رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 15 - الأحد 122/2/2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الخامس عشر
تم النشر الأحد
22/2/2026
استقبلت نور خبر حملها بهدوء غريب، ونظرة عينيها كانت تحمل نصراً خفياً؛ فبرغم كل ما فعلته، وبرغم كره الجميع لها في هذه اللحظة، إلا أن هذا الجنين الذي لم يتشكل بعد صار درعها الحصين، والرباط الذي سيجعل وجودها في حياة يوسف وفي هذا المنزل أمراً أبدياً لا نقاش فيه.
أما سميرة، فقد وقفت بجانب السرير تشعر بضيق شديد في صدرها؛ لقد أدركت في تلك اللحظة أن "نور" ربحت الجولة. فمهما حدث، لن يستطيع أحد إزاحتها من البيت الآن وهي تحمل حفيد العائلة. ساد الصمت الغرفة، وقطـ.ـعه صوت الطبيب وهو يوجه نصائحه الأخيرة لنور بضرورة الالتزام بالراحة التامة ومتابعة طبيب مختص بانتظام.
خرج الطبيب من الغرفة برفقة سميرة، ونزلا إلى الطابق السفلي حيث كان عدنان ينتظر على أحر من الجمر. وقف عدنان بمجرد رؤيتهما، ليأتيه صوت الطبيب بالخبر اليقين:
ـ مبروك يا حاج عدنان.. المدام حامل في شهرها الأول، ومحتاجة راحة تامة لأن أعصابها تعبانة شوية.
تلقى عدنان الخبر وكأنه صدمة وليس بشرى؛ جلس مكانه ببطء وهو يحدق في الفراغ، وصمت تماماً. كانت مشاعره متخبطة حد العجز، فلم يعرف هل يفرح لحفيد جديد سيحمل اسم ابنه، أم يحزن على جيهان وبناتها التائهين في الشوارع، وعلى حال بيت ابنه الذي تشتت شمله بسبب هذه الزيجة.
رغم العواصف التي تضرب البيت، حافظ عدنان على هيبته، فابتسم للطبيب بهدوء وشكره على مجيئه وطمأنته لهم، ثم ودعه حتى الباب. عاد عدنان ليجلس في الصالة بجوار سميرة، وكان الصمت بينهما أبلغ من أي كلام؛ سميرة كانت تنظر للفراغ وتفكر في حال هذا المنزل، وكأن لعنة حلت عليهم فجأة، فكلما حاولوا الخروج من حفرة سقطوا في أخرى أعمق.
أما في الأعلى، كانت نور مستلقية على سريرها، ويدها تستقر فوق بطنها بنوع من التملك، وكأن هذا الجنين صار هو صك ملكيتها لهذا البيت وملاذها الأخير من غضب يوسف وعائلته. شعرت بقوة لم تكن تملكها قبل دقائق، فالتفتت إلى ندى التي كانت تقف بجانبها وسألتها بنبرة يملؤها الفضول الممزوج بالتحدي:
ـ تفتكري يا ندى.. يوسف هيفرح لما يعرف إني حامل؟
نظرت إليها ندى بنظرة خالية من أي تعاطف، وردت عليها بجفاء:
ـ أنا بجد معرفش.. يوسف دلوقتي عقله مش معاه، ولا يهمه حاجة في الدنيا غير إنه يلاقي جيهان ويرجعها هي والبنات.. ده الوحيد اللي شاغل باله دلوقتي.
سقطت كلمات ندى على نور كالمياه الباردة، لكنها لم تجعلها تتراجع، بل زادت من إصرارها على أن هذا الطفل هو الذي سيغير كل شيء حين يعود يوسف.
عاد يوسف إلى المنزل مع حلول المساء، وكان يبدو كخيال رجل؛ التعب نال من جسده، والألم النفسي يعتصر قلبه. جلس أمام والده بظهوره منحنية، يصارع فكرة مرعبة: هل ضاعت جيهان منه للأبد؟
استقبلته سميرة بنظرات غامضة، تحمل في طياتها مزيجاً من الشفقة والوجوم، وكأنها تخفي عنه سراً ثقيلاً. سأله عدنان بصوت هامس يملؤه الأمل الضعيف:
ـ ها يا يوسف.. عرفت طريق مراتك؟
رد يوسف بيأس وهو يضع رأسه بين يديه:
ـ دورت في كل مكان يا بابا.. سألت طوب الأرض، جيهان كأن الأرض انشقت وبلعتها، بس مش هسكت، هرتاح شوية وأنزل ألف وراها تاني.. مش هبطل تدوير لحد ما ألاقيها.
في هذه اللحظة، قطعت سميرة الصمت وهتفت بهدوء وهي تشير لعدنان بعينيها:
ـ قوله يا عمي عدنان.. قوله الخبر اللي عرفناه النهاردة.
نظر عدنان لابنه بتردد، لكنه حسم أمره؛ فهذا ابنه وهذا طفله في النهاية، وقال بصوت رصين:
ـ يوسف.. نور حامل.
شعر يوسف وكأن صاعقة ضربت المكان، وبدأت الأرض تدور من تحته. الخبر لم يأتِ كفرحة، بل كقيد جديد يلتف حول عنقه في أصعب لحظات حياته. وفي تلك اللحظة الحرجة، ظهرت نور وهي تهبط الدرج ببطء مصطنعة التعب، تسندها ندى التي كانت تتابع ملامح أخيها المصدومة بترقب.
دارت الدنيا بـ يوسف وهو ينظر حوله بذهول، وكأن الخبر كان القشة التي قصمت ظهر استقراره. رفع عينيه ليجد نور تقف على درجات السلم، وقد رسمت على وجهها قناعاً من الحزن والضعف المزيف لتستعطفه، لكن نظراته لها كانت طويلة، حادة، ومليئة بالنفور.
أغمض عينيه بقوة وكأنه يحاول محو المشهد من ذاكرته، ثم تحرك فجأة ليصعد الدرج. وعندما مرّ من جانبها، لم يمنحها حتى نظرة حنان واحدة، بل توقف لثانية وهتف بنبرة فحيح مرعبة تحمل تحذيراً زلزل كيانها:
ـ متفكريش إن اللي في بطنك ده هيحميكي مني.. الحساب لسه مبدأش، وغضبي مش هيوقفه حد!
تركها تتجمد مكانها من الرعب، وأكمل صعوده متجاهلاً نداءات والده أو نظرات سميرة. اتجه مباشرة إلى "غرفة جيهان"، ذلك المكان الذي لا يزال يعبق برائحتها وهدوئها. ما إن دخل حتى أغلق الباب خلفه، وألقى بجسده المنهك على السرير، واستسلم فوراً لنوم عميق وثقيل، فقد نال منه السهر والتفكير والبحث في الليلة الماضية ما لم ينله منه أي تعب من قبل.
في الأسفل، ساد صمت مطبق بعد كلمات يوسف القاسية، وظلت نور واقفة مكانها تشعر أن سلا.حها الأخير قد لا يكون بالقوة التي تخيلتها أمام بر.كان غضب يوسف.
قرر تامر ألا يضيع مزيداً من الوقت، فقام بالاتصال بصديقه فارس؛ فهو ليس فقط ضابط شرطة محترفاً، بل هو أيضاً الشخص الذي تقدم لخطبة شقيقته ندى وتجمعه بالعائلة علاقة قوية.
رد فارس بهدوء، فأخبره تامر بوضوح أنه يحتاج لمساعدته في العثور على ابنة عمه جيهان. وأثناء حديثه، تعمد تامر ألا يصفها بـ "زوجة أخيه"، فقد كان يشعر بغضب عارم مما فعلته نور بالأمس ومحاولتها المستمرة لإنكار وجود جيهان وتهميشها، فأراد أن يظل البحث عنها بصفتها ابنة عمه الغالية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
أبدى فارس اهتماماً كبيراً، فوعد تامر بأنه سيبذل كل جهده وسيستخدم كل صلاحياته للبحث عنها وإيجاد أي خيط يوصلهم إليها، وطلب منه تزويده ببعض المعلومات الإضافية ليبدأ فوراً.
أنهى تامر مكالمته مع فارس بعد أن زوده بكل التفاصيل اللازمة، ثم انطلق بسيارته نحو منزل شقيقه. ما أن وصل حتى رأى سيارة يوسف تقف في الخارج؛ تنهد بضيق، فرغم غضبه العارم من يوسف وسلبيته التي أوصلت الأمور لهذا الحد، إلا أنه شعر بشفقة حقيقية تجاهه، فهو يعلم يقيناً أن يوسف يحب جيهان بجنون، لكنه حب مشوه بالضعف والتشتت.
دخل تامر المنزل بخطوات هادئة، وجد والده عدنان جالساً والهمّ يبدو على ملامحه، فجلس بجواره وحاول طمأنته بنبرة واثقة:
ـ اطمن يا بابا.. أنا كلمت فارس وبدأ يتحرك، وإن شاء الله جيهان والبنات هيرجعوا في أقرب وقت. مش ههدأ غير لما أعرف طريقهم.
سأل تامر عن شقيقه، فأخبره والده أنه بالأعلى يحاول نيل قسط من الراحة، ثم أردف عدنان بنبرة فاترة:
ـ عرفت يا تامر إن نور حامل؟
تجاهل تامر الخبر تماماً وكأنه لم يسمعه، فلم تكن "نور" أو حملها يعنون له شيئاً في هذه اللحظة، بل ربما اعتبر هذا الحمل تعقيداً جديداً لا يريد التفكير فيه الآن. أحضرت له سميرة فنجان القهوة، وجلست معهم في صمت ثقيل، وبدأ الثلاثة يعصرون أدمغتهم في التفكير:
أين يمكن أن تختبئ جيهان؟
لم يدر بخلد تامر أن شكه السابق في "البيت القديم" قد يكون هو المفتاح، رغم أن هدوء البيت وصمت البنات حين طرق الباب بالأمس قد خدعه وجعله يستبعد الفكرة مؤقتاً.
استيقظ يوسف وجسده لا يزال مثقلاً بالهموم، نظر إلى ساعته ليجدها قد تجاوزت الثامنة مساءً؛ فزع من فكرة أن يوماً كاملاً ضاع منه وهو نائم بينما ابنتيه بعيدتان عنه. بدل ملابسه بسرعة وهبط الدرج بوجه جامد، ليجد تامر يجلس مع والده وسميرة.
ألقى تامر عليه الخبر فوراً ليخرجه من حالة التشتت:
ـ يوسف.. أنا كلمت فارس، وهو بدأ يتحرك رسمياً وهنقلب الدنيا لحد ما نوصل لجيهان.
أومأ يوسف برأسه دون أن يعلق كثيراً، فداخله بركان لا يهدأ، وقال بنبرة قاطعة:
ـ هنزل دلوقتي أكمل تدوير.. مش هقدر أقعد هنا دقيقة واحدة والبيت فاضي منهم.
هنا، قرر تامر ألا يتركه وحده في هذه الحالة، فوقف والتقط مفاتيحه قائلاً:
ـ مش هتروح لوحدك يا يوسف.. أنا جاي معاك، والمرة دي هندور بخطة تانية.
غادر الشقيقان المنزل بهدوء غريب، ركبا سيارة يوسف وانطلقا في شوارع المدينة التي بدأت تكتسي بظلام الليل. كان يوسف يقود بصمت، وعقله يستعرض كل الأماكن التي زارها بالأمس، بينما تامر كان يراقب الطريق ويفكر: هل يعود به لبيت عمه القديم مرة أخرى؟ فرغم هدوء المكان بالأمس، إلا أن حدسه كأنه يهمس له بأن السر هناك.
❈-❈-❈
في المنزل القديم، كانت جيهان تحاول جاهدة السيطرة على ضيق صغيرتيها من الحبس بين جدران هذا البيت المترب؛ فبعد ساعات من الملل، وعدتهم جيهان بنبرة حنونة:
ـ حبايبي.. أوعدكم بكرة هنخرج شوية ونشم هوا، بس لازم نفضل هاديين خالص النهاردة.
لمعت أعين الفتيات بالبهجة، وصفقوا بأيديهم الصغيرة في صمت تام كما عودتهم والدتهم، وكأنهم يشاركونها سرها الكبير. بعد أن ناموا جزئياً، أخرجت جيهان شريحة هاتف جديدة كانت قد اشترتها، وقامت بتبديلها؛ فهي لا تستطيع تحمل فكرة أن تظل كاميليا قلقة عليها، خاصة وهي تعلم مدى ارتباطهما ببعض.
بمجرد أن رن الهاتف، فتحت كاميليا الخط بسرعة البرق، وكأن قلبها كان يخبرها أن المتصل هي جيهان رغم غرابة الرقم:
ـ ألو.. جيهان؟ إنتِ جيهان صح؟
بدأت كاميليا تعاتبها بهدوء، محاولة إخفاء حقيقة أنها تعرف كل شيء عما فعله يوسف، لكن أذنيها التقطتا غصة الحزن في صوت شقيقتها. وبذكاء، لم تشأ كاميليا الضغط عليها، بل فاجأتها بخبر عودتها:
ـ أنا راجعة مصر بكرة يا جيهان.. طيارتي هتوصل في الميعاد اللي قولته ليكي، وعاوزاكي تكوني أول واحدة تستقبليني في المطار.
ساد الصمت لثوانٍ؛ تنهدت جيهان بتوتر مكتوم، فقد كانت تأمل أن تظل كاميليا بعيدة لبضعة أيام أخرى حتى تؤمن مكاناً ثابتاً وتستقر في حياتها الجديدة بعيداً عن يوسف، لكنها في الوقت ذاته شعرت براحة لا توصف لعودة "سندها" الوحيد.
أغلقت جيهان الهاتف، واستلقت بجوار بناتها تراقب ملامحهن الهادئة في الظلام.
أشرقت شمس يوم جديد يحمل في طياته تحولاً كبيراً في مسار الأحداث. في البيت القديم، كانت جيهان تحاول استجماع شتات نفسها؛ أعدت إفطاراً بسيطاً لبناتها، وحاولت رسم ابتسامة باهتة وهي تخبرهن بالمفاجأة. الصغيرتان، ببراءتهما، ظنتا أن "المفاجأة" هي العودة إلى فيلا والدهما، ولم يدركا أن عالمهما قد تغير تماماً.
غادروا المنزل بحذر واتجهوا للمطار. في صالة الوصول، كان الزحام شديداً، والعيون تترقب القادمين. وفجأة، ظهرت كاميليا بطلتها القوية والمميزة. لم تملك البنات أنفسهن، فركضن نحوها بلهفة وكأنها طوق النجاة، لترتميا في أحضانها وتقبلهما كاميليا بسعادة غامرة، لكن عينيها كانت تبحث بلهفة عن شخص واحد.. جيهان.
عندما اقتربت جيهان، ضمتها كاميليا بقوة فاقت كل التوقعات. في تلك اللحظة، وأمام حرارة ذلك العناق، انهار "قناع القوة" الذي كانت جيهان ترتديه طوال الأيام الماضية. اختفت جيهان "الصامدة" وظهرت جيهان "المجروحة"، فانهمرت دموعها بصمت مرير وهي تستند إلى كتف شقيقتها، وكأنها تفرغ كل حملها الثقيل في ذلك الحضن.
استأجروا "تاكسي" وغادروا المطار. طوال الطريق، كانت كاميليا تلاحظ صمت جيهان ونظراتها الشاردة من نافذة السيارة، وكانت تدرك تماماً أن هذه المرة ليست ككل مرة، وأن الجرح هذه المرة أعمق من مجرد خلاف عابر. تضاعفت دهشة كاميليا -رغم محاولتها إخفاء ذلك- حين توقف التاكسي أمام منزلهم القديم. ترجلوا من السيارة، ودخلوا جميعاً إلى ذلك البناء الذي تفوح منه رائحة الذكريات والغبار. بمجرد إغلاق الباب خلفهم، وضعت كاميليا حقائبها جانباً، ونظرت حولها ثم نظرت لجيهان نظرة فاحصة وقالت بهدوء:
ـ دلوقتي إحنا لوحدنا يا جيهان.. احكيلي إيه اللي وصلك لهنا، وإيه اللي حصل خلى يوسف وتامر قالبين الدنيا عليكي؟
استندت جيهان برأسها المثقل بالهموم على كتف شقيقتها، وانطلقت الكلمات من بين شفتيها كأنها جمرٌ يحرق صدرها. بدأت تقص عليها كيف تبدلت أحوال يوسف، وكيف استباح كرامتها بزواجه الثالث من "نور"، تلك التي دخلت البيت لتقتلع الأخضر واليابس. لم تغفل جيهان عن ذكر سميرة، ضرتها والزوجة الثانية، التي كانت شاهدة على انكسا.رها، وكيف أن يوسف لم يكتفِ بوجع "الضرة" الواحدة، بل جاء بالثالثة ليتم طعنها في صميم أنوثتها وكرامتها.
كانت جيهان تعتصر ألماً وهي تخبر كاميليا أنها أخفت كل ذلك عنها كي لا تشغل بالها عن دراستها، مفضلةً أن تذوي وحدها في صمت القهر. استمعت كاميليا والصدمة تزلزل ملامحها، لكن سرعان ما تحولت تلك الصدمة إلى بركان من الغضب يتأهب للانفـ.ـجار
قالت كاميليا بنبرة حادة كالسيف:
ـ يعني يوسف مكنش مكفيه اتنين؟ رايح يتجوز التالتة ويذلكم بالمنظر ده؟ والله يا جيهان وما حلف بحلفان، لأخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يكسر خاطرك.. ونور دي حسابها معايا تقيل، هي واللي ساعدها.
حاولت كاميليا إقناع شقيقتها بمغادرة المنزل القديم والتوجه إلى فندق، لكن جيهان تمسكت بمكانها، وقد استمدت من وجود كاميليا قوة لم تعهدها في نفسها من قبل، وقالت بعناد:
ـ لأ يا كاميليا، مش هتحرك من بيت أبويا.. أنا كنت خايفة وطول الوقت حاسة إني لوحدي، بس دلوقتي وإنتِ جنبي أنا مبقتش أخاف من حد. اللي عايزني يجيلي هنا، وأنا مبقاش عندي حاجة أخسرها.
ابتسمت كاميليا في مرارة وقالت وهي تطمئنها:
ـ ابتسمت كاميليا في مرارة وقالت وهي تطمئنها:
ـ خلاص يا حبيبتي، اللي يريحك.. البيت ده هو اللي هيلمنا، واليوم اللي هيحاول فيه يوسف أو غيره يقرب من الباب ده، هيعرفوا مين هي عيلة القاضي، وإني مش هسيب حقك يروح هدر.
بذلت كاميليا قصارى جهدها لتنتشل شقيقتها من بئر الأحزان؛ فراحت تقص عليها تفاصيل حياتها في باريس، وعن المواقف المضحكة التي واجهتها مع اللغة الفرنسية في بدايتها، واختلاف الطباع هناك. كانت تهدف لسرقة ابتسامة من شفتي جيهان، وقد نجحت في ذلك لثوانٍ معدودة، لكن قلب كاميليا كان في مكان آخر تماماً.
كانت الفكرة تلح على عقلها كالمطرقة: "يجب أن أواجه يوسف في عقر داره". أرادت أن تذهب إليه الآن قبل غد، لترى ملامحه وهي تنكسر أمامها، لكنها آثرت الصمت؛ فهي تعلم أن جيهان، برقتها وخوفها المعهود، ستمنعها وتتوسل إليها ألا تفتعل المشاكل.
قالت كاميليا وهي تحاول إخفاء لمعة التحدي في عينيها:
ـ أنا حاسة إني خلاص بفصل، السفر واللف طول اليوم هد حلي. أنا هدخل أريح شوية، والصباح رباح.. بكرة نقعد ونخطط هنعمل إيه بالظبط.
دلفت كاميليا إلى غرفتها القديمة، تلك الغرفة التي غادرتها وهي طفلة صغيرة تحمل أحلاماً كبيرة. شعرت بحنين طاغٍ يغمرها وهي تلمس جدران الغرفة؛ فكل ركن هنا تفوح منه رائحة أبيها وأمها وأيام الأمان الخوالي. لم تكن الغرفة مجرد مكان للنوم، بل كانت حصنها الذي استعادت فيه هويتها كواحدة من عائلة القاضي.
بمجرد أن بدلت ملابسها وارتمت على الفراش، غطت في نوم عميق من أثر الإجهاد، لكنها لم تكن تعلم أن نومها هذا هو "استراحة المحارب" قبل الانفجار الكبير الذي سيحدث في الصباح.
❈-❈-❈
تسللت خيوط الشمس الأولى عبر نوافذ المنزل القديم، حاملةً معها هدوءاً غريباً لم تعهده جيهان منذ وقت طويل. استيقظت مبكرة، وبدأت في إعداد الإفطار لصغيراتها ولشقيقتها كاميليا؛ كانت الحركة في المطبخ بمثابة علاج لروحها المنهكة، رائحة الخبز والقهوة أعادت إليها شعوراً مفقوداً بالاستقرار.
جلست جيهان في الصالة القديمة بانتظار استيقاظ البقية، وبينما كانت تنظر إلى الأثاث الخشبي العتيق، غافلها عقلها وسحبها إلى دهاليز الماضي. تذكرت يوسف.. يوسف الذي كان يقتـ.ـحم هذا المنزل في شبابه ليساعدها في دروسها، يوسف الذي كان يرى العالم كله في عينيها. تذكرت كيف كان يمسك بالقلم ليشرح لها مسألة صعبة، وكيف كانت تلمع عيناه فخراً بها كلما تفوقت.
لكن غيمة سوداء غطت على تلك الصورة الجميلة فجأة؛ تذكرت يوسف وهو يزف إليها خبر زواجه من سميرة، ثم طعنتها الأخيرة بزوجه من نور. انتفضت جيهان في مكانها وكأنها استيقظت من كابوس، ومسحت عبرة طفرت من عينها بقوة.
قالت لنفسها بصوت مسموع مليء بالإصرار:
ـ فوقي يا جيهان.. يوسف اللي كان بيذاكرلك مات وشبع موت من زمان. اللي موجود دلوقتي واحد غريب، داس عليكي وعلى كرامتك عشان يرضي أنانيته. الماضي ده لازم يتردم عليه، والمرة دي حياتي هتبدأ بجد.. ومن غيره.
في تلك اللحظة، بدأت أصوات الصغيرات تتعالى في الغرفة المجاورة، وسمعت وقع أقدام كاميليا التي استيقظت هي الأخرى، وكأن البيت بدأ ينبض بالحياة ليعلن بداية فصل جديد من فصول القوة لعائلة القاضي.
يتبع...
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
