قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل السابع عشر
تم النشر الأحد
1/3/2026
كان تامر يستمع لكاميليا بذهول، معجباً بقوتها التي لم تتغير رغم السنين، لكنه تألم من فكرة أنها تشعر بعدم الأمان في وجودهم.
تنحنح عدنان محاولاً تلطيف الأجواء وقال بصوت هادئ:
ـ حقك عليا يا بنتي.. اللي حصل من نور ده حسابه معايا أنا، وإنتي عارفة غلاوتك عندي إيه. إحنا هنا أهل، وبيت يوسف هو بيتك، ومحدش يقدر يقلل من قيمتك وإحنا عايشين.
قاطعته كاميليا بابتسامة باردة:
ـ القيمة يا عمي بتتحس بالأفعال مش بالكلام.. وجيهان بقالها سنين قيمتها بتتهدر في البيت ده، وده اللي أنا مش هسمح بيه يتكرر تاني، لا ليها ولا ليا.
كان يوسف يراقب جيهان التي تقف بعيداً بهدوء غير معهود، وشعر في تلك اللحظة وكأن الأدوار قد تبدلت؛ فكاميليا بشموخها وقوتها بدت هي الأخت الكبرى التي تحمي الجميع، بينما بدت جيهان بصمتها وانكسارها كأنها الصغرى التي تلوذ بظل أختها.
حاول تامر التدخل لتهدئة الوضع المتأزم، فهو أكثر من يفهم طبيعة كاميليا ويعلم أنها لا تها.جم من فراغ، بل تدافع عن الحق دائماً بضراوة. وفي تلك الأثناء، خرجت جيهان إليهم أخيراً، ورحبت بعمها وتامر بنبرة هادئة وراقية، لكنها كانت تتجنب تماماً التقاء عينيها بعيني يوسف، وكأنها وضعت بينها وبينه حواجز من الجليد.
نظر عدنان حوله في المنزل القديم، ثم وجه حديثه لجيهان وكاميليا بنبرة الأب الحريص:
ـ يا بنتي، البيت هنا مقفول بقاله سنين، وما يصحش أبداً تقعدوا فيه لوحدكم إنتِ وأختك والبنات.. إحنا ملناش غير بعض، والبيت الكبير مفتوح ليكم. قوموا يا جيهان لموا حاجتكم، وإنتِ يا كاميليا يا بنتي متمسكيش في الكلمة، إنتوا هتيجوا تقعدوا معايا في بيتي، ده لا يجوز ولا يرضيني أبداً.
نزلت كلمات جيهان كالصا.عقة، فكانت المرة الأولى التي تتحدث فيها بهذا الوضوح وهذا الوجع أمام الجميع. اهتزت نبرة صوتها وهي تهتف بمرارة أخرست "يوسف" تماماً:
ـ آسفة يا عمي.. المرة دي مش هقدر. ده بيتي اللي كان المفروض أكون فيه من زمان، بس أنا كنت بسكت وبتحمل علشان أختي وعلشان بناتي.. لكن خلاص، أنا تعبت.
التفتت بنظرة سريعة وخا.طفة نحو يوسف، نظرة مليئة باللوم الذي يفوق أي صراخ، وأكملت ودموعها المتحجرة في عينيها تلمع بقوة:
ـ اتحملت وجع وظلم كتير يا عمي.. وظلم القريب بيذ.بح ابنك قضى على كل اللي كان بينا، وما سابش ليا حاجة أرجع علشانها.
خيم صمت ثقيل ومؤلم على المكان. عدنان خفض رأسه في خجل من حديث ابنة أخيه، فهو يعلم يقيناً أنها لم تظلم ابنه، بل يوسف هو من تمادى. أما تامر، فقد كان ينظر للأرض بأسى، شاعراً بالذنب لأن عائلتهم كانت سبباً في كل هذا الحزن الذي يراه في عين جيهان وقوة كاميليا.
بذل عدنان القاضي كل ما في وسعه من حكمة وقوة إقناع ليجعل كاميليا وجيهان يرافقانه إلى منزله، لكنه اصطدم بحائط سد من الإصرار؛ فكاميليا لن تتراجع، وجيهان قد اكتفت بما نالته من خذلان.
عندما وجد يوسف أن والده فشل في مساعيه، نظر إلى جيهان برجاء وقال بصوت منخفض:
ـ جيهان.. ممكن نتكلم دقيقة واحدة لوحدنا بره؟
نظرت جيهان إلى كاميليا التي أومأت لها برأسها كأنها تعطيها الضوء الأخضر لتضع النقاط على الحروف، فخرجت معه إلى شرفة المنزل القديم بعيداً عن الأعين.
حاول يوسف استجماع شتات نفسه، وقال بنبرة يملؤها الندم:
ـ جيهان، أنا عارف إني غلطت، وعارف إن اللي حصل كان فوق طاقتك.. بس أنا بوعدك، كل اللي فات ده مش هيتكرر تاني، أنا مستعد أعمل أي حاجة علشان ترجعي بيتك وأعوضك عن الأيام اللي فاتت.
استمعت إليه جيهان ببرود لم يعهده فيها من قبل، لم تصرخ ولم تبكِ، بل قالت بكلمات قا.طعة وجافة:
ـ الوعود دي اتقالت كتير يا يوسف، والنتيجة كانت جوازة تانية وتالتة وإهانة في بيتي. اللي بينا كزوج وزوجة انتهى يا يوسف، ومبقاش يربطني بيك غير حاجتين بس.. بناتي، والشغل اللي في الشركة.
حاول يوسف مقاطعتها:
ـ بس يا جيهان أنا لسه..
قطـ.ـعت قوله بحزم:
ـ مفيش بس. أنا دلوقتي جيهان القاضي شريكتك في الحسابات والورق، وأم بناتك وبس. أي كلام تاني يبقى بتضيع وقتك ووقتي. اتفضل ادخل لعمي عشان ما يتأخرش أكتر من كدة.
تركت يوسف واقفاً في مكانه يشعر بمدى الفجوة التي حفرها بيديه، ودلفت هي إلى الداخل برأس مرفوعة، تاركةً إياه يواجه حقيقة أن "جيهان المطيعة" قد ولت إلى غير رجعة.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة، كانت تخترقه فقط نظرات متوترة ومشحونة بين كاميليا وتامر؛ نظرات تحمل عتاباً قديماً وشوقاً مكبوتاً وحكايات لم تنتهِ بعد. بينما كان الفتيات يجلسن بجوار جدهن عدنان، يمسحن على يده ببراءة، مما ضاعف من شعوره بالذنب وفداحة الخطأ الذي ارتُكب في حق ابنة أخيه اليتيمة، وكيف سمح لمنزلها أن ينهار بهذا الشكل.
دخلت جيهان إلى الغرفة بخطى ثابتة ولحق بها يوسف بملامح منكسرة، لتقرر جيهان وضع الجميع أمام الأمر الواقع، وقالت موجهة حديثها لعمها:
ـ يا عمي، أنا من بكرة هرجع الشركة وأمارس شغلي.. والمرة دي كاميليا هتكون معايا ومش هتفارقني.
التفتت لعمها بطلب أخير لتؤكد استقلاليتها عن يوسف:
ـ بس كنت حابة أطلب منك تبعت لنا سواق الصبح يخدنا، علشان مش حابة نعتمد على حد.
لم يكد عدنان يفتح فمه للرد، حتى هتف تامر بسرعة ولهفة لم يستطع مواراتها:
ـ مش محتاج سواق يا جيهان.. أنا الصبح هفوت عليكم بنفسي وآخدكم معايا في طريقي للشركة.
نظرت كاميليا لتامر نظرة خاطفة، لم يعلق أحد بعدها، وكأن صمتها كان موافقة ضمنية. ليلملم الرجال شتات أنفسهم واستعدوا للمغادرة. وعند خروجهم من المنزل، لم يتجه يوسف إلى سيارته ليعود إلى فيلته حيث سميرة ونور، بل اتجه مباشرة إلى سيارة والده وركب معهم، وهتف بضيق وألم:
ـ أنا هروح معاكم بيت العيلة يا بابا.. مش قادر أرجع الفيلا وهي مش فيها، ولا طايق أشوف حد هناك.
كان يوسف في تلك اللحظة قد اتخذ قراراً داخلياً لا رجعة فيه؛ سيفعل المستحيل، وسيقلب الدنيا رأساً على عقب لاستعادة جيهان، مهما كان الثمن، ومهما كانت العقبات التي ستضعها كاميليا في طريقه.
بمجرد أن أُغلق الباب وابتعدت أصوات سياراتهم، تهاوت جيهان على فراشها، وسقطت معها كل دروع القوة الزائفة التي رسمتها أمامهم. انفـ.ـجرت في بكاء صامت ومرير، وهي تلوم نفسها بكلمات قاسية:
ـ ليه استنيت كل ده؟ ليه سمحت له يكسـ.رني مرة واتنين وتلاتة؟
تذكرت كيف كانت تغفر له بكلمة، وتتجاوز عن إهاناته من أجل "البيت"، فابتسمت بسخرية موجعة على سذاجتها؛ لقد أدركت الآن أن غفرانها لم يزده إلا تمادياً.
في الخارج، كانت كاميليا تجلس مع الفتيات، تداعبهن بهدوء وتسمع حكاياتهن، لكن عقلها كان مع شقيقتها في الغرفة المجاورة؛
كانت تعلم أن جيهان تحتاج هذه المساحة لتفرغ وجع السنين وتبني شخصيتها الجديدة بعيداً عن ضغط المواجهة.
على الجانب الآخر، وصل عدنان وتامر ويوسف إلى المنزل، ليجدوا ندى في انتظارهم وعلامات الترقب على وجهها. جلست معهم في الصالة، وسألت بتردد:
ـ بابا.. تامر.. هي كاميليا رجعت فعلاً؟
رد عليها تامر بنبرة جافة وهو لا ينظر إليها:
ـ رجعت يا ندى.. ورجعت قوية زي ما هي، بس للأسف رجعت لقيت إننا فرطنا في أختها وفيها.
نزلت الكلمات على ندى كوقع الصا.عقة؛ أدركت في تلك اللحظة حجم خسارتها. لقد وقفت بجانب صديقتها "نور" على حساب بنات عمها "جيهان وكاميليا"، ضحت بدمها من أجل الغريب، وظنت أن الأمور ستمر بسلام. نظرات والدها وتامر اللائمة جعلتها تشعر بصغر حجمها.
صعدت ندى إلى غرفتها وهي تشعر بندم ينهش قلبها، أغلقت الباب وجلست تفكر بذهن مشتت: كيف ستواجه كاميليا؟ وكيف ستعيد علاقتها بجيهان بعد أن خذلتها في أصعب أوقاتها؟ كانت تعلم أن الطريق للوصول لقلب كاميليا وجيهان الآن أصبح مليئاً بالأشواك التي زرعتها هي بيدها.
دخل يوسف غرفته في منزل والده، وجلس على طرف الفراش والضيق ينهش صدره. أخرج هاتفه وقام بالاتصال بـ سميرة. وبمجرد أن أجابت، قال بنبرة حادة وجافة لا تقبل النقاش:
ـ أنا هبات الليلة في بيت أبويا يا سميرة.. واسمعيني كويس، مش عايز قلق ولا مشاكل في غيابي. لو عرفت إن حد فيكم ضايق التاني أو عمل حركة كدة ولا كدة، حسابي معاكم هيكون عسير، والمرة دي مش هرحم حد.. مفهوم؟
لم ينتظر ردها وأغلق الخط في وجهها، تاركاً إياها في حالة من الذهول والغليان. توجهت سميرة فوراً إلى غرفة نور، وأخبرتها بلهجة مليئة بالغل:
ـ يوسف مش راجع النهاردة، هيبات عند والده.. والظاهر إن الحـ.رب بدأت بجد.
عادت سميرة لغرفتها بخطوات غاضبة، لكنها لم تكد تغلق الباب حتى وجدت نور خلفها تقتحم الغرفة بجرأة. التفتت إليها سميرة بتعجب واستنكار من هذه الطريقة:
ـ إيه يا نور؟ داخلة كدة ليه؟ مش تخبطي؟
نظرت إليها نور بعينين تلمعان بالمكر، وقالت دون مقدمات:
ـ إحنا هنقضيها خناق مع بعض ولا إيه؟ بدل ما إنتي شاغلة بالك بدخلتي، ليه ما بتفكريش إزاي تساعديني عشان نخلص من "جيهان" دي خالص؟ لازم تخرج من حياة يوسف ومن البيت ده للأبد.. وإلا الدور هيجي عليكي وعليا!
نظرت سميرة إلى نور بنظرة فاحصة، وكأنها تقرأ ما يدور في عقلها الماكر؛ فقد أدركت بذكائها أن "نور" ليست حليفة وفية، بل هي مجرد شخص يبحث عن مصلحته، وأن الدور سيأتي عليها هي الأخرى إذا ما انتهت من جيهان.
ردت سميرة بهدوء غريب وجلست على طرف فراشها قائلة:
ـ أنا مش هتحالف مع حد يا نور، والظاهر إنك لسه مش فاهمة الحقيقة اللي ظهرت النهاردة.. يوسف بيحب جيهان، والظاهر إنه بيحبها أكتر منا إحنا الاتنين سوا.
رأت سميرة ملامح الصدمة والاعتراض على وجه نور، فأكملت بلهجة أكثر واقعية:
ـ إنتي ناسية إن جيهان دي بنت عم يوسف؟
يعني دم ولحم، وده لوحده بيعزز مكانتها في العيلة وفي البيت ده قبلنا بكتير. هي صاحبة بيت بالأصل، مش مجرد زوجة.
وقفت سميرة وفتحت باب غرفتها، في إشارة لنور بالمغادرة، وقالت بكلمة أخيرة كأنها نصيحة أو تحذير:
ـ نصيحة مني ليكي.. لو عايزة تكملي في البيت ده وتحافظي على مكانتك، بطلي تفكري إزاي تمشي جيهان، وفكري إزاي تحافظي على اللي فاضل لك عند يوسف، لأن "كاميليا" اللي جت دي مش هتسكت على غلطة واحدة منك أو مني.
أغلقت نور باب غرفتها خلفها، والضيق يعتصر قلبها؛ فقد كانت تظن أن إبعاد جيهان سيكون معر.كة سهلة، لكنها اصطدمت بحقيقة أن جيهان ليست مجرد زوجة قديمة، بل هي جزء أصيل من عصب هذه العائلة، وزاد الأمر تعقيداً ظهور كاميليا التي ألقت بظلال من الخوف والقلق على الجميع.
ارتمت نور على فراشها، وظلت تحدق في السقف وعقلها لا يتوقف عن التفكير. لم يكن خوفها الآن من جيهان وحدها، بل من مستقبلها ومستقبل طفلها القادم في هذا المنزل المشحون. تساءلت في نفسها:
ـ هل سيظل لي ولابني مكان في قلب يوسف بعد ما حصل؟ وهل "عيلة القاضي" هتقبل بيا كفرد أساسي وسط صراع الجذور ده!!! نامت نور وصورة كاميليا وجيهان تلاحقها، وهي تدرك أن الأيام القادمة لن تكون هادئة أبداً، وأن الحرب الباردة قد بدأت بالفعل.
❈-❈-❈
أشرقت الشمس، واستيقظ الجميع على واقع جديد. أمام منزل القاضي القديم، توقفت سيارة تامر الفاخرة، وكان يرتدي حلة أنيقة، وعيناه تراقب بواب المنزل بلهفة لا تهدأ.
في الداخل، كانت كاميليا قد ارتدت ملابس رسمية غاية في الأناقة والصرامة، تناسب هيبتها الجديدة كشريكة، بينما كانت جيهان تضع اللمسات الأخيرة، محاولةً إخفاء آثار التعب تحت عينيها، وهي تستعد لدخول شركتها التي هجرتها طويلاً، لكن هذه المرة بروح مختلفة تماماً.
قبل أن يغادروا المنزل، كانت جيهان تقف أمام المرآة تُعدل حجابها بيدين مرتجفتين قليلاً. لاحظت كاميليا ذلك، فاقتربت منها ووضعت يديها على كتفي جيهان، ونظرت لعينها من خلال المرآة بصدق وقوة.
كاميليا:
ـ ارفعي راسك يا جيهان. إنتي مش رايحة "بيت يوسف" النهاردة، إنتي رايحة "شركة القاضي".. مكانك، وملكك، وتعبك. عايزة الكل يشوف جيهان اللي كانت بتمسك الحسابات والشركاء بيعملوا لها ألف حساب، مش جيهان اللي قاعدة مستنية يوسف يرضى عنها.
جيهان بتنهيدة عميقة:
ـ خايفة يا كاميليا.. خايفة نظرات الموظفين، ولا لما أشوف يوسف قاعد في مكتبه وبيمارس حياته عادي ولا كأنه كسـ.رني.
أدارتها كاميليا لتواجهها تماماً، وقالت بنبرة حازمة ومدعمة:
ـ يوسف هو اللي لازم يخاف من نظراتك، مش العكس. النهاردة إنتي مش لوحدك، أنا جنبك، وعمي عدنان معاكي، وتامر واقف تحت مستنينا. اطلعي وإنتي واثقة إن وجودك بكرة هو اللي هيخليكي تاخدي حقك وحق بناتك. إحنا مش رايحين نحارب، إحنا رايحين نسترد كرامتنا في العلن.
أخذت جيهان نفساً عميقاً، وشعرت أن كلمات شقيقتها تسري في عروقها كالقوة، فأومأت برأسها وقالت:
ـ معاكي حق.. يلا بينا.
خرجتا معاً من باب المنزل، وبمجرد أن رأت جيهان سيارة تامر، ضغطت كاميليا على يدها ضغطة خفيفة كأنها تخبرها:
ـ أنا معاكي في كل خطوة.
توقفت سيارة تامر أمام المنزل القديم في الموعد تماماً. لم تمر دقائق حتى خرجت جيهان وبجوارها كاميليا التي كانت تبدو كملكة عائدة لاسترداد عرشها، ببدلتها الرسمية ونظراتها الواثقة.
نزل تامر من السيارة بسرعة وفتح لهما الباب بتقدير، قائلاً بصوت هادئ ومنخفض:
ـ صباح الخير.. نورتوا العربية.
ركبت جيهان في الخلف، بينما ترددت كاميليا للحظة قبل أن تجلس في المقعد الأمامي بجواره. ساد الصمت للحظة قبل أن يتحرك تامر بالسيارة بهدوء، محاولاً كسر الجمود بحوار هادئ:
تامر وهو ينظر للطريق بتركيز:
ـ عارف إن المشوار للشركة تقيل على قلبك يا جيهان بعد الفترة اللي فاتت، بس صدقيني.. وجودك النهاردة هو اللي هيظبط ميزان كل حاجة. الموظفين والعملاء كانوا بيسألوا عليكي دايماً.
ردت جيهان بابتسامة باهتة:
ـ شكراً يا تامر.. لولا وجود كاميليا معايا، مكنتش هقدر آخد الخطوة دي النهاردة. أنا راجعة علشان أحافظ على مكاني ومكان بناتي وبس.
التفت تامر بطرف عينه نحو كاميليا التي كانت تنظر من النافذة بصمت، فقال بنبرة أكثر قرباً:
ـ وإنتي يا كاميليا؟ لسه ناوية تفضلي "ضيفة" ولا خلاص استقريتي إن مكانك هنا وسطنا؟
هتفت كاميليا بهدوء شديد دون أن تلتفت إليه:
ـ أنا مكاني في المكان اللي أختي تكون مرتاحة فيه يا تامر. جيت علشان أسندها، وطول ما هي محتاجة وجودي، أنا مش هتحرك من هنا. أما بالنسبة للشركة، فأنا داخلة بصفة "شريكة"، يعني التعامل هيكون عملي وصريح لأبعد حد.
قال تامر بصوت دافئ يحمل الكثير من المعاني:
ـ كاميليا.. إنتي عمرك ما كنتِ ضيفة، ولا مجرد شريكة. إنتي عارفة قيمتك عند بابا وعندي إيه. أنا بس أتمنى إننا نبدأ صفحة جديدة، بعيداً عن أخطاء يوسف أو توترات العيلة. إحنا النهاردة بنبدأ مرحلة تانية خالص.
نظرت إليه كاميليا أخيراً، وكانت نظرة طويلة خالية من الحدة التي ظهرت بها بالأمس، وقالت بكلمة واحدة:
ـ ياريت يا تامر.. ياريت.
استمرت السيارة في طريقها نحو الشركة، وكان الحوار رغم هدوئه، يحمل تحت طياته الكثير من الترقب لما سيحدث بمجرد أن تطأ أقدامهم مكتب يوسف.
تحركت سيارة عدنان القاضي وبجانبه يوسف الذي كان غارقاً في صمته، يراقب الطريق بشرود. التفت إليه والده ونبذ الصمت قائلاً بنبرة حازمة:
ـ عايزك النهاردة في الشركة تكون هادي يا يوسف.. جيهان راجعة وهي شايلة وجع كبير، وكاميليا مش هتقبل منك كلمة واحدة غلط. لو عايز ترجع بيتك وتلم شملك، يبقى العقل والحكمة هما طريقك الوحيد.
أومأ يوسف برأسه دون كلام، لكن داخله كان يغلي بمزيج من الندم والرغبة في استعادة مكانته عند جيهان، خاصة بعدما رأى قوتها الجديدة المستمدة من وجود شقيقتها.
دخلت جيهان وبجانبها كاميليا، وكان استقبال الموظفين استقبالاً يملؤه التقدير والاحترام لـ "بنت القاضي". تقدم منها مدير مكتب يوسف وبعض الموظفين الذين يعرفون فضلها، ورحبوا بها ببساطة:
ـ حمد لله على السلامة يا فندم.. نورتي مكتبك.
جيهان ردت بابتسامة خفيفة، وشعرت بدعم كاميليا التي كانت تمشي بجانبها بخطوات واثقة تلفت الأنظار. بعدها، اتجهت جيهان لمكتبها لتستأنف عملها، بينما توجهت كاميليا لمكتب عمها عدنان.
داخل مكتب عدنان:
استقبلها عدنان بترحيب حار، وقام من خلف مكتبه ليجلس معها في ركن الاستقبال بالمكتب، وقال بهدوء:
ـ نورتي الشركة يا كاميليا.. أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان. وجودك جنب جيهان هنا هيخلي قلبي مطمن. أنا عارف إن يوسف غلط، وعارف إن التوتر اللي بينكم لسه موجود، بس أنا طالب منكِ يا بنتي إننا النهاردة نفتح صفحة جديدة علشان الشغل وعلشان البنات.
نظرت له كاميليا بجدية وقالت:
ـ يا عمي أنا جيت عشان جيهان وعلشان مصلحة البنات زي ما قلت. أنا مش عايزة توتر، بس برضه مش هسمح إن حق أختي يتهدر تاني، لا في البيت ولا هنا في الشركة. وجودي هنا "رقابة" قبل ما يكون شراكة.
كان يوسف يجلس في مكتبه، يشعر وكأن جدران المكان تضيق عليه. كلما نظر إلى الباب، تخيل جيهان وهي تمر من أمامه، فيشعر بنغزة في قلبه لأنه هو من وضع تلك الحواجز الخرسانية بينهما. حاول التركيز في الأوراق أمامه، لكن صورة "نور" و"سميرة" وهما تتصارعان في البيت كانت تزيد من صداعه، بينما صورة جيهان في البيت القديم وهي ترفض العودة معه كانت تزيد من شعوره بالخسارة.
قطع شروده رنين هاتف المكتب، كانت السكرتيرة تبلغه بأن والده يطلبه هو وجيهان في الاجتماع. قام يوسف، عدّل سترة بدلتة، وأخذ نفساً عميقاً وهو يردد في سره:
ـ لازم أهدي الأمور، لازم ألاقي ثغرة أرجع منها لجيهان.
داخل المكتب، كان يوسف يراقب جيهان وهي تفتح ملفات المشاريع بجدية، وشعر بالفخر رغم الحواجز التي بينهما؛ فهي لم تكن يوماً امرأة عادية. تنفس الصعداء عندما رأى أن نقاشها مع والده كان منصباً بالكامل على مصلحة العمل وكيفية تطوير الأداء.
عدنان وهو ينظر للجميع:
ـ يا ولاد، الشركة دي أمانة في رقبتنا كلنا. جيهان، إنتي بخبرتك الهندسية ونظرتك في التصميم، وكاميليا بدراستها للقانون، ويوسف وتامر بمتابعتهم للسوق والمواقع.. إحنا كدة بقينا "إيد واحدة" بجد، وده اللي هيخلينا في القمة.
تحدثت جيهان بكل رقيّ وهدوء:
ـ فعلاً يا عمي، وده اللي يهمني. أنا راجعة عشان "شركة القاضي" ترجع لمكانتها. يا يوسف، أنا راجعت الملاحظات الفنية للموقع الأخير، وعندك حق في اختيارك للموردين، بس محتاجين نرفع جودة التشطيبات شوية عشان ننافس بقوة في المناقصة الجديدة. أنا هعدل المواصفات عشان نضمن إننا نكون دايمًا في المرتبة الأولى.
يوسف وقد لمعت عيناه بتقدير حقيقي:
ـ تمام يا بشمهندسة، ملاحظاتك في محلها جداً، وأنا فعلاً كنت محتاج النظرة دي. أنا هدي تعليمات فورية للموقع عشان يمشوا على تعديلاتك، واسم "القاضي" هيفضل دايمًا هو الأهم.
كاميليا مؤكدة بجدية:
ـ وأنا يا عمي بدأت أجهز مسودة للعقود الجديدة، بحيث نحمي حقنا وفي نفس الوقت ندي ثقة للعميل إننا شركة احترافية. هدفنا إننا نكبر السلسلة دي ونوصل لمشاريع دولية، وده مش هيحصل غير بنظام إداري وقانوني صح.
في تلك اللحظة، دخل تامر والابتسامة تسبق خطواته، ليؤكد أن مجهودهم بدأ يؤتي ثماره:
ـ أبشروا يا جماعة! المناقصة رسيت علينا بفضل التقرير الفني اللي جيهان كانت حاطة لمساتها فيه قبل ما تمشي، والنهاردة الكل أشاد بدقتنا. إحنا فعلاً دلوقتي في القمة يا بابا.
سادت حالة من الفرحة "المهنية" المحترمة داخل المكتب. عدنان شعر براحة كبيرة لأن عائلته بدأت تتماسك من جديد من أجل هدف أسمى.
يوسف نظر لجيهان وكأنه يريد قول الكثير، لكنه اكتفى بكلمة واحدة أمام الجميع:
ـ مبروك لينا كلنا.. مبروك يا جيهان، تعبك في التقرير ده هو اللي جاب لنا المشروع.
نظرت إليه جيهان نظرة هادئة، خالية من العداء، وقالت:
ـ الله يبارك فيك يا يوسف.. المهم نثبت إننا قد المسؤولية دي.
يتبع...
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

تسلم ايدك
جميل