، تارة تمسح على رأسها وتارة تعدل لها غطاءها، وهي تدعو الله أن تمر هذه الأزمة على خير.
في الخارج، أخذ تامر روشتة الأدوية من الطبيب وخرج مسرعاً ليحضرها من الصيدلية. وفي طريق عودته، اتصل بوالده عدنان، وبمجرد أن فتح الخط، قال تامر بصوت مخنوق:
ـ أيوة يا بابا.. أنا عند جيهان في البيت، البنت انهارت تماماً وأغمى عليها، والدكتور لسه ماشي حالا وقال إن جالها انهيار عصبي حاد وكتب لها على مهدئات ومحاليل.. الحالة صعبة أوي يا بابا.
في تلك الأثناء، كان يوسف يهمّ بمغادرة مبنى الشركة، فاستوقفه عدنان بوجه متجهم وعينين تشتـ.علان غضباً، وأوقفه بكلمات كأنها الصا.عقة:
ـ ارتاح يا يوسف.. جيهان جالها انهيار عصبي وفقدت الوعي وفي حاله خطـ.ر في البيت دلوقتي بسبب عمايلك. الدكتور عندها وممنوع حد يقرب منها.
تسمر يوسف في مكانه، وشحب لونه تماماً وهو يستمع لوالده، وشعر بتوتر شديد وخوف بدأ يتسلل لقلبه لأول مرة.
بمجرد أن استوعب يوسف ما حدث، تملكه الخوف وارتجف صوته وهو يستأذن والده:
ـ أرجوك يا بابا، خليني أروح أشوفها.. مش هعمل حاجة، بس أطمن عليها.
رفض عدنان بصرامة قاطعة، لكن يوسف بدأ يتوسل إليه بدموع حقيقية هذه المرة، حتى لانَ قلب والده قليلاً فقال له:
ـ هتيجي معايا، بس رجلك متخطيش أوضتها ولا تحاول تفتح بوقك بكلمة تضايقها.. فاهم؟
في تلك الأثناء، انتبهت كاميليا لصوت طرقات على الباب، فذهبت وفتحت لتجد تامر عائداً بالأدوية. أخذتها منه بامتنان وقالت:
ـ شكراً يا تامر، تعبتك معانا بجد.. اتفضل استريح عقبال ما أحضر لك مشروب دافئ.
جلس تامر في الصالة، وفي ذلك الوقت وصل الفتيات من مدرستهن، وما إن رأين تامر حتى تهللت وجوههن من السعادة والتففن حوله، وجلس يداعبهن محاولاً إخفاء توتره. دخلت كاميليا المطبخ وحضرت القهوة لتامر، ثم توجهت بهدوء لغرفة جيهان لتطمئن عليها؛ وجدتها غارقة في نوم عميق، لكن ملامحها كانت ذابلة وشاحبة بشكل يمزق القلب.
شعرت كاميليا بحزن عميق وغصة في حلقها، ثم غادرت الغرفة بهدوء وأغلقت الباب خلفها، لتذهب وتجلس مع تامر والبنات في الصالة بانتظار استيقاظها.
وصل عدنان ويوسف إلى المنزل، وعند دخولهما، ساد صمت مفاجئ. حاول الجميع تجنب الحديث في أي تفاصيل أمام الصغيرات لكي لا يتأثرن بما يحدث أو يشعرن بالخوف.
نظر يوسف لابنتيه بملامح يملؤها القلق، ثم التفت نحو تامر وقال بنبرة خافتة:
ـ تامر، من فضلك خد البنات وخرجهم بره شوية.. مش عاوزهم يحسوا بحاجة.
انتفضت كاميليا ورفضت الأمر بحدة، فهي لن تترك بنات شقيقتها في هذا الوضع، وقالت بصرامة:
ـ لا طبعاً، البنات مش هيخرجوا في الوقت ده.
التفتت كاميليا للصغيرات وحاولت أن ترسم ابتسامة هادئة على وجهها وهي تقول:
ـ يلا يا حبيباتي، ادخلوا أوضتكم وخلصوا الواجب بتاعكم لحد ما ماما تصحى وتشوفكم، شطارة.
بالفعل، دخلت الفتيات غرفتهن، وبمجرد أن أُغلق الباب خلفهن، تبدلت الملامح تماماً وأصبح الجو مشحوناً بالتوتر والترقب، ونظرات كاميليا وتامر لـ "يوسف" كانت تحمل لوماً وعتاباً شديداً.
ساد صمت ثقيل في الصالة، قطعه صوت كاميليا وهي تقترب من يوسف، وتتحدث بنبرة خافتة لكنها حادة كالنصل، محاولةً كتم غضبها حتى لا يصل صوتها لغرفة الصغيرات:
ـ ارتحت كدة؟ شفت وصلت أختي لإيه؟ جيهان اللي عمرها ما حد سمع صوتها، واقعة جوه مش حاسة بالدنيا بسببك.. بجد حرام عليك.
حاول يوسف أن يتكلم، وبدا عليه الانكـ.سار وهو يهمس:
ـ ما كنتش متخيل إن الأمور هتوصل لكدة يا كاميليا.. أنا بس كنت...
قاطعته كاميليا بحدة وهي تشير بإصباعها محذرة:
ـ كنت إيه؟ كنت بتد.مرها؟ إنت معندكش فكرة هي استحملت إيه عشانك، وفي الآخر ده رد الجميل؟
بدأ التوتر يتصاعد، فتدخل تامر بسرعة ووضع يده على كتف كاميليا محاولاً تهدئتها:
ـ خلاص يا كاميليا، اهدي علشان خاطر البنات.. مش وقته الكلام ده دلوقتي، المهم إنها تقوم بالسلامة.
وفي نفس الوقت، نظر عدنان ليوسف بنظرة صارمة أخرسته تماماً، ثم التفت لكاميليا وقال بصوت رزين وهادئ:
ـ حقك علينا يا بنتي، ويوسف غلط وعارف غلطه كويس.. دلوقتي خلينا نركز إن جيهان تعدي الأزمة دي، ومش عاوزين البنات يحسوا بأي شوشرة.
تراجعت كاميليا وهي تنفخ بضيق، وجلست بعيداً وهي تراقب باب غرفة شقيقتها بقلق، بينما وقف يوسف في زاوية الصالة كالمطرود، يشعر بضآلة نفسه أمام الجميع.
يتبع...
