بيت الضراير - الفصل 16 | فاطمة الزهراء

 


قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل السادس عشر

تم النشر الأربعاء 

25/2/2026



تحلق الصغيرتان حول والدتهما، وفي عيني الكبرى تساؤلٌ أثقل كاهل جيهان: 

ـ يا ماما، إحنا هنرجع المدرسة إمتى؟ شنطنا ولبسنا كله هناك. 

ساد الصمت للحظات، ونظرت جيهان إليهما بنظرة طويلة مليئة بالحزن والحيرة؛ فهي قد خرجت بروحها فقط، تاركةً خلفها كل ما يربطهما بحياتهما السابقة، وفكرة العودة لتلك الفيلا كانت بالنسبة لها كمن يعود لبيت الطاعة أو لساحة تعذيبه.

كانت كاميليا تستمع للحوار من غرفتها، فشعرت بغصة في قلبها. خرجت إليهم بابتسامة واثقة تحاول بها تبديد سحب القلق، وقالت وهي تداعب شعر ابنة أختها:

ـ متقلقوش يا حبايبي، يومين بالظبط وكل حاجة هتكون عندكم وهترجعوا مدرستكم وأحسن كمان.. سيبوا الموضوع ده لـ خالتو كاميليا.

بعد تناول الإفطار، أحضرت كاميليا الهدايا التي جلبتها لهما من باريس، لتعلو ضحكات الفتيات في أرجاء المنزل القديم، بينما ظلت عينها تراقب جيهان الشاردة. أدركت كاميليا أن المواجهة لا تتأجل، وأن استرداد حقوق هؤلاء الصغار يبدأ بانتزاعها من أنياب يوسف، لكنها كانت تعلم يقيناً أن جيهان ستمنعها لو عرفت وجهتها.

قالت كاميليا بنبرة هادئة مصطنعة وهي تمسك حقيبتها:

ـ جيهان، أنا هنزل مشوار سريع أجيب شوية حاجات ناقصاني، وكمان أشوف موضوع الخط بتاعي اللي مش شغال ده.. مش هغيب عليكي.

أومأت جيهان بالموافقة وهي تظن أن شقيقتها تبحث عن احتياجاتها الشخصية، ولم تدرك أن كاميليا بمجرد أن أغفلت عينها، استقلت سيارة أجرة والشرر يتطاير من عينيها، متوجهةً إلى فيلا يوسف القاضي. كانت بداخلها عاصفة من الغضب لا يهدئها إلا المواجهة؛ فهي لا تذهب لتستعطف أحداً، بل تذهب لتعلن انقسام العالم بقدومها، ولتضع حداً لمهزلة يوسف وزوجتيه.

وصلت كاميليا إلى الفيلا، وقبل أن تضع يدها على الجرس، دفعته بقوة وكأنها لا تستأذن، بل تعلن عن قدوم إعصار. كانت سميرة تجلس في الردهة تحتسي قهوتها في هدوء لم يدم طويلًا، لتنتفض فزعة على صوت الجرس المتواصل.

فتحت سميرة الباب وهي ترتدي ثوبًا منزليًا أنيقًا، لتجد أمامها امرأة تشع قوةً وغطرسة، ترتدي نظارة سوداء أخفت عينيها، لكنها لم تخفِ حدة ملامحها. اقتحمت كاميليا المكان دون أن تنتظر دعوة، وخلعت نظارتها ببطء وهي تتفحص أرجاء الفيلا بنظرات ثاقبة، ثم استقرت عيناها على سميرة التي وقفت مذهولة لا تعرف من هذه.

طافت كاميليا ببصرها في الصالة الواسعة، ثم التفتت لسميرة وهتفت بسخرية لاذعة وتهكم:

ـ يوسف ذوقه حلو.. مش بس في بيته، ده كمان في زوجاته.. مع إن الستايل قديم شوية بس مش بطال.

تعجبت سميرة من جراءتها وسألتها بحدة وهي تحاول استيعاب الموقف:

ـ إنتِ مين؟ وإزاي تدخلي البيت بالطريقة دي؟

تجاهلتها كاميليا تمامًا، وكأنها مجرد قطعة أثاث لا قيمة لها، واتجهت مباشرة نحو الدرج بخطوات واثقة جعلت كعب حذائها يقرع الأرض بقوة. صعدت للأعلى وهي تحدد وجهتها بدقة، ودلفت إلى غرفة الصغيرات. وبمنتهى البرود، سحبت الحقائب الكبيرة من فوق الخزانة وبدأت تلم ملابس بنات شقيقتها وأدواتهم المدرسية، ملقيةً بها داخل الحقائب دون اكتراث لترتيب.

هنا، فقدت سميرة أعصابها ولحقت بها للأعلى، ووقفت عند باب الغرفة تصرخ بهستيريا:

ـ إنتِ يا ست إنتِ.. إنتِ حرامية ولا إيه؟ إزاي تفتحي دواليب الناس وتلمي حاجتهم كدة؟ اطلعي بره حالاً وإلا هكلم البوليس ييجي يرميكي في الحجز!

توقفت كاميليا عن العمل لثانية واحدة، والتفتت إليها ببرود يحرق الأعصاب، وقالت بنبرة هادئة مرعبة:

ـ بوليس؟ يا ريت تطلبيه.. عشان ييجي يشوف "بنت عيلة القاضي" وهي بتسترد كرامة أختها في بيت يوسف القاضي. وبعدين وفرّي صر.يخك ده، عشان يوسف اللي نايم جوه ده يحتاجك جنبه لما يعرف إن أيام الدلع خلصت.

عادت كاميليا لتكمل ما تفعله، بينما كانت سميرة ترتجف من الغيظ، غير قادرة على استيعاب أن هذه المرأة هي "كاميليا"، القوة التي كانت جيهان تفتقدها. وفي تلك اللحظة، فتح يوسف باب غرفة جيهان وخرج وهو يفرك عينيه من أثر الصراخ، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام الشخصية التي كان يخشى عودتها أكثر من أي شيء آخر.

قال يوسف بنبرة مختنقة من الصدمة:

ـ كاميليا؟! إنتِ جيتي إمتى؟ وإيه اللي بتعمليه ده؟

لم تلتفت إليه كاميليا حتى، بل واصلت وضع الملابس في الحقائب ببرود شديد، وردت عليه دون أن تنظر له:

ـ جيت في الوقت اللي لازم أكون فيه هنا.. وبلم هدوم البنات عشان هيمشوا من هنا، ومش هيرجعوا تاني.

استشاطت سميرة غضباً من تجاهل كاميليا لها ومن نبرتها مع يوسف، فصرخت في يوسف:

ـ إنت واقف تتفرج عليها يا يوسف؟ دي داخلة تلم حاجتنا وبتقول كلام مالوش معنى! اطلب لها البوليس يرميها بره!

نظر إليها يوسف بحدة وقال بصوت منخفض ومحرج:

ـ اسكتي يا سميرة.. دي كاميليا، أخت جيهان.

وقفت سميرة مكانها، وبدأت ملامحها تتبدل من الغضب إلى الدهشة والارتباك، بينما استدارت كاميليا أخيراً ونظرت ليوسف نظرة فاحصة، ثم وجهت كلامها لسميرة بسخرية:

ـ أهو يوسف جيه يخلصك من الحيرة.. عرفتي أنا مين؟

كان يوسف يدرك جيداً أن الشخصية التي تقف أمامه الآن هي نقيض زوجته جيهان تماماً؛ فإذا كانت جيهان هي اللين والهدوء، فإن كاميليا هي الإعصار الذي لا يبقي ولا يذر. في تلك اللحظة الحرجة، تمنى من قلبه لو كان والده عدنان موجوداً، فهو الوحيد الذي يمتلك هيبة تضاهي هيبة كاميليا ويستطيع كبح جماحها، لكن والده كان قد غادر بالفعل إلى الشركة رفقة تامر لمتابعة أعمالهم التي لا تتوقف.

حاول يوسف استعادة توازنه، فسأل كاميليا بنبرة مضطربة:

ـ كاميليا.. قولي لي بس إنتِ رجعتي مصر إمتى؟ وجيهان فين؟ والبنات فين؟ قولي لي مكانهم وأنا هاجي أصالحها ونحل كل حاجة.

لم تمنحه كاميليا حتى نظرة واحدة، بل استمرت في إلقاء الكتب والملابس داخل الحقائب بإصرار غريب، وقالت بلهجة قاطعة:

ـ مش محتاج تعرف هما فين.. هما في مكان أنضف من هنا بكتير، مكان ميهونوش فيه على اللي منهم.

كانت نور قد اقتربت من الغرفة بخطوات حذرة، وظلت تتابع المشهد من بعيد بهدوء مريب، تراقب هذه المرأة التي هزت أركان المنزل منذ وصولها. حاول يوسف التحدث مجدداً والاقتراب منها لإيقافها، لكن كاميليا رفعت يدها في وجهه بحزم كأنها تصدر حكماً نهائياً، قائلة بصوت رخيم هز جدران الغرفة:

ـ ولا كلمة يا يوسف.. مسمعش صوتك لحد ما أخلص اللي في إيدي.

ساد صمت مطبق، وانزوى يوسف متراجعاً أمام قوة شخصيتها، وهو ما أثار ذهول سميرة ونور؛ فكيف لهذا الرجل القوي الذي يدير حياتهن بكلمة، أن يقف صامتاً، مستسلماً، وعاجزاً عن الرد أمام هذه المرأة؟ كانت نظرات سميرة المذهولة تنتقل بين يوسف المنكـ.ـسر وكاميليا التي لا تبالي بوجود أحد، مدركةً أن موازين القوى في هذا البيت قد اختلت منذ اللحظة التي وطئت فيها قدم كاميليا القاضي أرض الفيلا.

خرجت كاميليا من غرفة الصغيرات تجر خلفها الحقائب، وفي ممر الطابق العلوي وجدت نور تقف صامتة تراقبها ببرود، فما كان من كاميليا إلا أن توقفت ونظرت إليها نظرة خاطفة، ثم وجهت حديثها لـ يوسف بلهجة تقطر سخرية:

ـ لا فعلاً.. ذوقك راقي يا يوسف، مكنتش أعرف إن عينك حلوة أوي كدة في الاختيار.

استفزت الكلمات نور، فقررت أن تدعي القوة وتضع حداً لهذه المرأة التي تقتحم خصوصيتها، فهتفت بضيق واضح وغطرسة:

ـ بقولك إيه.. متنسيش نفسك، إنتِ هنا في بيتي، والزمي حدودك وأنتِ بتتكلمي!

وقعت كلمات نور "في بيتي" كالصاعقة على مسامع سميرة، التي كانت تشاهد الموقف؛ فاشتعلت داخلها نيران الغضب. لم تكتفِ هذه الوافدة الجديدة بإلغاء وجود جيهان، بل نصبت نفسها الآن صاحبة البيت الوحيدة وألغت وجود سميرة أيضاً. التفت يوسف لنور ونظر إليها بغضب شديد، وهمّ أن يسكِتها، لكن كاميليا كانت أسرع منه.

ارتسمت على شفتي كاميليا ابتسامة ساخرة، ونظرت لنور من أعلى لأسفل ببرود، ثم قالت بكلمات لها مغزى أصاب الجميع في مقـ.ـتل:

ـ بيتك؟ مبروك عليكي يا حبيبتي.. بس أنا أصلاً لا يمكن أقبل إني أقعد ولو دقيقة واحدة في بيت تتحكم فيه "واحدة" زيك. أنا بيوتي معروفة ومقامي أرفع من إني أتحط في مقارنة مع أي حد هنا.

ثم التفتت ليوسف وقالت وهي تهم بالنزول:

ـ البيت اللي مفيهوش كبير بيحكمه، الصغار فيه بيفتكروا إنهم بقوا أسياد. خلصت مأموريتي يا يوسف، والشنط دي هتخرج معايا دلوقتي.

ترك يوسف نور وسميرة في حالة من الذهول والاشتـ.ـعال، وتبع كاميليا وهو يحاول استيعاب كيف تحول بيته في دقائق إلى ساحة حر.ب، وكيف أصبحت كاميليا هي الوحيدة التي تملك زمام الأمور.

وقف يوسف بجسده الضخم أمام كاميليا وهي على الدرج، سادّاً عليها طريق المغادرة، وعيناه تملؤهما الحيرة والقلق. سألها بصوت يرتجف:

ـ مش هتخرجي من هنا يا كاميليا قبل ما تقولي ليا جيهان فين؟ والبنات فين؟ أنا قلبت الدنيا عليهم!

كانت نور وسميرة تتابعان المشهد من الأعلى بذهول وصمت؛ سميرة تراقب انكـ.سار زوجها أمام كاميليا، ونور تحاول استيعاب من هذه المرأة التي جعلت يوسف يفقد سيطرته بهذا الشكل.

نظرت إليه كاميليا بجمود وقالت بنبرة حادة:

ـ مش هتعرف مكانهم يا يوسف.. إنت ضيعت جيهان من إيدك لما هنتها وكـ.سر.تها، وأنا مش هسمح لك تهين أختي في بيت "مراتك الجديدة" مرة تانية. ابعد عن طريقي!

وبحركة حازمة، قامت بإبعاده بيدها من أمامها، ونزلت الدرج بكل شموخ وغادرت الفيلا. استوقفت أول سيارة أجرة (تاكسي) وأشارت للسائق بالتحرك.

لم يتردد يوسف لحظة، ركض نحو سيارته وانطلق خلفها؛ كان هدفه الوحيد هو معرفة مكان إقامة زوجته وبناته. وبعد دقائق من الملاحقة، وجد التاكسي يتوقف أمام منزل "القاضي" القديم.

ضرب يوسف رأسه بيده بقوة داخل السيارة وهو يقول لنفسه بذهول:

ـ إزاي مفكرتش في بيت عمي؟ ده أول مكان كان لازم أدور فيه!

توقف يوسف بسيارته على مسافة قصيرة، يراقب كاميليا وهي تدخل المنزل، ثم أخرج هاتفه بسرعة واتصل بوالده ليخبره بالورطة التي وقع فيها.

في مكتب "القاضي"، كان عدنان يجلس بهيبته المعتادة يتابع بعض الأوراق مع تامر، حين رن هاتفه معلناً اتصالاً من يوسف. أجاب عدنان بهدوء ورزانة:

ـ أيوة يا يوسف.. عرفت جيهان فين؟

جاءه صوت يوسف مرتبكاً ومنفعلاً:

ـ عرفت يا بابا.. كاميليا رجعت! جت الفيلا النهاردة زي الإعـ.صار، ولمت كل أغراض البنات، وأنا مشيت ورا التاكسي بتاعها لحد ما وصلت بيت عمي القديم.. هما هناك يا بابا.

ساد الصمت للحظة، وظهرت علامات التفكير العميق على وجه عدنان، ثم قال بلهجة آمرة

ـ استناني مكانك وما تعملش أي تصرف متهور.. أنا جاي لك حالاً.

رغم أن غصة القلق أصابت عدنان، إلا أنه شعر بلمحة سعادة داخلية لعودة كاميليا؛ فهي ابنة أخيه الغالية، لكنه في الوقت ذاته يعلم جيداً أن مواجهة يوسف معها ومع جيهان في غيابه كانت خطأً كبيراً، فكاميليا "عنيدة" ولا يمكن ليوسف مجاراتها في الكلام أو التخطيط، والمواجهة بالتأكيد انقلبت ضد يوسف.

التفت عدنان إلى تامر الذي كان يتابع الموقف بترقب، وقال له:

ـ يوسف كلمني.. كاميليا رجعت يا تامر، وهما دلوقتي في بيت أبوهم القديم.

لم تسع الفرحة قلب تامر عند سماع اسم "كاميليا"؛ فالحلم الذي طال انتظاره بعودتها بات وشيكاً، وشعر أن نبضات قلبه تسارعت، لكنه سرعان ما أفاق على الواقع المرير والأزمة التي تعيشها العائلة بسبب تصرفات أخيه يوسف.

قال تامر بلهفة محاولاً إخفاء مشاعره:

ـ كاميليا رجعت فعلاً؟ طيب يلا بينا يا بابا، لازم نروح لهم فوراً.. وجودنا هناك ممكن يهدي الأمور قبل ما كاميليا تاخد رد فعل يهد كل حاجة.

قرر عدنان وتامر مغادرة الشركة فوراً، والتوجه إلى منزل "القاضي" للقاء كاميليا وجيهان، في مواجهة يعلم عدنان أنها لن تكون سهلة أبداً.

❈-❈-❈

دلفت كاميليا إلى صالة المنزل وهي تجر الحقائب خلفها، فوقعت عينا جيهان عليها وتسمرت في مكانها من شدة التعجب. اقتربت منها بملامح يكسوها القلق والارتباك، وسألتها بصوت مرتعش:

ـ إيه ده يا كاميليا؟ الشنط دي جت هنا إزاي؟ إنتِ رُحتي هناك؟»

ردت كاميليا وهي تمسح حبات العرق عن جبينها ببرود وثبات:

ـ أيوة يا جيهان، رُحت وجبت لبس البنات وكتبهم.. مش معقول هيفضلوا محبوسين هنا من غير هدوم ولا مدرسة علشان "الباشا" وجوزاته.

بدأت جيهان تضرب كفاً على كف، وعلامات الهلع تظهر على وجهها، وبدأت تعاتب شقيقتها بخوف:

ـ ليه يا كاميليا؟ ليه عملتي كدة؟ إنتِ كدة عرفتيهم طريقنا.. يوسف مش هيسكت، وعمي وتامر كمان. زمانهم جايين في الطريق دلوقتي علشان ياخدوا البنات مني.. أنا مش حمل مواجهة معاهم يا كاميليا!

تركت كاميليا الحقيبة من يدها واقتربت من شقيقتها، وأمسكت كتفيها بقوة لتبث فيها بعضاً من صمودها، وقالت بنبرة قاطعة كالرصاص:

ـ اهدي خالص.. مفيش مخلوق يقدر ياخد البنات منك طول ما أنا في ضهرك. يوسف وغيره لازم يعرفوا إن "جيهان" مبقتش لوحدها. أنا معاكي يا حبيبتي، والشنط دي أبسط حق ليكي من هناك.

تحركت جيهان بالحقيبة لتدخلها الغرفة وهي لا تزال تترقب الباب، فتبعتها كاميليا لتطمئنها مجدداً وأكدت عليها بكلمات نابعة من القلب:

ـ متخافيش.. أنا مش هسيبك تاني أبداً، واللي فات كوم واللي جاي كوم تاني خالص.

كانت جيهان تجلس على طرف الأريكة، تعتصر يدها بقلق وعيناها لا تفارقان عقارب الساعة التي كانت تمر كأنها مطرقة فوق رأسها؛ خوفها من المواجهة كان ينهش أعصابها.

خارج الباب، كان يوسف يصر على الدخول مع والده وتامر، ورغم أن عدنان القاضي اعترض في البداية خوفاً من صدامه مع كاميليا، إلا أنه وافق في النهاية حين رأى إصرار يوسف على الحديث مع جيهان لتهدئتها وتوضيح موقفه. اقترب الثلاثة من الباب، ومد عدنان يده ليضغط على الجرس بإصرار.

مع صوت الرنين، انتفضت جيهان من مكانها وكأن صاعقة أصابتها، وهمست برعب:

ـ جم يا كاميليا.. أنا عارفة الدقة دي، دول هما!

اقتربت كاميليا منها وأمسكت يدها بقوة، وضغطت عليها لتبث فيها الثبات، وقالت بنبرة هادئة ورخيمة:

ـ اثبتي يا جيهان.. ارفعي راسك، مفيش حد هنا كاسر عينا. خليكي هنا وأنا هفتح.

تركت كاميليا يد شقيقتها واتجهت نحو الباب بخطوات واثقة، مرسوم على وجهها قناع من البرود والقوة. وضعت يدها على المقبض وفتحت الباب ببطء لتجد أمامها ثلاثة أجيال من رجال عائلة القاضي: عدنان بهيبته، ويوسف بارتباكه، وتامر الذي تسمرت عيناه عليها.

ساد صمت مطبق لثوانٍ، كانت فيه النظرات هي سيد الموقف. تامر لم يستطع تحريك ساكن وهو يرى "كاميليا" أمامه أخيراً، أما يوسف فكان يحاول تجاوز كاميليا ببصره بحثاً عن جيهان، بينما وقف عدنان ينظر لابنة أخيه بتقدير ممزوج بالحذر.

تراجعت كاميليا إلى الخلف بخطوات هادئة، فاتحةً الطريق أمامهم للدخول، لكن عينيها ظلتا مسلطتين على يوسف بنظرة غامضة حادة، وكأنها تخبره أن الحساب لم ينتهِ بعد.

بمجرد أن خطوا داخل الصالة، لم تكد أقدامهم تستقر حتى ركضت الفتيات الصغيرات نحو والدهن بصرخات فرحة:

ـ بابا!.. 

ارتمين في أحضانه، فضمهم يوسف بقوة وكأن روحه التي سُلبت منه بالأمس قد عادت إليه بمجرد ملامستهم؛ كانت تلك اللحظة بالنسبة له هي الأمان الذي افتقده منذ خروجهن من الفيلا.

رحبت كاميليا بهم بهدوء شديد، وهو هدوء كان يغلف غضباً وبركاناً بداخلها تجاه الجميع، لكنها في أعماقها كانت تسيطر على انفعالاتها احتراماً لـ عدنان القاضي. فهي لا تستطيع إنكار فضله؛ فبرغم كل شيء، كان عدنان هو الحصن الذي حمى ميراثها هي وشقيقتها، ولو كان رجلاً آخر لربما سلب حق اليتيمتين وأنكره، لكنه حافظ على أمانة شقيقه المتوفى بكل نزاهة.

هذا التقدير هو الوحيد الذي جعل كاميليا تكسر حدة نبرتها وتخفض من سياج غضبها تجاه عمها، رغم مرارة لومها له؛ فهو في نظرها الشخص الذي كان يملك السلطة لمنع يوسف من تكرار زواجه وإذلال جيهان، ومع ذلك سمح له بالتمادي مرتين.

قالت كاميليا بنبرة رزينة وهي تنظر لعمها عدنان:

ـ نورت بيت أخوك يا عمي.. اتفضلوا استريحوا.

التفتت جيهان التي كانت تقف بعيداً، وعيناها تلمعان بالدموع وهي ترى بناتها في حضن يوسف، وبينما كان تامر يتابع كاميليا بصمت، يحاول قراءة ما وراء هذا الهدوء المفاجئ، كان عدنان ينظر حوله في أرجاء المنزل القديم، ثم وجه نظره لكاميليا وقال بصوت وقور:

ـ البيت منور بأصحابه يا بنتي.. حمد الله على سلامتك يا كاميليا، نورتي مصر كلها، ولو إن عتابي عليكي كبير إنك تدخلي بلدك وما يكونش أول نزولك في بيتي.

نزلت كلمات كاميليا كالصاعقة على مسامع الحاضرين، فقد اختارت أن تكون صريحة إلى أبعد الحدود، وبنبرة قوية لا تقبل التأويل ردت على عتاب عمها:

ـ معلش يا عمي.. أنا فضلت أكون في بيتي، بيت أبويا، علشان ما أسمحش لمخلوق إنه يستبيح إهانتي أو يسيء ليا، زي ما حصل مع أختي جيهان بالظبط في وجودكم كلكم.

التفتت بنظرة خاطفة نحو يوسف الذي كان لا يزال يضم بناته، ثم عادت بصرها لـ عدنان وأكملت بحدة:

ـ المرء يُكرم في منزله يا عمي.. وأنا النهاردة لما رٌحت فيلا يوسف عشان أجيب لبس البنات، سمعت من "نور" كلام ما يتقالش لواحدة من عيلة القاضي وهي في بيت ابن عمها، لدرجة إنها فكرتني غريبة وبتقولي "إنتي في بيتي"! فكان طبيعي إني أرجع لمكاني اللي مفيش حد يقدر يفتح بقه فيه بكلمة.

ساد صمت ثقيل في الغرفة، وشعر عدنان بإحراج شديد من حديث ابنة أخيه؛ فكلامها عن "الكرامة" و"البيت" كان موجهاً بدقة ليصيب الجميع. نظر عدنان إلى يوسف بغضب مكتوم، معاتباً إياه بنظراته على ما وصلت إليه الأمور وما سمح به لزوجاته.


يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة  فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة


3 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل